ومذهب مالك ﵀ قبول خبر الواحد العدل وأنه يوجب العمل دون القطع على غيبه، وبه قال جميع الفقهاء.
وقد احتج مالك لذلك في المتبايعين بالخيار ما لم
[ ٦٧ ]
يفترقا، وكذلك في غسل الإناء من ولوغ الكلب، وفي مواضع كثيرة.
والدليل على وجوب العمل به قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
فدل على أن العدل لا يتثبت في خبره، إذ لو كان الفاسق والعدل سواء، لم يكن لتخصيص الفاسق بالذكر فائدة.
[ ٦٨ ]
وإنما لم يقطع على غيبه؛ العلم لا يحصل من جهته، إذ لم كان يحصل من جهته العلم لوجب أن يستوي فيه كل من سمعه كما يستوون في العلم بمخبر خبر التواتر، فلما كنا نجد أنفسنا غير عالمين بصحة مخبره، دل على أنه لا يقطع على مغيبه، وأنه بخلاف خبر التواتر، فصار خبر الواحد بمنزلة الشاهد الذي قد أمرنا بقبول شهادته، وإن كنا لا نقطع على صدقه.
فإن قيل بأن في سياق الآية ما يوجب التوقف عن خبره، وهو قوله ﷿: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦] والجهالة قد تدخل في خبر العدل من حيث كان خبره لا يقطع على مغيبه، من حيث كان السهو والغلط والكذب جائزا عليه.
قيل: الجهالة في هذا الموضع هي السفاهة، وفعل ما لا يجوز فعله مما يقع التوبيخ والذم عليه، وقد جاز التوبيخ على الجهل في بعض المواضع ولو كانت الجاهلة لا تكون إلا بمعنى الغلط، لقبح الذم والتوبيخ على فعلها.
والدليل على صحة هذا التأويل قوله ﷿: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. والندم إنما يكون على ارتكاب المنهي عنه.
[ ٦٩ ]
والدليل أيضا على ذلك هو أنه لوكانت العلة في وجوب التوقف عنه في الجهل لخبره لم يجز قبول خبر الشاهدين لهذه العلة، فلما أجاز الله سبحانه ذلك وأمر بقبوله، دل على فساد قول من رد خبر الواحد بذلك، والله أعلم.
[ ٧٠ ]