يدل على صِحَّتهَا النَّص والاستنباط أما النَّص فإمَّا أَن يدل على صِحَّتهَا بصريحه وَإِمَّا أَن يدل على صِحَّتهَا بِضَرْب من التَّنْبِيه أما صَرِيح النَّص فَهُوَ أَن يَقُول الله ﷿ أَو نبيه أَو الْأمة أَو القائسون من الْأمة إِن هَذَا محرم لعِلَّة كَذَا أَو لأجل كَذَا أَو لِأَنَّهُ كَذَا أَو لكيلا يكون كَذَا وَأما تَنْبِيه النَّص فنحو أَن يفرق النَّبِي ﷺ بَين شَيْئَيْنِ وَيذكر عِلّة أَحدهمَا فنعلم أَن عكس تِلْكَ الْعلَّة قَائِم فِي الشَّيْء الآخر وَأَنه عِلّة فِي نقيض حكم الشَّيْء الأول مِثَاله امْتنَاع النَّبِي ﷺ من الدُّخُول على قوم عِنْدهم كلب ودخوله على قوم عِنْدهم هر وَقَوله إِنَّهَا لَيست بِنَجس فَدلَّ ذَلِك على نَجَاسَة الْكَلْب وَأَنه هُوَ الْعلَّة فِي امْتنَاع دُخُوله على أربابه وَدلّ قَوْله فِي الهر إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات على أَن ذَلِك هُوَ عِلّة طَهَارَة الهر وَأَن كَون الْكَلْب لَيْسَ من الطوافين علينا مِمَّا يجوز أَن يُؤثر فِي نَجَاسَته وَمَا يجْرِي مجْرى التَّنْبِيه الْجَواب بالفا نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فان ذَلِك يدل على أَن سَبَب الْقطع وعلته هُوَ السّرقَة
فَأَما مَا يدل على صِحَة الْعلَّة من جِهَة الاستنباط فانه يكون من وُجُوه
[ ٢ / ٤٤٨ ]
مِنْهَا أَن يجمع القائسون على أَن الأَصْل مُعَلل بعلل محصورة لَا يجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا وتفسد جَمِيعهَا إِلَّا وَاحِدَة مِنْهَا فنعلم أَنَّهَا هِيَ الْعلَّة لِأَنَّهَا لَو لم تكن هِيَ الْعلَّة انْتقض القَوْل بِأَن الْعلَّة لَا تخرج عَن تِلْكَ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة
وَمِنْهَا أَن يكون الحكم يُوجد بوجودها فِي الأَصْل ويرتفع بارتفاعها إِلَّا أَن يخلفها على أُخْرَى وَقد شَرط فِي ذَلِك أَن لَا يكون هُنَاكَ وصف آخر لَهُ تَأْثِير فِي الأَصْل هُوَ مِنْهَا بِأَن يكون عِلّة وَالَّذِي يبين أَن هَذَا الْوَجْه يدل على صِحَة الْعلَّة أَن الحكم إِذا وجد بِوُجُود الْعلَّة فِي الأَصْل وارتفع بارتفاعها غلب على الظَّن أَنَّهَا مُؤثرَة فِيهَا وَلم يجز أَن يكون تجويزها تأثيرها فِيهِ وتجويز كَونهَا غير مُؤثرَة فِيهِ على سَوَاء لَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر لِأَن وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها يَقْتَضِي لَا محَالة أَن يكون الحكم بِتِلْكَ الْعلَّة أخص
وَمِنْهَا أَن يكون الْعلَّة لَهَا تاثير فِي قبيل ذَلِك الحكم وجنسه فيغلب على الظَّن أَن كَونهَا عِلّة فِيهِ أولى من غَيرهَا مِثَال ذَلِك كَون الْبلُوغ عِلّة فِي رفع الْحجر فِي النِّكَاح لِأَن للبلوغ تَأْثِيرا فِي رفع جنس الْحجر وقبيله فَكَانَ أولى من الثيوبة فِي رفع حجر النِّكَاح يبين مَا ذكرنَا أَن الْحجر إِنَّمَا يثبت لغَرَض قد علمناه وَهُوَ نُقْصَان الْعقل المخل بِمَعْرِفَة مصَالح الْإِنْسَان فِي تصرفه الْمُقْتَضِي لقلَّة الْخِبْرَة بالامور فاذا كَانَ هَذَا هُوَ الْمُثبت للحجر وَكَانَ هَذَا الْمَعْنى منفيا بِالْبُلُوغِ ظهر أَن الْبلُوغ يجب أَن يكون عِلّة زَوَال ذَلِك إِلَّا أَن يثبت أَن النِّكَاح يخْتَص بِمَعْنى آخر يحصل بِهِ الْخِبْرَة نَحْو الثيوبة الَّتِي يذكرهَا الشَّافِعِي فَينْظر فِي ذَلِك فَكل حكم يثبت لغَرَض من الْأَغْرَاض فَإنَّا نعلم أَن زَوَال ذَلِك الْغَرَض إِلَى خِلَافه يَقْتَضِي زَوَال ذَلِك الحكم إِلَّا أَن يخلف ذَلِك الْغَرَض غَرَض آخر سِيمَا إِن شهِدت الاصول بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ من زَوَال الْحجر عَن المَال بِالْبُلُوغِ
