ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: مناسبة ذكر المندوب هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة المندوب:
أولًا: تعريف المندوب لغة.
ثانيًا: تعريفه اصطلاحًا.
المسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه.
المسألة الرابعة: في الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟
المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
المسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟
المسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
[ ١ / ٢٣١ ]
المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المندوب هنا:
لقد ذكرنا المندوب بعد الواجب مباشرة: لاشتراكهما في طلب
الفعل؛ وأن كلًّا منهما يثاب على فعله، وإن كان ثواب الواجب
أعظم من ثواب المندوب.
وبعض الأصوليين يذكرون الحرام بعد الواجب مباشرة، ويذكرون
المندوب قبل المكروه، ولعل علتهم في ذلك: أن كلًّا من الواجب
والحرام يشتركان في صيغة واحدة، والمندوب والمكروه يشتركان في
صيغة واحدة.
فالواجب والحرام يشتركان في الطلب الجازم، سواء كان طلب
فعل أو ترك.
والمندوب والمكروه يشتركان في الطلب غير الجازم، سواء كان
طلب فعل أو طلب ترك.
والأوْلى ما ذكرناه؛ لأن أثر الطلب أو الترك أقوى من أثر الجزم
وعدمه.
المسألة الثانية: حقيقة المندوب:
أولًا: المندوب لغة مأخوذ من الندب وهو: الدعاء إلى أمر مهم،
يقال: " ندبته " أي: دعيته إلى شيء مهم، ولم يرد عن العرب إلا
لذلك كما قال قريط العنبري:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانا
والنائبة هي: المصيبة العظيمة.
[ ١ / ٢٣٣ ]
فهذا الشاعر قد دعا بني مازن من تميم لنجدته وإعانته على
استرجاع إبله ممن أخذها، فقاموا بذلك، واسترجاع الإبل من
الأعداء ليس بالأمر الهين، فيثبت: أن الندب هو الدعاء إلى فعل
أمر مهم، أما الدعاء إلى فعل أمر غير مهم، فلا يسمى ندبًا.
ثانيًا: المندوب اصطلاحا:
أقرب التعريفات إلى الصحة عندي هو: المطلوب فعله شرعًا من
غير ذم على تركه مطلقًا.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " المطلوب فعله " أخرج الحرام؛ لأنه مطلوب تركه،
- وأخرج المكروه؛ لأنه مطلوب تركه - أيضًا -، وأخرج المباح؛ لأنه
لم يطلب تركه ولا فعله.
قولنا: " شرعًا " أخرج المطلوب فعله من غير طريق الشرع.
قولنا: " من غير ذم على تركه " أخرج الواجب؛ لأنه مطلوب
فعله، ويذم على تركه مطلقا.
قولنا: " مطلقا " لبيان أنه يجوز ترك المندوب مطلقًا، أي: بلا بدل.
وأخرج بلفظ " مطلقًا " الواجب الموسَّع، والواجب المخير،
والواجب الكفائي؛ لأن هذه الواجبات الثلاثة يجوز تركها، لكن
بشرط البدل.
فالواجب الموسَّع يجوز تركه في أول الوقت بشرط العزم على
فعله في آخر الوقت.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والواجب المخيَّر يجوز فيه ترك أيِّ خصلة بشرط العزم على فعل
الخصلة الأخرى من بين المخيَّر بينها.
والواجب الكفائي يجوز للمكلَّف ترك الواجب بشرط علمه بأن
غيره قد فعله.
أما المندوب فيجوز تركه بلا بدل ولا شرط.
المسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه:
المندوب ليس له صيغة معينة، بل له صيغ مختلفة تدل عليه وهي:
الصيغة الأولى: الأمر الصريح إذا وجدت قرينة تصرفه من
الوجوب إلى الندب، مثل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا)، فهذا الأمر للندب وليس للوجوب، والقرينة الصارفة هي:
السُّنَّة التقريرية؛ حيث إنه لما نزلت هذه الآية لم يكاتب بعض
الصحابة عبيدهم الذين بين أيديهم، ولم ينكر عليهم النبي - ﷺ -.
