اختلف الناس فيما يدل على صحة العلة، وهل تصح بالجريان والطرد في معلولاتها، أو تعلم صحتها بغير ذلك؟.
فمنهم من يقول: علامة صحتها جريانها في معلولاتها، وأن لا يدمجها أصل.
[ ١٧١ ]
ومنهم من قال: يحتاج أن يثبت أولا أنها علة، ثم جريانها بعد ذلك مرتبة أخرى.
قالو: لأن من يعلل بالطرد والجريان لوقيل له:
لما علقت الحكم بها؟
لكان من حقه أن يقول: لأنها علة.
فإذا قيل له: لم صارت علة؟.
قال: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وهذا يؤدي الى التناقض.
[ ١٧٢ ]
قال القاضي ﵀:
والذي يقوى في نفس الوجه الأول من الطرد والجريان، وأنه يكون دليلا على صحتها.
والأصل في ذلك: أن الله تعال قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]
[ ١٧٣ ]
فدل على أن المنتفق من عنده، لما اتفق بالصيغة والنظم، أثبت بالصيغة والنظم، وأن المختلف ليس من عنده، فلو جاز وجود مختلف من عنده لم يكن عدم الاختلاف في القرآن دليلا على أنه من عنده، ولو جاز أيضا وجود متفق لا من عنده لم نأمن أن يكون القرآن متفقا لا من عنده، وفي استدعاء المخاطيبن إلى التدبر بهذه الآية دليل على أن المتفق لا يوجد إلا من جهته، وأن المختلف لا يوجد منه.
فإن قيل: على هذا فإن الاختلاف في القرآن موجود، لأننا نجد فيه الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والخاص والذي أريد به العام، والعام الذي أريد به الخاص.
قيل: إنما أريد بنفي الاختلاف الذي من جهته صار القرآن
[ ١٧٤ ]
حجة وهو عدم الاختلاف في الإعجاز، وهو في الإعجاز متفق.
وأيضا فإننا قد أمرنا بالرجوع إلى الأصول في الحوادث، كما أمرنا بالرجوع إلى النبي - ﷺ - فيها، فإذا عرض عليه نوع من أنواع المقايسة، فلم يرده وسكت عنه، كان ذلك دليلا على صحته، وكذلك الأصول إذا عرضت العلة عليها، فلم يردها أصل منها، دل ذلك على صحتها.
وأيضا: فإن الله ﷿ طالب المشركين بإجراء العلة فيما اعتمدوه علة، فقال تعالى: ﴿قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣].
أي: إن كان المعنى للذكورة والأنوثة، أو الجميع فالتزموه إن كنتم صادقين، وإلا فأنتم مناقضون.
وأيضا: فإن المتفق من الفتوى حجة، فكذلك المتفق من المعنى؛ لأنه في الجريان والطرد اتفاق المعنى، ولا يلزم ما ذكروه من السؤال في أن الحكم وجب لعلة.
[ ١٧٥ ]
فإذا قيل: لما صارت علة؟
قيل: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وذلك أنه إذا قيل له: لم وجب الحكم؟ فقال: للعلة، فإنما هو مدع للعلة بلا برهان.
فإذا قيل له: ولم صارت هذه علة؟
فإنما عليه أن يدل على صحتها، فإذا دل على صحتها بالجريان والطرد، فقد أقام البرهان على كونها علة، وفي الأولى سمها علة بدعوى، والله أعلم.
[ ١٧٦ ]