واختلف الناس فيما يدل على صحة العلة، وهل تصح بالجريان والطرد في معلولاتها، أو تعلم صحتها بعد ذلك، فمنهم من يقول: علامة صحّتها جريانها في معلولاتها، وأن يوافقها أصل.
ومنهم مَنْ قال: يحتاج أن يثبت أولًا أنها علّة، ثم جريانها بعد ذلك مرتبة أخرى. قالوا: لأن مَنْ يعلل بالطرد والجريان، لو قيل له: لما علقت الحكم بها لكان من حقه أن يقول: لأنها علة، فهذا قيل: لم صارت علة؟ قال: لأن الحكم يتعلّق بها أين ما وجدت، وهذا يؤدي إلى التناقض.
قال القاضي: والذي يقوى في نفسي هو الوجه الأول من الطرد والجريان، وأنه يكون دليلًا على صحتها، والأصل في ذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلَى قوله: ﴿كَثِيرًا﴾ [النساء: الآية ٨٢].
فدل على أن المتفق من عنده، فلما اتفق بالصحة والنظم أثبت بالصفة والنظم، وأن المختلف ليس من عنده، فلو جاز وجود مختلف من عنده لم يكن عدم
_________________
(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٧١٤.
[ ٤٦ ]
الاختلاف عن القرآن دليلًا على الَّذِي عنده، ولو جاز أيضًا وجود متفق لا من عنده، لم يأمن أن يكون القرآن متفقًا لا من عنده، وفي استدعاء المخاطبين إلى التدبر بهذه الآية دليل على أن المتفق لا يوجد من جهته، وأن المختلف يوجد منه.
فإن قيل على هذا: فإن الاختلاف في القرآن موجود لأننا نجد فيه الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والخاص الذي يريد به العام، والعام الذي يريد به الخاص.
قيل: أريد بنفي الاختلاف الذي من جهته صار القرآن حجة، وهو عدم الاختلاف في الإعجاز وهو في الإعجاز متفق عليه، وأيضًا، فإننا قد أُمِرْنَا بالرجوع إلى الأصول في الحوادث كما أُمِرنَا بالرجوع إلى النبي -ﷺ- فيها، فهذا عرض عليه نوع من أنواع المقايسة، فلم يرده وسكت عنه، كان ذلك دليلًا على صحته، وكذلك الأصول إِذا عُرِضَتِ العلة عليها فلم يردها أصل دل ذلك على صحتها، وأيضًا فإن اللَّه -﷿- طالب المشركين بإجراء العلة فيما اعتمدوه عليه، فقال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: الآية ١٤٣].
أي إن كان المعنى للذكورة أو الأنوثة، أو الجمع، فالتزموه إن كنتم صادقين، وإلا فأنتم مناقضون، وأيضًا فإن المتفق من القول حُجّة، وكل المتفق من المعنى، لأنه في الجَرَيان والطرد اتفاق المعنى، ولا يلزم ما ذكروه عن السؤال في أن الحكم وجب لعلة فَإِذَا قيل لِمَ صَارت علة؟ قيل: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وذلك أنه إذا قيل له: لِمَ وجب الحكم؟ فقال: للعلة، فإذا هو مدع للعلة، بلا برهان، فإذا قيل له: وَلِمَ صارت هذه علة فإنما علته أن يدل على صحتها بالجريان والطرد؟ فقد أقام البرهان على كونها علّة، وفي الأول سَمَّاها علة بدعوى، واللَّه أعلم.