الصيغة الثانية: التصريح بأن ذلك سُنَّة، كقوله - ﷺ - في قيام رمضان - في رواية -: " وسننت لكم قيامه ".
الصيغة الثالثة: التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، ومنه قوله
- في غسل الجمعة -: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ".
الصيغة الرابعة: كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله - عليه
السلام - لبريرة - حيث أعتقت وفارقت زوجها مغيثا وكان رقيقا -:
" لو راجعتيه ".
[ ١ / ٢٣٥ ]
المسألة الرابعة: الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟
المندوب له أسماء كثيرة، فهل تلك الأسماء مترادفة أو مختلفة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب، والمستحب، والتطوع، والسُّنَّة،
والإحسان، والمرغب فيه أسماء مترادفة؛ لأنها أسماء لمعنى واحد،
وهو: المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقا، أو هو:
الفعل المطلوب طلبًا غير جازم.
المذهب الثاني: أن تلك الأسماء غير مترادفة.
وهو: اختيار بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية،
وبعض الحنابلة.
واختلف أصحاب هذا المذهب في التفريق بينها على أقوال:
القول الأول: إنه يوجد فرق بين السُّنَّة، والمستحب، والتطوع،
فالسُنَّة: ما فعله النبي - ﷺ - وواظب عليه، والمستحب: هو ما فعله النبي - ﷺ - ولم يواظب عليه، بل فعله مرة أو مرتين.
أما التطوع: فهو الذي لم يفعله النبي - ﷺ -، بل أنشأه المكلَّف من نفسه واختاره، ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالقاضي حسين،
والبغوي.
القول الثاني: أن لفظ " السُنَّة " يختص بالعرف بالمندوب بدليل
قولهم: " هذا واجب أو سُنَّة ".
القول الثالت: أن لفظ " السُّنَّة " غير مرادف للمندوب، بل
يتناول كل ما علم أو ظن ندبيته أو وجوبه بقوله أو فعله ﵇،
ولذلك قال - ﷺ -: "الختان سُنَّة للرجال ومكرمة للنساء "،
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقال: " النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
قال صفي الدين الهندي في " نهاية الوصول ":
وليس المراد منه النكاح المندوب فقط، بل المراد منه إما النكاح
الواجب، أو المطلق الذي هو قدر مشترك بين الواجب والمندوب،
أو العموم ليتناول جميع أفراده.
القول الرابع: إن النفل والتطوع لفظان مترادفان، وهما ما سوى
الفرائض والسنن، أما المستحب ونحو ذلك فأنواع لهما.
القول الخامس: إن السُّنَّة ترتب كالرواتب مع الفرائض، والنفل
والندب: ما زاد على ذلك.
القول السادس: إن النفل قريب من الندب، إلا أنه دونه في الرتبة.
القول السابع: إن السُّنَّة: ما ارتفعت رتبته في الأمر، وبالغ
الشرع في التحضيض عليه، أما ما كان في أول هذه المراتب فهو
تطوع ونافلة، أما ما كان متوسطا بين هذين فهو فضيلة ومرغب فيه.
القول الثامن: إن السُّنَّة: مما صلاهما - ﷺ - في جماعة وداوم عليها، والفضيلة: ما دخل في الصلاة وليس من أصل نفسها
كسجود التلاوة.
بيان نوع الخلاف:
هذا الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب الثاني
على اختلاف أقوالهم خلاف لفظي راجع إلى اللفظ والتسمية؛ لأن
حاصله أن كلًّا من تلك الأقسام، كما أنها تسمى بأسمائها المذكورة،
هل تسمى بغير تلك الأسماء؟
فعلى المذهب الأول، فإنه يُسمَّى كل منها باسم الآخر، أي:
[ ١ / ٢٣٧ ]
يصدق على كل من الأقسام أنه مرغب فيه من الشارع، ومطلوب
فعله.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يسمى كل واحد من الأسماء
باسم الآخر، أي: لا يصدق على كل من الأقسام اسم الآخر،
بل لكل اسم واصطلاح خاص به، فالخلاف في إطلاق الاسم فقط.
