ويشتمل على ما يلي:
المسألة الأولى: في حقيقة الشرط.
المسألة الثانية: تقسيمات الشرط.
المسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب.
[ ١ / ٤٣١ ]
المسألة الأولى: في حقيقة الشرط:
أولًا: الشرط لغة هو:
إلزام شيء والتزامه في البيع، وجمعه شروط وشرائط.
والشرط - بتحريك الراء -: العلامة، ومنه قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) .
والأصوليون يقولون: إن الشرط في اللغة بمعنى العلامة - مطلقًا -
وهذا فيه تساهل؛ حيث إن الذي هو بمعنى العلامة هو: الشرَط
- بفتح الراء - وليس الشرط الذي هو بتسكين الراء، والذي يعنينا
هو الشرط - بتسكين - الراء - وهو الذي بمعنى الإلزام.
ثانيا: الشرط في الاصطلاح هو:
هو: " ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا
عدم لذاته ".
فمثلًا: الطهارة، فإنه يلزم من عدم الشرط وهو الطهارة عدم
الحكم، وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وهو
الطهارة وجود الحكم، وهي صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة
ويصلي، ولكن قبل دخول الوقت، فهنا لا تصح الصلاة، وقد
توجد الطهارة ويصلي بعد دخول الوقت بدون مانع فتصح الصلاة.
بيان محترزات التعريف:
قولنا: " ما يلزم من عدمه العدم ": أخرج المانع؛ لأن المانع لا
يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع
لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب.
[ ١ / ٤٣٣ ]
قولنا: " ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ": أخرج السبب؛ السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع، لأن المانع يلزم
من وجوده العدم.
قولنا: " لذاته ": احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب،
فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا
لذاته، بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع.
فمثلًا: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة،
ولا يلزم من وجوفى هـ وجوب الزكاة " لاحتمال عدم بلوغ النصاب،
ولا يلزم عدم وجوبها " لاحتمال بلوغ المال النصاب.
أما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة،
ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب.
وإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب
الزكاة، ولكن العدم ثبت نظرًا لقيام المانع، لا لذات الشرط.
المسألة الثانية: تقسيمات الشرط:
الشرط ينقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وإليك بيان
ذلك:
التقسيم الأول: ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:
" شرط عقلي "، و" شرط عادي "، و" شرط لغوي "،
و"شرط شرعي ".
أما القسم الأول - وهو: الشرط العقلي - فهو: ما لا يوجد
المشروط ولا يمكن عقلًا بدونه مثل اشتراط الحياة للعلم، فإن العقل
[ ١ / ٤٣٤ ]
يحكم بأن العلم لا يوجد بدون حياة، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم،
ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم.
ومثل: اشتراط الفهم في التكليف، فإن العقل يحكم بأن
التكليف لا يوجد بدون فهم الخطاب، فإذا انتفى الفهم انتفى
التكليف.
أما القسم الثاني - وهو: الشرط العادي - فهو: ما يكون شرطاَ
عادة مثل: نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقضي بأنه لا
يمكن صعود السطح إلا بوجود السلم، أو نحوه مما يقوم مقامه.
أما القسم الثالث - وهو الشرط اللغوي - فهو: ما يذكر بصيغة
التعليق مثل: " إن "، أو إحدى أخواتها مثل: قول الزوج لزوجته:
" إن دخلت الدار فأنت طالق "، فأهل اللغة وضعوا هذا التركيب
ليدل على أن ما دخلت عليه أداة الشرط هو: الشرط، والآخر
المعلَّق عليه هو: الجزاء.
وهذا ما ذهب إليه كثير من الأصوليين.
وذهب بعض العلماء كابن القيم، والقرافي، وابن السبكي،
والزركشي، وابن القشيري، وابن الحاجب إلى أن الشروط اللغوية
من قبيل الأسباب، لا من قبيل الشروط، وذلك لأنه يتحقق فيها
تعريف السبب؛ حيث يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها
العدم، ففي المثال السابق يلزم من دخول الزوجة الطلاق، ويلزم من
عدم الدخول عدم الطلاق.
أما القسم الرابع - وهو: الشرط الشرعي -: فهو: ما جعله
الشارع شرطا لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة، فإن
[ ١ / ٤٣٥ ]
هذا الشرط لم نعرفه من العقل، أو اللغة، أو العادة، وإنما الشارع
هو الذي حكم بأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة.
