وفيه مسائل:
المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟
المسألة الثانية: إذا لم يوجد في العمر إلا اثنان من المجتهدين فهل
يعتبر اتفاقهما إجماعا؟
المسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل يعتبر قوله
إجماعا؟
المسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟
المسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟
المسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟
المسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم باصول الفقه
دون فزوعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟
المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟
المسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل
اتفاقهم فهل يعتد بقوله وفاقا وخلافا؟
المسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين أو هل
ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟
[ ٢ / ٨٦٧ ]
المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخد به؟
المسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته أن يكون
له مستند ودليل؟
المسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستندًا
للإجماع؟
المسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستندًا
للإجماع؟
المسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.
المسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى الإجماع
فهل يجب تعيينه مستندًا للإجماع؟
المسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس.
المسألة الثامنة عشرهْ: هل يشترط نقل الإجماع بالتواتر؟
[ ٢ / ٨٦٨ ]
المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد
المجمعين حد التواتر.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة
السابقة الذكر وردت مطلقة، وبناء على ذلك فإنه مهما كان عدد
الإجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ " المؤمنين " ولفظ
"الأُمة"، فإذا قالوا قولًا كانت الحُجَّة فى قولهم؛ لأن الأدلة السمعية
- كما سبق - موجبة لعصمتهم عن الخطأ، فإذا لم يكن على وجه
الأرض سوى هؤلاء البالغين درجة الاجتهاد فهم على الحق قطعا
- مهما كانوا قلة أو كثرة - فيجب اتباعهم، صيانة لهم عن الاتفاق
على الخطأ.
المذهب الثاني: أنه يشترط أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليلِ هدا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الجمع الكثير لا يتصور
تواطؤهم على الخطأ، لأن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب، ولا
تحكم العادة بالقطع في غيره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العدد الكثير إذا لم يكونوا كل المجتهدين فإنه
[ ٢ / ٨٦٩ ]
لا يصدق عليهم أنهم كل الأُمَّة، ولم تثبت العصمة إلا للكل، ولا
تلازم بين إحالة العادة تواطؤهم على الكذب، وبين إحالة تواطؤهم
على الخطأ المستفاد من الإجماع، حيث لم يكونوا كل الأُمَّة، وإنما
ثبتت عصمتهم بشهادة النصوص، لا بالعادة، ولذلك وجب بهذه
النصوص أن تثبت العصمة للمجمعين، سواء بلغوا حد التواتر أو
لا، نظرًا لثبوت الصفة فيهم متى كانوا كل المجتهدين.
***
المسألة الثانية: إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين
فهل يعتبر اتفاقهما إجماعا؟
لقد اختلف في ذلك.
والحق: أن اتفاقهما يعتبر إجماعا؛ لدليلين:
الأول: أن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما، لأن الاتفاق أقل
ما يصدق باثنين.
الثاني: أنه يصدق عليهما أنهما كل الأُمَّة، وكل المؤمنين الذين
معه يعتبرون في الإجماع.
وعلى هذا، فإن اتفاقهما على حكم يصبح إجماعا لا يجوز لهما
مخالفته، ولا لغيرهما ممن يأتي بعدهما.
***
المسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل
يعتبر قوله إجماعا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن قول هذا الواحد لا يعتبر إجماعا، ولكنه يعتبر حُجة.
-
[ ٢ / ٨٧٠ ]
وهو مذهب ابن سريج، وهو قول كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الأول: أن الأدلة النقلية الدالة على عدم خروج الحق عن الأُمَّة
تتناوله ويدخل ضمنها.
الثاني: أن الأدلة على كون قوله حُجَّة عليه وعلى غيره من
العوام، كقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
تتناوله.
الثالث: حفظ دين اللَّه حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه
الحادثة من حكم فيها؛ لذلك يكون قوله حُجَّة على غيره ممن لم
يبلغ الاجتهاد وليس إجماعًا؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.
المذهب الثاني: أن قوله حُجَّة وإجماع.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه عند الانفراد يصدق عليه
لفظ الأُمَّة؛ لقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أُمَّة)، فأطلق لفظ
"الأُمَّة " عليه وهو واحد، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فكذلك
أصبح المجتهد وحده أُمَّة، فتناولته الأدلة الدالة على عصمة الأُمَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إطلاق الأُمَّة على إبراهيم - ﵇ -
مجاز؛ للقطع بأن إطلاقها على الجماعة حقيقة، والأصل عدم
الاشتراك، ولا يلزم من إطلاقها على إبراهيم - نظرًا لتعظيمه -
[ ٢ / ٨٧١ ]
إطلاقها في حق غيره، لذلك فإن لفظ " الأُمَّة " لا تطلق على
الواحد أبدًا.
المذهب الثالث: أنه لا يعتبر حُجَّة ولا إجماعا.
وهو مذهب بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العصمة عن الخطأ ثبتت
لجماعة المجتهدين في العصر الواحد، وأقل ما يكون ذلك يتكون من
اثنين فصاعدًا، وهذا منتف في الواحد؛ لأنه ليس له اجتماع،
وليس هو بكل المؤمنين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الدليل دلَّ على أن قول المجتهد الواحد لا
يعتبر إجماعًا، ولكن هذا الدليل لم ينف كون قوله حُجَّة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه يترتب على المذهب الأول - وهو كون
قوله حُجَّة وليس بإجماع -: أنه لا يمنع من رجوعه عن فتواه متى
ظهرت له الحُجَّة في غيره، ولا يمنع من مخالفة غيره له من
المجتهدين، سواء كان في عصره، أو بعد ذلك.
ولكن يجب على العوام أن يعملوا على ما أفتى به.
ويترتب على المذهب الثاني - وهو كون قوله حُجَّة وإجماعا - أنه
لا يجوز له الرجوع عن قوله، لكونه إجماعا، ولا يجوز لمن جاء
بعده أن يخالفه؛ لأن مخالفة الإجماع لا تجوز، سواء كان في
عصره ممن بلغ درجة الاجتهاد، أو بعد عصره.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
أما على المذهب الثالث فلا يترتب عليه شيء إلا أنه يجب عليه أن
يعمل باجتهاده، ويجب على مقلده أن يعمل على ذلك الاجتهاد.
المسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنه تشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، فلا
يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقًا، سواء كان فسقه من
جهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل.
وهو مذهب كثير من العلماء، ونسبه بعضهم إلى الجمهور.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس،
وحُجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولًا، والوسط هو العدل
- كما تقدم -، فلما لم يكن الفاسق متصفا بهذه الصفة - وهي
العدالة - لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يعتد بقوله
في الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية؛ وذلك لاتهامه في
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب التوقف في أخبار غير العدل،
واجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فوجب التوقف في قبوله، وإذا وجب
التوقف في قبول إخباره لم يحكم بقبول خبره.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
الدليل الثالث: أن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو
منفرد، نظرًا لفسقه، واتهامه في الدين جعله غير مؤتمن فيقاس على
ذلك أنه لا يقبل قوله مع الجماعة ولا فرق " حيث إن الاتهام في
الدين لا زال موجودًا.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) .
وجه الدلالة: أن سبيل أهل الفسق والضلال لم يكن سبيلًا للمؤمنين.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، أي:
أنه يعتبر قول العدل والفاسق في الإجماع بشرط بلوغهم درجة
الاجتهاد.
وهو مذهب إمام الحرمين، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني،
والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب
الحنبلي.
دليل هذا المذهب: أن أدلة حجية الإجماع عامة، لم تشترط
عدالة المجتهد، فالفاسق يدخل في عموم " المؤمنين "، وعموم
"الأُمَّة "، فاشتراط العدالة في ذلك تخصيص بلا دليل،
والتخصيص الذي لا دليل عليه لا يقبل.
جوابه:
بأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع السابقة ليست عامة، يدخل فيها
كل أحد، بل هي مخصصة بأن المراد بالأُمَّة وبالمؤمنين هم العدول
منهم، وقد خصص ذلك أدلتنا الأربعة السابقة الذكر، ويضاف إلى
ذلك: أن هذا الفاسق يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه في الإجماع
كما يعصي في غيره، وما دام أنه يجوز ذلك فلا يمكن الاعتداد به،
والاعتماد عليه في أمرٍ يهمُّ الإسلام والمسلمين حالًا ومستقبلًا.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، ويتضح فيما إذا اتفق مجتهدو العصر إلا
واحدًا قد خالف، فإنا ننظر في هذا الواحد: إن كان عدلًا فإنه لا
ينعقد الإجماع، لمخالفة واحد معتبر في الإجماع.
