الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
إِنَّ الْمُقَلِّدَ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ دِينِيَّةٌ؛ فَلَا يَسَعُهُ فِي الدِّينِ إِلَّا السُّؤَالُ عَنْهَا عَلَى الْجُمْلَةِ١؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يتعبد الخلق بالجهل، وإنما تعبدهم على متضى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] لَا عَلَى مَا يَفْهَمُهُ٢ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، بَلْ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي صِنَاعَةِ النحو، أي: إن الله يعلمكم
_________________
(١) ١ أي: سواء أَسَأَل عنها وطلب الوقوف على دليلها حتى يقتنع، كما في العقائد وكما في الفروع إن كان من أهل الاستقلال، أم سأل بمقدار ما يصحح به عمله فقط، وأيضًا؛ سواء أكان سؤاله لمن هو أَهْلٌ أم لا.. إلخ ما سيبينه في المسألة الثانية. "د". ٢ يفهمونها على حد: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٩]؛ إلا أن فهمهم لا تساعده قواعد اللغة الفصحى؛ لأنه مبني على أن جملة ﴿وَيُعَلِّمُكُم﴾ حال مقدرة، أو بمعنى مضمونًا لكم التعليم، وكلاهما يفيد أن التعليم مرتب على التقوى، ولكن الجملة المضارعية المثبتة وقوعها حالًا بالواو قليل؛ حتى قالوا: لا بد له من التأويل، والوجه الثاني أن هذه الجمل الثلاث مستقلة بعضها عن بعض؛ فالأولى طلب تقوى الله، والثانية وعد بالإنعام، والثالثة غاية التعظيم، ولذا ساغ فيها تكرار كلمة الجلالة مع أنهم كرهوا تكرار اللفظ الواحد في الجمل المتعاقبة. "د". قلت: نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "١٨/ ١٧٧" على خطأ فهم الآية، قال رحمه الله تعالى بعد كلام: "وقد شاع في لسان العامة أن قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ من الباب الأول، حيث يستدلون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله، وأكثر الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط، فلم يقل: "وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِّمكم"، ولا قال: "فيعلمكم"، وإنما أتى بواو العطف، وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني"، ثم قال "١٨/ ١٧٧-١٧٨": "وقد يقال: العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم، كما يقال: "زرني وأزورك"، و"سَلِّمْ علينا ونسلِّمُ عليك"، ونحو ذلك مما يقتضي اقتران الفعلين، والتعاوض من الطرفين"، قال: "فقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قد يكون من هذا الباب؛ فكلٌّ من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم وهلم جرا".
[ ٥ / ٢٨٣ ]
عَلَى كُلِّ حَالٍ فَاتَّقُوهُ؛ فَكَأَنَّ الثَّانِيَ سَبَبٌ فِي الْأَوَّلِ١؛ فَتَرَتَّبَ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى عَلَى حُصُولِ التَّعْلِيمِ تَرَتُّبًا مَعْنَوِيًّا، وَهُوَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ٢، وَهِيَ قَضِيَّةٌ لَا نِزَاعَ فِيهَا؛ [فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّطْوِيلِ فِيهَا] ٣، لَكِنَّهَا كَالْمُقَدَّمَةِ لِمَعْنًى آخَرَ وهى:
_________________
(١) ١ في "ماء": "فكان الثاني سببًا في الأول". ٢ انظر بعضها في "صحيح البخاري" "كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل ١/ ١٥٩"، و"روضة الطالبين" "ص٩٢" للغزالي. ٣ ما بين المعقوفتين سقط من "ط".