***
المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
لا خلاف ولا نزاع في أن المندوب تتعلق به صيغة الأمر " افعل "،
وتستعمل فيه.
ولكن الخلاف في -: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة.
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد، وأكثر أتباعهما،
واختاره المحققون من الحنفية، وهو وجه عند المالكية.
وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه
الاستعلاء.
والاستدعاء هو: الطلب، والمندوب مستدعى ومطلوب، وبناء
على ذلك فإن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب؟
لاشتراكهما في شيء واحد وهو: أن كلًّا منهما مستدعى ومطلوب،
فهذا يصدق عليهما.
أي: كما أن " الإنسان " و" الفرس " يصدق عليهما اسم واحد،
[ ١ / ٢٣٨ ]
وهو: " الحيوان "؛ إلا أن الأول حيوان ناطق، والثاني حيوان غير
ناطق، فكذلك الواجب والمندوب يصدق عليهما اسم واحد، وهو:
أن كلًّا منهما مأمور به حقيقة إلا أن الأمر بالواجب أمر جازم،
والأمر بالمندوب أمر غير جازم.
الدليل الثاني: أنه قد شاع وذاع بين الفقهاء وأهل اللغة أن الأمر
ينقسم إلى قسمين: " أمر إيجاب " و" أمر ندب واستحباب "،
وحيث إن مورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة، فإنه يثبت:
أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.
الدليل الثالث: أن اللَّه ﷾ قد أطلق الأمر على
المندوب في الكتاب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب
مأمورًا به حقيقة.
من ذلك: قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، فهنا قد أمر اللَّه تعالى بأشياء، منها: ما هو
واجب، كالأمر بالعدل، ومنها ما هو مندوب إليه كالأمر بالإحسان،
وإعطاء ذي القربى، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الأمر يطلق
على المندوب، كما يطلق على الواجب سواء بسواء، وهذا يقتضي
أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.
ومن ذلك قوله تعالى: (وأمر بالمعروف)، فهنا قد أمر الله
تعالى بالمعروف، والمعروف عام لدخول أل الاستغراقية عليه، فهو
يشمل الطاعات الواجبة، والطاعات المندوبة، وهذا يدل على أن
الأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب ولا فرق.
ومن ذلك ما قالته أم عطية - ﵂ -: "أمرنا - ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أنه ليس إخراجهن واجبًا.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم: " أن النبي - ﷺ - أمر بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم،
ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام " فإن هذه الأمور
فيها ما هو واجب، وفيها ما هو مندوب إليه، ومع ذلك قد وحَّد
الشارع الأمر، مما يدل على أن الأمر قد استعمل في المندوب،
والأصل في الاستعمال الحقيقة، فثبت أن المندوب مأمور به حقيقة.
الدليل الرابع: أن المندوب طاعة، وكل ما هو طاعة فهو مأمور به
حقيقة، فالمندوب مأمور به حقيقة.
دليل المقدمة الصغرى - وهي: أن المندوب طاعة -:
إجماع العلماء على أن المندوب طاعة.
دليل المقدمة الكبرى - وهي: أن كل ما هو طاعة فهو مأمور به
حقيقة -: أن الطاعة تقابل المعصية، والمعصية مخالفة الأمر،
فالطاعة: امتثال الأمر.
فتكون النتيجة: أن المندوب مأمور به حقيقة.
اعتراض على هذا:
قال معترض على الدليل الرابع: إن كون المندوب طاعة لا يدل
على أنه مأمور به؛ لأن الطاعة ليست من خصائص الأمر.
جوابه:
يقال في الجواب عن ذلك: إن الطاعة والمعصية مقرونتان بالأمر
من حيث الامتثال والمخالفة، فيكونان من خصائصه، ويؤيد ما قلناه
نصوص قد وردت:
منها: قوله تعالى: (أفعصيت أمري)، وقوله: (ويفعلون ما يؤمرون) .
[ ١ / ٢٤٠ ]
ومن ذلك: قول حصين بن منذر ليزيد بن المهلَّب - شعرًا -:
أمرتك أمرًا جازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادمَا
فما أنا بالباكي عليك صبابة وما أنا بالداعي لترجع سالماَ
ومن ذلك قول العرب - نثرًا -: " فلان مطاع الأمر "، و" فلان
معصي الأمر "، وقولهم: " أمر فأطيع "، وقولهم: "أمر فعصي ".