وإن كان المخالف فاسقًا فإنه ينعقد الإجماع - بناء على المذهب
الأول - لأن المخالفة ليس من أهل الإجماع، فينعقد الإجماع بدونه.
أما على المذهب الثاني فإنه لا ينعقد الإجماع، لأن المخالف من
أهل الإجماع، فلا ينعقد الإجماع لمخالفة واحد معتبر في الإجماع
عندهم.
***
المسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟
لقد اختلف في ذلك.
والحق في ذلك: أن الكافر لا يعتد بقوله في الإجماع مطلقًا،
أي: سواء كان كافرًا أصليًا - وهم اليهود والنصارى ونحوهم - أو
كان كافرًا متأولًا - وهو الذي كفر بسبب بدعة، أو شبهة مثل
الخوارج والجهمية ونحوهم -.
والدليل على ذلك:
أنا لم نقبل قول الكافر الأصلي في الإجماع، لعدم دخوله في
لفظ " الأُمَّة "، ولفظ: " المؤمنين ".
أما الكافر المتأول فلم نعتد بقوله في الإجماع؛ لأمرين:
أولهما: القياس على الفاسق: فإذا لم نعتد بقول الفاسق في
[ ٢ / ٨٧٥ ]
الإجماع، فمن باب أوْلى لا نعتد بقول الكافر المتأول؛ لأن الكفر
فسق وزيادة.
ثانيهما: القياس على الكافر الأصلي بجامع: الكفر في كل
منهما، وإن لم يعلم هو كفر نفسه.
***
المسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يعتبر قول العامي في الإجماع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)،
وقوله - ﷺ -: " ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العي
السؤال ".
وجه الدلالة: أن هذين النصين بينا أن العامي يلزمه المصير إلى
أقوال العلماء، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.
الدليل الثاني: أن المجتهدين من الأمَّة إنما كان قولهم حُجَّة؛ لأن
قولهم مستند إلى دليل؛ لأنه لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل،
والعامي ليس أهلًا للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله
معتبرًا لذلك.
الدليل الثالث: القياس على الصبي " المجنون: فكما أن الصبي
والمجنون لا يعتبر خلافهما ولا وفاقهما في الإجماع، فكذلك العامي
ولا فرق، والجامع: نقصان الأهلية في كل، فكيف يساوى مع
كاملي الأهلية وهم المجتهدون.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
الدليل الرابع: أن الرسول - ﷺ - لما بين أن الأُمَّة معصومة عن الخطأ
بالأحاديث السابقة الذكر، فإنه لم يفهم من ذلك إلا عصمة العلماء
المجتهدين الذين تتصور منهم إصابة الحكم الشرعي الصحيح؛ نظرًا
لأهليتهم ومعرفتهم بالاستدلال، أما العامي، فلا نتصور ثبوت
العصمة في حقه؛ لأنه يقول الحكم بلا دليل.
المذهب الثاني: أن قول العامي معتبر في الإجماع، أي: أن
موافقة العوام معتبرة في انعقاد الإجماع، وكذلك مخالفتهم.
وهو ما اختاره بعض المتكلمين كما حكاه ابن الصباغ وابن برهان،
ونقله إمام الحرمين وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي
بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب: عموم لفظ " المؤمنين "، ولفظ " الأُمَّة "
للعالم، والعامي، إذن اسم " المؤمنين "، و" الأُمَّة " يتناول
الجميع، فلا يخرج العوام إلا بدليل، ولا دليل، وعلى ذلك يعتبر
قول العامي كغيره من الأُمَّة في انعقاد الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين.
الجواب الأول: أن العوام وإن كانوا من الأُمَّة ومن المكلَّفين إلا
أنهم ليسوا من أهل النظر، فأشبهوا غير المميزين في عدم الفهم،
فهم مقلدون للمجتهدين الذين هم من أهل النظر، ولا يتصور
عصمة الأُمَّة عن الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة هو وحده أو
مع غيره؛ لكونه أهلًا لها، فوجب أن يراد من الأدلة الدالة على
عصمة الأُمَّة: عصمة مجتهديهم فقط، وهذا هو دليل إخراجهم من
عموم تلك الألفاظ.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
الجواب الثاني: أن هذا المذهب - وهو أن قول العوام معتبر في
الإجماع - يؤدي إلى تعطيل دليل يعتبر من أقوى الأدلة الشرعية
وهو: الإجماع، وذلك من وجهين:
أولهما: أنه لا يركن أن يتصور عاقل أن جميع الأُمَّة العلماء
والعوام يتفقون كلهم على قول واحد في حادثة واحدة.
ثانيهما: أنا لو فرضنا - مع الفرض الممتنع - تصور اجتماع
جميع الأُمَّة على قول واحد في حادثة واحدة، فمن الذي يقوم بنقل
هذا القول وجمعه من كل فرد من أفراد الأمَّة مع كثرة هؤلاء وتفرقهم
في مدن، وقرى، وبوادي، وهجر، ووديان العالم الإسلامي؛
هذا مستحيل.
بيان نوع هذا الخلاف:
إن الخلاف في هذه المسألة لفظي من وجه، ومعنوي من وجه آخر.
أما وجه كون الخلاف لفظيًا فهو أنه لم يؤثر في الفروع الفقهية،
فمن قال: أجمعت الأُمَّة على كذا يريد: أجمع علماء الأُمَّة
ومجتهدوهم، ومن قال: أجمع العلماء على ذلك فقد صرح به.
أما وجه كون الخلاف معنويًا فهو: أن هذا الخلاف قد أثر في
مسألتين من مسائل أصول الفقه هما:
١ - مسألة: " هل فقدان أهلية الاجتهاد تخل بأهلية الإجماع؛ "
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون - إن العوام لا يعتبر قولهم
في الإجماع - قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد تخل بالإجماع.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العوام يعتبر
[ ٢ / ٨٧٨ ]
قولهم فيه - فقد قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد لا تخل بأهلية
الإجماع.
٢ - مسألة: " قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعًا "؟ فمن قال: إن العوام يعتبر قولهم في الإجماع
- وهم أصحاب المذهب الثاني - قال: إذا لم يوجد في العصر إلا
مجتهد واحد فهم داخلون معه، فيكون إجماعا، وإلا: فلا؛ لأن
الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعدًا، وقد سبق أن بيَّنا هذه
المسألة، وذكرت أن الحق هو: أن قول الواحد لا يكون إجماعًا إذا
لم يوجد غيره في العصر، ولكنه يكون حُجَّة يجب على العوام
اتباعه؛ لئلا يخلو العصر من حكم في الحادثة النازلة.
***
المسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم بأصول
الفقه دون فروعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يعتبر قول العالم بأصول الفقه، دون الفقيه،
ولا يمكن أن ينعقد الإجماع بدون العالم بأصول الفقه.
وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وإمام
الحرمين، وابن السبكي، والمحلي.
وهو الحق عندي؛ لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة
الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب من
غيره إلى الاجتهاد فيها؛ وذلك نظرًا لعلمه بمدارك الأحكام على
اختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وكيفية تلقي الأحكام من منطوقها
[ ٢ / ٨٧٩ ]
ومفهومها ومعقولها، ونظرًا لعلمه الشامل الدقيق بالأصول التي
يستدل بها المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة،
فمن هذه صفته، فهو ممن يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، وإذا كان
كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر، وإذا ظهرت عِلَّة
اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق، فلا يشترط فيمن ينعَقد
به الإجماع حفظ الفروع يؤيد ذلك أمران:
أولهما: أن بعض الصحابة كالعباس، وطلحة، والزبير، وسعد
ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح،
ونحوهم ممن لم يشتهروا بالفتوى كان يعتد بخلافهم ووفاقهم في
انعقاد الإجماع، فلا ينعقد الإجماع بدونهم، وهم يتساوون مع أهل
الفتوى من الصحابة المشهورين - كابن عباس، وابن عمر، ومعاذ،
وزيد، والخلفاء الأربعة - فلم يفرق بين هؤلاء وأولئك في انعقاد
الإجماع، مع أن الأوَّلين لم يكونوا من الحافظين للفروع، وما كان
ذلك إلا لأن الأولين أهل لفهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويعرفون
طرق استنباط الأحكام منهما، ومن هذه صفته فلا يمكن أن ينعقد
الإجماع بدونه.
