كان الصحابة - ﵃ - في زمن - ﷺ - إذا حدثت حادثة أخذوا حكمها من الوحي، سواء كان مباشرًا وهو القرآن، أو
غير مباشر وهو السُّنَّة، فكانوا يلجأون في هذا كله إلى النبي - ﷺ -.
فلما توفي النبي - ﷺ - كان الصحابة - ﵃ - يأخذون حكم أي حادثة من الكتاب، فإن لم يجدوا حكمها فيه، أخذوه من السُّنَّة، فإذا لم يجدوا في السُّنَّة، اجتهدوا وبحثوا عن الأشباه
والأمثال، - ومعرفة العلل الشرعية، فيقيسون ما لم يكن بما كان،
ويجتهدون في معرفة المقاصد والمصالح، ونحو ذلك، ويحرصون
كل الحرص على الأخذ برأي الجماعة.
وسار التابعون - ﵏ - على هذا المنهج، وزاد بعضهم
أصلًا آخر، وهو الرجوع إلى فتاوى الصحابة - ﵃ -.
فكثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، وتعددت وجوهه، فبعضهم
يكتفي بظاهر النص، وبعضهم لا يكتفي بذلك، بل يغوص على
المعاني، فيرى أن أكثر الأحكام معللة، ثم يبنون على هذه العلل
الأحكام وجودًا وعدمًا.
فلما جاء عصر الأئمة المجتهدين: أصبح لكل إمام قواعد قد
اعتمدها في الفتوى والاجتهاد.
[ ١ / ٥٧ ]
وهذه القواعد موجودة ومنتشرة في مواضع مختلفة في كتبهم وكتب
تلاميذهم، وقد راعى هؤلاء الأئمة المجتهدون هذه القواعد في معرفة
الأحكام الشرعية، وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية، ومن
هؤلاء الإمام الشافعي - ﵀ - الذي وضع قواعده التي
اعتمدها في كتاب سمّاه بـ " الرسالة "، والإمام الشافعي لم يضع
القواعد الأصولية - كلها - في هذا الكتاب، ولكنه بهذا العمل
لفت أنظار العلماء من الباحثين المدققين إلى متابعة التدقيق، والبحث
والترتيب حتى أصبح علم أصول الفقه علما مستقلًا رتبت أبوابه،
وحررت أكثر مسائله، وجمعت مباحثه، وألَّفت فيه المؤلفات
والمصنفات على اختلاف في الطرق التي اتبعوها في التأليف
والتصنيف.
[ ١ / ٥٨ ]