ومذهب مالك ﵀ أنه إذا دخل رجل إلى قرية خراب لا أحد فيها، وحضر وقت الصلاة، فإن كان من أهل الاجتهاد، ولم تخف عليه دلائل القبلة، يرجعإلى ذلك، ولم يلتفت إلى محاريب يشاهدها في آثار مساجد قد خربت، فإن خفيت عليه الدلائل أو لم يكن من أهل الاجتهاد، وكانت القرية للمسلمين؛ فإنه يصلي إلى مصلى تلك المحاريب؛ لأن الظاهر من بلاد المسلمين أن مساجدهم وآثارهم لا تخفى، وأن قبلتهم وحاربهم على ما توجبه الشريعة.
وأما إذا طانت المحاريب منصوبة في بلاد المسلمين العامرة
[ ٢٨ ]
وفي المساجد التي تكثر فيها الصلوات وتتكرر، ويعلم أن إماما للمسلمين بناها، أو اجتمع أهل البلد على بنائها، فإن العالم والعامي يصليان إلى تلك القبلة، ولا يحتاجان في ذلك إلى الاجتهاد؛ لأنه معلوم أنها لم تبن إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك.
وأما المساجد التي لا تجري هذا المجرى، فإن العالم إذا كان من أهل الاجتهاد، فسبيله أن يستدل على الجهة، فإن خفيت عليه الدلائل صلى إلى ذلك املحراب إذا كان بلدا للمسلمين عامرا؛ لأن هذا أقوى من اجتهاده مع خفاء الدلائل عليه.
فأما العامي فيصلي في سائر المساجد، إذ ليس من أهل الاجتهاد، والله أعلم.
[ ٢٩ ]