ثانيهما: أن العالم بأصول الفقه يعتبر قوله في الإجماع، دون
الفقيه، لأن الفقيه الحافظ للفروع يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات
الدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو
الطلاق، أو الحدود، أو دقائق أي باب من أبواب الفقه، أما
الأصولي فلا يحتمل، ذلك فيه؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي
تندرج تلك الفروع تحتها.
المذهب الثاني: أنه يعتبر قول الفقيه في الإجماع، دون الأصولي.
وهو مذهب بعض العلماء.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
دليل هذا المذهب:
أن الفقيه عالم بجزئيات الفروع، وأنه يحفظها فهو أعلم بحكم
النازلة بقياسها على نازلة أخرى، فرأيه محتاج إليه في الإجماع،
دون الأصولي الذي لا يحفظ تفاصيل الفروع.
جوابه:
إن احتمال فوات بعض الفروع والجزئيات على هذا الفقيه هو الذي
منعنا من قبول قوله في الإجماع، ثم إن القياس ودقائقه وشروطه
مختص به الأصولي، والمسألة مفروضة في " الفقيه الذي لا يعرف
الأصول، والأصولي الذي لا يعرف الفقه ".
المذهب الثالث: أنهما يعتبران معا، فلا ينعقد الإجماع بدونهما،
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن كل واحد منهما قد توفرت فيه أهلية النظر، ولدخولهما في
عموم لفظ " الأُمَّة "، و" المؤمنين ".
جوابه:
إنا نسلم أنهما يدخلان في عموم " الأُمَّة "، و" المؤمنين " أيضا،
ولكن خصصنا ذلك بأن المقبول قوله من الأُمَّة والمؤمنين هم المجتهدون.
والأصولي وهو العالم بدقائق أصول الفقه قد بلغ درجة الاجتهاد
بمعرفته بالقواعد الأصولية التي يندرج تحتها عدد لا يحصى من
الجزئيات - كما فصلناه فيما سبق - فهو عنده أهلية النظر.
أما الفقيه الذي لا يعلم أصول الفقه، فلا نسلم أن عنده أهلية
النظر؛ حيث إنه لا يمكنه الاستدلال على ما يقول لعدم معرفته لطرق
[ ٢ / ٨٨١ ]
الاستدلال التي هي وظيفة الأصولي، ومن لا يعرف الاستدلال فلا
يمكن أن يقبل قوله.
المذهب الرابع: أنهما لا يعتبران معا، فيمكن انعقاد الإجماع
بدونهما.
وهو مذهب أكثر العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنهما ليسا من أهل النظر، ولم تتحقق الأهلية المعتبرة في أئمة
أهل الحل والعقد من المجتهدين من الأئمة الأربعة، ومن سار على
نهجهم ممن عرفوا الأصول والفروع معا.
جوابه:
إنا نسلم أن الفقيه لم تتحقق فيه الأهلية للنظر؛ لعدم علمه بطرق
الاستدلال كما قلنا فيما سبق.
أما العالم في أصول الفقه فلا نسلم لكم أنه لم تتحقق فيه أهلية
النظر، بل توفرت تلك الأهلية؛ نظرًا لمعرفته بطرق الاستدلال وهي
القواعد التي يندرج تحتها ما لا يحصى من الجزئيات - كما بيَّنا ذلك
فيما سبق -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث إنه قد أثر فى بعض المسائل،
ومنها:
١ - قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعا؟
فمن قال يعتبر قول الفقيه والأصولي أو أحدهما في الإجماع - وهم
أصحاب المذهب الأول والثاني والثالث -: قال: إذا لم يوجد في
العصر إلا مجتهد واحد فهما داخلان معه فيكون إجماعا.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
ومن قال لا يعتبر قولهما في الإجماع - وهم أصحاب المذهب
الرابع - قال: إذا لم يوجد إلا مجتهد واحد في العصر، فلا
يدخلان معه، فلا يكون إجماعًا؛ لأن الإجماع لا يصدق إلا من
اثنين فصاعدًا.
٢ - لو وجد في هذا العصر خمسة مجتهدين قد علموا الفروع
والأصول، ووجد معهم في هذا العصر عالم بأصول الفقه دون
فروعه، وعالم بالفقه دون أصوله، واتفق الخمسة على حكم شرعي
وخالف الفقيه، والأصولي.
فعلى المذهب الرابع: يكون اتفاق الخمسة إجماعًا؛ لأن مخالفة
الفقيه والأصولي لا تعتبر.
وعلى المذهب الأول والثاني والثالث: لا يكون اتفاق الخمسة
إجماغا؛ لأن مخالفة الفقيه والأصولي معتبرة أو أحدهما.
٣ - لو اتفق هؤلاء الخمسة، وخالف الأصولي فقط.
فعلى المذهب الأول والثالث لا يكون اتفاقهم إجماعًا؛ لأن
مخالفة الأصولي معتبرة.
وعلى المذهب الثاني والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن
مخالفة الأصولي عند أصحابه غير معتبرة.
٤ - لو اتفق هؤلاء الخمسة وخالف الفقيه فقط.
فعلى المذهب الأول والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن مخالفة
الفقيه غير معتبرة.
وعلى المذهب الثاني والثالث: لا يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن
مخالفة الفقيه معتبرة.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟
المراد من انقراض عصر المجمعين: موتهم جميعًا بعد اتفاقهم على
الحكم في الحادثة التي نشأت في عصرهم.
وقد اختلف العلماء في اعتبار هذا الشرط في انعقاد الإجماع على
مذاهب:
المذهب الأول: أن انقراض أهل العصر - وهو موت جميع
المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقا، أي: سواء
كان صريحًا أو سكوتيًا، إجماع صحابة أو غيرهم.
وهو مذهب جمهور انعلماء منهم الأئمة الثلاثة: " أبو حنيفة،
ومالك، والشافعي " وأكثر أتباعهم، وهو ورواية عن الإمام أحمد
وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وغيره، وهو اختيار بعض المعتزلة.
وبناء على ذلك فإنه لو اتفق جميع مجتهدي الأُمَّة على حكم
شرعي لمسألة معينة: ولو في لحظة واحدة مهما قصرت - انعقد
الإجماع وأصبح حُجَّة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم.
وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة التي ذكرناها في
حجية الإجماع - توجب أن الإجماع حُجَّة بمجرد اتفاق مجتهدي
العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس
الاتفاف؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا
دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به.
الدليل الثاني: أن التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في
أواخر عصر الصحابة، فقد حكي عن الحسن البصري - ﵀ -
[ ٢ / ٨٨٤ ]
أنه قد احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك - ﵁ - كان
حيًّا، وغيره فعل ذلك فقد زاحمهم كثير من التابعين، واحتجوا
بإجماعهم وهم - أي: الصحابة بين أظهرهم - والاحتجاج
بإجماعهم مع وجودهم قد وقع، ولم ينكره أحد، فعلم أن شرط
الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطا لما احتج التابعون
بإجماع الصحابة؛ لأنه لم يكن قد زم لفقد شرطه.
الدليل الثالث: قياس الحكم الثابت بالإجماع على الحكم الثابت
بالنص، فكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت،
فكذلك الثابت بالإجماع ولا فرق.
الدليل الرابع: أن اشتراط انقراض العصر يؤدي إلى تعذر الإجماع
وعدم تحققه، وامتناع انعقاده مطلقا مع كونه حُجَّة متبعة، وكل شرط
أدى إلى إبطال المشروط المتفق على تحققه كان باطلًا، بيان ذلك:
أن من اشترط انقراض العصر في صحة الإجماع جوز من جاء من
التابعين - وهو من أهل الاجتهاد - مخالفة من أدركهم من
الصحابة، وشرط في صحة إجماع الصحابة موافقة ذلك التابعي،
وإذا صار التابعي من أهل الإجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى
يأتي تابع التابعي - وهو من أهل الاجتهاد - ويخالفهم، وهكذا
إلى يوم القيامة، مما يؤدي إلى عدم تحقق الإجماع في عصر من
العصور، ولا يكون ثابتا.
