ليس يختلف مالِكُ -﵀- وسائر الفُقَهاء في أنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (^٤).
وإنما الخلاف هل يجوز أن يتأخر عن وقت النزول إلى وقت الحاجة؟ وليس عن مَالِكٍ فيه نص قول، ولا لأصحابه المتقدمين.
وكان القاضي أَبُو بكْرٍ يقول: إن البيان يجوز أن يتأخَّر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة، ويذكر أنَّ مَالكًا قد أشار إلى ذلك، حيث قال وقد ذكر قول
_________________
(١) انظر البرهان ٢/ ١٣١٦ - ١٣٢٦، المستصفى ٢/ ٣٦١، ٣٦٤، البحر المحيط ٦/ ٣٢٦.
(٢) أخرجه البخاري ١٣/ ٣٣٠، ومسلم ٣/ ١٣٤٢، والشافعي ٢/ ١٧٦.
(٣) البيان لغة اسم مصدر بين إذا أظهر واصطلاحًا: فيطلق على الدال على المراد بخطاب ثم يستقل بإفادته. انظر الأحكام للآمدي ٣/ ٢٢، ونهاية السول ٢/ ٥٢٤، المستصفى ١/ ٦٤.
(٤) انظر نهاية السول ٢/ ٥٤٠، الأحكام للآمدي ٣/ ٢٨، والبحر المحيط ٣/ ٤٩٣.
[ ٣٥ ]
النبي -ﷺ-: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (^١): إن ذلك له إذا رآه الإِمام؛ لأن رسول اللَّه -ﷺ- قد كان قبل ذلك قسم أسْلابًا كثيرة، ولم يبلغني أنه قال ذلك إلا يوم حُنَيْن.
قال القاضي أَبُو بَكْرٍ البَاقِلاني: وقد قال مَالِكُ: لا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة فهذا يدل على أنه يجوز تأخيره عن وقت النزول.
وكان شيخنا أبُو بكْرٍ بْنُ صَالِح الأبهريُّ -﵀- يمنع من ذلك، ويقول: لا يجوز أن يتأخَّر البيان عن وقت ورود الخطاب -والحجة لمن جوز تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ما روي أن النبي -ﷺ- "أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَ اليَمَنِ أَنَّ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقرائِهِمْ" (^٢).
فأعلمهم مُعاذ ذلك، ثم كان بيان شرائع الزكاة، ووجوهها يقع لهم على مقدار الحاجة، حتى سألوه عن وقَص البقر، فأخبرهم أنه لم يسمع من النبي -ﷺ- فيه شيئًا، ولا معنى لمن ينكره؛ لأن ذلك لو كان ممتنعًا غير جائز لم يخل أن يكون ممتنعًا بالعقل أو بالشرع، ولسنا نعلم في العقول امتناعه ولا في الشرع أيضًا ما يمنعه.
والحجَّةُ لمن منع ذلك أن المخاطب لا يدري ما يعتقد فيه قبل ورود البيان له وأن رسول اللَّه -ﷺ- إذا كان البيان يجري على يديه، فقد يجوز أن تخترمه المَنِيَّة قبل البيان، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: الآية ٤٤].