لما بيَّنا اللفظ، شرعنا في ذكر المعاني والنظر فيها، من حيث إنها
ثابتة في نفسها، وإن كان يدل عليها بالألفاظ؛ لأنه لا يمكن تعريف
المعاني إلا بذكر الألفاظ، فأقول:
أولًا: تعريف المعاني:
المعاني هي: الصورة الذهنية من حيث إنه وضعت بإزائها الألفاظ
والصورة الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقصد باللفظ سميت معنى.
ثانيًا: أقسام المعاني باعتبار أسبابها المدركة:
المعاني التي ندركها ونحيط بها ثلاثة أقسام، هي كما يلي:
القسم الأول: معاني محسوسة، وهي المعاني التي ندركها
ونعلمها عن طريق الحواس الخمس، كالألوان، ومعرفة الأشكال،
والمقادير، وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بحاسة السمع،
وكالطعوم بحاسة الذوق، والروائح بحاسة الشم، والخشونة
واللين، والصلابة والبرودة والحرارة والرطوبة واليبوسة بحاسة اللمس.
القسم الثاني: معاني متخيَّلة، وهي: القوة تتصرف في الصور
المحسوسة والمعاني الجزئية المنتزعة منها.
مثاله: أنك لما أبصرت البلح وعرفت أن لونه أحمر بقيت تلك
[ ١ / ١١٤ ]
الصورة في دماغك، كأنك تنظر إليها وإن كان البلح غائبًا، فلو ذكر
ذلك البلح - فيما بعد - فإنك تستحضر تلك الصورة من ذهنك
ودماغك، وتقول: إن لونه أحمر وإن كان غائبا عنك، لأن صورته
في دماغك، فإنك تتخيله، لذلك سمي معنى متخيلًا.
كذلك لما لمست الثلج لأول مرة ووجدته باردًا، فإنك لو سئلت
عنه - فيما بعد - لقلت: إن الثلج بارد وإن كان غائبا عنك،
وهكذا.
وهذه القوة - وهي قوة التخيل - لا ينفرد بها الإنسان، بل يشترك
معه فيها الحيوان.
أي: كما أنه يوصف الإنسان بأنه يتخيل الأشياء في الدماغ كذلك
البهائم تتخيل ولا فرق، فمثلًا: تجد " الفرس " إذا أكل شعيرًا مرة،
ثم رآه مرة ثانية في يوم آخر فإنك تجده يتحرك نحوه، ويحاول أن
يقترب منه، وذلك لأنه تذكر صورته وطعمه الذي حفظه له دماغه
وخياله، فلو كانت الصورة لم تثبت في خياله لما بادر إليه وتحرك
نحوه، وكذلك جميع الحيوانات إذا رأت طعامها الذي يقدم إليها،
بل إن بعض الحيوانات إذا رأت من يعطيها طعامها المحبب لديها
رفعت أصواتها، واقتربت منه، وما ذلك إلا لأنها تخيلت اللذة
التي توجد في تلك الأطعمة التي يقدمها لها ذلك الشخص.
القسم الثالث: المعاني المعقولة، وهي: التي ندركها عن طريق
العقل الذي هو: الآلة التي ندرك بها الأشياء ونميز بعضها عن بعض.
والعقل غريزة، وليس مكتسبًا، خلقه اللَّه تعالى في الإنسان
تشريفًا له يباين ويفارق به البهيمة، ويستعد به لقبول العلم، وتدبير
الصنائع الفكرية.
[ ١ / ١١٥ ]
وهذا خاص بالإنسان.
والعقل محله القلب وهو: مذهب الإمام مالك، والشافعي،
والأطباء، وكثير من العلماء وهو الحق عندي لأمرين:
أولهما: قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)
فعبَّر - هنا - عن العقل بالقلب؛ لأنه محله.
ثانيهما: قوله تعالى: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها)، فلو
لم يكن العقل موجودًا في القلب لما وصف بذلك حقيقة؛ لأن
الأصل إضافة كل عضو إليه لما يصلح له، فلا يمكن أن توصف الأذن
بأنه يشم بها أو يرى بها.
وقيل: إن محل العقل هو الدماغ، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقبل غير ذلك.
[ ١ / ١١٦ ]