اذا اجمعت الصحابة في مسالة على قولين فإحداث مذهب ثالث عند بعض العلماء ليس خرقا لانهم اجمعوا على تسويغ الخلاف وفتحوا بابه والمختار انه خرق لانهم اجمعوا على الحصر فذهولهم عبد عن الحق على ممر الايام مع كثرتهم محال ولكن لا بد من طول الزمان وليكن اطول مما يعتبر في الاجماع على قول واحد
فأما إذ اجمعوا على قولين ثم اجمع العصر الثاني على أحدهما هل يخرمه الخلاف بعده قال القائلون يخرم لان الأمة لا تجتمع إلا على الحق فصار هذا حقا قطعا وقال الشافعي والقاضي ﵄ وهو المختار لا يخرم الخلاف لان الاولين اجمعوا على تسويغ الخلاف فمن لم يجوز فقد خرق
[ ٤١٧ ]
الاجماع ولكن ينبغي ان يبقى هذا الاضراب بينهم في الزمان لو فرض مثله على قول واحد لكان اجماعا فأما اهل العصر الاول اذا اجمعوا على احد المذهبين بعد الاختلاف فاختلفوا في هذه المسألة أيضا كما في اجماع اهل العصر الثاني والمختار انه ان فرض في صورة القطع في غير محله فالرجوع إلى مذهب واحد بعد القطع بجواز الخلاف لا يفرض في العرف ومن احادهم يحمل على الغلط فأما اذا لم يقطعوا بتسويغ الخلاف فالرجوع بعده إجماع قبل انقارض العصر إذ تبين به عدم الاصرار والإجماع على الخلاف وبعد انقضاء مدة الإجماع لا يفرض الرجوع فان قيل اجمعت الصحابة في مسالة رد الثيب اذا وطئت بالعيب على منع الرد مع العقر فلم احدثكم مذهبا ثالثا قلنا ذلك منقول عن الآحاد ولا ينتشر مثل هذه الواقعة فلا إجماع فيه ولا معنى لقول بعض اصحابنا انهم قد قالوا على الجملة بأصل الرد فقد وافقناهم فيه
[ ٤١٨ ]
إذ الرد مع العقر يناقض الرد مجانا من جميع الوجوه إذ لو فرض الإجماع عليه لكان الرد مجانا خرقا للاجماع فان قيل بماذا يتبن رجوع المفتي عن مذهبه قلنا اذا افتى بتحريم ثم أفتى بنقيضه فقد رجع وكذا اذا قال رجعت فلو أفتى وقطع به ثم أفتى بنقيضه فقد رجع عن مذهبين أحدهما الحكم والاخر القطع به وان كان تردد ابتداء فليس ذلك مذهبا في تقدير القطع به لعده رجوعا وان ارتكب خلافه لم يكن رجوعا لانه ليس معصوما ويتصل به انه لو أفتى ابو بكر ﵁ في مسالة وافتى عمر ﵁ فيها بنقيضه وهما علما وقوع الاختلاف يستبان من خلافهما مع عدم النكير إجماع على الخصوص على ان المسالة مختلف فيها وان لم يصرحوا به وذلك معلموم عليه بقرينه الحال قطعا إذ لو كان مقطوعا لما تركوا النكير فيه وقال قائلون لا يتبن به لانه ليس مصرحا به كالفعل وهو فاسد لما ذكرناه من القرينة والله أعلم
[ ٤١٩ ]