[ ٥ / ٢٨٤ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
وَذَلِكَ أَنَّ السَّائِلَ لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّرِيعَةِ جَوَابُهُ؛ لِأَنَّهُ إِسْنَادُ أَمْرٍ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ مِثْلِ هَذَا١، بَلْ لَا يُمْكِنُ٢ فِي الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ يَقُولُ لِمَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِمَا سُئِلَ عَنْهُ: أَخْبِرْنِي عَمَّا لَا تَدْرِي، وَأَنَا أُسْنِدُ أَمْرِي لك فيما نحن بالجهل٣ به على سواء، ومثل هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ الْعُقَلَاءِ؛ إِذْ لَوْ قَالَ لَهُ: دُلَّنِي فِي هَذِهِ الْمَفَازَةِ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمَا فِي الْجَهْلِ بِالطَّرِيقِ سَوَاءٌ؛ لعدَّ مِنْ زُمْرَةِ الْمَجَانِينِ؛ فَالطَّرِيقُ الشَّرْعِيُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ هَلَاكٌ أُخْرَوِيٌّ، وَذَلِكَ هَلَاكٌ دُنْيَوِيٌّ خَاصَّةً، وَالْإِطْنَابُ فِي هَذَا أَيْضًا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ؛ غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ بَعْدَهُ:
إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ؛ فَحَقَّ عليه أن لا يَسْأَلَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْأَلُ عَنْهُ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَّحِدَ فِي ذَلِكَ النَّظَرُ٤ أَوْ يَتَعَدَّدَ، فَإِنِ اتَّحَدَ؛ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنَّ تَعَدَّدَ؛ فَالنَّظَرُ فِي التَّخْيِيرِ وَفِي التَّرْجِيحِ قَدْ تَكَفَّلَ بِهِ أَهْلُ الْأُصُولِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَقْوَالَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ السُّؤَالِ، أَمَّا إِذَا كَانَ [قَدِ] اطَّلَعَ عَلَى فَتَاوِيهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهَا؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ إِلَّا التَّرْجِيحُ؛ لِأَنَّ مِنْ مَقْصُودِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجَ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، وَتَخْيِيرِهِ يَفْتَحُ لَهُ بَابَ اتِّبَاعِ الْهَوَى؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ، وَقَدْ٥ مَرَّ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ فِي هذا الكتاب؛ فلا نعيده.
_________________
(١) ١ حكى الإجماعَ الرازيُّ في "المحصول" "٦/ ٨١" وغيره. ٢ أي: حصوله من العقلاء. "د". وفي "ط" بعده: "في الوقائع". ٣ كذا في "ط"، وفي غيره: "بالجهل". ٤ هكذا في الأصل، وفي "د" و"ط" و"ماء": "القطر". ٥ في المسألة الثالثة من كتاب الاجتهاد ولواحقها. "د".
[ ٥ / ٢٨٥ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
حَيْثُ يَتَعَيَّنُ١ التَّرْجِيحُ؛ فَلَهُ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا عَامٌّ، وَالْآخِرُ خَاصٌّ.
فَأَمَّا الْعَامُّ؛ فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ؛ إِلَّا أَنَّ فِيهِ مَوْضِعًا يَجِبُ أَنْ يُتَأمل ويُحترز مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَجَاوَزُوا التَّرْجِيحَ بِالْوُجُوهِ الْخَالِصَةِ إِلَى التَّرْجِيحِ بِبَعْضِ الطَّعْنِ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْمَرْجُوحَةِ عِنْدَهُمْ، أَوْ عَلَى أَهْلِهَا الْقَائِلِينَ بِهَا، مَعَ أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ مَذَاهِبَهُمْ وَيَعْتَدُّونَ بِهَا وَيُرَاعُونَهَا، وَيُفْتُونَ بِصِحَّةِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمْ فِي الْفَتْوَى، وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِمَنَاصِبِ الْمُرَجِّحِينَ، وَأَكْثَرُ مَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَمَا يَلِيهَا مِنْ مَذْهَبِ دَاوُدَ وَنَحْوِهِ٢؛ فَلْنَذْكُرْ هُنَا أُمُورًا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهَا:
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ بَعْدَ الِاشْتِرَاكِ٣ فِي الْوَصْفِ الَّذِي تَفَاوَتَا فِيهِ، وَإِلَّا؛ فَهُوَ إِبْطَالٌ لِأَحَدِهِمَا، وَإِهْمَالٌ لِجَانِبِهِ رَأْسًا، وَمِثْلُ٤ هَذَا لَا يُسَمَّى تَرْجِيحًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْخُرُوجُ فِي [تَرْجِيحِ] بَعْضِ الْمَذَاهِبِ عَلَى بَعْضٍ إِلَى الْقَدْحِ فِي أَصْلِ الْوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ الْمُتَّصِفِينَ خُرُوجٌ عَنْ نَمَطٍ٥ إِلَى نَمَطٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ الطَّعْنِ وَالْقَدْحِ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِمَنْ تَعَاطَاهُ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَالْأَئِمَّةُ الْمَذْكُورُونَ بُرَآءُ٦ مِنْ ذَلِكَ؛ [فهذا] ٧ النمط لا يليق بهم.
_________________
(١) ١ في "ط": "تعين". ٢ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٠/ ٢٩١-٢٩٣"، و"بدعة التعصب المذهبي" للشيخ محمد عيد عباسي. ٣ في "ف" و"م": "بين الاشتراك"، وقالا: "لعله: "بعد الاشتراك"، وفي "ط": "مع الاشتراك". ٤ في "د": "مثله". ٥ لعل فيه سقط كلمة "الترجيح". "د". ٦ إذ الموضوع أنهم يثبتون مذاهبهم.. إلخ ما تقدم. "د". ٧ ما بين المعقوفتين سقط من "د".
