قال القاضي: ومذهب مَالِكٍ أن الحق واحد من أقاويل المجتهدين، وذلك أنه قال لما سُئِلَ عن اختلاف أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: لَيْسَ في سعة خطأ أو صواب، وكذلك قال الليثُ لما سئل عن ذلك.
وقال مالك: قولان مختلفان لا يكونان جميعًا حقًّا، وما الحق إلا واحد، وأجمع مَالِك، وسائر الفقهاء أنَّ الأثر في الخطأ في مسائل الاجتهاد موضوع والدليل على ذلك قول النَّبِي -ﷺ-: "إِذَا اجتهَدَ الحَاكم وأَصَابَ فَلَهُ أْجرَانَ، وإنْ أخْطَأَ فَلَهُ أجْر" (^٢) وهذا نصٌّ على أن مسائل الاجتهاد ما هو خطأ، فدلّ على أن الحَقَّ في واحد، لا في جميعها، وجعل له الأجر، وإن أخطأ على اجتهاده، ودفع عنه إثم خطئه.
وهناك أيضًا إجماع الصحابة -﵃- لأنهم اختلفوا في مسائل الاجتهاد، وردَّ بعضهم على بعض، ودعا بعضهم بعضًا إلى المُبَاهَلَة، وأنكر بعضهم على بعض بأغلظ نكيرٍ، وسوّغ بعضهم لبعض الرد على صاحبه، ولم يقتل بعضهم لبعض: الحق معي ومعك، فلو كان كل واحد منهم مُصِيبًا لم يكن لاخْتِلافِهِم معنى، فدل على ما قلناه، وباللَّه التوفيق.