وننقحه لأنه بتوجيه الاشكالات والانفصال عنها فنقول كل معنى مناسب للحكم مطرد في احكام الشرع لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب او سنة او إجماع فهو مقول به وان لم يشهد له اصل معين ثم اقسامه لا ضبط لها فإنها لا يحويها عد ولا يضبطها حد فقد يتفق معنى مرسل يفيد أمرا كليا على اجمال وقد يفيد حكما جزئيا في صورة خاصة وقد يستثار أخبرنا من عكس علة إذ العلل يفيد عكسها عندنا نفي الحكم كما يخيل طردها على ما سيأتي وقد يفهم من قصد الشارع كقوله ﵇ لا نكاح إلا بولي وشهود يفهم العدالة لان مقصوده الاثبات
[ ٤٦٥ ]
إلى غير ذلك من اقسامه فإن قيل ما الفرق بين مذهبكم ومذهب مالك ﵁ حيث انتهى الأمر به في اتباع المصالح إلى القتل في التعزير والضرب لمجرد التهمة وقتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ومصادرة الاغنياء عند المصحلة وما الذي منعكم من اتبعاها يا والحاجة قد تمس إلى التعزيز بالتهمة فان
[ ٤٦٦ ]
الأموال محقونة والسارق لا يقر واثباته بالبنية عسر ولا وجه لإظهارها إلا بالضرب وهذه مصلحة ظاهرة إلى غير ذلك مما عداها قلنا الفرق بيننا أننا تنبهنا لاصل عظيم لم يكترث مالك به وهو انا قدمنا الصحابة على قضية المصلحة وكل مصلحة يعلم على القطع وقوعها في زمن الصحابة ﵃ وامتناعهم عن القضاء بموجبها فهي متروكة ونعلم على القطع ان الاعصار لا تنفك عن السرقة وكان ذلك يكثر في زمن الصحابة ولم يعزروا بالتهمة ولم يقطعوا قط لسانا في الهذر مع كثرة الهذزان لو ولا صادروا يكون غنيا مع كثرة الاغنياء ومسيس الحاجات وكل ما امتنعوا عنه نمتنع عنه ومالك لم يتنبه لهذا الاصل فإن قيل روي ان عمر ﵁ صادر خالدا وعمرو بن العاص على نصف المال وقال لمن مد يده إلى لحيته ليأخذ القذى منها ابن ما أنبت وإلا أبنت
[ ٤٦٧ ]
يدك وقطع اليد لا توجبونه في مثله ولا المصادرة وقد فعله قلنا نعلم انه لو لم يبن ما أبان لما قطع يده ولكن ذكره تهويلا وتخويفا وتعظيما لأبهة الإمامة كيلا يباسط فتضعف حشمته في الصدرور مع وأما مصادرة خالد فلا تدل على جواز المصادرة مطلقا لأن عمر كان أعلم بأحوالهما وكان يتجسس بالنهار ويتعسس بالليل وكان قد نصب خالدا أميرا في بعض البلاد فجمع عليه أموالا عظيمة فلعل عمر اطلع على أمر خفي اقتضى ذلك وذلك مسلم لمثله وهو الذي كان يقول لو تركت جرباء على ضفة واد لم تطل بالهناء فأنا المجيب عنها يوم القيامة فلا ينبغي ان يتخذ ذلك ذريعة إلى مصادرة الأغنياء على الإطلاق كيف وقد كثر الأغنياء في زمن الصحابة ﵃ فلم يتفق ذلك مع غيرهم قط والتمسك بهذا القطع أولى
[ ٤٦٨ ]
فإن قيل حد السرقة شرع للزجر وقد يسرق المرء ما دون الربع بحبة فيحتاج إلى الزجر فهلا زجرتموه سعيد قلنا تقديرات الشرع متبعة لا تغير ويسحب ذيل الحسم على تفاصيل الصور وهذا من أعظم المصالح فإن تتبع تفاصيل الأحوال غير ممكن فاتبعنا التقدير فيه ولم نقس فإن قيل ما بال علي قاس في حد الشرب وهو مقدر فقال من
شرب سكر ومن سكر هذي ومن هذي افترى فأرى أن أقيم عليه حد المفتري ورقى الحد إلى ثمانين للمصالح قلنا حد الشرب لم يكن مقدرا من جهة الشارع ولكنه كان ﵇ يأمر بالضرب بالنعال وأطراف الأكمام وقدره ابو بكر ﵁ بالأربعين وكان ذلك في مظنة الاجتهاد وعن هذا قال علي ﵁ ما أقمت الحد على رجل فمات فوجدت في نفسي أن الحق قبله إلا حد الشرب فإنه شئ أحدثناه بعد رسول الله ﷺ
[ ٤٦٩ ]
فإن قيل اليس قد روي أن عليا ﵁ كان يشق بطون أصابع الصبيان لأجل المصلحة وأنتم تركتم هذه المصلحة قلنا هذه المسألة في مظنة الاجتهاد لأن الشق اليسير قريب من الضرب في التخويف والصبيان يضربون على السرقة فنحن رأينا معنى أظهر منه فلذلك تركناه فإن قيل لو حدثت واقعة لم يعهد مثلها في عصر الأولين وسنحت بكر مصلحة لا يردها أصل ولكنها حديثة فهل تتبعونها قلنا نعم ولذلك نقول لو فرضنا انقلاب أموال العالمين بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة واشتباه المغصوب بغيره وعسر الوصول إلى الحلال المحض وقد رفع فما بالنا بقدر نبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال لأن تحريم التناول يفضي إلى القتل وتجويز الترفه تنعم في محرم وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس
عن معاملاتهم الدينية والدنيوية ويتداعى ذلك إلى فساد الدنيا وخراب العالم وأهله فلا يتفرغون وهم على حالتهم مشرفون على الموت إلى
[ ٤٧٠ ]
صناعاتهم وأشغالهم والشرع لا يرضى بمثله قطعا فيبيح لكل غني من ماله مقدار كفايته من غير ترفه ولا اقتصار على سد الرمق ويباح لكل مقتر في مال من فضل من هذا القدر مثله ويشهد لهذا قاعدة وهي أن الشخص الواحد إذا اضطر إلى طعام غيره أو إلى ميتة يباح له مقدار الاستقلال محافظة على الروح فالمحافظة على الأرواح أولى وأحق وكذلك نقول في المستظهر بشوكته المستولي على الناس المطاع فيما بينهم وقد شغر الزمان عن مستجمع لشرائط الإمامة ينفذ أمره لأن ذلك يجر فسادا عظيما لو لم نقل به
[ ٤٧١ ]
[]
[ ٤٧٢ ]
[]
[ ٤٧٣ ]