قال القاضي أَبُو بكْر البَاقِلانِيُّ: الأمر بالفعل إِذا تجرَّد هل يقتضي تكراره أم لا يقتضي ذلك إلا بدليل؟
ليس عن مالك فيه نص، ولكن مذهبه عندي يدل على تَكْرَارِهِ إِلا أن يقوم دليل.
والحجة لذلك حديث سُرَاقَةَ، لما سأل النبي -ﷺ-، فقال: أحَجَّتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا أَمْ لِلأَبَد؟ فقال النبي -ﷺ-: "اترُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ"، وقيل في خبر الأبد (^٢): وسراقة عربي، فلولا أن حكم الخطاب في اللُّغة يوجب ذلك لَمَا سُئِلَ، وإلا فما وجه مَسْألتهِ عن
_________________
(١) انظر تيسير التحرير ١/ ٣٥١، المنخول ص ١٠٨. وأصول السرخسي ١/ ٢٠.
(٢) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٤٠، ٢/ ٩٧٥، النسائي ٥/ ١١٠، وأحمد في المسند ٢/ ٥٠٨.
[ ٣٩ ]
ذلك؛ لأن الأمر لو كان لا يعقل منه إِلا مرة واحدة لم يسأل سراقة عن الأبد، ولا سَوَّغَه النبي -ﷺ- ذلك، ولا كان يقول له إِذا أمرت بأمر معروف، معناه في لغتك، فلم تسأل عما تعقله من الأمر؟.
فإن قال قائل: هذا ينقلب عليكم، لأنه لو كان الأمر يوجب التَّكْرار لما كان لسؤاله معنى، ولقال له النبي -ﷺ- قد أمرت بأمر مفهوم معقول في لسانك أنه للتكرار، فَلِمَ تسأل عما تعقله بالأمر؟ (قيل): سؤاله ها هنا له فائدة أنه لما رأى الصَّلوات والصيام يتكرران، وكانت المشَقَّة العظيمة تلحق في الحج، ولا يكون مثلها في سائر العبادات ثم ورد عليه الأمر الذي يوجب التكرار خاف أن يكون بمنزلة سائر العبادات التي تتكرر، فحينئذٍ سأل النبي -ﷺ- ولو كان الأمر يوجب فعل مرة لما كان لسؤاله معنى؛ لأنه ليس بخاف أن يتكرر فيسأل عنه.
قال القاضي: وعندي أن الصحيح هو أن الأمر إِذا أطلق اقتضى فعل مرة، وتكراره يحتاج إلى دليل، والدليل على ذلك أنَّ معنى قوله: "صَلُّوا" المراد منه فيما توجبه اللغة افعلوا صلاة.
وقوله: "صَلُّوا ثمّ صَلُّوا"، يقتضي فعل صلاتين، وكذلك لو قال: صلُّوا صلُّوا عشر صلوات أو عشرة أيّام اقتضى عددًا أكثر من ذلك، وكذلك إِذا قال: صلُّوا أبدًا، وهذه ألفاظ قد وضعها أهل اللغة للتَّكْرَار، فإِذا ورد الأمر مجردًا منها لم يدل بمجرد قوله: صلوا إلا على فعل مرة واحدة، واللَّه أعلم.