لقد اختلف العلماء على مذهبين:
المذهب الأول: أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما:
"حكم تكليفي "، و" حكم وضعي ".
ذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين.
وهو الصحيح عندي، لذلك عرَّفنا الحكم الشرعي بما يعم
القسمين فقلنا: " هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء
أو تخييرًا أو وضعًا، وبيَّنا أثناء شرحنا للتعريف أن أنواع الحكم
الوضعي كالسببية، والشرطية، والمانعية - وغيرها مما سيأتي ذكره -
لم تستفد إلا من الشرع، لذلك كانت أحكامًا شرعية، ولا يوجد
فيها طلب ولا تخيير، فلزم ذكر قيد: " أو الوضع "، ليكون
التعريف شاملًا لجميع أفراد المحدود.
المذهب الثاني: أن الحكم الشرعي قسم واحد هو: الحكم التكليفي.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالبيضاوي وغيره.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء على ذلك بقولهم: إنه لا معنى لموجبية الدلوك
- مثلًا - إلا طلب الفعل عنده، ولا معنى لمانعية الحيض إلا حرمة
الصلاة معه، ولا معنى لصحة البيع إلا إباحة الانتفاع بالمبيع، فتكون
أنواع خطاب الوضع داخلة تحت الاقتضاء والتخيير.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأمرين:
[ ١ / ١٣٢ ]
أولهما: أن المفهوم من الحكم الوضعي غير المفهوم من الحكم
التكليفي.
فالمفهوم من الحكم الوضعي هو: تعلُّق شيء بشيء آخر، وربطه
به، مثل: الربط بين الوجوب على الشخص وبين الوقت، فيكون
دخول الوقت سببًا لوجوب الصلاة على هذا الشخص.
وهذا بخلاف المفهوم من الحكم التكليفي، فهما مفهومان متغايران.
ثانيهما: أن لزوم أحدهما للآخر في بعض الصور لا يدل على
اتحادهما في جميع الصور بدليل الفروق التي أوجدها بعض العلماء بين
الحكم التكليفي والوضعي، وسأذكرها فيما بعد بالتفصيل إن شاء اللَّه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المذهبين خلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على
إقرار الأحكام الوضعية كالسبب والشرط والمانع وغيرها - مما سيأتي -
ولم ينكرها أحد من الفريقين؛ حيث إنها أحكام شرعية متعارف
عليها؛ لأنها لم تصح إلا بوضع الشارع لها، مثلها مثل الأحكام
التكليفية ولا فرق بينها، لكن أصحاب المذهب الثاني أدخلوها ضمن
الحكم التكليفي، وأصحاب المذهب الأول أفردوها بالذكر.
والخلاصة:
أن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين هما:
النوع الأول: الحكم التكليفي، وهو: خطاب اللَّه - تعالى -
المتعلِّق بفعل المكلف بالاقتضاء والتخيير.
النوع الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب اللَّه المتعلِّق بجعل
شيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه إلخ.
وسيأتي بيان أقسام كل واحد من النوعين إن شاء اللَّه.
[ ١ / ١٣٣ ]