رتب علماء الأصول القياس على خمس مراتب
المرتبة الأولى المفهوم من الفحوى كتحريم ضرب التعنيف من فهم النهي عن التأفيف والثانية تنصيص الشارع على قياس والثالثة إلحاق الشئ بما في معناه كقولنا الأمة في معنى العبد والرابعة قياس المعنى وهو ينقسم إلى الأجلى والأخفى والخامسة قياس الشبه وهو مصدر بالطرد والعكس وقال الأستاذ القياس ينقسم إلى مظنون وإلى معلوم
[ ٤٣٢ ]
ثم المعلوم قد يقرب دركه وقد يبعد مثاله لافتقاره إلى مزيد تأمل والمظنون ينقسم إلى جلي وخفي إلى أن تتعارض الظنون فيرجح بمسالك نذكرها في الترجيح قال القاضي الظنون متقاربة لا ترتيب فيها ولم يقم لمسالك الظنون وزنا ومنه ثار الخلاف بينهما في تصويب المجتهدين على ما سنذكره ولم يختلفوا في أن قياس المعنى والشبه من أبواب القياس وما عداها من الأقسام الثلاثة اختلفوا فيها أعني المفهوم من التأفيف ومنصوص الشارع وإلحاق الأمة بالعبد وأما فحوى الخطاب وهو فهم تحريم الضرب من آية التأفيف فقال قائلون إنه قياس لأنه ليس بمنصوص وهو ملحق بالنص ولا معنى للقياس سواه
قال القاضي ليس بقياس لأنه مفهوم من فحوى فهم المنصوص من غير حاجة إلى تأمل وطلب جامع والمختار أنه من المفهوم لا لما ذكره القاضي إذ لا يبعد في العرف أن يقول الملك لخادمه اقتل الملك الفلاني ولا تواجهه بكلمة سيئة فليس
[ ٤٣٣ ]
فهم ذلك من اللفظ من صورته ولكن لسياق الكلام وقرينة الحال فهم على القطع إذ الغرض منه الاحترام فلا يعد قياسا والخلاف آيل إلى عبارة وأما منصوب الشارع نصا في حق شخص معين هل يعد قياسا قال قائلون لا يعد قياسا لأنه مفهوم من النص فهو الحكم وتأيدوا بأمور أحدها أن خطاب رسول الله ﷺ يعمم على جميع الأعصار ولا يعد ذلك قياسا ومنها أن الشارع لو قال لشخص لا تأكل اللبن فإنه سم فهم على القطع منه أن سبب تحريمه كونه قاتلا في حق جميع الناس من نفس النص ومنها أن هذا القياس إن لم يفهم من النص فهو محال وإن فهم فأي حاجة إلى القياس والمختار أن هذا قياس لا تنقطع مواد النظر عنه وعلينا نظران فيه أحدهما بيان محله
[ ٤٣٤ ]
والثاني بيان أنه لا يتخصص وعلل الشارع يجوز تخصيصها ويتبين هذا بضرب مثال وهو أن يقول الرجل لوكيله بع هذا الغلام
فإنه سيئ الأدب أو ذميم الوجه فوجد في غلمانه من هو فوقه في ذلك المعنى لم يبعه وكذلك الشارع قد يطلق الرجم ويعلله بالزنا ولا يتعرض للإحصان ثم نحن نستنبطه ويستند هذا إلى أمر وهو أن القياس ليس موجبا لذاته ولكنه أمارة الحكم شرعا وهذه أمارة نصبها الشارع وأما ما ذكروه من إلحاق أحد العصرين بالآخر فينقلب عليهم فإنه لا يفهم أيضا من اللفظ فما مستنده فسيقولون هو الإجماع فنقول الإجماع أغنانا عن القياس فيه وأما ما ذكروه من أمر السم فذاك مفهوم من القرينة لا من اللفظ إذ بأن على القطع شفقة الشارع على جميع الخلق وأما إلحاق الشئ بما في معناه قال قائلون إنه قياس
[ ٤٣٥ ]
والمختار أنه ليس بقياس ولا منصوص أيضا ولكنه مفهوم من النص على الاضطرار من غير افتقار فيه إلى افتكار ثم قالوا فائدته إن كان قياسا قدم على الخبر وإلا فلا وقال الأستاذ أبو اسحق هو قياس ولكن لا يقدم على الخبر وهذا ما نعتقده في منع التقديم والخلاف بعده يرجع إلى إطلاق عبارة ولا بد من ذكر ضابط لهذا القسم وقد قال الأستاذ أبو اسحق هو منقسم إلى ما يستند إلى ما منه اشتقاق النص كالأمة مع العبد إذا قال عبد وعبدة إذ العبودية تشملهما
وما لا يستند إليه فهو دونه والضابط عندنا لهذا القسم ما يهجم الفقيه على فهمه من غير تدبر ونظر فيقع معلوما على الضرورة فلو صار نظريا خرج عن كونه معلوما والعجب أن العلوم العقلية تنقسم إلى النظرية والضرورية وهذا لا انقسام فيه نعم يدرك المرء تفاوتا بين علمه بنفسه وعلمه بغيره فمثل هذا
[ ٤٣٦ ]
التفاوت لا ينكر وقوعه ههنا وهو في الرتبة دون فهم الفحوى كما ذكرناه في تحريم التأفيف لأن ذلك يشترك في دركه العوام والخواص وكون الأمة في معنى العبد لا يدركه إلا الفقيه المتثبت وذلك لا يخرجه عن كونه معلوما كما أن التواتر المورث للعلم يعتبر في كل فن في حق أهل الخبرة به في القراءة بالقراء وفي الحديث بالمحدثين وبالله التوفيق
[ ٤٣٧ ]