المذهب الثاني: أن انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع
المعتبرين في الإجماع - شرط لصحة انعقاد الإجماع مطلقا، أى:
سواء كان صريحا أو سكوتيا، في عصر الصحابة أو غيرهم، أي:
لا يسمى الاتفاق إجماعا إلا بعد موت المجمعين.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وهو رواية ظاهرة للإمام أحمد، وهو اختيار بعض الشافعية كابن
فورك، وسليم الرازي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن
عقيل، والحلواني، وبعض المعتزلة، ورواية عن الخوارج.
وبناء على هذا المذهب فلا تحرم مخالفتهم للإجماع في عصرهم،
فيصح أن يرجع بعضهم، أو يرجعوا جميعًا عن الحكم، ولا يكون
اتفاقهم إجماعا ولا حُجَّة إلا إذا ماتوا، وإذا أدركهم من جاء بعدهم
- وبلغوا درجة الاجتهاد - وخالفوهم في ذلك الحكم فإنه يعتد
بخلافهم.
أدلة هذا المذهب؛
الدليل الأول: أنه لو كان اتفاق المجتهدين حُجَّة قبل انقراض
العصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده؛ إذا ظهر له أنه أخطأ فيه،
وهذا مخالف لإجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على وجوب رجوع
المجتهد عند ظهور الدليل الموجب لذلك، فبطل كون الاتفاق قبل
الانقراض حُجَّة، وبناء على ذلك: وجب اشتراط الانقراض في
الحجية.
جوابه:
إن العلماء قد أجمعوا على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور
موجبه إذا كان الاجتهاد انفراديًا، أما إذا كان الاجتهاد جماعيًا، فلا
يجوز لأي مجتهد أن يرجع عن اجتهاده، ولو ظهر له موجب،
فيكون هذا الموجب مؤول، أو منسوخ، فلم يكن موجبا للرجوع؛
لأن الإجماع قاطع، فيدل على بطلان مقابله، أو تأويله.
الدليل - الثاني: قياس الإجماع على السُّنَّة، بيان ذلك:
إن وفاة - ﷺ - شرط في استقرار الحُجَّة فيما يقوله، فكذلك
[ ٢ / ٨٨٦ ]
وفاة المجمعين - وهو: المراد بانقراض العصر - شرط في استقرار
قول الجماعة وصحته.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ فلا نسلم أن
وفاة - ﷺ - شرط في حجية سُنَته، ولا في استقرارها، بل هي حُجَّة بمجرد ورودها، ولو لم تكن حُجَّة بمجرد ورودها لما وجبت
طاعته فيها، والإجماع حاصل في طاعته - ﷺ -، وكذا يجب اعتقاد استقرار حجية السُّنَّة بمجرد ورودها حتى يظهر المغير، ولو لم يكن كذلك لارتفعت الثقة بالقرآن والسُّنَّة، وهذا باطل.
الجواب الثاني: لو سلمنا أن الأصل المقاس عليه صحيح - وهو
اشتراط وفاته في استقرار حجية السُّنَّة - فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين قول النبي - ﷺ - وبين إجماع الأُمَّة، وهو: أن قول - ﷺ - إنما لم يستقر قبل موته؛ لاحتمال نسخه وهو متوقع، وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع بطريق الوحي جائز في عهده - ﷺ -، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد، فإنه لا ينسخ.
المذهب الثالث: أن انقراض المجمعين شرط في إجماع الصحابة
فقط.
وهو اختيار ابن جرير الطبري وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع رجوع بعض الصحابة عن
إجماع الصحابة في مسألة معينة، فلو لم يشترط انقراض عصر
[ ٢ / ٨٨٧ ]
الصحابة لم يصح رجوع بعضهم؛ نظرًا لاستلزام الرجوع مخالفة
الإجماع، وإليك بعض أمثلة رجوع بعض الصحابة.
فمنها: أنه أجمع عمر وعليّ - ﵄ - على أن أم
الولد لاتباع، ثم خالف علي هذا بعد وفاة عمر، ورأى أن يبعن،
قال عليّ - ﵁ -: " اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات
الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن "، فقال له عبيدة
السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك "،
فهنا عليّ - ﵁ - أظهر الخلاف بعد الإجماع، وأقر عليه،
فلو كان لا يشترط انقراض عصر الصحابة ما جاز له الخلاف، ولما
أقر عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بانا لا نُسَلِّمُ بأن مخالفة عليّ - ﵁ -
كان لإجماع سابق، حيث لم يتم إجماع في زمن عمر - على عدم
بيع أم الولد - يدل على ذلك قول جابر: " بعناهن على زمن النبي
- ﷺ -، وأبي بكر، وشطر من زمن عمر "،
وهو قول ابن عباس، فهنا جابر وغيره قد خالفوا في ذلك.
أما قول عبيدة السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك
وحدك "، فلم يُرد به أن موافقة الجماعة إجماعا، وإنما أراد به: أن
رأيك في زمان الألفة، والجماعة والاتفاق، والطاعة للإمام أحب
إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة.
بيان نوع الخلاف في هذه المسألة:
الخلاف هنا معنوي، يظهر أثره في أمرين هما:
[ ٢ / ٨٨٨ ]
أولهما: هل يجوز رجوع المجمعين أو بعضهم عما أجمعوا عليه أو لا؟
اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.
فعلى المذهب الأول - وهو: أن انقراض العصر لا يشترط لصحة
الإجماع مطلقًا -: لا تجوز مخالفة المجمعين لما أجمعوا عليه، ولا
تجوز مخالفة بعضهم له أيضًا.
أما على المذهب الثاني - وهو: أن الانقراض شرط لصحة
الإجماع مطلقًا -: فإنه يجوز أن يرجع جميع المجتهدين المجمعين
عن إجماعهم، ويجوز رجوع بعضهم، فيبطل إجماعهم.
أما على المذهب الثالث - وهو: أن الانقراض شرط لصحة
إجماع الصحابة - فإنه يجوز رجوع المجمعين الصحابة أو بعضهم،
ولا مانع من ذلك دون إثم، أما غير الصحابة فلا يجوز للمجمعين
كلهم ولا لبعضهم الرجوع عن الإجماع.
ثانيهما: هل يُعتد بخلاف الناشئ إذا بلغ درجة الاجتهاد بعد أن
أجمع العلماء على تلك المسألة وبعض المجمعين على قيد الحياة؛
اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.
فعلى المذهب الأول - وهو عدم اشتراط انقراض العصر لصحة
الإجماع - مطلقًا، لا يعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا، سواء كان
من الصحابة أو غيرهم.
أما على المذهب الثاني - وهو: اشتراط انقراض العصر مطلقا -
فإنه يُعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا.
أما على المذهب الثالث - وهو اشتراط الانقراض لصحة إجماع
[ ٢ / ٨٨٩ ]
الصحابة - فإنه يُعتد بخلاف الناشئ التابعي البالغ درجة الاجتهاد في
عصر الصحابة فقط، أما غير التابعي فلا يعتد بخلافه إذا بلغ درجة
الاجتهاد بعد اتفاق علماء عصره.
***
المسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر
الصحابة قبل اتفاقهم، فهل يُعتد بقوله وفاقًا وخلافًا؟
لقد قلنا في المسألة السابقة: إنه لا يشترط انقراض عصر المجمعين
مطلقًا، أي: سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وترتب على هذا
القول: إنه لا يُعتد بخلاف من خالفهم بعد انعقاد الإجماع منهم
مطلقا، سواء كان تابعيًا بلغ درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد
إجماعهم أو لا.
لكن هذه المسألة تختلف عن تلك فهي مفروضة فيمن بلغ درجة
الاجتهاد من التابعين في عصر الصحابة، وقبل انعقاد إجماع
الصحابة على مسألة معينة، فهل يُعتد بقوله وفاقا وخلافا أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يُعتد بقوله.