وهذا الشرط هو المقصود في الأصل - كما ذكر الشاطبي - فإن
حدث التعرض لشرط من الشروط السابقة - كالشرط العقلي
واللغوي والعادي - فمن حيث تعلق به حكم شرعي في خطاب
الوضع، أو خطاب التكليف، ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا الاعتبار
فيدخل تحت قسم الشرط الشرعي.
أنواع الشرط الشرعي:
الشرط الشرعي أنواع: " شرط وجوب "، و" شرط صحة "،.
و" شرط أداء " -
فشرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلَّفًا كالنقاء من الحيض
والنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى
شخص؛ حيث إنه شرط في وجوب الإيمان عليه.
وشرط الصحة هو: ما جعل وجوده سببًا في حصول الاعتداد
بالفعل وصحته مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القِبْلة.
وشرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع
الفعل، فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم،
فإنهم غير مكلَّفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم.
التقسيم الثاني: ينقسم الشرط باعتبار قصد الشارع له وعدم ذلك
إلى قسمين:
القسم الأول: ما قصده الشارع قصدًا واضحا.
القسم الثاني: ما ليس للشارع قصد في تحصيله.
أما القسم الأول - وهو: ما قصده الشارع قصدًا واضحا - فهو
[ ١ / ٤٣٦ ]
الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو إما أن يكون مأمورًا بتحصيله
كالطهارة للصلاة، واستقبال القِبْلة.
وإما أن يكون منهيًا عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة
لزوجها الأول.
أما القسم الثاني - وهو: ما ليس للشارع قصد في تحصيله - فهو
الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن إبقاء
النصاب حتى يكمل الحول حتى تجب الزكاة ليس بمطلوب الفعل،
ولا هو مطلوب الترك.
التقسيم الثالث: ينقسم الشرط باعتبار مصدره إلى قسمين:
"شرط شرعي "، و" شرط جعلي ".
أما الشرط الفسرعي فهو: ما كان مصدر اشتراطه الشارع، وهو
الراد من الشرط عند الإطلاق؛ حيث إنه هو المقابل للسبب والمانع،
ومنها: الطهارة لصحة الصلاة، وحولان الحول للزكاة، والإحصان
في الرجم.
أما الشرط الجعلي فهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف؛ حيث
يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته، كالاشتراط في البيوع،
والنكاح، والطلاق، والعتق.
والشروط الجعلية مقيدة بحدود شرعية معينة، فليس للشخص أن
يشترط ما شاء لما شاء.
فالشروط المعتبرة والتي سمح للمكلَّف أن يشترطها هي: كل ما
جاء مكملًا لحكمة المشروط، بحيث لا ينافيها بحال من الأحوال،
وهي الشروط الموافقة لمقتضى مشروطاتها في العقود والتصرفات
[ ١ / ٤٣٧ ]
الشرعية، بحيث لا تخالفها ولا تنفي مضمونها مثل: اشتراط
الرهن، أو الكفيل بالدين، واشتراط الصيام في الاعتكاف،
واشتراط الكفاءة في النكاح، واشتراط الحرز في السرقة، ونحو
ذلك، فإن هذه الشروط صحيحة؛ لما فيها من الموافقة الشرعية.
وأما الشروط التي لا تلائم مقصود المشروط ولا مكملًا لحكمته،
بل جاء على الضد من ذلك فهي لا تعتبر شرعًا، أي: أن الشروط
التي تخالف مقتضى المشروطات في العقود والتصرفات الشرعية
وتناقض مدلولاتها تعتبر شروطًا فاسدة، كما إذا اشترط الزوج أن لا
ينفق على زوجته، أو اشترط في عقد البيع عدم الانتفاع بالمبيع.
المسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب:
يوجد بين الشرط والسبب فروق، من أهمها:
الفرق الأول: أن الشرط مقارن للحكم غير مفارق له، بخلاف
السبب، فلا تلزم فيه المقارنة فقد يقع تأخير حكم الشيء عن سببه.
الفرق الثاني: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم فقط،
بخلاف السبب، فإنه يؤثر في الحكم من جهة الوجود والعدم، كما
سبق في تعريف كل واحد منهما.
الفرق الثالث: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، بخلاف
السبب، فإنه مناسب في ذاته، فمثلًا النصاب فإنه سبب في وجوب
الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه
ليس فيه مناسبة في نفسه، وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب،
وذلك بالتمكين من تنمية المال في جميع الحول.
[ ١ / ٤٣٨ ]