[ ٥ / ٢٨٦ ]
وَالثَّانِي: أَنَّ الطَّعْنَ فِي مَسَاقِ التَّرْجِيحِ يُبَيِّنُ١ الْعِنَادَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ٢ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ، وَيَزِيدُ فِي دَوَاعِي التَّمَادِي وَالْإِصْرَارِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي غُضَّ مِنْ جَانِبِهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ خِلَافَ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِأَنْ يَتَعَصَّبَ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَيُظْهِرَ مَحَاسِنَهُ؛ فَلَا يَكُونُ لِلتَّرْجِيحِ الْمَسُوقِ هَذَا الْمَسَاقَ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِالْتِزَامِ [الْمَذْهَبِ] ٣، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا؛ فَكَأَنَّ٤ التَّرْجِيحَ لَمْ يَحْصُلْ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا التَّرْجِيحَ مغرٍ بِانْتِصَابِ الْمُخَالِفِ لِلتَّرْجِيحِ بِالْمِثْلِ أَيْضًا؛ فَبَيْنَا نَحْنُ نتتبع المحاسن٥ صرنا نتتبع القبائح [من المجانبين]؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى الِانْتِصَارِ لِأَنْفُسِهَا وَمَذَاهِبِهَا وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا؛ فَمَنْ غَضَّ مِنْ جَانِبِ صَاحِبِهِ غَضَّ صَاحِبُهُ مِنْ جَانِبِهِ؛ فَكَأَنَّ الْمُرَجِّحَ لِمَذْهَبِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غاضٌّ مِنْ جَانِبِ مَذْهَبِهِ؛ فَإِنَّهُ تَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" ٦؛ فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ أَشْيَاءَ مِنَ الْجَائِزَاتِ٧ لِإِفْضَائِهَا إِلَى الْمَمْنُوعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨] .
وأشباه ذلك.
_________________
(١) ١ أي: يثيره. "د". قلت: في "ط": "يثير". ٢ في الأصل: "المذاهب". ٣ سقط من "د"، وفي الأصل: "المذاهب". ٤ كذا في "ط"، وفي غيره: "فإن". ٥ أي: لترجُّحٍ بها صار كل منا يبحث عن القبائح عند الآخر، يزعم أن ذلك يرجح مذهبه. "د". ٦ مضى تخريجه "٣/ ٧٦". ٧ أي: فما بالك بالممنوعات؟ "د".
[ ٥ / ٢٨٧ ]
وَالرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ مُورِثٌ لِلتَّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، وَرُبَّمَا نَشَأَ الصَّغِيرُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَرْسُخَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ بُغْضُ مَنْ خَالَفَهُمْ فَيَتَفَرَّقُوا شِيَعًا، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] .
وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] .
وَقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى قبلُ؛ فَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى هَذَا مَمْنُوعٌ؛ فَالتَّرْجِيحُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى افْتِرَاقِ الْكَلِمَةِ وَحُدُوثِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مَمْنُوعٌ.
وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ١ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -وَإِنْ لَمْ يُصَحِّحْ سَنَدَهُ٢ - أَنَّهُ لَمَّا أَرْسَلَ الْحُطَيْئَةَ مِنَ الحبس في هجائه٣ الزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ؛ قَالَ لَهُ: "إِيَّاكَ وَالشِّعْرَ. قَالَ: لَا أَقْدِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَرْكِهِ، مَأْكَلَةُ عِيَالِي وَنَمْلَةٌ عَلَى لِسَانِي٤. قَالَ: فَشَبِّبْ بِأَهْلِكَ، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مِدْحَةٍ مُجْحِفَةٍ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بَنُو فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، امْدَحْ وَلَا تُفَضِّلْ. قَالَ: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَشْعَرُ مِنِّي".
فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ الْمَدْحَ إِذَا أَدَّى إِلَى ذَمِّ الْغَيْرِ كَانَ مُجْحِفًا، وَالْعَوَائِدُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الطَّعْنَ وَالتَّقْبِيحَ فِي مَسَاقِ الرَّدِّ أَوِ التَّرْجِيحِ رُبَّمَا أدى إلى
_________________
(١) ١ في كتابه "تهذيب الآثار" "٢/ ٢/ ٢٠/ رقم ٢٧١٨"؛ قال: ثنا الزبير بن بكار: ثني محمد بن الضحاك بن عثمان، عن أبيه؛ قال: "لما أرسل عمر"، والخبر مرسل، بل معضل؛ فإسناده ضعيف. ٢ الصواب أنه سكت عليه، ولم يضعفه. ٣ في الأصل والنسخ المطبوعة كلها: "هجاء"، والتصويب من "تهذيب الآثار" و"ط". ٤ أي: قرحة فيه لا تنفك عنه. "ف" و"م".