أي: إذا حضر المجتهد من التابعين مع الصحابة في وقت حدوث
الحادثة فخالفهم، لم ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفتة، وتكون
المسألة مختلف فيها.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدلبل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، وهي التي
ذكرناها من الآيات والأحاديث، فإنها دلَّت على أن المتبع هم كل
[ ٢ / ٨٩٠ ]
المجتهدين من " المؤمنين " ومن " الأمة " الموجودين حين حدوث الحادثة في عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي المجتهد من الأمة ومن المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها، فإنه لا يقال: " أجمع جميع مجتهدي أمة محمد - ﷺ - "، فالحجة إجماع الكل، وما دام الأمر كذلك فإنه يعتد بقول التابعي مع الصحابة.
الدليل الثاني: الوقوع، حيث إن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك، ولو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلًا لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به، والرجوع إليه، وإليك أمثلة على ذلك:
١ - أن كبار أصحاب ابن مسعود - ﵁ - كعلقمة النخعي، والأسود النخعي، وغيرهما كانوا يفتون الناس مع وجود ابن مسعود وغيره من الصحابة بدون نكير.
٢ - أن سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة المنورة، وفيها خلق كثير من الصحابة، وكذلك فقهاء التابعين المعاصرين لبعض الصحابة يفعلون ذلك كسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري.
٣ - أن أنسًا سُئل عن مسألة فقال: " سلوا مولانا الحسن - يعني الحسن البصري - فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا.
٤ - أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب قد وليا شريحا بن الحارث التابعي القضاء وأمراه بالاجتهاد إن لم يجد حكم الحادثة في النص ولم يعترضا - أي: عمر وعليّ - على ما قضي به شريح فيما
[ ٢ / ٨٩١ ]
خالفهما فيه، وحكم على عليّ في خصومة عرضت له عنده على
خلاف رأي عليّ، ولم ينكر عليه.
٥ - أن رجلًا سأل ابن عمر عن فريضة، فقال: سل سعيد بن
جبير، فإنه يعلم منها ما أعلم، ولكنه أحسب مني.
وغير ذلك من الأمور التي دلَّت على أن الصحابة قد أجازوا
وسوغوا للتابعين الاجتهاد معهم، وأخذ رأيهم، وكيف لا يعتبر
قولهم، وقد أقر الصحابة لهم بالفضل والعلم والفهم للشريعة،
ولم ينكروا عليهم؟! ولو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يصح شيء
من ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يُعتد بقول التابعي المجتهد مع الصحابة.
أي:. أن الصحابي إذا بلغ درجة الاجتهاد وأدرك عصر الصحابة،
فحدثت حادثة في ذلك العصر، فإنه لا يُعتدُّ بقوله: فإذا أجمع
الصحابة على رأي في تلك الحادثة وخالفهم ذلك التابعي، فإنه
ينعقد الإجماع بدون النظر في مخالفة التابعي.
وهو مذهب بعض المالكية كابن خويز منداد، وبعض الشافعية
كابن برهان، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الصحابة - ﵃ - قد تميزوا عن
غيرهم بالصحبة، وهذا الوصف يقتضي أن الموصوف به قد شاهد
التنزيل، وعلم التأويل، وعلم الشرع من فيِّ النبي - ﷺ - مباشرة، وعرف مقاصد الشريعة، فإذا كان الصحابة يتميزون بذلك في حين أن هذه المميزات معدومة في التابعين، فإنه يتبين لك ان الحق معهم،
[ ٢ / ٨٩٢ ]
ولا يكون مع مخالفهم، وأن مرتبة الصحابة بالنسبة للتابعين كمرتبة
العلماء مع العوام، فكما أن العامي لا يعتد بقوله في إجماع
العلماء، نظرًا لعدم العلم، فكذلك التابعي لا يعتد بخلافه في
إجماع الصحابة، نظرًا لتلك المميزات التي تميز بها الصحابة.
جوابه:
إننا نسلم بأن الصحابة يفضلون على التابعين بفضيلة الصحبة،
ولكن فضيلة الصحبة لا تجعل الإجماع مختص بهم، وأنه لا يُعتد
بقول غيرهم ممن عاصرهم من مجتهدي التابعين؛ وذلك لأن شرط
الإجماع الأساسي هو: كون المجمعون قد بلغوا درجة الاجتهاد
مطلقا، فكون الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد لا ينفي وجود
من يعلم ذلك من مجتهدي التابعين، إذن مجتهدو العصر الواحد قد
تساووا في الاجتهاد، فيقبل قول كل واحد من المجتهدين سواء كان
صحابيا أو غير صحابي.
أما قولكم: إن الصحابة مع التابعين كالعلماء مع العامة، فهذا لا
نسلمه لكم مطلقًا؛ لأن هذا القول مخالف للحقيقة، فقياس التابعين
على العوام قياس فاسد؛ لأن مجتهدي التابعين قد وصلوا إلى درجة
من العلم والفقه والفهم قد تساوي ما علمه الصحابي إن لم تزد عليه.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع إنكار بعض الصحابة على
بعض التابعين ولو كان التابعي المجتهد يُعتد بخلافه مع الصحابة لما
وقع هذا الإنكار، والإنكار ورد في قصة عائشة - ﵂ -
مع أبي سلمة؛ حيث روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
أنه قال: كنا نتذاكر أنا، وابن عباس، وأبو هريرة في عدة المتوفى
عنها زوجها، فقال ابن عباس: تعتد بأقصى الأجلين، فقلت: بل
[ ٢ / ٨٩٣ ]
عدتها: أن تضع حملها، فأنكرت عائشة - ﵂ - على
أبي سلمة ذلك، وقالت: مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح
فصاح لصياحها.
وروى الإمام مالك في " الموطأ ": أن عائشة قالت ذلك لأبي
سلمة في الغسل من التقاء الختانين، قال أبو سلمة: سألت عائشة
زوج النبي - ﷺ -: ما يوجب الغسل؛ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟:
مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها، إذا
جاوز الختان فقد وجب الغسل.
فلو كان قول التابعي - وهو هنا أبو سلمة - معتبرا مع الصحابة:
لما أنكرت عائشة على أبي سلمة مجاراته للصحابة، وكلامه واجتهاده
معهم، ولما زجرته عن ذلك، وهذا يدل على أنهم لم يسوغوا
خلاف التابعين معهم.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن إنكار عائشة على أبي سلمة قد وقع، ولكن
هذا الإنكار اجتهاد منها - ﵂ - خالفها فيه ابن عباس
وأبو هريرة - ﵃ - حيث إن أبا سلمة لما قال - في
القصة السابقة -: " وقلت: أنا عدتها أن تضع حملها ":
قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم
سلمة يسألها، قالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى
فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول اللَّه - ﷺ -.
فهنا لم ينكر ابن عباس وأبو هريرة مخالفة أبي سلمة في هذه
المسألة، مما يدل على تسويغ بعض الصحابة لذلك، وعدم فعله ما
[ ٢ / ٨٩٤ ]
ينكر عليه، لأنه مجتهد ناظر مجتهدين، إذن: إنكار عائشة على
أبي سلمة يقابل بموافقة هذين الصحابيين، والوافقة مقدمة على
الإنكار، فيثجت أن التابعي المجتهد يُعتد بقوله مع الصحابة.
الجواب الثاني: أن إنكار عائشة لا يدل على مذهبكم وهو: أن
التابعي المجتهد لا يعتد بقوله في إجماع الصحابة؛ حيث إن إنكارها
ورد على شخص معين في قضية معينة، وهذا يحتمل احتمالين:
الاحتمال الأول: أن عائشة قد أنكرت على أبي سلمة؛ لأنه
يبلغ درجة الاجتهاد - من وجهة نظرها - ومن لم يبلغ درجة
الاجتهاد فلا يؤخذ برأيه في المسائل الفقهية.
