ومن مذهب مالك -﵀- أن دليل الخطاب معمول به، وقد احتجّ بذلك في مواضع منها حيث قال: من نحو هديه بالليل لم يجزه، لقول اللَّه ﷿: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: الآية ٢٨].
دليله: أنه لا يجزيه إذا نحر بالليل وكقوله: من دخل الدار فَأعْطه دِرْهمَا.
دليله: من لم يدخل الدار، فلا تعطه شيئًا، وهذا نص منه في القول بدليل الخطاب.
والوجه فيه أن ينظر عند ورود الخطاب بالشَّرط أو الصِّفَة إلى سياق الكلام وما تقدمه، وما يخرج عليه الخطاب، فإن وجد دليل يدلس على الجَمْع بين المسكوت عنه، وبين المذكور صير إليه، وإن لم يوجد دليل مضى الحكم على ذكره، ثم نظر في حكم المسكوت عنه للمذكور، كمن أقرَّ لرجل بألف درهم فقيل له: إن كان له عليك ألف درهم، فأخرج له منها، وكالعاصي إذا سئل عن رجل قتل ابنه، فيقول العالم: من قتل ابنه فلا قَوَد عليه، فلا يكون ذلك شرطًا في الأب وحده؛ لأنه لا ينبغي القَوَدُ في غيره، وهذا كما نقول: إنَّ سائلًا سأل النبي -ﷺ- عن المَسْح على الخُفَّين هل يمسح المسافر ثلاثة أيام؟ فقال ﵇: "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامِ" (^٢).
_________________
(١) انظر البرهان ١/ ٤٤٩، والبحر المحيط ٤/ ١٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٢٣٢.
[ ٢٩ ]
ولا يكون مقصورًا على السؤال، وكذلك يخرج ما روي أن النبي -ﷺ-، قال: "فِي سَائِمَةٍ الغَنَمِ الزَّكَاة" (^١) أَنَّهُ سَأَلَ سَائِلٍ عن هَذَا، وما أشبهه فلا يكون مقصورًا على السؤال لقيام الدَّليل على العَامِلَةِ وَالسَّائِمَةِ في وجوب الزكاة فيهما، وقد يرد الحكم في شيء مذكور ببعض أوصافه، فيكون ممَّا سكت عنه، وقد يساوي المذكور في حكمه، ويكون منه مَا يخالفه.
ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: الآية ٢٣].
كيف اشترط في التحريم حلائل أبناء الأصْلاب، فلم يكن في ذكر ذلك نفي حلائل أبناء البنين، ولم يكن فيه نفي لتحريم حلائل أبناء الرضَاع، واستوى حكم حلائل أبناء الأصْلاب، وحلائل أبناء الرّضَاع في التحريم، ولم يكن أَيْضًا في ذكر الحلائلِ مَنْ يخالف فيمن وطئ الأبناء من الإماء بِمِلْكِ اليمين، بل التحريم واحد.
وقد يرد الخطاب على وجوه، الظاهر منه إذا تجرَّد دلَّ على ما عداه بخلافه إلا أن يقوم دليل، والحُجَّة بقوله بدليل الخطاب إذا تجرد، هو أن ذلك لغة العرب؛ لأن الخطاب إنما يقع باللسان العربي، وبه يحصل البيان، ووجدنا أَهْل اللسان يفرقون بين المطلق والمقيد، وبين المُبْهَمِ، وما يعلّق بالشرط، فإذا قال القائل: من دخل الدار مِنْ بني تميم فأعطه درهمًا عُقِلَ منه، خلاف ما يُعْقَل من قوله: مَنْ دخل الدار فأَعْطِهِ دِرهمًا، وعُقِلَ منه، خلاف ما يُعْقَل من قوله: مَن لم يدخل الدار فأَعْطِهِ دِرْهمًا.
ولذلك تساءل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عن القَصْر للصلاة إذَا آمنُوا، لَمَّا سمعوا قوله ﷿: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: الآية ١٠١].
وإذا كان عندهم أن ما عدا الخوف من الأمْن بخلافه، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا اللَّهُ -﷿- عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (^٢).
ولم يرد عليهم ما ظنوه ولا خَطَّأهُمْ فيما قدّروه، فدلّ على أن ذلك لغته -ﷺ- ولغتهم -﵃- فدلّ على صحة القول بدليل الخطاب، واللَّه أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري ٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦، وأبو داود ٢/ ٩٦ - ٩٨، والنسائي ٥/ ١٨ - ٢٣.
(٢) أخرجه مسلم ١/ ٤٧٨، والترمذي ٥/ ٢٢٧، وابن ماجه ١/ ٣٣٩.
[ ٣٠ ]