والاجماع عبارة عن اتفاق اهل الحل والعقد وهو حجة كالنص المتواتر عند أهل الحق وانكر منكرون تصوره واحال وقوع الاتفاق بين الأمة في تصوره وانكر منكرون تصور العلم به مع اعترافه بتصوره في نفسه وزعم آخرون أنه يتصور ويعلم لكن لا يحتج به
[ ٣٩٩ ]
ومعتمد من جحد تصوره ان الاجماع لا انتفاع به في مواقع النصوص وانما يحتاج إليه في مظان الظنون واطباق الأمة على كثرة عددها على
حكم واحد في مسالة مظنونة مع اختلاف القرائح وتباين الفطن في الاستحالة كإطباق لم اهل بغداد في حالة واحدة على قيام او قعود او أكل زبيب وذلك مستحيل عرفا فنقول المسالة التي تتعارض فيها الظنون على وجه لا يترجح حانب على جانب يبعد في العرف الاطباق عليها من الجم الغفير فأما اذا ترجح احد الجانبين في مسلك الظن فلا بعد في الاطباق عليه إذ صفو الافهام بجملتها إلى الاغلب على ان الاجماع متصور انعقاده عن نص على ما سنذكره وذلك غير بعيد ولا يغني في الجواب قول القاضي ﵁ نرى النصارى على كثرتهم يطبقون على مذهب واحد وكذلك القول في اصحاب المذاهب كلها لان جامعهم التعصب ورابطتهم حدثنا التقليد واتباع الهوى وانما يبعد الاتفاق من الجماهير في مظان النظر اذا استقلوا بالنظر وإذا تبين تصوره فطريق العلم به ان ينقل عن جملتهم ذلك
[ ٤٠٠ ]
ويمكن تصويره في ملك سايس يجمعهم على صعيد واحد يستفتيهم فيتفقون او يراسلهم او يكاتب جميعهم ويعلم توافقهم في وقت واحد فهذا طريق تصوره والعلم به أما اثبات كونه حجة فقد تمسك الشافعي فيه بقوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى الآية تواعد على ترك إتباع سبيل المؤمنين فإذا أجمعوا على حكم فهو سبيلهم
فإن قيل تنطوي عليه السريرة ولا اطلاع عليها فما ندري ان الذبن اجمعوا اهم المؤمنين الذين يجب اتباعهم ام لا قلنا لم نكلف البحث عن الضمائر وانما امرنا ببناء الأمر على الظاهر واذا اجمعت الأمة على حكم يجب القضاء بأنهم هم المؤمنون إلا انه ينقدح حمل الآية على ترك الايمان والمخالفة فيه ويشهد له قوله قبله ومن يشاقق الرسول وهذا ان لم نقطع به فهو محتمل والقطيعات ابن لا تثبت بالمحتملات
[ ٤٠١ ]
ومما تمسك به الأصوليون قوله ﵇ لا تجتمع امتي على ضلالة وروى على الخطأ ولا طريق إلى رده بكونه من إخبار الآحاد فإن القواعد القطعية يجوز اثباتها بها وان كانت مظنونة كما سيأتي في كتاب القياس
[ ٤٠٢ ]
ولكن هذا الحديث يحتمل حمله أيضا على البدعة والضلالة في الدين والاعتقاد وعلى الاخلال بأصل الدين فضعف التمسك به من هذا الوجه فان قيل فما المختار عندكم في اثبات الاجماع قلنا لا مطمع في مسلك عقلي إذ ليس فيه ما يدل عليه ولم يشهد له من جهة السمع خبر متواتر ولا نص كتاب واثبات الاجماع بالإجماع تهافت والقياس المظنون لا مجال له في القطيعات وهذه مدراك قوله الاحكام ولم يبق وراءه إلا مسالك العرف فلعلنا نتلقاه منه فنقول الاجماع يعرض على ثلاث صور الصورة الاولى