[ ٥ / ٢٨٨ ]
التَّغَالِي وَالِانْحِرَافِ فِي الْمَذَاهِبِ، زَائِدًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبُ إِثَارَةِ١ الْأَحْقَادِ النَّاشِئَةِ عَنِ التَّقْبِيحِ الصَّادِرِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعَارِضِ٢ التَّرْجِيحِ وَالْمُحَاجَّةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: "أَكْثَرُ الْجَهَالَةِ٣ إِنَّمَا رَسَخَتْ فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ بِتَعَصُّبِ جَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ أَهْلِ الْحَقِّ أَظْهَرُوا الْحَقَّ، فِي مَعْرِضِ التَّحَدِّي وَالْإِدْلَاءِ٤، وَنَظَرُوا إِلَى ضُعَفَاءِ الْخُصُومِ بِعَيْنِ التَّحْقِيرِ وَالِازْدِرَاءِ؛ فَثَارَتْ مِنْ بَوَاطِنِهِمْ دَوَاعِي الْمُعَانَدَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَرَسَخَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الِاعْتِقَادَاتُ الْبَاطِلَةُ، وَتَعَذَّرَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُتَلَطِّفِينَ مَحْوُهَا مَعَ ظُهُورِ فَسَادِهَا، حَتَّى انْتَهَى التَّعَصُّبُ بِطَائِفَةٍ إِلَى أَنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي نَطَقُوا بِهَا فِي الْحَالِ بَعْدَ السُّكُوتِ عَنْهَا طُولَ الْعُمْرِ قَدِيمَةٌ، وَلَوْلَا اسْتِيلَاءُ الشَّيْطَانِ بِوَاسِطَةِ الْعِنَادِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْأَهْوَاءِ؛ لَمَا وُجِدَ مِثْلُ هَذَا الِاعْتِقَادِ مُسْتَقِرًّا٥ فِي قَلْبٍ مَجْنُونٍ فَضْلًا عَنْ قَلْبٍ عَاقِلٍ".
هَذَا مَا قَالَ؛ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي تشهد له العوائد الجارية٦.
_________________
(١) ١ لعله "بسبب" كما يدل عليه لاحق الكلام؛ فالزائد على ما تقدم إنما هو الانحراف الشديد والتغالي في مجافاة الحق؛ بسبب الأحقاد الناشئة عن مر التشنيع في معرض المحاجة كما سيمثل له في كلام الغزالي. "د". ٢ في "ط": "معرض". ٣ في "ط" و"الاعتصام" "٢/ ٢٣٠ - ط رشيد رضا؛ و٢/ ٧٣٢ - ط ابن عفان": "الجهالات". ٤ من قولهم: "أدلى فلان في فلان"؛ أي: قال قبيحًا، وليس المراد الإدلاء بالحجة؛ لأنه لا يناسب ما قبله وما بعده. "د". قلت: تصحفَت في "الاعتصام" "ط رضا" إلى: "والإدلال"، وفي طبعة ابن عفان: "والإذلال". ٥ في "الاعتصام" "٢/ ٢٣٠ - ط رضا": "مستفزًا"، وفيه "٢/ ٧٣٢ - ط ابن عفان": "مستنفرًا"؛ وكلاهما خطأ. ٦ زاد في "الاعتصام" عليه: "فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك، والله أعلم".
[ ٥ / ٢٨٩ ]
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ الْقَائِلِ: "وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ وَقَالَ: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" ١، أَوْ: "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى" ٢، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ بِالتَّفْضِيلِ٣ أَيْضًا؛ فَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ٤ فِي تَأْوِيلِهِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَفْضِيلًا يُؤَدِّي إِلَى نَقْصِ بَعْضِهِمْ، قَالَ:
"وَقَدْ خَرَجَ الْحَدِيثُ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ لَطْمُ الْأَنْصَارِيِّ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ؛ فَقَدْ يَكُونُ ﵊ خَافَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ هَذِهِ الْفِعْلَةِ انْتِقَاصُ [حَقِّ] ٥ مُوسَى [﵇] ٥؛ فَنَهَى عَنِ التَّفْضِيلِ الْمُؤَدِّي إِلَى نَقْصِ الْحُقُوقِ".
