وليس يختلف مالك ﵀ وسائر الفقهاء في أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، إنما الخلاف هل يجوز أن يتأخر عن وقت النزول إلى وقت الحاجة؟
وليس عند مالك ﵀ في ذلك نص قول، ولا لأصحابه المتقدمين.
[ ١١٧ ]
وكان ابن بكير يقول: «إن البيان يجوزأن يتأخر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة». ويذكر أن مالكا ﵀ قد أشار على ذلك حيث قال - وقد ذكر قول النبي - ﷺ -: «من قتل قتيلا فله سلبه» ـ: أن ذلك له إذا رآه الإمام؛ لأن رسول الله - ﷺ - قد كان قبل ذلك قسم أسلابا كثيرة، ولم يبلغني أنه قال ذلك إلا يوم حنين.
[ ١١٨ ]
قال ابن بكير: وقد كان قال مالك: «لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة»، فهذا يدل على أنه كان يجوز تأخيره عن وقت النزول. وكان شيخنا أبو بكر بن صالح الأبهري ﵀ يمنع من ذلك ويقول: «لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت ورود الخطاب».
والحجة لمن جوز تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ما روي أن النبي - ﷺ - أمر معاذا أن يعلم أهل اليمن أن عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فأعلمهم معاذ ذلك، ثم كان بيان شرائع
[ ١١٩ ]
الزكاة ووجوهها يقع لهم على مقدار الحاجة، حتى سألوه عن وقص البقر، فأخبرهم أنه لم يسمع من النبي - ﷺ - فيه شيئا.
ولا معنى لمن ينكره؛ لأن ذلك لو كان ممتنعا غير جائز لم يخل أن يكون ممتنعا بالعقل، أو بالشرع، ولسنا نعلم في العقل امتناعه، ولا في الشرع أيضا ما يمنعه.
والحجة لمن منع من ذلك: هو أن المخاطب لا يدري ما يعتقد فيه قبل ورود البيان له، وأن رسول الله - ﷺ - إذا كان البيان يجري على يديه، فلا يجوز أن تخترمه المنية قبل التبيين، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
[ ١٢٠ ]
والأول أصح، وبالله التوفيق.
[ ١٢١ ]