ويحصر مجموعه تسع مسائل مسألة ١ المراسيل مردودة عند الشافعي ﵁ إلا مراسيل سعيد ابن المسيب والرسل الذي عمل به المسلمون
[ ٣٦٤ ]
وصورته ان يقول التابعي قال رسول الله ﷺ ولم يلقه او يقول حدثني الثقاة او اخبرني رجل ولم يذكر اسمه وقبل ابو حنيفة ﵁ المرسل ومنهم من قدمه على المسند واعترض القاضي على الشافعي ﵁ في استحسانه مراسيل سعيد ابن المسيب وقال ما الفرق بينه وبين غيره وقال قال الشافعي ﵁ مراسيله مسانيد ولكنه لا يذكر لكثرة شيوخه فإذن قد استحسن مسانيده لا مراسيله وقال القاضي لم قلت اذا عمل به الأمة كان مقبولا نعم الاجماع هو المقبول والعمل ان كان متلقى منه فلا أثر للمرسل وان تلقى من الحديث فليقبل دون الاجماع
[ ٣٦٥ ]
وتمسك الشافعي ﵁ بأن قال اذا أرسل الناقل الحديث فحقه ان يذكر من اخبر به ليبحث عن حاله فربما لا يكون ثقة وتمسك القائلون بأن العبادلة الاربعة لم يدركوا إلا اواخر عمر الرسول ﷺ ولم يسمعوا منه إلا اخبارا معدودة ثم لم يقتصروا في النقل عليها قطعا ولذلك غزر علمهم وكثرت روايتهم ثم كانوا يقولون قال رسول الله ﷺ من غير اسناد إلى واحد ولم يزعهم عن ذكر ذلك دينهم ولا اعترض عليهم غيرهم فدل ان الارسال جائز مقبول يحققه ان الرجل العظيم القدر في هذا الشأن اذا جزم قوله وقال قال رسول الله ﷺ او قال اخبرني الثقة بكذا فالثقة به ابلغ مما اذا ذكر اسم الرجل فإنه يطرق أمره اذا قال هو ثقة وثبت في كون الحديث صادرا من فلق في رسول الله ﷺ والمبتغى هو الثقة
[ ٣٦٦ ]
قال القاضي والمختار عندي ان الامام العدل اذا قال قال رسول الله ﷺ او اخبرني الثقة قبل فأما الفقهاء والمتوسعون وهو في كلامهم قد يقولون ذلك لا عن تثبت فلا يقبل
[ ٣٦٧ ]
ومنهم من قال هذا هو منقول عن الحسن البصري والشافعي ﵄ ولا يقبل في زماننا هذا وقد كثر الرواة وطال البحث وتشعبت الطرق فلا بد من ذكر اسم الرجل
والأمر على ما ذكره القاضي إلا في هذا الاخير فإنا لو صادفنا في زماننا متثبتا في نقل الاحاديث مثل مالك ﵁ قبلنا قوله قال رسول الله ﷺ ولا يختلف ذلك بالاعصار ﷺ ثم قال القاضي تبينت ان مذهب الشافعي ﵁ قبول المراسيل فإنه قال في المختصر اخبرني الثقة وهو المرسل بعينه وقد اورده لينقل عنه ويعتمد عليه ويعتقد معتمد مذهبه وعن هذا قبل مراسيل سعيد بن المسيب وانما رد ما تردد فيه
[ ٣٦٨ ]
مسالة ٢ اذا روى الراوي حديثا عن شيخه فروجع فيه فقال لا ادريه فالحديث مقبول عندنا إذ لم يكذبه وقال ابو حنيفة ﵁ هو مردود ومثاله ما نقله ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري من حديث النكاح بغير ولي وقال ابن جريج راجعت الزهري في الحديث فقال لا أعرفه
[ ٣٦٩ ]
وتمسك أبو حنيفة ﵀ بأن التعويل على الثقة وقد انخرمت الثقة وعارض قوله قول شيخه ونزل هذا منزلة اتفاق اوبه شهود الاصل قبل القضاء وقولهم لا ندري ما ذكره شهود الفرع والاختيار عندنا قبوله لأن الثقة عندنا تنخرم اذا كذبه فأما اذا قال لا أدريه فحمله على
الذهول والنسيان ممكن فلا حاجة بنا إلى تكذيب عدل مع امكان التصديق وليس كذلك اذا كذبه إذ ليس أحدهما بالتصديق اولى نعم لا ننكر ان هذا في الثقة دون ما اذا وافق الشيخ ولكن نباهة الثقة غير معتبرة إذ حديث ينقله ابو عوانة في الثقة دون ما ينقله مالك مع نباهته وذلك لا يقتضي رده وانما يؤثر في الترجيح ولا وجه للنظر إلى الشهادة فإن مبناها على تعبدات ذكرناها ولذلك لا يراجع شهود الفرع مع حضور شهود الاصل بخلاف الرواية فإن منعوا ذلك استدللنا بسيرة الصحابة وقد علمنا انهم في مخاليف
[ ٣٧٠ ]
