حووا به جميع مآخذ العلوم قالوا العلوم تنقسم إلى الضرورية والنظرية فأما الضرورية فتنقسم إلى سابقة ونتيجة ومثاله من الهندسة قولهم خطان متماثلان زيد عليهما مثلهما فهذه مقدمة وقولهم بعد ذلك الجملتان متماثلتان نتيجة ومثاله من الكلام قولك السواد والبياض ضدان فهذه مقدمة وقولك بعده والجمع بينهما غير مقدور نتيجة ثم قد تقع المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية كالتفرقة البديهية بين حال السكون والحركة مقدمة نتيجتها العلم بجواز وقوعها نظرا
[ ١١١ ]
وقد يكون على العكس كقول مثبتي حدوث العالم بعد إثبات الأعراض وحدوثها واستحالة خلو الجواهر عنها بطريق النظر إن ما لا يسبق الحوادث حادث وهذه نتيجة ضرورية من مقدمة نظرية فأما النظريات فينحصر مسلك مأخذها في أربع جهات رد غائب لشاهد ورد مختلف إلى متفق وسبر وتقسيم وتمسك بمسلك جدلي والمعنى بالغائب ما غاب عن علمك فترده إلى ما علمته
والتحكم بالجمع باطل إذ لو جاز لجاز للزنوج: الحكم على جميع الخلائق بالسواد وللمعطلة غير الحكم بأن لا نطفة إلا من آدمي ولا آدمي إلا من نطفة بدليل الفرض ولجاز لمن رأى نجارا صغيرا أن يقضي على جميع النجارين به ثم قالوا وجه الجمع الصحيح أربع
[ ١١٢ ]
جمع لعلة كقولهم العلم علة كون الذات عالمة فليكن كذلك في الغائب وجمع بالحقيقة كقولهم حقيقة كونه عالما قيام العلم به والجمع بالشرط كقولهم الحياة شرط العلم شاهدا فكذا غائبا والجمع بالدليل العقلي كقولهم رسم الخط المنظوم وإتقانه دليل على علم المتقن شاهدا فكذا غائبا وأما رد المختلف إلى المتفق كقولنا لمنكري استحالة خلو الجواهر عن الألوان إذا سلموا ذلك في الأكوان سبب استحالة خلوه عن الأكوان قبوله لها فكذا في الألوان وعكس ذلك مع من يعكس النزاع فيه وأما المسلك الجدلي كقولنا لهم إذا سلموا استحالة الخلو عنها في ثاني حال وجودها فليكن في أول حال وجود الجوهر كذلك إذ حقيقة الكون ما يخصص الجوهر بحيز وهذه التقاسيم عندنا باطلة
[ ١١٣ ]
والمختار
إن أساليب العقول لا ضبط لها فإن العلوم لا نهاية لها ولا ننكر ترتيب بعض العلوم على بعض وانقسامها إلى مقدمة ونتيجة ولكنها بعد الحصول ضرورية وإن غمض مدركها ولا دليل عندنا في العقل إذ لا رابط ولا جمع ونهاية النظر تجريد العقل عن الغفلات لما يعرض عليه ومن فعل ذلك أدرك المعقول وهو كتحديق أحمد البصر إلى صوب المرئي فإنه يفضي إلى العلم من غير تقدير دليل ونبين ذلك بمثال كلامي وآخر هندسي فأما الهندسي كقولهم في صدر كتبهم الكل أكثر من الجزء وهو ضروري والأشياء المتساوية كشئ واحد ثم يقال سائر الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى
[ ١١٤ ]
الخط المحيط بها من كل الجوانب متساوية وهذا أيضا معلوم ضرورة ثم يرتبون عليه العلم بأن المثلث المتساوي الأضلاع هو الذي تركبت آحاد أضلاعه من مراكز الخطوط الدائرة المتماثلة وهذا خفي يفتقر إلى تدبر ولكنه بعد العلم به ضروري كالأول وهكذا إلى الشكل الأخير إلا انه عسر الاحتواء عليها لتعلقها بمقدمات لا يحويها الذهن ويذهل عنها في غالب الأمر والمثال الكلامي كقول مثبتي الأعراض التفرقة الحاصلة بين الحركة والسكون مهجوم عليها من غير تأمل
[ ١١٥ ]
ثم العلم بجوازه يفتقر إلى تأمل في ابطال جهة الوجوب استنادا إلى إن تخصيصه ببعض الاوقات وبعض السمات مع تساويها في العقل دليل على بطلان الوجوب ويتعين عند بطلانه جهة الجواز إذ التقسيم حاصر ولا قسم سواه ثم يبتدي له بعد ذلك انه هل وقع جائزا بنفسه أو بمقتضى فليس إلا تنبه العقل واستبانته انه وقع بمقتضى إذ لو وقع بنفسه لما اختص ببعض الاوقات وبعض السمات ويدرك العقل ذلك بعد التنبه إدراكه التفرقة الضرورية ابتداء هكذا إلى نهاية النظر في حدوث العالم فقد بان أن لا دليل في العقل فها نحن نبطل تفاصيل تقاسيمهم فنقول أما الجمع بالعلة فكون العلم علة العالمية باطل إذ لا علية ولا معلول في العقليات عندنا
[ ١١٦ ]
فالعلم عين العالمية ولا فرق وإن سلم فنقول إن دل العقل بعد التجريد عن الغفلات للتدبر فيه أن العالمية في حق الرب مفتقرة إلى علم لا محالة فهو الدليل ولا حاجة إلى رد الغائب إلى الشاهد وإن لم يدل فلا مقنع في الجمع ثم علم الباري يخالف علمنا بالإتفاق
فكيف يقولون إذا دلت العالمية على العلم شاهدا ينبغي أن تدل في الغائب على علم يخالفه وكذا نقول في رد المختلف إلى المتفق ولا استرواح في المعقولات إلى إجماع ولا إلى مسلك جدلي وإلزام فإن دل العقل على شئ منها في محل النزاع فهو كاف وإلا فلا فائدة في الإتفاق وتسليم الخصم نعم ذلك يورد للتضييق وتبكيت الخصم إن جحد البديهة ليختزي بعد
[ ١١٧ ]
وأما التقسيم فقد مثلوه بقولهم في مسألة الرؤية الجوهر مرئي فلا يرى لجوهريته يقول بدليل العرض ولا لصفاته بدليل جواز تعلق الرؤية به عند تقدير عدم كل صفة تتخيل مصححة له فدل أن المصحح هو الوجود وعارضتهم المعتزلة أن الرب لا يرى الآن وليس ذلك لقرب مفرط ولا لبعد مفرط إذ ذاك محال عليه فدل أنه غير مرئي في نفسه وهذه التقاسيم عندنا باطلة إذ لا يستحيل أن يكون مصحح الرؤية أو مانعها أمرا آخر جهله السائل والمسئول إذ ليس التقسيم دائرا بين نفي وإثبات وإذا تطرق خيال بعيد إلى مظان القطع فسد والله أعلم
[ ١١٨ ]