احداهما أكثر فروعا من الأخرى
قال القاضي الجليل:
وأما تعليل الأصل بعلة توجد في عشرة فروع، وتعليله بعلة توجد فيه وفي واحد من تلك الفروع، فإني أقول فيه أيضا: أنهما يتنافيان في المعنى، وإن كان بعض من يمتنع من القول بالعلتين لا يمتنع هاهنا ويقول: إنهما لا يتنافيان.
ووجه التنافي فيهما هو أن الأصل إذا علل بعلة تتعدى إلى عشرة فروع، فليس يعلم أن هذه العلة إلا بعد أن يسبر الأصل،
[ ١٨٩ ]
ويستقرأ جميع ما يصلح أن يكون علة، فإن جميعها وصحت هي وسلمت، وصارت في التقدير علة، وكأن الله ﷿ نص عليها وقال: إنما حرمت ذلك لهذه العلة دون ما سواها، فتبطل كل علة سوى العلة التي ثبت أن الحكم لأجلها وجب.
فإن قيل: يجوز أن يصبر الأصل فيعلم أنه معلول بعلتين، إحداهما تتعدى إلى شيء، وإلى ما زاد عليه.
قيل: هما كالعلة التي لا تتعدى مع المتعدية؛ لأن العلة التي تتعدى الى عشرة فروع يتبين بها أن الأصل يقاس عليه عشرة فروع، والعلة الأخرى كشفت لنا أن هذا الأصل يقاس عليه ثمانية فروع لا غير، فهو كما ينكشف بالعلة التي لا تتعدى أن
[ ١٩٠ ]
الأصل مما لايجوز القياس عليه، وأي شيء تنافى أكثر من أن العلتين تصطحبان الى فرع، ثم تقف إحداهما الى غيره والأخرى تتجاوزه كالتي لا تتعدى مع المتعدية، وتصير العلة المتعدية الى فروع كثيرة أكثر مما تتعدت اليه الأخرى بمنزلة الآيتين والخبرين، إن قلنا بالواحد منهما، سقط الحكم الآخر، وإن كانت إحدى العلتين تتعدى الى فرع آخر غير الفروع التي تعدت إليها العلة الأخرى، فهذا ربما لم يتناف، وفيه نظر، والله أعلم.
[ ١٩١ ]