الاحتمال الثاني: أن أبا سلمة قد يكون من البالغين درجة
الاجتهاد، ولكن عائشة أنكرت عليه لعدم تأدبه مع ابن عباس حبر
هذه الأُمَّة حال المناظرة من رفع صوت ونحوه، وقولها: " يصيح "
يشعر بذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، له أثره وهو واضح، فلو اتفق الصحابة
على حكم معين وخالفهم تابعي مجتهد، فهل يكون الإجماع صحيحا؟
اختلف في ذلك: والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.
فعلى المذهب الأول: لا يكون اتفاق الصحابة إجماعًا، بل
تكون المسألة مختلف فيها، لأنه يُعتد بخلاف التابعي المجتهد مع
الصحابة.
وبناء على المذهب الثاني: يكون اتفاق الصحابة إجماعًا،
[ ٢ / ٨٩٥ ]
ولا عبرة بخلاف التابعي، وتكون المسألة مجمعا عليها، لا تجوز
مخالفته.
***
المسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين؟
أو هل ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين، فلا
ينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، فلو اتفق علماء العصر على حكم
حادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن النصوص السابقة - وهي التي ذكرناها في
حجية الإجماع - دلَّت على عصمة الأُمَّة عن الخطأ، ولفظ الأُمَّة إنما
يُطلق حقيقة على جميع الأُمَّة، ولا يُطلق على أكثر الأُمَّة، وإن
أطلق على أكثر الأُمَّة فإطلاق مجازي لا يصح إلا بقرينة، وحيث لا
توجد قرينة، فإنا نحمل لفظ " الأُمَّة " على كل الأُمَّة وجميعها،
فينتج: أن العصمة عن الخطأ يكون بجميع الأُمَّة، أما أكثر الأُمَّة فلا
عصمة لهم، ونظرًا إلى أنه لا عصمة لأكثر الأُمَّة، فلا ينعقد
الإجماع باتفاقهم.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق
الأكثر منهم على حكم من الأحكام، ومخالفة الأقل، بل تفرد
الواحد منهم برأيه في مسألة معينة مع اتفاق الأكثر على رأي آخر،
فلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعًا للزم الأقل أو الواحد منهم أن
[ ٢ / ٨٩٦ ]
يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفة ذلك
الإجماع، وعلى ذلك أمثلة:
١ - مخالفة ابن عباس لاكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة،
ومسألة العول.
٢ - مخالفة ابن مسعود لأكثر الصحابة في بعض مسائل الفرائض.
٣ - مخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة.
وغير ذلك من الأمثلةْ، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ولو وجد
إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك.
وما نقل من الإنكار على بعض الصحابة لم يكن إنكار تخطئة،
وإنما هو إنكار في الدليل والمأخذ فقط، كما يجري ذلك مع مجتهد
حينما يناظر مجتهدًا آخر.
ومما يؤيد أن اتفاق الأكثر لا يُسمَّى إجماعا: أن الرأي الذي ذكره
الأقلون من الصحابة أو الواحد منهم بقي إلى زماننا هذا، وسمِّيت
المسألة خلافية، وربما كان الرأي الذي ذهب إليه الأقل منهم كان هو
المعمول به عند بعضهم، فلو كان ذلك مخالفًا للإجماع لما كان ذلك
جائزًا.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين،
فينعقد الإجماع بقول الأكثر، فلو اتفق علماء العصر على حكم
معين وخالفهم الواحد أو الاثنين منهم، فإنه ينعقد الإجماع.
وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وأبو بكر الجصاص، وأبو
الحسن الخياط من المعتزلة، وابن حمدان من الحنابلة، وأبو محمد
الجويني من الشافعية.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأُمَّة على مبايعة "أبي
بكر - ﵁ - بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك،
وخالف في ذلك بعض الصحابة كعليّ وغيره، فلو لم يكن اتفاق
الأكثر إجماعًا لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع.
جوابه:
لا نسلم ما ذكرتم، بل إن خلافة أبي بكر - ﵁ - قد
اتفق عليها جميع الصحابة: فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم
ينكر ذلك، ولو أنكر لنقل، ولكن لم ينقل شيء من ذلك، وما
قيل من مخالفة علي - ﵁ - في ذلك غير صحيح،
ولكنه تأخر في البيعة لعذر خاص به، فلما علم بتلك البيعة وافق
وقال: " رضيه رسول اللَّه - ﷺ - لديننا أفلا نرضاه لدنيانا! ".
الدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد
الإجماع أصلًا؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين
جوابه:
إنه إذا اتفق جميع المجتهدين في العصر على حكم معين، فإن
ذلك يكون إجماعًا، ويحتج به، وتحرم مخالفته، واتفاق هؤلاء
يعلم إما بصريح القول، أو بقرائن تدل على موافقته، وذلك ممكن
كما سبق.
أما إذا خالف واحد أو اثنان - ممن بلغوا درجة الاجتهاد - هؤلاء
الأكثر، فإنه لا إجماع، بل تكون المسألة مختلف فيها - كما قلنا
ذلك فيما سبق.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
الدليل الثالث: أن الإجماع حُجَّة في العصر الذي هِم فيه،
وذلك يقتضي أن يكون منهم مخالف ليكون ذلك الإجماع حُجَّة عليه.
جوابه:
أن الإجماعِ حُجَّة على من خالف منهم بعد انعقاد الوفاق في
زمنهم، وحُجة على من يوجد بعدهم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، وهو واضح، فلو اتفق أكثر
علماء العصر على حكم معين، وخالف واحد ممن بلغ درجة
الاجتهاد، فهل يسمى هذا الاتفاق إجماعا أو لا؟
فعلى المذهب الأول: لا يُسمَّى هذا الاتفاق إجماعا، فتجوز
مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويتخير المكلَّف بين رأي
الأكثر والاءقل.
أما على المذهب الثاني، فإنه يسمى هذا الاتفاق إجماعا، فلا
تجوز مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويلزم المكلَّف المقلد بما
اتفق عليه الأكثر.
***
المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخذ به؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم
القائلون: إن اتفاق الأكثر لا يعتبو إجماعا - فيما بينهم هل يكون
اتفاق الأكثر حُجَّة.
والحق: أن اتفاق أكثر العلماء ليس بحُجَّة، فيجوز مخالفة ما
[ ٢ / ٨٩٩ ]
اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع
الأكثر، وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في
ذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين.
والكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل،
لا للكثرة، وكثيرًا ما ظهر أن الحق في جانب قول الأقل.
***
المسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته
أن يكون له مستند ودليل؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند
ودليل ومأخذ يوجب ذلك الإجماع.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قياس علماء الأمَّة على النبي - ﷺ -، بيانه:
أنه كما أن النبي - ﷺ - لا يقول شيئًا ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا وحي
يوحى)، فكذلك علماء الأُمَّة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا
عن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه.
الدليل الثاني: أن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم
الوصول إلى الحق، مما يؤدي ويفضي إلى جواز الخطأ، فلذلك
قلنا: لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند؛ سدا لهذا الاحتمال.
الدليل الثالث: لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن
لاشتراط الاجتهاد فيمن يُعتدُّ به في الإجماع معنى؛ لأننا لم نشترط
[ ٢ / ٩٠٠ ]
بلوغ درجة الاجتهاد لكل واحد من المجمعين إلا من أجل أن ينظر في
المسألة عن استدلال، وأن يعتمد فيما يقول على دليل وأمارة، ولو
كان الإجماع ينعقد بلا مستند لدخل المجتهد وغير المجتهد.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع أن يكون له مستند،
فيجوز انعقاد الإجماع عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى
لاختيار الصواب من غير أن يكون لهم مستند أو دليل يستندون إليه،
وهو مذهب طائفة شاذة، وقيل: إنه مذهب بعض أهل الأهواء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع، فقد وقع الإجماع عن غير دليل وغير
مستند، والوقوع دليل الجواز، وذلك كإجماع العلماء على جواز
عقد الاستصناع، وأجرة الحمام، وبيع المعاطاة أو المراضاة.
جوابه:
لا نسلم أن هناك أحكامًا شرعية قد أجمع العلماء عليها بدون
مستند.
أما ما ذكرتموه من الأمثلة والصور، فلم يقع الإجماع عليها إلا
عن دليل ومستند، وإليك بيان ذلك:
أما عقد الاستصناع، فقد كان في زمن النبي - ﷺ -، ولم ينكره - مع علمه به - فكان ثبوته عن طريق السُّنَّة التقريرية.