قَالَ عِيَاضٌ٦: "وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ هَذَا وَإِنْ عَلِمَ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَأَعْلَمَ بِهِ أُمَّتَهُ، لَكِنْ نَهَاهُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ وَالْمُجَادَلَةِ بِهِ؛ إِذْ قَدْ يكون ذلك ذريعة إلى
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ ٦/ ٤٥٠-٤٥١/ رقم ٣٤١٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﷺ ٤/ ١٨٤٤ رقم ٢٣٧٣ بعد ١٥٩" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تفضلوا بين أنبياء الله؛ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قال: ثم ينفخ فيه أخرى؛ فأكون أول من بُعث -أو: في أول من بُعث- فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش.." لفظ مسلم. ولفظ البخاري: "لا تفضلوا بين أولياء الله". ٢ أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى ﷺ ٤/ ١٨٤٤/ رقم ٢٣٧٣ بعد ١٦٠"، وابن أبي شيبة في "المصنف" في "١١/ ٥٠٩"، وأحمد في "المسند" "٣/ ٣١، ٣٣" عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس". ٣ أي: التفضيل بين الأنبياء وتفضيله على موسى؛ فهو راجع للروايتين. "د". ٤ في كتابه: "المعلِم بفوائد مسلم" "٣/ ١٣٤". ٥ زيادة من "المعلم"، وما بين المعقوفتين الأخريين من "المعلم" و"ط". ٦ ونقله عنه الأبي في "إكمال إكمال العلم" "٦/ ١٦٦".
[ ٥ / ٢٩٠ ]
ذِكْرِ مَا لَا يُحَبُّ مِنْهُمْ عِنْدَ الْجِدَالِ، أَوْ مَا يَحْدُثُ١ فِي النَّفْسِ لَهُمْ بِحُكْمِ الضَّجَرِ وَالْمِرَاءِ؛ فَكَانَ نَهْيُهُ عَنِ الْمُمَارَاةِ فِي ذَلِكَ كَمَا نَهَى عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ٢ وَغَيْرِ ذَلِكَ". هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ حَقٌّ٣، فَيَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا١ إِذَا وَقَعَ التَّرْجِيحُ بِذِكْرِ الْفَضَائِلِ وَالْخَوَاصِّ وَالْمَزَايَا الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا الْكَافَّةُ؛ فَلَا حَرَجَ فِيهِ؛ بَلْ هُوَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، أَعْنِي: عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]؛ بيَّن أَصْلَ التَّفْضِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الْخَوَاصِّ وَالْمَزَايَا الْمَخْصُوصِ بِهَا بَعْضُ الرُّسُلِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٥] .
وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ: [كَقَوْلِهِ] لَمَّا سُئِلَ: مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: "أَتْقَاهُمْ". فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: "فيوسف، نبي الله ابن نبي الله
_________________
(١) ١ معطوف على "ذكر"؛ أي: ذريعة إلى أن يحدث في نفوسهم شيء لا يليق بمقامهم بسبب ضجرها من المراء والجدل، وإن لم يتكلم به. "د". ٢ ولا تجادلوا أهل الكتاب. "د". ٣ ذهب الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" "٣/ ٥٧ - ط المحققة" إلى قول آخر، وهو حسن؛ فقال رحمه الله تعالى: " وكان هذا عندنا والله أعلم على التفضيل بينهم، وعلى التخيير بينهم بآرائنا، وربما لم يوقفنا عليه، ولم يُبَيِّنْه لنا، فأما ما بينه لنا وأعلمنا؛ فقد أطلقه لنا، وعاد ما نهى عنه في هذا الباب ما سوى ذلك مما لم يبينه لنا، ولم يطلق لنا القول فيه بما قد تولاه ﷿ ومنعنا منه، واللهَ نسأله التوفيق". ٤ سقط من "ط".
[ ٥ / ٢٩١ ]
نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ". قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا" ١. وَقَالَ ﵊: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ" ٢.
وَفِي رِوَايَةٍ: "أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ٣ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ. قَالَ لَهُ: بَلَى لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ" الْحَدِيثَ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٦/ ٣٨٧/ رقم ٢٣٥٣، وباب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ ٦/ ٤١٤/ رقم ٣٣٧٤، وباب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِين﴾ ٦/ ٤١٧/ رقم ٣٣٨٣، وكتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم﴾ ٦/ ٥٢٥/ رقم ٣٤٩٠، وكتاب التفسير، باب ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِين﴾، ٨/ ٣٦٢/ رقم ٤٦٨٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف ﵇ ٤/ ١٨٤٦-١٨٤٧/ رقم ٢٣٧٨" عن أبي هريرة ﵁. ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب ما ذُكر في ذهاب موسى ﵇ في البحر إلى الخضر، رقم ٧٤، وباب الخروج في طلب العلم، رقم ٧٨، وكتاب الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉، رقم ٣٤٠٠، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء﴾ رقم ٧٤٧٨"، وأحمد "٥/ ١١٦"، وابن جرير في "التفسير" "١٥/ ٢٨٢" عن أبي بن كعب ﵁. ٣ في "د": "إذا". ٤ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم، رقم ١٢٢، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم ٣٢٧٨، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب منه، رقم ٣٤٠١، وكتاب التفسير، باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ رقم ٤٧٢٥، وباب ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ رقم ٤٧٢٧، وكتاب الإيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، رقم ٦٦٧٢"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب في فضائل الخضر ﵇ ٤/ ١٨٤٧/ رقم ٢٣٨٠" عن أبي بن كعب ﵁.
