أولًا: تعريف الحد الحقيقي:
الحد الحقيقي هو: هو الذي ينبى عن جميع ذاتياته الكلية المركبة.
شرح التعريف:
معنى هذا الحد: أن الحد الحقيقي معرِّف دال على جميع الذاتيات
الكلية.
فقوله: "هو الذي ينبى" جنس في التعريف يشمل الحقيقي وغيره.
وقوله: " جميع ذاتياته ": أخرج التعريف بالعرضيات، وببعض
الذاتيات.
وقوله: " الكلية ": أخرج العينات والمشخصات، حيث إنها
ذاتية للشخص من حيث هو شخص، لكن لا يحد بها؛ لأن الحد
للكليات، لا للمشخصات.
وقوله: " المركبة ": أخرج الذاتيات التي لم يعتبر تركيبها على
وجه تحصل لها صورة وحدانية مطابقة للمحدود، فإنها لا تسمى
حدًا حقيقيًا.
ولا يورد في الحد الحقيقي إلا الصفات الذاتية، دون الصفات
اللازمة والعرضية، ولكي نعرف ذلك لا بد من بيان الفرق
[ ١ / ٧٩ ]
بين الصفات الذاتية، والصفات اللازمة، والصفات العرضية،
فأقول:
الوصف الذاتي هو: الوصف الداخل في حقيقة الشيء الموصوف
دخولًا لا يمكن أن يتصور شخص فهم معنى ذلك الشيء بدون فهم
ذلك الشيء.
مثال ذلك: " الجسمية للشجر "، فإن من فهم الشجر فقد فهم
- لا محالة - جسمًا مخصوصًا معينًا، فتكون الجسمية داخلة في
ذات الشجرية دخولًا به قوامها في الوجود.
والعقل لو قدر عدم الجسمية لبطل وجود الشجر، وكذلك لو
قدر العقل خروج الجسمية عن الذهن: لبطل فهم الشجر، فلا بد
للحاد والمعرف أن يعرف أن الجسمية صفة ذاتية للمعرف الذي هو:
الشجرة - هنا - فمن أراد أن يحد الشجرة أو أي نبات آخر فلا بد
أن يقول: " إنه جسم نام ".
والأوصاف الذاتية هي تورد في الحد الحقيقي إيرادًا أوليًا، وذلك
لأنه يتصور بها كنه حقيقة الشيء وماهيته، لذلك ذكرناه أولًا.
أما الوصف اللازم فهو: الذي لا يفارق الذات، لكن لا يتوقف
عليه فهم حقيقة ذات الشيء.
مثال ذلك: " الظل لشخص الفرس عند طلوع الشمس "،
فالظل أمر لازم لا يمكن أن يفارق الفرس، ولكنه ليس بذاتى، وإنما
هو تابع للذات ولازم له، فحقيقة الفرس قد تفهم ولو لم يفهم
الظل ما هو؛ فالغافل عن وقوع الظل يمكنه أن يفهم الفرس، بل
يفهم الجسم الذي هو أعم، وإن لم يخطر بباله ظله، وكذلك يقال
في ظل الشجر.
[ ١ / ٨٠ ]
بيان وجه الاتفاق ووجه الاختلاف بين الوصف الذاتي والوصف اللازم:
أما وجه الاتفاق بينهما فهو في استحالة المفارقة للذات.
أما وجه الاختلاف بينهما فهو أن الوصف الذاتي لا يمكن أن يفهم
المعنى دون فهم ذلك الوصف أبدًا.
بخلاف الوصف اللازم، فإنه يمكن أن يفهم المعنى دون فهمه.
أما الوصف العارض فهو مأخوذ من عرض له الشيء إذا التصق به
زمانًا ثم انفصل عنه، ومنه عوارض الأهلية كالنوم، والسهو،
تعترض الإنسان ثم تزول وتفارق.
فالوصف العارض هو: ما ليس من ضرورته ملازمة الذات، بل
يتصور الشخص أن يفارق هذا الوصف تلك الذات.
وهذا الوصف العارض إما أن يكون وقته قصيرًا كحمرة الخجل،
فإن هذه الحمرة الناتجة عن الخجل وصف عارض يزول سريعًا بعد
زوال مسببه، وهو الخجل.
وإما أن يكون وقته طويلًا مثل الصبا، والشباب، والكهولة، فإن
هذه صفات عرضية لمراحل عمر الإنسان تزول ولكن ببطء.
وهذا بيان الفرق بين الأوصاف الذاتية، واللازمة، والعارضة،
ولا بد للذي نصب نفسه لبيان الحد الحقيقي أن يعرف الفرق بينها.
أقسام الأوصاف الذاتية:
تنقسم الأوصاف الذاتية إلى قسمين: " جنس "، و" فصل ":
أما الجنس فهو: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع
كالحيوان، فإنه مشترك بين " الإنسان " و" الفرس " و" الأسد ".