ان تجمع الأمة على القطع في مسالة مظنونة فإذا قطعوا قولهم وقد كثر عددهم بحيث لا يتصور منهم في طرد العادة التواطؤ على الكذب فهذا يورث العلم إذ يستحيل في العادة ذهولهم وهم الجمع الكثير عن مسلك الحق مع كثرة بحثهم وإغراقهم في الفحص عن مأخذ الأحكام ففرض الغلط عليهم كفرضه على عدد التواتر إذا أخبروا عن محسوس لأن هؤلاء قطعوا في غير محل القطع ولا يظن بهم التحكم
[ ٤٠٣ ]
فيعلم على الضرورة أنهم تلقوا من نص عن الشارع مقطوع به فهذا مسلك إثباته وهو قريب مما ذكرناه في أخبار التواتر فإن قيل لو رأوا نصا لنقلوه قلنا لا بعد في اندراسه على ممر الأيام استغناء عنه لاستفاضة مقصوده وركونا إلى إطباق الناس على العمل به فإنا نعلم أنهم لا يقطعون في غير مظنة القطع هزلاء له فكانت الحجة مستند الإجماع إذن والإجماع وسيلة إلى الحجة فإن سميناه حجة فيجوز كما يسمى رسول الله ﷺ آمرا وناهيا والأمر والنهي إلى الله تعالى وهو مجاز الصورة الثانية أن يطبقوا في مسألة ظنية على حكم واحد من غير أن ينقل عنهم القطع بذلك فطريق إثباته أنا نعلم أن التابعين لو رأوا من يبدي خلاف ذلك لشددوا القول عليه بالتخطئة والتضليل قاطعين بأنه أساء وتعدى في مقالته ولا يقطعون بذلك تحكما وهزلا فنعلم ان مستندهم حديث قاطع حملهم على
الإنكار على خارق الإجماع
[ ٤٠٤ ]
فالتحقت هذه الصورة بالصورة الأولى إذ نهايته قطع لا في محل القطع الصورة الثالثة أن يشتوروا في مسألة ويستقر رأيهم على حكم ويجمعوا عليه وكانوا بايحين ذلك بأنهم قالواه عن قياس وظن غالب راجح فيعلم ضرورة من التابعين تشديدهم النكير على من يبدي خلافا وهذا قطع منهم لا في محله فالتحقت بالصورة الأولى ولا يبعد أن يكون قوله لا تجتمع أمتي على الخطأ مستندهم في قطعهم بذلك أو حديث آخر أوضح منه فإن قيل فهل يتصور انعقاد إجماع عن قياس قلنا أنكره منكرون وتعلقوا بأن القياس مظنون وهو مختلف فيه فكيف يتلقى منه قاعدة قطعية والمختار تصور انعقاده منه كما ذكرناه لعلمنا بإبداء التابعين النكير على المخالف بعد استمرار العصر الأول عليه فإن اشتوروا وحكموا به قياسا فهذا قطع منهم لا في محله فيستدعي مستندا قاطعا بحكم العرف كما ذكرناه ويمكن أن يتمسك عليه بقوله لا تجتمع امتي على الخطأ
[ ٤٠٥ ]
فإذا اجتمعوا على قياس كان حقا في نفسه لا يسوغ خلافه كما أنهم لو أجمعوا على أصل القياس وجب اتباعهم فالإجماع على نوع من القياس يتبع أيضا
وقولهم الظن لا يتلقى منه القطع ليس كذلك فإنا نتلقى القطع بوجوب العمل بأخبار الآحاد وإن تطرق إليه خيالات لإستناده إلى إجماع مقطوع به وكذلك هذا وإذا تلقينا الإجماع من العرف لم نخصصه بشرعنا وخصصه من تلقاه من الحديث لتخصيص الرسول أمته وأحكام العرف لا تتفاوت بإختلاف الشرائع ولا نخصصه بالصحابة بل نحكم به في كل عصر بعدهم وهذا خارج عن حكم الخبر والعرف جميعا وقال قائلون يختص بالصحابة فإن قيل فهل تكفرون خارق الإجماع قلنا لا لأن النزاع قد كثر في أصل الإجماع لأهل الإسلام والفقهاء إذا أطلقوا التكفير لخارق محمد الإجماع أرادوا به إجماعا يستند إلى أصل مقطوع به من نص أو خبر متواتر والله أعلم
[ ٤٠٦ ]