المذهب الثاني: أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وإنما اعتبر
مأمورًا به عن طريق المجاز.
ذهب إلى ذلك: أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو بكر
الشاشي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الإسفراييني، وفخر
الدين الرازي، وعبد الرحمن الحلواني، ونقل عن أكثر الشافعية،
وهو وجه للمالكية، واختاره إلكيا الهراسي، وأستحسنه ابن
السمعاني، وصحَّحه ابن العربي.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حذَّرنا من مخالفة أمره، وتوعَد من يخالف
ذلك الأمر بالعقاب - وهو الفتنة والعذاب -، فلو كان المندوب
مأمورًا به حقيقة لحذَّرنا اللَّه سبحانه من مخالفته، ولكن لم يصدر
أيّ تحذير من مخالفة المندوب؛ حيث إنه يثاب على فعله، ولا
يعاقب على تركه، فينتج أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه؛ إنا نسلِّم أن الأمر - هنا - يقتضي الوجوب
[ ١ / ٢٤١ ]
حيث إن اللَّه تعالى توعَّد من يخالف أمره بالعقاب، ولكن يجوز
صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف، فإذا صرف الأمر
من كونه يقتضي الوجوب إلى كونه يقتضى الندب، فإن ذلك لا
يخرج الأمر عن تسميته أمرًا، فثبت: أن الأمر يطلق على المندوب
حقيقة كالواجب بدليل: اشتراكهما في التسمية.
الدليل الثاني: قوله - ﷺ -: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
وجه الدلالة: أن " لولا " تفيد انتفاء شىء لوجود غيره، والمراد
هنا: انتفاء الأمر لوجود المشقة.
فلو كان المندوب مأمورًا به حقيقة، لكان السواك مأمورًا به،
ولكن الصادق المصدوق نفى الأمر عن السواك من أجل المشقة التي
ستلحق الأمة لو أمر به، والمشقة لا تلحق إلا فيما يجب فعله،
فثبت أن المندوب غير مأمور به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن المنفي هنا هو الأمر الجازم الذي يقتضي
الوجوب، ويكون تقدير الكلام: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
أمر إيجاب وإلزام "، بدليل: أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة
إنما تلحق فيما يلزم فعله.
وإذا ثبت أن المنفي هو الأمر الجازم: ثبت أن الأمر غير الجازم لم
ينفه الرسول - ﷺ -، وهو الدال على المندوب، فنتج من ذلك: أن المندوب مأمور به حقيقة بقطع النظر عن كونه جازمًا أو غير جازم.
الدليل الثالث: أنه يفهم من صيغة الأمر أنها تقتضي إيقاع الفعل
[ ١ / ٢٤٢ ]
اقتضاء جازما لا تخيير فيه؛ حيث إن تاركه يعاقب، بخلاف
المندوب، فإن فيه نوع تخيير، وهو: إن شاء المكلَّف فعل المندوب
وله ثواب، وإن شاء ترك ولا عقاب عليه، ولو كان المندوب مأمورًا
به حقيقة لما وقع التخيير فيه، فثبت أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة
لثبوت التخيير فيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الأمر ليس فيه تخيير، بل يقع
التخيير فيه بدليل " الواجب الموسَّع "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف
بين أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو وسطه، أو آخره، وبدليل
"الواجب المخيَّر "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يفعل إحدى
خصال الكفارة.
الجواب الثاني: سلمنا لكم قولكم: " إن الأمر لا تخيير فيه "،
ولكن لا نُسَلِّمُ أن المندوب فيه تخيير؛ لأن فعل المندوب أرجح من
تركه.
أما التخيير فهو عبارة عن كون فعل الشيء وتركه سواء لا يرجح
أحدهما على الآخر كالفعل والترك بالنسبة للمباح، فثبت أن المندوب
لا تخيير فيه، فشارك الواجب في عدم التخيير، فثبتت مشاركته في
كونه مأمورًا به حقيقة، فنتج: أن المندوب مأمور به حقيقة.
