ومذهب مالك -﵀- قَبُول خبر الواحد العدل، وأنه يوجب العمل دون القطع على عَيْنِهِ، وبه قال جميع الفقهاء، وقد احتج مالك بذلك في الْمُتَبايعِينِ بالخيارِ مَا لَمْ يَفْتَرقَا (^٢)، وكَذَلِكَ في غَسْلِ الإِنَاءِ من وُلُوغ الْكَلْبِ (^٣)، وفي مواضع كثيرة.
والدليل على وجوب العمل به قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. . .﴾ إلى قوله: ﴿نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: الآية ٦]، فدل على أن العدل لا يثبت في خبره، إذ لو كان الفاسق والعدل سواء لم يكن لتخصيص الفاسق بالذِّكْر فائدة، وإنما لم يقطع على عَيْنه؛ لأن العلم لا يحصل من جهته؛ إذ لو كان يحصل من جهته العلم لوجب أن يستوي فيه كل مَنْ سمعه كما يستوي في العلم بمخبر خبر التواتر، فلما كنا نجد أنفسنا غير عالمين بصحة مخبره، دل على أنه لا يقطع على معينه، وأنه بخلاف التَّواتر، وصار خبر الواحد، بمنزلة الشَّاهد الذي قد أمرنا بقَبُول شهادته، وإن
_________________
(١) = تواطأهم على الكذب عادة من أمر حسي، أو حصول الكذب منهم اتفاقًا ويعتبر ذلك في جميع الطبقات إن تعددت، انظر البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٣١، الأحكام للآمدي ١/ ١٤.
(٢) انظر البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٥٧، البرهان ١/ ٥٩٩، نهاية السول ٣/ ٩٧، والأحكام للآمدي ٢/ ٣٠.
(٣) أخرجه البخاري ٤/ ٣٨٢، ومسلم ٣/ ١١٦٣.
(٤) أخرجه مسلم ١/ ٢٣٤، وأبو داود ١/ ١٩، والترمذي ١/ ١٥١.
[ ٢٦ ]
كنا لا نقطع على صدقه، فإن قيل: إن في سياق الآية ما يوجب التوقُّف عن خبره، وهو قوله ﷿: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: الآية ٦].
والجَهَالَة قد تدخل في خبر العدل من حيث كان خبره، ولا نقطع على غيبه، ومن حيث كان السَّهْو والغلط والكذب جائزًا عليه.
قيل: الجهالة في هذا الموضع هي السَّفَاهة وفعل ما لا يجوز فعله مما يقع التوبيخ والذم عليه، وقد جاز التوبيخُ على الجهل في بعض المواضع، ولو كانت الجهالة لا تكون إلا بمعنى الغَلط لقبح الذم والتوبيخ على فعلها، والدليل على صحّة التأويل قوله ﷿: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: الآية ٦] والندم إنما يكون على ارتكاب المنهي.
والدليل أيضًا على ذلك أنه لو كانت العلّة في وجوب التوقف عنه في الجهل بخبره، لم يجز قَبُول خبر الشاهدين لهذه العلّة، فلما أجاز اللَّه -سبحانه- ذلك وأمر بِقَبُولِهِ دلَّ على فساد قول من ردّ خبر الواحد بذلك، واللَّه أعلم.