وَقد اسْتدلَّ قوم على صِحَة الْعلَّة بِوُجُوه أخر
مِنْهَا قَوْلهم إِنَّهَا قد سلمت من وُجُوه الْفساد وَيُقَال على ذَلِك إِن عددتم
[ ٢ / ٤٤٩ ]
فِي وُجُوه الْفساد الَّتِي قد سلمت الْعلَّة مِنْهَا عدم الدّلَالَة على صِحَّتهَا فأقيموا الدّلَالَة على صِحَّتهَا لنسلم قَوْلكُم إِنَّهَا قد سلمت من عدم الدّلَالَة على صِحَّتهَا وَإِن لم تعدوا عدم الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة من وُجُوه الْفساد وقلتم إِن الْعلَّة إِذا سلمت من النَّقْض وَالْقلب وَالْعَكْس وَمَا جرى مجْراهَا فَهِيَ صَحِيحَة لم نسلم لكم أَن مَا سلم من هَذِه الْوُجُوه فَهِيَ عِلّة صَحِيحَة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن عجز الْخصم عَن إفسادها يدل على صِحَّتهَا وَهَذَا لَا يدل لِأَن الْخصم قد يعجز عَن إِفْسَاد الْفَاسِد لِأَن أَكثر مَا فِي عجز الْخصم عَن إفسادها كَونهَا سليمَة من وُجُوه الْفساد وَهَذَا هُوَ الرُّجُوع إِلَى الْوَجْه الأول وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فان قيل أَلَيْسَ عجز الْعَرَب عَن مُعَارضَة الْقُرْآن دَلِيلا على إعجازه فَهَلا عجز الْخصم عَن إِفْسَاد الْعلَّة ومعارضتها على صِحَّتهَا الْجَواب إِن الْقُرْآن إِنَّمَا كَانَ معجزا لنقضه لعادة الفصحاء ومباينته لما تقدرون علته فاذا عجزوا عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَبِمَا يقارنه علم أَنه مباين لما تقدرون علته فَثَبت أَنه نَاقض للْعَادَة وَأما الْعلَّة فَلَيْسَ وَجه صِحَّتهَا كَونهَا ناقضة للْعَادَة حَتَّى يدل عجز الْخصم عَن الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا على إعجازها وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ عجز النَّاس عَن معارضتها يدل على نقضهَا للْعَادَة وَلَيْسَ هَذَا من الْكَلَام فِي صِحَة الْعلَّة بسبيل
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها دَلِيل على صِحَّتهَا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها مَعْنَاهُ هُوَ أَن الْمُعَلل علق بهَا الحكم فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ وَهَذَا هُوَ فعله وَلَيْسَ يدل فعله على صِحَّتهَا وَلِأَنَّهُ قد كَانَ يَنْبَغِي أَن يدل الْمُعَلل على صِحَّتهَا فِي الأَصْل أَولا حتي يحسن مِنْهُ أَن يعلق الحكم بهَا فِي الْفُرُوع فقد علم أَن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها فرع على إِقَامَة الدّلَالَة على صِحَّتهَا فَلَا يجوز أَن يَجْعَل دَلِيلا على صِحَّتهَا يبين ذَلِك أَن محصول هَذَا الدَّلِيل هُوَ انا لما منعنَا الْمُعَلل من تَعْلِيق الحكم بِالْعِلَّةِ وذممناه على ذَلِك اعتذر من ذَلِك بِأَن قَالَ إِنِّي اعلق الحكم بهَا فِي مَوَاضِع أخر وَنحن إِذا منعناه من الأول وَخَالَفنَا فِيهِ فَأولى أَن نخالفه ونمنعه مِمَّا جعله عذرا لنَفسِهِ
[ ٢ / ٤٥٠ ]