[ ٥ / ٢٩٢ ]
وَاسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ؛ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: "وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ -فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ- فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ" إِلَى أَنْ قَالَ ﵊: "لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلُ مَنْ يُفِيقُ؛ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ؛ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعق فَأَفَاقَ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ" ١.
وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ " الْحَدِيثَ٢.
فَهَذَا٣ نَفْيٌ لِلتَّفْضِيلِ مُسْتَنِدٌ إِلَى دَلِيلٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّفْضِيلِ فِي الْجُمْلَةِ إِذَا كَانَ ثَمَّ مُرَجَّحٌ، وَقَالَ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ؛ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" ٤.
_________________
(١) ١ مضى تخريجه قريبًا، في "ط": "فإذا موسى باطش". ٢ مضى تخريجه قريبًا. ٣ أي: فهذا النوع في حديثي موسى نهى عن التفضيل إذا لم يكن له مرجح، فإذا كان له مرجح ومستند؛ فلا مانع منه كما في الأحاديث الأخرى، ومنه يعلم أن الأصل هكذا: "نفي للتفضيل إذا كان غير مستند إلى دليل" كما يرشد إليه ما بعده. "د". ٤ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْن﴾ ٦/ ٤٤٨/ رقم ٣٤١١، وباب قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَم﴾ ٦/ ٤٧١-٤٧٢/ رقم ٣٤٣٣، وكتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ﵂ ٧/ ١٠٦/ رقم ٣٧٦٩، وكتاب الأطعمة، باب الثريد ٩/ ٥٥١/ رقم ٥٤١٨، وكتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ٤/ ١٨٨٦-١٨٨٧/ رقم ٢٤٣١" عن أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وَقَالَ لِلَّذِي قَالَ لَهُ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ: "ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ" ١.
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" ٢.
وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، وَلَيْسَ النَّظَرُ هُنَا فِي وَجْهِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ٣ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي صِحَّةِ التَّفْضِيلِ وَمُسَاغِ التَّرْجِيحِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهُوَ ثَابِتٌ٤ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَقَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" ٥.
وَقَالَ [ابْنُ] ٦ عُمَرَ: "كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عثمان"٧.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، ٤/ ١٨٣٩/ رقم ٢٣٦٩" عن أنس بن مالك ﵁. ٢ أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، ٤/ ١٧٨٢/ رقم ٢٢٧٨" عن أبي هريرة ﵁. ٣ "استدراك ٤". ٤ أي: في كل منهما صراحة، وإن كان الأول يفيد تفضيل إبراهيم على جيمع الخلق، والثاني يفيد تفضيل خاتم الأنبياء على أولاد آدم؛ فلذا كان بينهما تعارض كما قال المؤلف. "د". ٥ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، ٥/ ٢٥٨-٢٥٩/ رقم ٢٦٥١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ٤/ ١٩٦٤/ رقم ٢٥٣٥" عن عمران بن حصين ﵁. ولفظ البخاري: "خيركم قرني"، ولفظ مسلم: "إن خيركم قرني "، و"خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيه..". ٦ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل ومن النسخ المطبوعة كلها، واستدركته من مصادر التخريج. ٧ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ، ٧/ ١٦/ رقم ٣٦٥٥ -والمذكور لفظه- وباب مناقب عثمان ﵁ ٧/٥٣-٥٤/ رقم ٣٦٩٧"، والترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان ﵁، ٥/ ٦٢٩-٦٣٠/ رقم ٣٧٠٧"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في التفضيل، ٤/ ٢٠٦/ رقم ٤٦٢٧، ٤٦٢٨".
[ ٥ / ٢٩٤ ]
وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ الرحمن بن الحرث بن هشام: "إذا اختلفتم أنت وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ١؛ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ؛ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ"٢. فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَقَالَ "ﷺ": "خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ [بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ] ٣ بَنُو عَبْدِ الله الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ" ٤.
وَقَالَ: "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشُدُّهُمْ فِي اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضَهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَلِكُلِّ أَمَةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بن الجراح" ٥.
