ليس عن مالك -﵀- في الحَظْرِ وَالإبَاحَةِ في الأطعمة والأشربة، وما جرت العادة بأن الجسم لا بد له منه نص في ذلك.
ذهب القاضي أَبُو الفَرَجِ المَالِكِيُّ إِلى أنها على الإباحة في الأصل، حتى يقوم دليل الحَظْر، وغيره من أصحابنا يقول: هي على الحَظْر حتى يقوم دليل الإباحة،
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي ٦/ ٤٥، الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٥/ ١٤٩.
(٢) انظر في أحكام الفصول ص ٦٨١.
[ ٤٢ ]
ومنهم من قال: هي على الوَقْفِ، حتى يقوم دليل الحَظْر، أو الإباحة فحجة مَنْ قال: إِنَّها على الإباحة هو أنها لا يخلو أن يكون اللَّه -﷿- خلقها لينتفع هو بها -تعالى- عن ذلك أو لننتفع نحن وهو بها، أو لننتفع نحن دونه -تعالى- أو خلقها لا لينتفع بها هو ولا نحن بها، فَخَلْقُهَا لينتفع هو بها محال؛ لأنه -﷿- لا تجوز عليه المنافع ولا المضار وخلقها أيضًا له ولنا محال؛ لأن المنفعة والمضرة عليه لا تجوز، وخلقها لا لينتفع هو بها ولا نحن عبث عليه ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا، فلم يبق إلا خلقها لننتفع نحن بها.
وإذا ثبت ذلك صارت هذه الدلالة تقوم مقام الإذن منه -تعالى- لنا في الانتفاع بها.
وأما مَن قال: هي عنده من الحَظْرِ في الأصل، فحجته أنه قد ثبت أن الأشياء كلها مِلْكٌ لمالك واحدٍ، وهو اللَّه ﷾، ولا يجوز الإقدام على ملك أحد إلا بإذنه؛ لأنه لا بد أن يكون في الإقدام عليها من غير إِذن منه ضرر في العاقبة، فوجب الوقف، ومن قال: هي على الوقف، فحجته تعارض المعنيين وتقابلهما العَقْلي في الحَظْرِ والإِباحة، فوجب الوقف، وطلب الدليل المميز، وألا يقدم أحد على أحد القَوْلَينِ إِلا بِحُجَّة، ولأن الحَظْر يقتضي حاظرًا، وأن الإباحة تقتضي مبيحًا، فوجب الوقف حتى يعلم ذلك، وعلى أن الكلام في هذه المسألة تكلف، لأنه لا يعقل الناس حالًا قبل الرسل والشرائع؛ لأن الرسل بعد آدم -﵇- قد قررت الشرائع في جميع الأشياء فقد تقرر بالرسل ﵈، واللَّه أعلم.