قال علماء الأصول الآحاد ينقسم إلى ما يعلم صدقه وإلى ما يعلم كذبه وإلى ما يتردد فيه أما ما يعلم صدقه ينقسم إلى ما يعلم بضرورة العقل كإخبار المخبر عن استحالة اجتماع المتضادين وإلى ما يعلم بنظر العقل كإخبار المخبر عن حدث العالم وإلى ما يعلم بالسمع كإخبار من قال رسول الله ﷺ هو صادق
وإخبار الرسول ﵇ عن الصراط والجنة والنار قالوا ومن هذا القسم خبر الواحد إذا عمل بموجبه أهل الإجماع وأما ما يعلم كذبه فينقسم إلى هذه الأقسام وهو الإخبار عن عكس هذه الأمور
[ ٣٣٤ ]
وهذا وإن كان صحيحا فلا فائدة له في كتاب الأخبار فإن غرض الكتاب بيان ما يتلقى علمه من الخبر وهذه الأمور معلومة لا من الخبر وما ذكروه من انعقاد الإجماع على العمل وكونه دليلا على صدق خبر الواحد ليس كذلك فان قيل لا تجتمع الأمة على الضلالة قلنا ما اجتمعوا على صدقه بل اجتمعوا على العمل به فنقول العمل واجب ومستنده هذا الحديث المتردد بين الصدق والكذب والمختار في التقسيم ان يقال الخبر المعلوم صدقه على القطع ما استجمع شرائط التوتر وذلك لا ضابط له والمعلوم كذبه اقسام منها تحدي الرجل بالنبوة مع العجز عن اقامة المعجزة يدل على كذبه إذ لو كان رسولا لأيد وإن بمعجزة
[ ٣٣٥ ]
فإن تكليف الإتباع من دونه مما لا يطاق وهذا محال هذا إن قال انا نبيكم
فأما اذا ادعى بانه يوحى اليه في نفسه فيما يؤمر به وينهى عنه فلا يعلم كذبه بذلك وكذلك اذا قال معجزتي ان الله تعالى ينطق هذا الحجر فنطق بتكديبه فيعلم كذبه إذ لو كان صادقا لما اظهره على هذا الوجه بخلاف ما لو قال معجزتي ان احي هذا الميت فأحياه فنطق بتكذيبه لانه ذو اختيار كسائر الخلق والاعجاز في احيائه ومما يعلم كذب المخبر فيه انفراد الرجل بالاخبار عن واقعة عظيمة تتوفر البواعث على نقلها وتواتر الخبر فيها كانفراد رجل واحد بالاخبار
[ ٣٣٦ ]
عن برزة الخليفة على هيئة خارقة للعادة على ملا من الناس في مفرق الطرق ومزدحم الخلق فيعلم كذبه إذ لو كان لتوفرت الدواعي على نقله ولإستحال كما انفراده به وسكوت الباقين عن نقله فإن قيل فلم اختلف الناس في النبي ﵇ انه دخل مكة صلحا او عنوة وقد كان في مزدحم الخلق وقد تمسكتم فيها بأخبار الآحاد قلنا تواتر كونه ﷺ شاكا في السلاح متهيئا لاسباب الحرب وانما الخلاف في جريان امان لهم وذلك مما يخفي فلا يبعد انفراده الآحاد به فإن قيل لم لم يتواتر قران رسول الله ص أو افراده في الحج وقد كان احرم على الملأ من الناس قلنا لأن الميز بين الأفراد والقران مما يخفى ولا يدركه إلا الخواص
فلا يبعد استبهامه هو فإن قيل انشقاق القمر لم يتواتر
[ ٣٣٧ ]
قلنا أنكره الحليمي لذلك واعتذر القاضي بأنها كانت آية ليلة أظهرت في جنح الليل ولم يكن مع النبي ص إلا أشخاص معدودة في وقت استرسال ثوب الغفلة على الناس فلذلك لم يتواتر فإن قيل الإقامة من شعائر الإسلام فهلا تواتر الأفراد إذا كان واقعا
[ ٣٣٨ ]
قال القاضي اقطع بأن بلالا كان يثني ويفرد فلم يطرد الإفراد على التجرد دون التثنية فلذلك تعارضت الأخبار فإن قيل لم لم يتواتر التثنية والافراد جميعا قلنا لضعف اعتناء الناس به فانه كان يخفض الصوت بها نهارا والمختار في الجواب القطع بان الافراد كان متواترا في العصر الاول إلا ان النقلة اضربوا عن نقله استغناء بالاستفاضة والاجماع من حيث الفعل وحيث انقرض العصر احدث بعض التابعة التثنية ولم يبق ممن عاين عصر رسول الله ﷺ سوى الآحاد ولا يبعد ان يتواتر خبر عظيم ثم تنحبس الدواعي على ممر الايام وتندرس فقد تقررت هذه القاعدة واستمرت وعليه بنينا الرد على الروافض حيث ادعوا نصا من الرسول على امامة علي كرم الله وجهه
[ ٣٣٩ ]
فان الصحابة اشتوروا بعد وفاة الرسول ﵇ واضطربو وسلم فيمن ينصب له حتى اتفقوا على أبي بكر ﵁ ولم ينقل احد عن الرسول ﵊ النص ولو كان لتوفرت الدواعي على ابدائه ونقله وكذلك اليهود إذ نقلوا عن موسى ﵇ انه خاتم النبيين قيل لهم تحدى رسول الله ﷺ على اليهود وكانوا ينازعونه في بعثه ولم ينقل احد من احبارهم ذلك ولو كان لتوفرت الدواعي على نقله وايضا فلا يمكنهم انكار معجزة عيسى ﵇ من احياء الموتى وغيره ولو صدقوا لما ظهرت المعجزة بعد وأما المتردد فيه فجملة اخبار الآحاد وكل ما لم يستجمع شرط التواتر وأمكن وقوعه ومن هذا القسم انفراد رجل واحد ينقل حالة لرجل عظيم اذا تخيلنا استناد سكوت الباقين إلى سياسة واياله عنه ذي اياله إن هذا تمام الكلام في هذا القسم والله اعلم
[ ٣٤٠ ]