_________________
(١) ١ أي: من جهة الإملاء الذي ينبني على النطق لا في أصل الألفاظ، حاشا لله أن يكون ذلك في المتواترة ألفاظه لفظًا لفظًا. "د". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المناقب، باب نزل القرآن بلسان قريش، ٦/ ٥٣٧/ رقم ٣٥٠٦، وكتاب فضائل القرآن، باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب، ٩/ ٨-٩/ رقم ٤٩٨٤، وباب جمع القرآن، ٩/ ١٠-١١/ رقم ٤٩٨٧". ٣ ما بين المعقوفتين سقط من "م". ٤ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب منقبة سعد بن عبادة، ٧/ ١٢٦/ رقم ٢٨٠٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب في خير دور الأنصار ﵃، ٤/ ١٩٤٩/ رقم ٢٥١١" عن أبي أسيد ﵁. ٥ أخرجه بهذا اللفظ الخطيب البغدادي في "الفصل للوصل" "ق١٠٢/ ب-١٠٣/ أ" من طريق إسماعيل بن علية ثنا خالد عن أبي قلابة؛ قال: قال رسول ﷺ وذكره =
[ ٥ / ٢٩٥ ]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: "سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ وَالْهَدْيِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ؛ فَقَالَ: مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلَّا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ ابن أم عبد"١.
_________________
(١) = مرسلًا، ثم قال: "وعن أنس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لكل أمة أمين". وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" "٧/ ٤٧٢" عن ابن علية به مختصرًا مرسلًا مقتصرًا على: "أرحم أمتى بأمتي". وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" "رقم ٥٣٧" عن ابن علية به مختصرًا مرسلًا مقتصرًا على: "أصدق أمتي حياء عثمان". وأخرجه أيضًا "٧/ ٥٣١" -ومن طريقه مسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح، ٤/ ١٨٨١/ رقم ٢٤١٩" عن ابن علية به مرفوعًا موصولًا مقتصرًا على: "إن لكل أمة أمينًا "، والمتتبع لطرق هذا الحديث يجزم بيقين أن الحديث من مرسل أبي قلابة عد ذكر أبي عبيدة، وقد ظفرت بكلام جماعة من الحفاظ فيه نحو هذا؛ منهم البيهقي في "السنن الكبرى" "٦/ ٢١٠"، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" "ذكر النوع السابع والعشرين، ص١١٤"، والخطيب في "الفصل للوصل" "ق١٠٢/ أ"، والدارقطني في "الأفراد" "ق٩٦/ أ- مع ترتيبه"، وأبو نعيم الأصبهاني في "الرد على الرافضي" أو "تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة" "ص١١٢-١١٣" - وأطلق التضعيف وأيده بكلام قوي- وابن عبد البر في "الاستعاب" "١/ ٥٠ - مع الإصابة"، وابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" "٧/ ٥١٢-٥١٣"، و"مجموعه الفتاوى" "٤/ ١٠، ٤٠٨-٤٠٩ و٣١/ ٣٤٣"، و"الفتاوى المصرية" "١/ ٣٦٩ - ط دار الفكر"، ومحمد بن عبد الهادي في "جزء طرق حديث "أفرضكم زيد" "ق١٠/ أ- ١٠/ ب"- وقد فرغت من تحقيقه- وابن حجر في "فتح الباري" "٧/ ٩٣". وللحديث طرقا أخرى وشواهد جمعتها وخرجتها وتكلمت عليها في دراسة مستقلة، وأثبت فيها ما قررته آنفًا من أن الحديث مرسل بسياقه عد ذكر أبي عبيدة، وهي مطبوعة بعنوان: "دراسة حديث: "أرحم أمتي بأمتي ". ١: أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁، ٧/ ١٠٢/ رقم ٣٧٦٢" -وهذا لفظه- وكتاب الأدب، باب الهدي الصالح، ١٠/ ٥٠٩/ رقم ٦٠٩٧". وكتب "د" معرفًا بابن أم عبد: "وهو عبد الله بن مسعود".
[ ٥ / ٢٩٦ ]
وَلِمَا حَضَرَ مُعَاذًا الْوَفَاةُ، قِيلَ لَهُ: "يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَوْصِنَا. قَالَ: أَجْلِسُونِي. قَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا؛ مَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا" يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ، عِنْدَ عُوَيْمِرٍ١ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعِنْدَ سَلْمَانَ٢ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ "٣ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ ﵊: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ" ٤.
وَمَا جَاءَ فِي التَّرْجِيحِ وَالتَّفْضِيلِ كَثِيرٌ لِأَجْلِ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَجَمِيعُهُ لَيْسَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَنْقِيصِ الْمَرْجُوحِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ الْقَانُونُ اللَّازِمُ وَالْحُكْمُ الْمُنْبَرِمُ الَّذِي لَا يَتَعَدَّى إِلَى سواه، وكذلك فعل السلف الصالح.