مكة والمدينة في حياة رسول الله ﷺ وحافتهما إذا كانوا يعتمدون على قول أبي بكر وعمر وغيرهم مع امكان الرجوع إلى الرسول ﷺ ونعلم ان النسوة لا يكلفن البروز إلى الرسول في كل حكم من الصلاة والطهارة بل كن يعتمدن فقال قول ازواجهن فلا وجه لانكاره مسألة ٣ اذا قال الصحابي من السنة كذا او سنة الرسول ﵇ كذا قال المحدثون هو كقوله قال رسول الله ﷺ كذا لأنهم يعبرون به عن قول النبي ﵇ وهذا تحكم فإن السنة يعبر به عن الطريقة والشريعة بدليل قوله تعالى سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا فلعله قاله قياسا وسنة النبي اتباع القياس
وكذا لو قال امرنا بكذا فإنه أمر باتباع القياس وان كان هو أظهر من الاول
[ ٣٧١ ]
ولو قال أمرنا رسول الله ﷺ فهو كراوية قوله مثل قول صفوان بن عسال أمرنا رسول الله ﷺ اذا كنا مسافرين او سفرا ان لا ننزع خفافنا الحديث مسألة ٤ اوجب المحدثون نقل الفاظ رسول الله ﷺ على وجهها وغالوا حتى منعوا ابدال أي اسم الله تعالى باسم آخر من اسماء الله تعالى تمسكا بقوله ﵇ تضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ اوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه والمختار ان الالفاظ منقسمة إلى ما يتميز بخاصية الاعجاز وهو الفاظ القرآن ولا بد من نقلها إذ الاعجاز بها يتعلق
[ ٣٧٢ ]
وما لا اعجاز فيه ينقسم إلى ما يتعلق به تعبد لا بد من قراءته كألفاظ التشهد فلا بد من روايتها على وجهها ومالا يكون كذلك يجوز تغييره بشرط ان يكون الناقل على ثبت من تبقية المعنى بتمامه إذ لا تبعد في اللفظ والمعنى هو المبتغى مسألة ٥ اذا نقص الراوي شيئا من الحديث نظر فيه فإن كان المتروط لا يرتبط بالمنقول اصلا فذاك جائز وعليه درجت
الصحابة إذ كان رسول الله ﷺ يشرع لهم احكاما جمة في مجلس واحد وخطبة واحدة ثم كانوا ينقلونها متفرقة على حسب الحاجة وان ارتبط به بحيث لا يستقل المنقول بإفادة الغرض فلا يحل نقصانه فإنه اخلال بالغرض وان استقل الاول وكان الباقي يفيد مزيد وضوح فيجوز الاقتصار على الاول كما نقل عن ابن مسعود في بعض الروايات انه قال أتيت رسول الله ﷺ بحجرين وروثة لما استدعى ذلك مني فرمى الروث وقال انه رجس ولم ينقل قوله ابغ لي ثالثا
[ ٣٧٣ ]
وقد نقل عن الرسول ﵇ انه قال الثيب بالثيب جلد مائة والرجم وفي بعض الروايات لم ينقل الجلد قال الشافعي ﵁ لا أتلقى سقوط الجلد من الثيب من اقتصار الراوي إذ يحتمل ان النبي ﵇ كان قد ذكره في هذا الحديث أيضا فاستحقره ثنا الراوي بالنسبة إلى الرجم فاقتصر على نقل الرجم ولكنه مأخوذ من قصة ماعز وفعل رسول الله ﷺ مسألة ٦ القراءة الشاذة المتضمنة لزيادة في القرآن مردودة كقراءة ابن مسعود في آية كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات فلا يشترط التتابع خلافا لأبي حنيفة ﵁ فإنه قبله وهو يناقض أصله من حيث انه زيادة على النص وهو نسخ بزعمه كما
قاله في كفارة الظهار
[ ٣٧٤ ]
ومعتمدنا شيئان أحدهما أن الشئ إنما يثبت من القرآن إما لإعجازه وإما لكونه متواترا ولا اعجاز ولا تواتر ومناط الشريعة وعمدتها تواتر القرآن ولولاه لما استقرت النبوة وما يبتني على الإستفاضة لتوفر الدواعي على نقله كيف يقبل فيه رواية شاذة فإن قيل لعله كان من القرآن فاندرس قلنا الدواعي كما توفرت على نقله ابتداء فقد توفر على حفظه دواما ولو جاز تخيل مثله لجاز لطاعن في الدين ان يقول لعل القرآن قد عورض فاندرست المعارضة وجوابنا عنه أنه لو كانت لانتشرت وتوفرت ولتوفرت
[ ٣٧٥ ]
الدواعي والجبلات على نقلها مع تشوف الطاعنين في الدين إلى ابطاله المسلك الثاني مبنانا به فيما نأتي ونذر الاقتداء بالصحابة ﵃ وقد كانوا لا يقبلون القراءة الشاذة وعن هذا كسر عثمان ﵁ اضلاع ابن مسعود فكيف يقبل فإن قيل لا ينحط عن خبر الواحد فليعمل به
