قال القاضي ﵀
الأمر بالفعل إذا تجرد هل يقتضي تكراره، أم لا يقتضي ذلك إلا بدليل؟.
ليس عن مالك ﵀ فيه نص، ولكن مذهبه عندي يدل على تكراره إلا أن يقوم دليل
[ ١٣٦ ]
والحجة لذلك حديث سراقة لما سأل النبي - ﷺ - فقال: أحجتنا هذه لعامنا أم للأبد؟
فقال النبي - ﷺ -: «اتركوني ما تركتكم».
وقيل في خبر: «بل للأبد».
وسراقة عربي، فلولا أن حكم الخطاب في اللغة يوجب ذلك، وإلا فما وجه مسألته عن ذلك؛ لأن الأمر لو كان لا يعقل منه إلا مرة واحدة لم يسأل سراقة عن الأبد، ولا سوغه النبي - ﷺ - ذلك، ولكان يقول له: إذا أمرت بأمر معروف فمعناه في لغتك فلم تسأل عما تعقله من الأمر؟.
[ ١٣٧ ]
فإن قال قائل: هذا ينقلب عليكم؛ لأنه لو كانت الأمر يوجب التكرار لما كان لسؤاله معنى، ولقال له النبي - ﷺ -: قد أمرت بأمر مفهوم معقول في لسانك أنه للتكرار، فلم تسأل عما تعقله بالأمر؟.
قيل له: فائدة سؤاله ها هنا هو أنه لما رأى الصلوات والصيام يتكرران، وكانت المشقة العظيمة تلحق في الحج، ولا يكون مثلها في سائر العبادات، ثم ورد عليه الأمر الذي يوجب التكرار، خاف أن يكون بمنزلة سائر العبادات التي تتكرر، فحينئذ سأل النبي - ﷺ -، ولو كان الأمر يوجب فعل مرة واحدة لما كان لسؤاله معنى؛ لأنه ليس بخالف أن يتكرر فيسأل عنه.
قال القاضي ﵀:
وعندي أن الصحيح، هو أن الأمر إذا أطلق يقتضي فعل
[ ١٣٨ ]
مرة وتكراره يحتاج إلى دليل.
والدليل على ذلك: أن معنى قوله: «صلوا» المراد منه فيما توجبه اللغة: افعلوا صلاة.
وقوله: «صلوا، ثم صلوا» يقتضي فعل صلاصتين.
وكذلك لو قال: «صلوا عشر صلوات» أو «عشرة أيام» اقتضى عددا أكثر من ذلك.
وكذلك إذا قال: «صلوا أبدا»، وهذه ألفاظ قد وضعها أهل اللغة للتكرار، فإذا ورد الأمر مجردا منها لم يدل بمجرد قوله: «صلوا» إلا على فعل مرة واحدة، والله أعلم.
[ ١٣٩ ]