عند مالك ﵀ وغيره من أهل العلم: لا يجوز تخصيص العلة العقلية، ولا خلاف في ذلك.
واختلف الناس في تخصيص العلة الشرعية المنصوص عليها، والمستدل عليها، إذا كانتا شرعيتين:
فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء: لا يجوز تخصيصها.
وقال أهل العراق: يجوز تخصيصها، ويجعلونها كالعموم
[ ١٨٠ ]
المشتمل على مسميات، يصح أن يخص في بعض المسميات، فكذلك هي، لأنها علامة وأمارة.
وذهب غيرهم إلى جواز تخصيص العلة المنصوص عليها مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيْل﴾ [المائدة: ٣٢].
وكقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:٧].
[ ١٨١ ]
وكقول النبي - ﷺ - في الهرة: «إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات».
وامتنع من تخصيص العلة المستنبطة كعلة الربا في البر.
وعندنا أنه لا يجوز تخصيصها جميعا.
[ ١٨٢ ]
والأصل في ذلك: هو أن العلة إنما هي أمارة صحتها الجريان، بما قدمناه من الدلائل، والتخصيص يمنع جريانها، ويبطل أن يكون الجريان دليلا على صحتها، وإذا كان الجريان دليلا على صحتها، وتخصيصها إذا باطل؛ لأنه يرفع أصلا ثابتا، وما أدى إلى رفع الأصل الثابت المستقر فهو مرفوع.
وأيضا: فإن الله تعالى أخذ المشركين بالنفور عليهم، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١].
فلولا أن المساواة في المعنى توجب المساواة في الحكم، لم تلزمهم هذا، بل كانو يتخلصون منه بأن يقولوا: قام دليله فخصصنا العلة.
وكذلك قال عنهم تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]
[ ١٨٣ ]
فلم يقولوا قام دليله خصصناه.
وأيضا: فإنه لو لم يؤثر التخصيص في صحتها، لم تؤثر المعارضة؛ لأن االتخصيص هو غاية المناقضة التي لا ترتضيها العامة في أخلاقها، فضلا عن أن تكون من أفعال الحكماء، ألا ترى أن تاجرا سوقيا لوقيل له: سامح في هذا الثوب، فقال: لا أسامح فيه لأنه كتان، ثم سمح في ثوب كتان مثله! لقيل له: قد ناقضت، ولكان هذا مما لا يخفى على عوام الناس رده على قائله وأنه تناقض بذلك، فبطل جواز التخصيص في العلة.
وأيضا فإن العلة لو جاز وجودها مع ارتفاع الحكم ولا يمنع ذلك من صحتها، لاحتيج في تعليق الحكم بها في كل فرع إلى استئناف دلالة؛ لأنما دل على أنها علة في الأصل، لم يوجب تعليق الحكم بها أينما وجدت على هذا القول، وإذا لم يوجب ذلك فيجب الرجوع في تعليق الحكم بها في كل فرع بعينه الى دليل مستأنف، وفي ذلك إخراج لها عن أن تكون علة.
[ ١٨٤ ]
يبين ذلك: أن العلم المعجزة الدالة على صدق النبي - ﷺ - لو لم يقتض صدق النبي - ﷺ - في كل ما يقوله وما يؤديه، لاحتاج في كل ما أخبر به إلى معجز، فكذلك القول في العلل.
فإن قيل: فإن العلة في تعليق الحكم بها كالاسم العام في ذلك، فكما أن وجود الاسم مع ارتفاع الحكم مما لايبطل كون العموم دلالة لا تجب الحاجة في تعليق الحكم بكل اسم الى دليل مستأنف، فكذلك العلة.
قيل: إن العموم إنما يدل على إرادة المخاطب وإرادته تدل على الحكم لا نفس الحكم، فإن قرن إلى العموم ما يدل على أنه لم يرد جميعه، علمنا أن ما عداه مراد، ولم تجعل الدلالة مخصوصة، إذ الدلالة هي الإرادة، والدلالة على الإرادة هي العموم مع القرينة؛ لأن البيان لا يتأخر وليس كذلك العلة؛ لأنها إن كانت هي في نفسها علة،
[ ١٨٥ ]
فيجب ألا يسوغ تخصيصها؛ لأنها لا تختص في الوجود بعين دون عين، وإن كانت تدل على الإرادة للجاعل لها علة. فيجب أن يقرن بها ما يخرجها عن أن تكون بإطلاقها علة، وعلى أن العلة التي توجد في كل فرع في الحكم في خمن النص على كل فرع، فكما أن التخصيص في ذلك لا يسوغ؛ فكذلك القول في العلة؛ لأنها ليست بمنزلة العموم الذي يدخله المجاز؛ لأن التعليل لا يدخله المجاز، فهو كالنص فيما ذكرناه، والله أعلم.
[ ١٨٦ ]