ويشتمل على مسألتين هما:
المسألة الأولى: في بيان الحقيقة والمجاز.
المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز؟
[ ٢ / ٤٨٧ ]
المسألة الأولى: بيان الحقيقة والمجاز:
الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلًا كقولك: "رأيت
أسدًا "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ " الأسد " المقصود به:
الحيوان المفترس.
والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أصلًا لقرينة
كقولك: " رأيت أسدًا يخطب "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ
" الأسد " المقصود به: الرجل الشجاع، وذلك بسبب القرينة،
وهي كونه يخطب.
وسيأتي الكلام عن الحقيقة والمجاز بالتفصيل في الفصل السابع من
الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام.
***
المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز
أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن في القرآن مجازًا كما فيه حقيقة.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية صحيحة عنه، وهو مذهب
جمهور العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن القرآن عربي نزل بلغة العرب، قال تعالى:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)، ولغة
العرب يدخلها المجاز، فيكون القرآن قد اشتمل على المجاز؛ لأنه
نزل بلغتهم.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
والدليل على أن لغة العرب يدخلها المجاز هو: وقوعه فيها،
فاستعمل العرب لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، و" الحمار "
للرجل البليد، و" البحر " للرجل العالم، وقولهم: " قامت
الحرب على ساق "، وقال الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي
فهنا نسب الشاعر فعل الشيب، والإفناء إلى تعاقب الأيام
والليالي، وهذا لا شك في أنه مجاز.
والأمثلة على ورود المجاز في لغة العرب كثيرة لا تكاد تحصى.
ما اعترض به على هذا الدليل:
لقد اعترض على هذا الدليل باعتراضين:
الاعتراض الأول: أن العرب عبروا عن الرجل الشجاع بالأسد،
وعن البليد بالحمار، ولكن هذا التعبير حقيقي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان حقيقة فيه: لكان إذا
قال: " رأيت حمارًا " أنه لا يسبق إلى فهمه الحمار المعهود، بل
الذي يسبق إلى الفهم: الرجل البليد والحمار المعهود معا.، فلما
سبق فهمه إلى الحيوان البهيم دلَّ على أنه مجاز في الرجل البليد،
وأيضا: أنه لما احتاج إلى قرينة دلَّ على أنه مجاز؛ لأن الحقيقة تفهم
بدون قرينة.
الاعتراض الثاني: الحقيقة قد عمَّت جميع الأشياء، فلا نحتاج
إلى المجاز، فلم يعبر به القرآن؛ لأنه لا يفيد، وبالتالي يكون
عبثًا.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
جوابه:
نجيب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ بأن المجاز لا فائدة فيه، بل فيه فوائد
كثير:، ومنها:
١ - أن الكلام بالمجاز أبلغ وأفصح من الكلام بالحقيقة أحيانًا،
فمثلًا لو قال: " هذا بحر " يريد مدح آخر، أبلغ وأفصح من قوله:
" هذا رجل عالم بجميع العلوم ".
٢ - أن الكلام في المجاز يفيد الاختصار في الكلام، فمثلًا لو
قال: " هذا الرجل أسد " أخصر من قوله: " هذا الرجل يشبه
الأسد في الشجاعة ".
وكذلك إذا أراد أن يصف نفسه يقول: " سل عني سيفي "، ولا
يقول: "سل عني عليًا كيف فعلت وقتلت "، ولهذا قال تعالى:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، ولم يقل: " واسأل أهل القرية " مع أنه هو
المقصود، وذلك لاختصار الكلام.
٣ - أن الكلام في المجاز فيه تجنب ذكر ما يقبح ذكره كلفظ
"الخراءة "، فإنه حقيقة في الخارج المعتاد من الإنسان، فعدل عنه
الشارع إلى ذكر الغائط، أو قضاء الحاجة وهي مجاز.
ونحو ذلك مما سيأتي ذكره في أسباب العدول إلى المجاز، وذلك
في المطلب الخامس من المبحث الثاني من الفصل السابع من الباب
الرابع.
الدليل الثاني: أن المجاز وقع وورد في القرآن، بحيث يذكر
الشيء بخلاف ما وضع له، وهو إما زيادة، أو نقصان، أو
استعارة، أو تقديم، أو تأخير، من ذلك:
١ - قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإن المراد: واسأل أهل
القرية؛ لامتناع توجيه السؤال إلى نفس القرية.
[ ٢ / ٤٩١ ]
اعتراض على هذا:
اعترض أحدهم فقال: يجوز أن يأذن اللَّه تعالى للقرية أن تجيبهم.
