مذهب مالك ﵀ وغيره من الفقهاء: أن إجماع الأعصار حجة.
وأنكر قوم أن يكون إجماع الأعصار حجة، إلا للصحابة ﵃
[ ١٦١ ]
والدليل على أن إجماع الأعصار حجة، هو أن الله ﷿ أثنى على هذه الأمة، وبين فضلها، ونبه عليه وعلى وجوب الحجة بقولها، ولقوله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. . .﴾ الآية [آل عمران:١١٠].
وقوله ﷿ أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
[ ١٦٢ ]
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣].
وغير ذلك.
ومن السنة قول النبي - ﷺ -: «أمتي لا تجتمع على ضلالة».
وقوله ﵇:
[ ١٦٣ ]
«لا تجتمع أمتي على خطأ».
وقوله - ﷺ - أيضا: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة».
ومن حجة العقل الدال على عصمتها، أنه لا يخلو أن يكون المراد بذلك جميع الأمة كلها من أولها إلى آخرها، أو يكون المراد بذلك بعضهم دون بعض، ويستحيل أن يكون المراد بذلك الأمة كلها أولها وآخرها من جهتين:
إحداهما: أنهم لا يكونون حجة على أنفسهم.
[ ١٦٤ ]
والأخرى: أنهم لو كانوا كذلك، أو جاز أن يكونوا بأجمعهم حجة لم يجز أن يدرك الحكم من جهتهم إلا من أدرك أولهم وآخرهم.
وهذا أيضا بين الفساد، فثبت أن الحجة متعلقة ببعضهم، ولا يخلو ذلك البعض من أن يكون حجة على أهل عصره، أو لا يكون حجة غلا على أهل العصر الذي بعده، فبطل القسم الأول لاتفاق الجميع على أن الصحابة ﵃ ليس بعضهم حجة على بعض، فلم يبق إلا أنهم حجة على من بعدهم لأجل تقدمهم، وكان تقدم العصر الثاني للثالث، كتقدم عصر الصحابة للتابعين، وكانت حاجة العصر الثالث إلى الثاني كحاجة الثاني إلى الأول في العوارض من إرسال الرسل ﵈، إذ الرسل قد انقطعت بعد النبي - ﷺ -؛ لأنه جعل خاتم النبيين - ﷺ -، وجعلت الأمة عوضا عنها، فوجب حجة الأعصر متقديمهم على متأخرهم، كوجوب حجة عصر الصحابة ﵃ على من بعدهم، ولأن الحق لا يجوز أن يخرج عن كل عصر، فثبت أن إجماع كل عصر حجة، والله أعلم.
[ ١٦٥ ]