الدليل الرابع: لو كان المندوب مأمورًا به لسمى تاركه عاصيا،
ولجاز أن يقال لمن ترك قيام الليل، وصيام التطوع، وصلاة النفل،
وصدقات التطوع، وإماطة الأذى عن الطريق: " عصيت أمر اللَّه "،
[ ١ / ٢٤٣ ]
كما يقال في الواجب، ولما لم يجز أن يوصف تارك المندوب
بالعصيان دلَّ على أن المندوب غير مأمور به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن تارك المندوب لم يسم عاصيًا بسبب أن
العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، فلو سمي تارك
المندوب عاصيًا لالتبس مع الواجب، لذلك أسقط اللَّه تعالى الذم
عن تارك المندوب.
بيان نوع هذا الخلاف:
لقد اختلف في هذا الخلاف على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له.
وهذا هو الصحيح عندي؛ لأن المندوب مطلوب فعله باتفاق
أصحاب المذهبين، فلم يبق إلا في إطلاق اسم الأمر على المندوب
حقيقة، أو مجازًا.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي، قد ترتب عليه بعض الآثار
والفوائد، منها:
١ - أنه إذا ورد لفظ الأمر، ودل دليل على أنه لم يرد به
الوجوب، فإنه يحمل على الندب، دون الحاجة إلى دليل، وذلك
بناء على المذهب الأول؛ حيث إن اللفظ عندهم له حقيقتان.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يحمل الأمر على الندب إلا بدليل
وذلك لأن حمل اللفظ على المجاز لا يجوز إلا بدلالة؛ لجواز كون
الأمر للإباحة.
٢ - أنه إذا قال الراوي: " أمرنا "، أو "أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - بكذا "
[ ١ / ٢٤٤ ]
فعلى المذهب الأول: يكون الأمر مترددًا بين إرادة الوجوب
والندب، فيكون الأمر مجملًا بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود.
أما على المذهب الثاني: فإن الأمر يكون للوجوب، وهو ظاهر
فيه حتى يقوم دليل على خلافه.
***
المسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب من الأحكام التكليفية.
وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر
الباقلاني، وابن عقيل، وابن قاضي الجبل، وابن قدامة، والطوفي.
وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل
المندوب رغبة في الثواب واحتياطا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة
على المكلف القوي الإيمان؛ نظرًا لفوات الثواب الجزيل بفعله،
وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.
الدليل الثاني: أن تخصيص الفعل بوعد الثواب يحث العاقل على
الفعل، وهذا من الكلفة.
فإن قال معترض: إن المندوب غير ملجا لذلك الفعل بالإكراه
الشرعي، والمشقة إنما تنشا عن الإلجاء، والمختار لا مشقة فيه.
فإنا نقول له: إن هذا الاعتراض يناسب المعنى اللغوي للتكليف
[ ١ / ٢٤٥ ]
الذي هو: إلزام ما فيه كلفة وهي: المشقة، ولا يناسب المعنى
الشرعي للتكليف وهو: " الخطاب بأمر أو نهي "، كما سيأتي.
الدليل الثالث: أن التكليف من الشارع هو: طلب ما فيه كلفة
ومشقة، إلا أن ذلك قد يكون بإلزام وذاك هو الإيجاب، وقد لا
يكون بإلزام وذاك هو المندوب، فهما قد طلبهما الشارع، ولم يخير
في فعلهما أو تركهما، وهما في فعلهما مشقة وكلفة، إلا أنهما
يختلفان في الترك، فترك الواجب يزيد في المشقة؛ لأن التارك
يعاقب، أما ترك المندوب فلا مشقة فيه؛ لأنه لا عقاب عليه، فتبقى
المشقة في المندوب في الفعل فقط.
المذهب الثاني: أن المندوب ليس من الأحكام التكليفية.