جوابه:
نجيب عن ذلك: بأن اللَّه لم يخرج ذلك مخرج المعجزة، وإنما
أخرجه مخرج الخبر، وكل موضع في القرآن ذكر قرية فالمراد به أهل
القرية، مما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)،
ومعروف أن نفس القرية ما عتت عن أمر ربها، وأنها لا تحاسب
حسابًا شديدًا، ولا تعذب، وإنما المراد أهل القرية.
٢ - من ذلك قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)،
ومعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقة، فاستعاره له.
٣ - ومن ذلك قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)،
ومعروف أن الجدار لا إرادة له؛ لأن الإرادة يوصف بها من كان له
شعور، فاستعار الإرادة للجدار، وأريد به الميل القائم بالجدار.
٤ - ومن ذلك قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)
والغائط - حقيقة - يطلق على المنخفض من الأرض، وسمي ما يخرج من
الإنسان من الأذى بالمكان استعارة.
٥ - ومن ذلك قوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) والرأس لا يشتعل.
٦ - ومن ذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) والمقصود:
حب العجل.
٧ - ومن ذلك قوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)
ومعروف أن الأصنام نفسها لا تضل أحدًا.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
اعتراض على ذلك:
اعترض بعضهم على ذلك بقوله: إنا نسلم أن الله قد استعمل في
تلك الآيات اللفظ في غير ما وضع له، ولكن لا نسميه مجازًا،
وإنما زيادة، ونقصان، واستعارة، وتقديم، وتأخير.
جوابه:
نجيب عنه بأنا نسميه مجازًا؛ لصدق تعريف المجاز عليه، وأنتم لا
تسمونه بذلك، وتسمونه باسم آخر، فيكون الخلاف في التسمية
واللفظ - فقط - فلا خلاف بيننا وبينكم إذن.
المذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مجاز، بل كله حقيقه.
وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي الحسن
التميمي، وابن حامد، وبعض أهل الظاهر، والروافض.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن القرآن حق، والحق لا يكون إلا حقيقة، فلا
يدخله المجاز.
جوابه:
نقول - في الجواب عنه -: لا نُسَلِّمُ لكم ذلك فقد يكون باطلًا،
ويكون حقيقة مثل: أن فرعون أخبر اللَّه تعالى عنه في القرآن قائلًا:
(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب)،
ومعلوم أن هذا باطل وإن كان حقيقة.
وقد يكون حقًا ولا يكون حقيقة مثل ما قال - ﷺ -:
"يا أنجشة رفقًا بالقوارير " يقصد النساء، ومعروف أن كلام - ﷺ - حق، لكن ليس هو حقيقة؛ لأن القوارير هي غير النساء.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الدليل الثاني: أنه لو كان في القرآن مجاز: لجاز أن يسمى الله
تعالى متجوزًا أو مستعيرًا، فلما لم يجز أن يُسمَّى به: دلَّ على أن
القرآن لا يوجد فيه مجاز.
جوابه:
نجيب عنه: بأن أسماء اللَّه تعالى تثبت توقيفا، ولم تثبت اشتقاقا.
الدليل الثالث: أن المجاز فيه إيهام، فهو لا يفصح عن المراد فيقع
فيه الإشكال والإلباس، والقرآن لا يجوز أن يكون فيه تلبيس؛ لأن
الله وصفه بأنه بيان، حيث قال: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
جوابه:
نجيب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن التعبير بالمجاز يكون إلباسا لو لم توجد فرينة
تدل على المراد، لكن توجد قرينة في المجاز تدل على المراد، فدل
على أنه ليس فيه تلبيس.
الجواب الثاني: أن القرآن ليس كله بيانا، بل بعضه، والبعض
الآخر يحتاج إلى بيان كالمتشابه، والمجمل، ونحو ذلك، ويدل
على ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)،
فلو كان جميعه بيانًا لما احتاج إلى مبين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي يرجع إلى تفسير الحقيقة ما
هي.
فإن كان المراد بها الحق، فقد أجمع العلماء على أنه لا مجاز في
[ ٢ / ٤٩٤ ]
القرآن؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي: الحق، فيكون
المقابل هو الباطل، وهذا نقطع بأنه لا يوجد في القرآن.
وإن كان المراد بالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلًا، فإنه
يوجد في القرآن مجاز؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي
اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلًا، فيكون مقابله - وهو المجاز -
هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهذا يجيز القول بأن
القرآن مشتمل عليه؛ لأنه وقع فيه كما سبق في الآيات، ومنهم من
سماه بغير هذا الاسم، وهو المجاز، فيكون نزاع في عبارة،
أما المعنى فهو متفق عليه فيكون الخلاف لفظيا.
[ ٢ / ٤٩٥ ]