أما أجرة الحمام فهي مقدرة بالعادة والعرف، وهو دليل شرعي؛
لقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) .
أما بيع المراضاة - وهو ما حصل بتراضي الجانبين - بلا لفظ -
[ ٢ / ٩٠١ ]
فلا نسلم أنه صحيح - بإجماع العلماء، بل خالف في ذلك الإمام
الشافعي - ﵀ -.
الدليل الثاني: لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستند ودليل، لكان
ذلك الدليل هو الحُجَّة في المسألة، فلا يكون للإجماع فائدة.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل إن فائدة الإجماع هي: أنه يكفينا مؤنة
الرجوع إلى أدلة المجمعين، وكيفية دلالة كل دليل على مدلوله ونحو
ذلك.
فإذا قيل: إن العلماء أجمعوا على حكم تلك المسألة نكتفي
بذلك، ولا نسأل عن أدلة المجمعين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه لا يعمل بالإجماع الذي لا مستند له،
وقيل: إن الخلاف لفظي؛ لعدم اختلاف عمل المكلف على المذهبين.
***
المسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستندًا للإجماع؟
أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة - وهم القائلون: لا بد
للإجماع من مستند - اختلفوا فيما بينهم في جواز كون الدليل
القطعي مستندًا للإجماع على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلًا قاطعًا من
كتاب أو سُنَّة، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق لدليلين:
الدليل الأول: أنه لا مانع من ذلك، فهو يكون من تضافر
[ ٢ / ٩٠٢ ]
الأدلة؛ قياسًا على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب
والسُّنَّة المتواترة، كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان
الإسلام، وما دام أنه لا يمتنع: إذن هو جائز.
الدليل الثاني: الوقوع، فقد وقع من العلماء - أنهم يستدلون
على بعض الأحكام الثابتة بالكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع مع أن
مستند الإجماع آيات من الكتاب، وبعض الأحاديث المتواترة،
فيقولون - مثلًا -: ثبت تحريم الأمهات والجدات والبنات بالكتاب
والسُّنَّة والإجماع، وهكذا، والوقوع دليل الجواز.
المذهب الثانى: أن الإجماع لا ينعقد عن الدليل القطعي من
الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، أي: لا يكون مستند الإجماع دليلًا
قطعيًا.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه إذا وجد الدليل القطعي من الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، فإنه
لا يُحتاج إلى الإجماع، نظرًا لثبوت الحكم بهما، فلا فائدة - إذن -
من الإجماع.
جوابه:
لا نسلم أنه إذا دلَّ على الحكم دليل قطعي من الكتاب أو السُّنَّة
المتواترة، فإنه يصبح الإجماع لا فائدة فيه، بل فيه فائدة وهي: أن
المستدل بالإجماع لا يطالب بمستند سواه؛ وهذه الفائدة تكفي
المجتهدين مؤنة البحث عن مستند الإجماع من الأدلة القطعية،
وكيفية دلالته، ثم إن الإجماع يكون من الأدلة القطعية مؤكدا لما
أفادته من القطع.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن الحكم واحد، ولكن
أصحاب المذهب الأول قالوا: إنه ثبت بالإجماع المستند إلى أدلة
قطعية، وأصحاب المذهب الثاني قالوا: إنه ثبت بذلك المستند
القطعي نفسه، لا بالإجماع.
المسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستندًا للإجماع؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الدليل الظني يصلح أن يكون مستندًا للإجماع،
فيجوز انعقاد الإجماع عن أي دليل ظني.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه لا مانع من انعقاد الإجماع عن دليل ظني؛
قياسًا على انعقاد الإجماع عن دليل قطعي ولا فرق، والجامع: أن
كلًا من الدليل القطعي والظنى يوجب العمل، ولذلك يستند إليهما
الإجماع.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن أكثر الإجماعات الموجودة لدينا
قد ثبتث وانعقدت وهي مستندة إلى أدلة ظنية، كالعموم والظاهر
والمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد، والوقوع دليل الجواز.
الدليل الثالث: أن النصوص - السابقة الذكر - المثبتة لحجية
الإجماع جاءت عامة، لم تفصل بين الإجماع المستند لدليل قطعي أو
[ ٢ / ٩٠٤ ]
ظني، فلا يجوز اشتراط كون الدليل قطعيا؛ لأنه تقييد بلا دليل
صحيح وهو باطل.
الدليل الرابع: أنا وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد التواتر قد
أجمعوا على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا ظني،
فجواز انعقاد الإجماع عن الدليل الظني الظاهر أوْلى.
المذهب الثاني: أن الدليل الظني لا يصلح أن يكونا مستندًا
للإجماع، فلا ينعقد الإجماع إلا عن دليل قطعي من كتاب أو سُنَّة
متواترة، وهو مذهب أكثر الظاهرية، وكثير من الشيعة، وابن جرير
الطبري.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن الدليل الظني لا يوجب العلم القطعي، فلا يجوز أن
يصدر عنه الإجماع؛ لأن الإجماع يوجب العلم القطعي، فالقطعي
لا يثبته إلا القطعي، والظني لا يقوى على إثبات القطعي.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة.:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الإجماع يكون قطعيا دائمًا، بل إن
أكثر الإجماعات ظنية.
الجواب الثاني: أن ما قلتموه في المستند الظني ينطبق تماما على
المستند القطعي؛ حيث إن المستند القطعي يحتمل النسخ، أو غيره،
فالإجماع عليه قد رفع عنه هذا الاحتمال، ولم تقولوا: إن الإجماع
حينئذ أقوى من مستنده فيمتنع، بل جوزتم الإجماع عنه.
الجواب الثالث: الوقوع؛ حيث وقع أن أكثر الإجماعات قد
[ ٢ / ٩٠٥ ]
استندت إلى دليل ظني - كما سبق ذكر ذلك - والوقوع هذا يخالف
ما ذكرتموه.
بيان نوع الخلاف:
يفهم من الخلاف السابق أنه معنوي إذا عرفنا مستند الإجماع، فإن
كان مستند الإجماع قطعيًا، فاتفق أصحاب المذهبين على أنه يسمى
إجماعًا تحرم مخالفته.
أما إن كان مستند الإجماع ظنيًا، فعلى المذهب الأول: أنه يُسمَّى
إجماعًا كالمستند على الدليل القطعي ولا فرق.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يُسمى إجماعًا، نظرًا لاستناده
إلى دليل لا يصلح مستندًا للإجماع، وعليه فإنه لا تحرم مخالفته.
المسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن خبر واحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق " لما يلي:
الدليل الأول: أن النصوص المثبتة لحجية الإجماع قد وردت عامة
وشاملة للإجماع المستند إلى قطعي، والمستند إلى دليل ظني، فلم
تفرق بينهما، وما دام أن خبر الواحد يفيد الظن، فيكون صالحًا لأن
يستند عليه الإجماع.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث ثبت أن أكثر الإجماعات مستندة
إلى خبر واحد مثل:
[ ٢ / ٩٠٦ ]
١ - الإجماع على وجوب الغسل من التقاء الختانين مع أن مستنده
خبر عائشة - ﵂ -.
٢ - إجماع العلماء على حرمة بيع الطعام قبل القبض مع أن
مستنده خبر واحد، وهو حديث ابن عمر وهو أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
" من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفية "، ونحو ذلك،
والوقوع دليل الجواز.
المذهب الثاني: عدم جواز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.
وهو مذهب أكثر الظاهرية، والشيعة، وابن جرير الطبري.
دليل هذا المذهب:
هو دليل أصحاب المذهب الثاني في المسألة السابقة، وقد سبق قريبًا.
جوابه:
قد سبق جوابه فراجعه من هناك.
بيان نوع الخلاف:
هو نفسه نوع الخلاف في المسألة السابقة.
المسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى
الإجماع، فهل يجب تعيينه مستندا للإجماع أو لا؟
اختلف أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة في هذه المسألة
على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجب تعيينه، فالحديث الذي وافقه حكم
[ ٢ / ٩٠٧ ]
الإجماع يجوز أن يكون مسندًا للإجماع، ويجوز أن لا يكون هو
مستند الإجماع، وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق، لأن هذا الخبر يحتمل أن يكون هو المستند للإجماع،
ويحتمل أن يكون مستند الإجماع دليلًا آخر، ومع الاحتمال، فلا
جزم.
