قال الشافعي ﵁ من استحسن فقد شرع
[ ٤٧٦ ]
ولا بد أولا من بيان حقيقة الاستحسان وقد قال قائلون من أصحاب ابي حنيفة ﵁ الاستحسان مذهب لا دليل عليه وهذا كفر ممن قاله وممن يجوز التمسك به ولا حاجة فيه إلى دليل وقال قائلون هو معنى خفي تضيق العبارة عنه وهذا أيضا هوس فإن معاني الشارع إذا لاحت في العقول انطلقت الألسن بالتعبير
عنها فما لا عبارة عنه لا يعقل والصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي وقد قسمه أربعة أقسام منها اتباع الحديث وترك القياس كما فعلوا في مسألة القهقهة ونبيذ التمر ومنها اتباع قول الصحابي على خلاف القياس كما قاله في تقدير أجرة
[ ٤٧٧ ]
رد العبد الآبق بأربعين اتباعا لابن عباس ﵄ وتقدير ما يحط عن قيمة العبد إذا ساوى دية الحر أو زاد بعشر اتباعا لابن مسعود ومنها اتباع عادات الناس وما يطرد به عرفهم كمصيرهم إلى أن المعطاة صحيحة لأن الاعصار لا تنفك عنه ويغلب على الظن جريانه في عصر الرسول ومنها اتباع معنى خفي هو اخص بالمقصود وامس له من المعنى الجلي فنقول أما اتباع الخبر تقديما له على القياس فواجب عندنا ابو حنيفة لم يف به في مسألة المصارة والعرايا وخيار المتبايعين ولم يستحسن اتباع هذه الاحاديث مع اتفاق ائمة الحديث على صحتها وضعف حديث القهقة واما قول الصحابي اذا خالف القياس فهو متبع عندنا وخالفه ابو حنفية في مسألة تغليظ الدية مع ما نقل فيه عن الصحابة وتقدير ابن عباس أجرة رد الأبق بأربعين يحتمل ان يكون بحكم مصالحة او مصلحة اقتضاها نزاع في تلك الحالة
[ ٤٧٨ ]
وقول ابن مسعود في قيمة العبد يلتفت على قياس الذمية ومراعاتها وتقدير الحط ملاحظة لنصاب السرقة فإنه عظيم في الشرع يظهر التفاوت فيه فلذلك لم نتبعه وأما دعواه بأن عمل الناس متبع في المعاطاة لأن الأعصار فيه لا تتفاوت تحكم فإنا نعلم ان العقود الفاسدة والربويات في عصرنا أكثر منه في إبتداء الإسلام وصفوته وعوام الناس لا مبالاة بأجماعهم حتى يتمسك بعملهم واما اتباع المعنى الخفي اذا كان اخص فهو متبع لان الجلي الذي لا يمس المقصود باطل معه او مقدم عليه ولكن أبا حنيفة لم يف بموجبه حتى أتى بالعجائب والآيات وسماه استحسانا فقال يجب الحد على من شهد عليه اربعة بالزنا في اربع زوايا كل واحد منهم يشهد عليه في زاوية وقال لعله كان يزحف في زنية واحدة في الزوايا واي استحسان في سفك دم مسلم بمثل هذا الخيال مع انه لو خصص كل
[ ٤٧٩ ]
شهادة بزمان وتقاربت الازمنة واحتمل استدامة الزنا في مثلها لا حد وذلك اغلب في العرف من تخيل سحبها في زوايا البيت بزنا واحد فهذا ونحوه من الاستحسانات الباطلة وما استند إلى مأخذ مما ذكرناه صحيح فهو مقول به والله اعلم بالصواب
[ ٤٨٠ ]