ذهب إلى ذلك: إمام الحرمين، وابن برهان، والآمدي، وابن
الحاجب، والقرافي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسبه بعضهم إلى
الأكثرين.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة،
والمندوب لا كلفة ولا مشقة فيه، بل هو مساو للمباح في التخيير بين
الفعل والترك من غير حرج مع زيادة الثواب على الفعل.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن قياسكم المندوب على المباح قياس فاسد؟
لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين المندوب والمباح من
وجوه:
الوجه الأول: أن المندوب مطلوب فعله، أما المباح فهو مخير بين
الفعل والترك.
[ ١ / ٢٤٦ ]
الوجه الثاني: أن المندوب يثاب المكلَّف على فعله، أما المباح فإن
المكلَّف إذا فعله فإنه لا يثاب.
الوجه الثالث: أن العقل والشرع يمنعان من ترك المندوبات
استصلاحًا ونظرًا، لا عزمًا وجزمًا، بخلاف المباحات، فإن العقل
والشرع لا يمنعان من تركها.
الدليل الثاني: أن المندوب في سعة من تركه، ولا تكليف في السعة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن كون الشارع قد
جوَّز ترك المندوب لا يعني أنه لم يكلف به، بل كلف به إلا أن ذلك
التكليف ليس بإلزام على فعله، - وإلا كان واجبًا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ حيث إنه راجع إلى
تفسير التكليف ما هو؟
فمن فسر التكليف بأنه " الخطاب بأمر أو نهي "، أو " الأمر بما
فيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة ":
قال: المندوب من التكليف.
ومن فسَّر التكليف بأنه: " إلزام ما فيه كلفة ": قال: المندوب
ليس من التكليف؛ لأنه لا إلزام في طلب المندوب.
فيكون أصحاب المذهبين متفقين على أن المندوب مطلوب فعله،
إلا أن أحدهما نفى عنه اسم التكليف؛ نظرًا لعدم الإلزام في طلبه،
[ ١ / ٢٤٧ ]
والآخر - وهو الذي اخترناه - أثبت له اسم التكليف؛ لوجود
المشقة والكلفة في طلبه كما قلنا.
***
المسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه، أى: لا يصير
المندوب واجبًا بالشروع فيه مطلقًا.
أي: أن المكلف إذا شرع بمندوب، فإنه يجوز له تركه متى ما
شاء، فهو مخير بين قطعه وإتمامه، لكن يستحب له الإتمام؛ لما فيه
من الثواب، فإن قطعه فلا إثم ولا قضاء عليه.
هذا في غير نفل الحج والعمرة، - حيث يجب فيهما الإتمام، أما
غيرهما فلا يجب عليه الإتمام - كما قلنا -.
ذهب إلى ذلك: الإمام أحمد في رواية عنه، والشافعية، والحنابلة.
وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله - ﷺ -:
"الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر "،
فأجاز - هنا - قطع صيام النفل بدون إثم ولا قضاء، فيدل على أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه.
الدليل الثاني: ما روي: " أن - ﷺ - كان ينوي صوم التطوع ثم يفطر "، وهو واضح في الدلالة على أن المندوب لا يلزم في
الشروع فيه.
الدليل الثالث: أن عائشة - ﵂ - قالت: قال لي
[ ١ / ٢٤٨ ]
رسول اللَّه - ﷺ - ذات يوم: " يا عائشة، هل عندكم شيء؟ "، فقلت: يا رسول اللَّه - ﷺ - ما عندنا شيء، قال: " فإني صائم "
قالت: فخرج رسول اللَّه - ﷺ - فأهديت لنا هدية، ثم عاد فقلت: قد خبأت لك شيئًا، قال: " ما هو؟ "
قلت: حيس، قال: "هاتيه "، فجئت به فأكل، ثم قال: " كنت أصبحت صائما ".
وجه الدلالة: أنه لو كان الإتمام واجبا لفعله النبي @س)، ولكنه
قطعه ولم يتمه، فدل ذلك على عدم لزوم الإتمام.
الدليل الرابع: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على ذلك؛ حيث
إن أبا الدرداء، وأبا طلحة، وأبا هريرة، وابن عباس، وحذيفة،
كانوا يصومون تطوعا، ثم يقطعون ذلك من غير نكير من بقية
الصحابة، فصار بمثابة الإجماع السكوتي على أن النفل لا يلزم
بالشروع فيه، فلو أنكر عليهم بعض الصحابة في ذلك لنقل إلينا كما
نقل إلينا غيره.
