ومن مذهب مالك ﵀ أن دليل الخطاب محكوم به، وقد احتج بذلك في مواضع منها حيث قا ل: «إن من نحر هديه بالليل لم يجزه، لقوله ﷿: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٦]»
دليله: أنه لا يجزيه إذا نحره بالليل.
[ ٨١ ]
وكقوله: «من دخل الدار فاعطه درهما».
دليله: من لم يدخل فلا تعطه شيئا.
وهذا نص منه في القول بدليل الخطاب.
والوجه فيه أن ينظر - عند ورود الخطاب بالشرط أو الصفة - إلى سياق الكلام وما تقدمه وما خرج عليه الخطاب، فإن وجد دليل يدل على المسكوت عنه وبين المذكور، صير إليه، وإن لم
[ ٨٢ ]
يوجد دليل أمضي الحكم على ما ذكر، ثم ينظر في حكم المسكوت على سبيل ما ينظر في الحوادث التي لا نصوص فيها، فقد يقع السؤال عن شيء على صفة فيخرج الجواب مقيدا به، ولا يكون في ذلك دليل على مخالفة المسكوت عنه للمذكور، كمن أقر لرجل بألف درهم، فقيل له: إن كان له عليك ألف درهم فأخرج له منها.
وكالعالم إذا سئل عن رجل قتل ابنه؟ فيقول العالم: «من قتل ابنه فلا قود عليه» فيكون ذلك شرط في الأب وحده؛ ولإنه لا ينفي القود في غيره.
وهذا كما نقول: إن سائلا سأل النبي - ﷺ - عن المسح على الخفين، هل يمسح المسافر ثلاثة أيام؟ فقال - ﷺ -: «يسمح المسافر ثلاثة أيام» ولا يكون مقصورا على السؤال.
[ ٨٣ ]
وكذلك يخرج ما روي أن النبي - ﷺ - قال: «في سائمة الغنم الزكاة» أنه سؤال سائل عن هذا وما أشبهه، فلا يكون مقصورا على السؤال لقيام الدلي على أن العاملة كالسائمة في وجوب الزكاة فيها.
وقد يرد الحكم في شيء مذكور ببعض أوصافه فيكون فيما سكت عنه ما قد يساوي المذكور في حكمه، ويكون منه ما يخالف، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].كيف اشترط في التحريم حلائل أبناء الأصلاب فكان في ذلك نفي
[ ٨٤ ]
لتحريم حلائل البنين، ولم يكن فيه نفي لتحريم حلائل أبناء الرضاع، واستوى حكم حلائل أبناء الأصلاب وحلائل أبناء الرضاع في التحريم، ولم يكن أيضا في ذكر أبناء الحلائل من يخالف فيمن وطئه الأبناء بملك اليمين بل التحريم واحد.
وقد يرد الخطاب على وجوه، والظاهر منه إذا تجرد دل على أن ما عداه بخلافه إلا أن يقوم دليل.
والحجة لقوله بدليل الخطاب إذا تجرد، هو أن ذلك لغة العرب؛ لأن الخطاب إنما يقع باللسان العربي، وبه يحصل البيان، ووجدنا أهل اللسان يفرقون بين المطلق والمقيد، وبين المبهم وما يعلق بالشرط، فإذا قال القائل: «من دخل الدار من بني تميم فأعطه درهما»
[ ٨٥ ]
عقل منه خلاف ما يعقل من قوله: «من دخل الدار فأعطه درهما»، وعقل منه خلاف ما يعقل من قوله: «من لم يدخل الدار فأعطه درهما».
ولذلك سأل أصحاب رسول الله - ﷺ - عن القصر للصلاة إذا أمنوا لما سمعوا قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ١٠١].
فكان عندهم أن ما عدا الخوف من الأمن بخلافه، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «صدقة تصدق الله ﷿ بها عليكم فاقبلوا صدقته»، ولم يرد عليهم ما ظنوه، ولا خاطبهم فيما قدروه، فدل على أن ذلك لغته ولغتهم ﵃، فدل على صحة القول بدليل الخطاب، والله أعلم.
[ ٨٦ ]