قلنا العمل به ينبني على كونه من القرآن وقد بطل ذلك ثم مستندنا في العمل بخبر الواحد سيرة الصحابة وهم لم يعملوا به مسألة ٧ اذا انفرد بعض النقلة بزيادة في اصل الحديث قبلت الزيادة خلافا لأبي حنيفة ﵁ وقد عول على انه يبعد ان يحضر مجلس الرسول ﷺ جمع قد اعتنوا بحفظ كلامه ثم يختص بعضهم بسماع كلمة مع ذهول الاخرين عنه
[ ٣٧٦ ]
والعجب انه لم يتنبه لهذا في القرآن ومبناه على الاستفاضة والتواتر واعتبره في غير مظنته إذ وقوع غفلة او فترة لمعظم الحاضرين واختصاص البعض بالاستماع لا يحيله العرف والعقل والناقل عدل والجمع بينه وبين المقتصرين ممكن فلا يجعل للتهمة موضعا على ما قاله الشافعي نعم لو كذبوه وقالوا لم يقله فعند ذلك تبطل الثقة فلا يقبل فان قالوا ذلك مما يندر قلنا لا يرد حديث الثقة لندوره إذ قبل رواية من روى أن النبي ﷺ بال قائما مع ندوره بالنسبة إلى حاله وقد كان بحيث غشي عليه حياء لو انحلت عقد ازاره وانكشفت عورته والدليل عليه ان رجلين لو انفرادا من بين سائر الشهود في واقعة
[ ٣٧٧ ]
شهدوها وشهدوا على زيادة قبل ذلك منهم من غير التفات إلى الندور مسألة ٨ قال أبو حنيفة ﵁ إخبار الآحاد فيما تعم به البلوى مردودة فنقول ان عنيت به ما يعظم موقعه في القلوب وتتوفر الدواعي على نقله فمسلم وان عنيت به ما يتكرر في اليوم والليلة كالصلاة والطهارة فليس كذلك إذ معظم الصور المتعلقة بالصلاة والسهو فيها انفرد به الآحاد وقد ردوا مذهبنا في الجهر بالبسملة بهذا السبب وقالوا لو كان لاستفاض فإن البسملة متكررة وهذا يعارضه ان الاسرار لو وقع لاستفاض ايضا ثم يقال لهم اتقطعون هذا بكذب ناقل الجهر ام لا
[ ٣٧٨ ]
فإن قطعتم به فلا يدرك كذبه بضرورة العقل ولا نظره وان جاز وقوعه فهو عدل فلا وجه لتكذيبه والقول الوجيز أن ما يقتضي احلال الاستفاضة فيه اذا لم ينقل نفيه واثباته متواترا فهو محمول على احد امرين أما على قصور الدواعي وضعف الاعتناء بنقله واما على اندراسه بعد التواتر وهذا مما لا يعظم وقعه في القلب حتى يتواتر
والعجب انهم اثبتوا تثنية الاقامة بمثله وهو شعار الاسلام يتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات مسألة ٩ كل خبر مما يشير إلى اثبات صفة للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نظر ان تطرق اليه التأويل قبل وأول وان لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل
[ ٣٧٩ ]
فإن رسول الله ﷺ كان مسدد ارباب الالباب ومرشدهم فلا يظن به ان يأتي بما يستحيل في العقل وقوله ﵇ يضع الجبار قدمه في النار مقبول مؤول محمول على الكافر العتل قال رسول الله ﷺ اهل النار كل جبار جظ جعظري وتشهد له قرائن وهو قوله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقد علم الرب تعالى متسع النار وما يملؤها فكيف افتقر إلى وضع القدم وهلا جعل الحجارة حشوها كما قال تعالى وقودها الناس والحجارة وحمله على الظاهر نسبة جهل إلى الله تعالى عن قول الظالمين او لعجزه عن أن يملأ النار بخلق يخلقه
[ ٣٨٠ ]
ورب حديث علم علي القطع ازالة ظاهره كقوله ﵇ قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن وخلاف الظاهر فيه مشاهد
وقوله ﵇ خلق آدم على صورته فالهاء فيه قيل راجعة إلى آدم ومعناه أنشأه كذلك بخلاف من دونه فإنهم كانوا أولا على صورة الآباء وقد قيل سببه ان رسول الله ﷺ رأى رجلا يلطم وجه غلام فقال لا تفعل فإن الله تعالى خلق آدم على صورته والقول الوجيز ان كل ما لا تأويل له فهو مردود وما صح وتطرق اليه التأويل قبل والله أعلم
[ ٣٨١ ]