[ ١ / ٨١ ]
وقولنا: " مختلفين بالأنواع " أي: أن الجنس يشمل عددًا من
الأنواع يختلف كل نوع عن الآخر بالحد، فحد الإنسان: حيوان
ناطق، وحد الفرس: حيوان غير ناطق.
أما الفصل فهو: ما يفصل المحدود والمعرَّف عما شاركه في
الجنس وميزه عن غيره.
فمثلًا نقول في حد الإنسان: " حيوان "، فإن هذا الحد يشمل
الإنسان والحيوان كالفرس، ولكن إذا أضيف إلى كلمة " حيوان "
كلمة أخرى وهي: " الناطق "، فإنه بهذا يفصل الإنسان عن الحيوان
ويميز بذلك عن غيره مما يشاركه في جنسه.
ثانيًا: شروط الحد الحقيقي:
يشترط للحد الحقيقي شروط، من أهمها:
الشرط الأول: أن تذكر جميع ذاتيات الشيء المطلوب تحديده،
وإن كانت كثيرة، وذلك ليحصل البيان الكامل للماهية.
الشرط الثاني: أن تذكر جميع الذاتيات مرتبة، بحيث يقدم
الأعم على الأخص، فيقدم ذكر الجنس على الفصل، فتقول في
حد الخمر: " شراب مسكر "، ولا تقول: " مسكر شراب "،
وتقول في حد النبات: " جسم نام "، ولا تقول: " نام جسم "
فتقدم العام على الخاص.
الشرط الثالث: أن الحاد والمعرف للحد الحقيقي يشترط عليه أن
يكون ذا بصيرة بالفرق بين الصفات الذاتية، واللازمة، والعرضية
- كما سبق بيانه -.
ولا يشترط للحاد والمعرف للحد الرسمي واللفظي ذلك، وذلك
[ ١ / ٨٢ ]
لأن الحد الرسمي الأمر فيه سهل، والمؤنة فيه قليلة؛ حيث إن طالبه
قانع بالجمع والمنع بأي لفظ كان.
أما الحد اللفظي فإنه يتعلق بنفس اللفظة وشرحها.
واشترطنا ذلك في الحد الحقيقي، لأنه أصعب الحدود؛ حيث إنه
يذكر فيه كمال المعاني التي بها قوام ماهية الشيء.
الشرط الرابع: أن تذكر في الحد الحقيقي الجنس القريب - إن
وجد - وذلك لكونه أدل على الماهية، ولا تذكر معه الجنس البعيد
فتكون مكررًا، ولا تقتصر على البعيد فتكون مبعدًا، فتقول مثلًا -
إذا سئلت عن حد الخمر -: " شراب مسكر "، لكن لا تذكر مع
الجنس القريب البعيد فلا تقول - مثلًا - في ذلك المثال: " جسم
مسكر مأخوذ من العنب ".
الشرط الخامس: أن تحترز من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا
تقل في حد الخمر: " مسكر الشراب "، فلا يكون - حينئذٍ - الحد
حقيقيًا، بل يكون حدًا لفظيًا.
الشرط السادس: أن تحترز أن تجعل بدل الجنس شيئًا كان في
الماضي، ثم عدم الآن، فتقول لمن سألك عن حد الرماد: "خشب
محترق "، فهذا الجواب ليس بصحيح؛ لأن الجنس وهو " الخشب "
لا يوجد بل صار رمادًا، ومعروف أن الرماد ليس بخشب.
ثالثا؛ أقسام الحد الحقيقي:
الحد الحقيقي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حقيقي تام وهو: ما يتركب من الجنس والفصل
القريبين.
[ ١ / ٨٣ ]
مثل: أن يسألك شخص عن الإنسان، فتقول له: " حيوان ناطق "
فالجنس القريب هو: " الحيوان "، والفصل القريب هو: "الناطق ".
وسمي بالتام لذكر جميع الذاتيات فيه.
القسم الثاني: حقيقي ناقص وهو: ما يكون بالفصل القريب
وحده، أو بالفصل القريب، وبالجنس البعيد، فله صورتان:
الصورة الأولى: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب - فقط -
فهذا يُسمَّى حدًا حقيقيًا ناقصًا، مثاله أن يقال: ما الإنسان؛ فيقول
المجيب في حده: " هو الناطق ".
الصورة الثانية: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب مع جنس
بعيد فيُسمَى هذا - أيضًا - حدًا حقيقيًا ناقصًا، مثاله: أن يقال: ما
الإنسان؛ فيقول المجيب: " هو جسم ناطق "، فالجنس البعيد هو:
" الجسم "، والفصل القريب هو: " الناطق ".
وسمي بالناقص لعدم ذكر جميع الذاتيات فيه.
[ ١ / ٨٤ ]