قد تقدم أن مذهب مالك ﵀ وسائر العلماء القول بإجماع الأمة، ومن مذهب مالك ﵀ العلم على إجماع أهل المدينة فيما طريقه التوقيف من الرسول - ﷺ -، أو أن يكون الغالب منه أنه عن توقيف منه ﵊ كإسقاط زكاة
[ ٧٥ ]
الخضروات؛ لأنه معلوم أنها قد كانت في وقت النبي - ﷺ - ولم ينقل أنه أخذ منهاالزكاة، وإجماع أهل المدينة على ذلك، فعمل عليه وإن خالفهم غيرهم.
وقد احتج مالك ﵀ بذلك في مسائل يكثر تعدادها حيث يقول: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا»، وهذا من خبر التواتر الذي قد بينا أنه مذهبه.
وحجته في أنهم أولى من غيرهم فيما طريقه النقل عن النبي - ﷺ -
[ ٧٦ ]
أن الرسول ﵇ كانت هجرته إلى المدينة، ومقامه بها، ونزول الوحي عليه فيها، واستقرار الأحكام والشرائع بها، وأهلها مشاهدون لذلك كله عالمون به، لا يخفى عنهم شيء منه، وكانت حاله - ﷺ - معهم إلى أن قبض على أوجه:
١ - إما أن يأمرهم بالأمر فيفعلونه.
٢ - أو يفعل الأمر فيتبعونه.
٣ - أو يشاهدهم على أمر فيقرهم عليه.
فلما كانت هذه المنزلة منه ﵊ حتى اقطع التنزبل، وقبض من بينهم - ﷺ - فمحال أن يذهب عليهم وهم مع هذه الصفة ما يستدركه غيرهم؛ لأن غيرهم ممن ظعن منهم إلى المواضع هم الأقل، فالأخبار عنهم أخبار آحاد؛ لأن عددهم مضبوط، وأخبار أهل المدينة أخبار تواتر فكانت أولى من أخبار الآحاد.
[ ٧٧ ]
فإن قيل: فقد نقلت إلى أهل المدينة أشياء كانت من النبي - ﷺ - في مغازيه لم يكونوا علموها قبل ذلك من النبي - ﷺ -؟.
قيل: الذين نقلوا إليهم ذلك عن النبي - ﷺ - هم من أهل المدينة، فلم يخرج النقل عنهم.
فإن قيل: قفد كانت منه - ﷺ - أشياء بمكة لما حج لم تكن بالمدينة؟.
قيل: قد معه أهل المدينة في حجته، فهم شاهدوه أيضا بمكة ونقلوا عنه ما كان منه في حجه وغيره.
[ ٧٨ ]
فإن قيل: فإن اتفق لأهل مكة مثل خبر أهل المدينة في إجماعهم لأنهم قد شاهدوا النبي - ﷺ - كما شاهده أهل المدينة فإذا اتفقوا على شيء من توقيف أو ما الغالب منه أن يكون على توقيف، فهل يجب أن يقبل ذلك منهم؟.
قيل: إن اتفق لهم ذلك كانوا هم وأهل المدينة سواء فيما نقلوه عنه - ﷺ -، ولكن لا يكاد أن ينفق هذا لغير أهل المدينة في أن يكون خبرهم طرفاه كوسطه لا يتخلله أخبار الآحاد؛ لأن أخبار غيرهم وإن نقلها جماعة يتخللها أخبار الآحاد في طرفيها أو في وسطها فخرجت بذلك عن أن تكون تواترا. وأهل المدينة يحصل لهم في فعلهم صفة التواتر، فلهذا كان خبرهم مقدما على خبر غيرهم، والله أعلم.
[ ٧٩ ]