مذهب مالك وغيره من الفقهاء أن إِجماع الأعصار حجة، وأنكر قوم أن يكون إجماع الأعصار حجة إِلا للصحابة ﵃.
والدليل على أن إِجماع الأعصار حجة هو أن اللَّه -﷿- أثنى على هذه الأُمَّة وبيَّن فضلها، ونَبَّه عليه وعلى وجوب الحجة بقولها لقوله -تعالى- في القرآن في مواضع كثيرة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: الآية ١١٠] الآية.
وقوله أيضًا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: الآية ١٤٣] وغير ذلك.
_________________
(١) انظر التعريف في البرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٧٠، والأحكام للآمدي ١/ ١٧٩، ونهاية السول ٣/ ٢٣٧، المستصفى ١/ ١٧٣.
[ ٤٤ ]
ومن السُّنَّة قول النبي -ﷺ-: "أُمَّتِي لا تَجْتَمعُ عَلَى ضَلالَة"، وقوله ﵇: "أمتي لا تجتمع على خطأ".
وقوله: "لا تزالُ طائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَن خَالَفَهُم حتى تَقُومَ السَّاعَةُ (^١) ومن حجَّة العقل الدلالة على عِصمتها، فلا يخلو أن يكون المراد بذلك جميع الأمة كلها من أولها إِلى آخرها من جهتين:
إحداهما: أنهم حُجَّة على أنفسهم.
والأخرى: أنهم لو كانوا كذلك، أو جاز أن يكونوا بأجمعهم حُجَّة لم يجز أن يدرك الحكم من جهتهم، إلا من أدرك أولهم وآخرهم، وهذا أيضًا بين الفساد، فثبت أن الحجة متعلقة ببعضهم، ولا يخلو ذلك البعض من أن يكون للصحابة -﵃- وليس بعضهم حُجَّة على بعض، فلم يبق إلا أنهم حجة على غيرهم لأجل تقدمهم، وكان تَقَدَّم العصر الثاني للثالث كتقدم عصر الصحابة على التابعين، وكانت حاجة العصر الثالث إلى الثاني كحاجة الثاني إلى الأول من إرسال الرسل؛ إِذِ الرسل قد انقطعت بعد النبي -ﷺ- وقد جعل خاتم النبيين -ﷺ- وجعلت الأمة عوضًا عنها، فوجب حجة الأعصر متقدّمهم على متأخرهم، كوجوب حُجَّة عصر الصحابة -﵃- على من بعدهم، ولأن الحق لا يجوز أن يخرج عن كل عصر، فثبت أن إجماع كل عصر حجة، وباللَّه التوفيق.