الذي عليه مذهب مالك ﵀ جواز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات من جهة القاياس.
واختلف القائلون بالقياس: هل يجوز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات من طريق القياس؟.
فعندناأنه جائز، ومنع منه بعض أصحاب أبي حنيفة،
[ ١٩٩ ]
وبعض أصحاب الشافعي، وجوزه بعضهم.
قال اقاضي ﵀:
وهو عندي جائز.
والأصل فيه: قوله ﷿: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
[ ٢٠٠ ]
فأمر الاعتبار عموما، ولم يفرق بين الأحكام في المقدارت والحدود والكفارات وغيرها، فهو على عمومه في جميعها حتى يقوم دليل يمنع منه، ولم يقم دليل يمنع منه، فهو جائز.
وقال أيضا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩].
فخرج النص المستغني عن البيان وبقي الباقي، وعدمنا كونه تبيانا لجميع الأشياء كلها لفظا ونصا على كل شيء منها، فثبت أنه تبيان لها بالنص والتنبيه، والقياس على المعنى من جملة التنبيه.
وأيضا: فإنما جاز إثباته بالخبر الذي يصدر عن الرسول - ﷺ - من جهة الآحاد من أحكام الشريعة، جاز إثباته بالقياس، دليل ذلك غير الحدود المقدرات، وكذلك الحدود والمقدرات.
[ ٢٠١ ]
وأيضا: فإن الحوادث على ضربين: مقدر، وغير مقدر، ثم جاز أخذ ما ليس بمقدر قياسا، فكذلك المقدر، لأنه أحد ركني الحوادث، ولإن في استعماله من طريق اللفظ والنعنى تكثير الفوائد فهو أولى.
وأيضا: فإن الصحابة ﵃ حين استشارهم، حتى قال على - رضيالله عنه - وغيره من الصحابة: «إذا سكر هذى وإذا افترى، فنرى أن نحده حد المفتري ثمانين».
[ ٢٠٢ ]
فقبل عمر ﵁ ذلك منه واتفقوا عليه، فلما أخذوا ذلك من جهة القياس والاستنباط دل على أن للقياس مدخلا في ذلك بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - فثبت ذلك وصح لإجماع الصحابة على ترك النكير على عمر وعلي ﵄، ولأنهم سوغوا ما قال وعملوا به جميعا.
فإن قيل: فقد النبي - ﷺ -: «ادرؤوا الحدود بالشبهات».
[ ٢٠٣ ]
والقياس محتمل فهو شبهة؟.
قيل له: ليس يعتبر فيه الاحتمال، ألا ترى أنه يجوز أخذه من جهة العموم وخبر الواحد، وشهادة الشهود، وفي جميع ذلك من الاحتمال ما في القياس، ولم تكن شبهة فسط ما ذكروا.
فإن قيل: فإن العقوبات مختلفة متفاونة مع اشتراكها في المعنى، وأخذ ذلك قياسا لا يجوز.
قيل: لو وجب ذلك فيها لوجب في الخارجات من الإنسان لاشتراك جميعها في الخروج من البدن واختلافها في الأحكام، على أن أصحاب أبي حنيفة ﵀ قد ناقضوا في هذا الأصل، وعملوا في إيجاب الحدود بالمحتمل فقالوا فيمن شهد عليه أربعة بالزنا في أربع
[ ٢٠٤ ]
زوايا: إنه يجب عليه الحد، وأقاموا الدلالة في الصيد مقام القتل في إيجاب الجزاء الذي هو مقدر، ووافقونا على قياس قتل المرأة على الرجل في إيجاب الكفارة، وكذلك في إيجاب الكفارة عليها إذا جمعت في شهر رمضان طائعة، وقاسوا الأكل في شهر رمضان لغير عذر على المجامع، وهذا كله نقض لأصلهم، وبالله التوفيق والتسديد.
[ ٢٠٥ ]