وإذا صح هذا الخبر كان دليلًا آخر للحكم المجمع عليه، ويجوز
توارد دليلين وأكثر على حكم واحد.
المذهب الثاني: أن الحديث الذي وقع الإجماع على مقتضاه يجب
أن يتعين سندًا للإجماع، وهو اختيار أبي حنيفة، وحكي عن
الشافعي، وهو مذهب بعض الأشاعرة.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن الإجماع لا بد له من مستند، وقد تيقنا صلاحية هذا
الحديث لأن يكون مستندًا لذلك الإجماع؛ لأنه لم ينقل إلينا مستند
لهذا الإجماع، فنتج من ذلك: تعين أن يكون الحديث المذكور
مستندًا للإجماع، ولو لم نجعل ذلك مستندًا له لخلا الإجماع عن
مستند، وهذا لا يجوز.
جوابه:
إن تيقن استناد الإجماع لذلك الخبر؛ نظرًا لموافقته له، وصلاحيته
له هذا لا يسلَّم؛ لجواز أن يكون هناك خبر آخر، أو دليل آخر
استندوا إليه في إجماعهم ولم ينقل؛ استغناء بالإجماع عنه، ونظرًا
لهذا الاحتمال فلا يمكن القطع والتيقن، بل ولا يغلب على الظن.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي هنا؛ لأنه يترتب على المذهب الأول: أن
الإجماع لا يصلح أن يكون دليلًا على صحة الخبر الذي وافقه؛ لأنا
لم نجزم بأن العلماء أجمعوا على ذلك الحكم، وكان مستند ذلك
الإجماع هو الخبر، فيطلب تصحيحه من جهة أخرى.
ويترتب على المذهب الثاني: أن ذلك الإجماع يصلح أن يكون
دليلًا على صحة الخبر الذي وافقه.
***
المسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس:
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن القياس.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: الوقوع، حيث وقع أن الصحابة والسلف قد
أجمعوا على أحكام، وكان مستند ذلك الإجماع هو القياس مثل:
١ - إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، وكان مستند ذلك
القياس فقاسوا: الإمامة الكبرى - وهي الخلافة - على الإمامة
الصغرى - وهي الإمامة في الصلاة.
٢ - إجماعهم على تحريم شحم الخنزير؛ قياسًا على تحريم لحمه.
٣ - إجماعهم على كتابة المصحف؛ قياسًا على حفظه في
الصدور.
٤ - إجماعهم على قتال مانعي الزكاة؛ قياسا على تارك الصلاة.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
وغير ذلك، والوقوع دليل الجواز.
الدليل الثاني: القياس على خبر الواحد، بيانه:
أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع خبر واحد، فكذلك يجوز أن
يكون مستند الإجماع القياس ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد
الظن.
الدليل الثالث: أنه لا يستحيل عقلًا، فلا يبعد اتفاق مجتهدي
الأُمَّة على أن النبيذ في معنى الخمر، فيكون حكمهما واحدًا، وهو:
التحريم؛ لاتفاقهما في العِلَّة وهي الإسكار.
الدليل الرابع: أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع عامة وشاملة
للإجماع المستند إلى دليل القطعي، والمستند إلى الظني، فلم تفرق
بينهما، والقياس يفيد الظن، فهو يصلح أن يكون مستندًا للإجماع.
المذهب الثاني: الفرق بين أن يكون القياس جليا، فيصح أن يكون
مستندًا، وبين أن يكون القياس خفيًا، فلا يصلح.
وهو ما اختاره بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن القياس الجلي يفيد القطع، فيصلح أن يكون مستندًا
للإجماع " لأن الإجماع لا يستند إلا إلى قطعي، أما القياس الخفي
فإنه يفيد الظن، والظن وأي دليل ظني لا يصلح أن يكون مستندًا
للإجماع.
جوابه:
إن هذا التفريق لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد
عليه، ثم إنه مخالف لعموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، حيث
[ ٢ / ٩١٠ ]
إنها شاملة للإجماع المستند لدليل قطعي، والدليل ظني ولم تفرق
بينهما.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز عقلًا انعقاد الإجماع، وهو مستند
للقياس، وهو اختيار بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن القياس تجوز مخالفته اتفاقًا، والإجماع لا تجوز
مخالفته اتفاقا، فلو استند الإجماع إلى القياس، مع قولنا بأن
القياس تجوز مخالفته: للزم من ذلك جواز مخالفة الإجماع؛ لأن
مخالفة الأصل - وهو القياس - تجوِّز مخالفة الفرع - وهو
الإجماع -، وعلى هذا فتجوز مخالفة الإجماع باعتبار سنده وهذا
باطل.
جوابه:
إن القياس تجوز مخالفته قبل الإجماع عليه، وأما بعد الإجماع
عليه، فلا تجوز مخالفته؛ لظهور صحته من الإجماع عليه، فلا
يصح قولكم: " إن مخالفة الأصل تجوّز مخالفة الفرع "؛ لأن
الأصل أصبح غير جائز المخالفة بالإجماع عليه.
المذهب الرابع: أن انعقاد الإجماع عن القياس يجوز عقلًا،
ولكنه لم يقع، ونسب إلى بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إنه لا يمتنع عقلًا استناد الإجماع إلى القياس؛ لأنه لا
يترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما كان كذلك فهو جائز
عقلًا، ولكن بعد تتبع واستقراء النصوص لم نجد إجماعا استند إلى
قياس، فدل على عدم وقوعه.
[ ٢ / ٩١١ ]
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ما زعمتم من أنه لم يقع إجماع مستند إلى قياس، بل
وقع، وهو كثير جدًا، وقد مثلنا لذلك فيما سبق، فيكون كلامكم
إما مكابرة ومعاندة، أو أنه استقراء ناقص، وكلاهما لا يعتد به.
بيان نوع الخلاف:
هو نفس نوع الخلاف في مسألة: " الدليل الظني هل يصلح أن
يكون مستندًا للإجماع؟ "، وهي المسألة الرابعة عشرة.
المسألة الثامنة عشرة: هل يُشترط نقل الإجماع بالتواتر؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط، فالإجماع يثبت بخبر الواحد،
ويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنيا، ويجب العمل
وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب،
وجماعة من الشافعية.
وهو الحق؛ لأن الآحاد إذا نقل الدليل الظني كخبر الواحد، فإنه
يوجب العمل به اتفاقا، فنقل الدليل القطعي الدلالة بخبر الواحد
أَوْلى بأن يوجب العمل؛ لأن الضرر في مخالفة المقطوع أكثر،
واحتمال الغلط والخطأ في نقله أقل.
المذهب الثاني: أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد، بل يشترط فيه
أن يكون منقولًا عن طريق التواتر، فالإجماع المنقول عن طريق
الآحاد لا يوجب العمل.
[ ٢ / ٩١٢ ]
وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض
الخوارج.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسُّنَّة،
وخبر الواحد دليل ظني، فكيف يثبت الدليل القطعي بالدليل الظني.
جوابه:
إن الإجماع مسألة شرعية طريقها طريق بقية المسائل المعمول بها
التي يكفي في ثبوتها الظن، فإذا غلب على الظن شيء: يجب
العمل به ما لم يمنع منه مانع، والإجماع هنا نقل إلينا بطريق يغلب
على الظن ثبوته وهو خبر الواحد، فيكون ذلك الإجماع إجماعا
ظنيا؛ نظرًا لطريق ثبوته، وعلى ذلك يجب العمل به كنقل القراءة
الشاذة، ونقل قول الرسول - ﷺ - بخبر الواحد.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، كما ظهر من المذهبين، حيث لو أجمع
العلماء على حكم معين، ونقل هذا الإجماع بخبر الواحد، فإنه
يُعمل به عند أصحاب المذهب الأول، أما عند أصحاب المذهب
الثاني فلا يعمل به، ولكني أستبعد ذلك عن أصحاب المذهب الثاني.
[ ٢ / ٩١٣ ]