فمما يجوز عند مالك في مثله التقليد للعامي (^١) ما ليس للعالم فيه طريق إلا نَدَرَ أن يكون من أهله، ويجوز عند مالك أن يقلد القائف في إلحاق الولد بمن يلحقه، إذا كان القائف عدلًا في دينه بَصِيرًا بِالقِيَافَة؛ لأنه علم قد خصهم اللَّه ﷿ به.
والدليل على ذلك ما روي عن النبي -ﷺ- في قصة مُجَرِّزِ المدلجيِّ، وقوله -ﷺ- لما رأى أقدام زَيْد وأُسَامَةَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ من بَعض فَسُرَّ بذلك النبي -ﷺ- وذكره لعائشة -﵂ (^٢) - والنبي -ﷺ- لا يسر إلا بالحق". وقد روى ابْنُ نَافِعٍ عن مالك أنه لا يقبل إلا من قَائفَيْن ذَكَرَيْن، ويجوز تقليد الناصر في تقويم المتْلفَات، ويكفي في ذلك واحد إلا أنْ تَتعلَّق القيمة بحدٍّ، فلا بدّ من اثنين لمعرفتهم بذلك وطول دُرْبَتِهِمْ له.
قال القاضي: وقد وجدت في موضع أنه لا يجوز في كل تَقْويم إلا اثنان وإنما جاز تقليده في ذلك؛ لأنه علم يختص به، والضرورة تدعو إليه، فجاز قَبُول قولهم فيه، ويجوز تقليد القَاسِمِ إِذَا قسم شيئًا بين اثنين، على ما رواه ابْنُ نَافِعٍ عن مالك، وهذا كما يقلد المقوّم في أُروش الجنايات لمعرفته بذلك، وكان الشيخ أَبُو بكر بْنُ صَالِحِ الأَبْهريُّ يقول: يجب أن يكون بِقَيِّمَين، ثم رجع عن ذلك وروى ابْنُ القَاسِم عن مَالِكٍ: أنه لا يقبل قول القاسم فيما قسم، وإن كان معه آخر؛ لأنه يشهد على فعل نفسه كالحاكم إِلا أن يكون الحاكم أرسلها، فتقبل شهادتهما.
_________________
(١) انظر تعريف العامي في البحر المحيط ٦/ ٢٨٣، ٢٨٤.
(٢) الحديث عند البخاري ١٢/ ٥٧، ومسلم ٢/ ١٠٨١، وأبو داود ٢/ ٢٨٠، والترمذي ٤/ ٣٨٣.
[ ١٦ ]
ويجوز تقليد الخَارِصِ فيما يخرصه، ويكفي في ذلك واحد، وقد كان النبي -ﷺ- يبعث ابْنَ رَوَاحَةَ على الخَرْصِ وحده، ويجوز تقليد الرَّاوي فيما يرويه إذا كان عدلًا، وكذلك الشاهد فيما يشهد به، إلا أن الشهادة باثنين عَدْلَيْن، والأخبار يقبل فيها الواحد العدل حرًّا أو عبدًا، ذكرًا أو أُنْثى، ويجوز تقليد الطَّبيب فيما يرد إليه من علم الجراح وغيرها مما لا يعلم إلا من جهته للضرورة إِلَى ذلك، ويجوز تقليد الملاح إذا خفيت الدلائل في جهة القبلة على الذين يَرْكَبُون معه إِذا كان عدلًا، وكانت عادته جارية بسَيْره في الماء والبحار للضرورة إليه، وكذلك كل من كانت صناعته في الصحراء، يجوز تقليدهم في القبلة لمعرفتهم بها وأنه لا يمكن كل أحد تعاطيه ولا معرفته، وكذلك مَنْ هو في البادية يجوز تقليده في القبلة، إذا كان عارفًا بالصلاة، وكان عدلًا في باديته لمداومتهم مشاهدة جهة القبلة ودلائلها، والضرورة إليهم في ذلك عند خفاء دلائلها.