الدليل الخامس: قول الصحابي وفعله دلَّ على ذلك، حيث إن
البيهقي وعبد الرزاق أخرجا عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا
صائمين، ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذرًا أو
قضاء رمضان.
وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعا، ثم شاء أن يقطعه قطعه،
وإذا دخل في صلاة تطوعا، ثم شاء أن يقطعها قطعها.
الدليل السادس: آخر النفل من جنس أوله ولا فرق بينهما.
فكما أنه مخير في الابتداء بين أن يسُرع فيه وبين أن لا يشرع فيه؟
لكونه نفلًا، فكذلك يكون مخيرًا في الانتهاء، وإذا ترك الإتمام فإنما
ترك أداء النفل، وذلك لا يلزمه شيئًا.
[ ١ / ٢٤٩ ]
المذهب الثاني: أن المندوب يلزم بالشروع فيه، فإذا شرع المكلف
في أداء المندوب، فإنه يجب عليه المضي فيه وإتمامه.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وأكثر المالكية على تفصيل في ذلك:
فالحنفية ذهبوا إلى أن المكلف إذا شرع في أداء النفل، فيجب عليه
الإتمام، فإن خرج منه لعذر: لزمه القضاء، ولا إثم عليه، وإن
خرج منه لغير عذر: لزمه القضاء وعليه الإثم.
هذا في جميع المندوبات.
أما المالكية، فقد ذهبوا إلى أنه يجب عليه الإتمام إذا شرع في
المندوب، فإن خرج منه بغير عذر فعليه القضاء فقط، وإن خرج
بعذر فلا قضاء عليه. هذا في سبعة من المندوبات - عندهم - وهي:
"الحج المندوب "، و" العمرة المندوبة " - وهذا بالاتفاق بين
العلماء - و" طواف التطوع "، و" الصلاة المندوبة "، و"الصوم
المندوب "، و" الائتمام: فمن صلى في جماعة امتنع أن يفارق
الإمام "، و" الاعتكاف: فمن نوى اعتكاف عشرة أيام وجب عليه
إكمالها إذا شرع فيها ".
أما ما عدا ذلك من المندوبات - فيجوز - عند المالكية - أن يقطعه
إذا دخل فيه.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
استدل هؤلاء على أن المكلَّف إذا شرع في المندوب أو النفل، فإنه
يجب عليه إتمامه، ولا يجوز قطعه بأدلة، هي كما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) .
وجه الدلالة؛ أن اللَّه نهى عن إبطال الأعمال مطلقا، وهذا يعم
[ ١ / ٢٥٠ ]
الأعمال الواجبة والأعمال المندوبة، والنهي المطلق يفيد التحريم،
فيكون الإبطال حرام، وترك الحرام واجب، فيكون إتمام ما شرعنا
فيه واجبا، سواء كان واجبا أصلًا أم مندوبًا.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: أن النهي هنا يحمل على التنزيه، لا على
التحريم، والذي صرفه إلى التنزيه الأحاديث السابقة التي ذكرناها
ضمن أدلة المذهب الأول؛ حيث إنها خاصة، والآية عامة، وإذا
تعارض العام مع الخاص قدم الخاص؛ جمعًا بين الدليلين، وبناء
على هذا يكون النهي الوارد في الآية للتنزيه.
وإذا ثبت هذا، فإنه يجوز لمن شرع في النفل أن يقطعه مطلقًا.
الجواب الثاني: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس
للتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالردة بدليل الآية التي
قبلها، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) .
الجواب الثالث: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس
للتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالرياء، وهو رأي ابن
عباس، وابن جريج، ومقاتل، كما نقله بعض المفسِّرين
كالزمخشري، والقرطبي، ونقله ابن عبد البر عن أهل السنة.
الدليل الثاني: أن أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله
- ٢٥١ -
[ ١ / ٢٥١ ]
الله، ماذا فرض اللَّه عليّ من الصلاة؛ قال: " خمس صلوات في
اليوم والليلة "، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: " لا، إلا أن
تطوع ".
وجه الدلالة: أنك إن دخلت في التطوع فإنه يلزمك إتمامه، وإن
كان في الأصل هو تطوع، ولا يلزم المكلَّف فعله، لكن لزم بسبب
دخولك فيه.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن الاستثناء في قوله: " إلا أن تطوع "
منقطع، أي: أنه لا علاقة له بما تقدم بدليل: أن النبي - ﷺ - قد أبطل تطوعه بفطره بعد نية الصوم، وبدليل حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - لما أكل مما أهدي إليه قال: " كنت أصبحت صائمًا "، وبدليل: أن كبار الصحابة كانوا يقطعون صيام النفل من غير نكير.
الدليل الثالث: أنه روي: أن عائشة ﵂ قالت:
أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدى لنا حيس فأفطرنا،
ثم سألنا رسول اللَّه - ﷺ - فقال: " اقضيا يومًا مكانه ".
وجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - لما أوجب أن تقضي عائشة وحفصة يومًا مكان اليوم الذي أفطرتا فيه، فإنه يشير إلى أن المندوب يلزم بالشروع فيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث مرسل، وضعيف، كما قال كثير من
علماء الحديث، وذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري "،
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقال عنه الترمذي: " فيه مقال "، وقال عنه أبو داود: " لا يثبت "
وإذا كان كذلك فلا يستطيع أن يقوى على معارضة الأحاديث
الصحيحة التي أثبتت أن المندوب لا يلزم بالشروع.
الجواب الثاني: على فرض ثبوت هذا الحديث، فإن الأمر في
قوله: " اقضيا " يحمل على الندب، لا على الوجوب، والقرينة
الصارفة هي الأحاديث التي ذكرناها في المذهب الأول.
الدليل الرابع: أن النفل يلزم بالشروع؛ قياسًا على النفل المنذور،
فكما أن النفل المنذور صار لله - تعالى - تسمية بمنزلة الوعد، فهو
أدنى حالًا مما صار لله تعالى فعلًا وهو المؤدى.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع
الفارق؛ حيث إنا نتكلم عن النفل المطلق، وهذا بخلاف النفل
المنذور، فإنه قد قيد بالنذر، حيث أوجب الناذر على نفسه ذلك.
الدليل الخامس: أن نفل الحج ونفل العمرة يجب بالشروع فيهما،
فكذلك أيُّ نفل يشرع فيه يجب إتمامه، ولا فرق، والجامع: أن
كلًا من الحج والعمرة وغيرهما يطلق عليه اسم " النفل ".
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن قياسكم النفل المطلق على نفل الحج
والعمرة قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن نفل الحج
والعمرة يفارق نفل غيرهما من وجهين:
الوجه الأول: أن النية في نفل الحج والعمرة لا تختلف عن النية
في فرضهما، فهي في كل منهما قصد التلبس بالحج والعمرة، وهذا
[ ١ / ٢٥٣ ]
ليس متحققًا في غيرهما من النوافل؛ حيث إن نية النفل غير نية الفرض.
الوجه الثاني: أنه تجب الكفارة فيهما بالجماع، كما تجب في
فرضهما، بخلاف وجوب الكفارة بالإفطار في الصيام، فإنها تجب
في الفرض، دون النوافل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث أثَّر في بعض المسائل
الفقهية، وهي أنه إذا دخل في نافلة من النوافل، سواء كانت في
الصوم، أو الصلاة، فإنه عند أصحاب المذهب الأول - وهو
المختار -: يجوز له قطع ذلك بعذر أو بدون عذر، ولا شيء عليه.
أما عند المالكية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل
فيه من النافلة، فإنه ينظر:
إن كان قطعها بعذر فلا قضاء عليه.
وإن كان قطعها بلا عذر فعليه القضاء.
أما عند الحنفية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل
فيه من النافلة فإنه ينظر:
إن كان قد قطع النافلة بعذر فعليه القضاء، ولا إثم عليه.
وإن كان قد قطع النافلة بغير عذر فعليه القضاء، وعليه الإثم.
[ ١ / ٢٥٤ ]