_________________
(١) ١ في الأصل بياض. ٢ في الأصل سليمان. ٣ أخرجه البخاري في "التاريخ الصغير" "١/ ٧٣" -وهو "الاوسط" على التحقيق- والترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب مناقب عبد الله بن سلام ﵁، ٥/ ٦٧١/ رقم ٣٨٠٤" -واللفظ له- والنسائي في "فضائل الصحابة" "١٤٩"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "٤/ ٨٦"، والفسوي في "المعروفة والتاريخ" "١/ ٤٦٧-٤٦٨" - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٧/ ق٤١٧" - والحاكم في "المستدرك" "٣/ ٤١٦" من طريقين عن زيد ابن عميرة؛ قال: لما حضر به، وتمته: "الذي كان يهوديًا فأسلم؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة". وإسناده حسن، وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وقال: قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وأخرجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" "٢/ ٥٥٠"، والخطيب البغدادي في "تالي التلخيص" "رقم ٢٩٨ - بتحقيقنا"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٧/ ق٤١٧" من طرق ضعيفة عن معاذ به. ٤ مضى تخريجه في التعليق على "٤/ ٤٥٦".
[ ٥ / ٢٩٧ ]
فَصْلٌ:
وَرُبَّمَا انْتَهَتِ الْغَفْلَةُ أَوِ التَّغَافُلُ بِقَوْمٍ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِمْ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ صَيَّرُوا التَّرْجِيحَ بِالتَّنْقِيصِ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا دَأْبَهُمْ، وَعَمَّرُوا بِذَلِكَ دَوَاوِينَهُمْ، وَسَوَّدُوا بِهِ قَرَاطِيسَهُمْ؛ حَتَّى صَارَ هَذَا النَّوْعُ تَرْجَمَةً مِنْ تَرَاجِمِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَوْ كَالتَّرْجَمَةِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ مِمَّا أُشِيرَ إِلَى بَعْضِهِ، بَلْ تَطَرَّقَ الْأَمْرُ إِلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ دُونَهُمْ؛ فَرَأَيْتُ بَعْضَ التَّآلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَلَى بَعْضٍ عَلَى مَنْحَى التَّنْقِيصِ بِمَنْ جَعَلَهُ مَرْجُوحًا وَتَنْزِيهِ١ الرَّاجِحِ عِنْدَهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَى الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُ، بَلْ أَتَى الْوَادِيَ فَطَمَّ عَلَى الْقُرَى؛ فَصَارَ هَذَا النَّحْوُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا بَيْنُ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَطَرَّقَ ذَلِكَ إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنَ الْجُهَّالِ؛ فَنَظَمُوا فِيهِ وَنَثَرُوا، وَأَخَذُوا فِي تَرْفِيعِ مُحَمَّدٍ ﵊ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ بِالتَّخْفِيضِ مِنْ شَأْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنْ٢ مُسْتَنِدِينَ إِلَى مَنْقُولَاتٍ أَخَذُوهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، وَهُوَ خُرُوجٌ عَنِ الْحَقِّ، وَقَدْ عَلِمْتَ السَّبَبَ فِي قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" ٣، وَمَا قَالَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَإِيَّاكَ وَالدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْمَضَايِقِ؛ فَفِيهَا الْخُرُوجُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ٤.
وَأَمَّا التَّرْجِيحُ الْخَاصُّ؛ فَلْنُفْرِدْ لَهُ مسألة [على حدة]، وهى:
_________________
(١) ١ في "ط": و"ترجيح". ٢ في "ط": "لكن" بإسقاط الواو، ويشير المصنف في كلامه السابق إلى ما أثير في عصره -واستمر إلى القرن العاشر- من المفاضلة بين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام؛ وذكر نحوه ابن القيم في "جلاء الأفهام". وانظر: "الإشارات" "رقم ٨٢٠ - بقلمي". ٣ مضى تخريجه "ص٢٩٠". ٤ انظر كلام المصنف المتقدم في آخر المسألة السادسة من النوع الأول من المقاصد.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِانْتِصَابِ لِلْفَتْوَى عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ عِنْدَ١ مُقْتَضَى فَتْوَاهُ؛ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِأَوْصَافِ الْعِلْمِ، قَائِمٌ مَعَهُ مَقَامَ الِامْتِثَالِ التَّامِّ؛ حَتَّى إِذَا أَحْبَبْتَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ أَغْنَاكَ عَنِ السُّؤَالِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، كَمَا كَانَ رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ.
فَهَذَا الْقِسْمُ إِذَا وُجِدَ؛ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِ الْعَدَالَةِ مُبْرِزًا؛ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ؛ فَوَعْظُهُ أَبْلَغُ، وَقَوْلُهُ أَنْفَعُ، وَفَتْوَاهُ أَوْقَعُ٢ فِي الْقُلُوبِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَاسْتَنَارَتْ كُلِّيَّتُهُ بِهِ، وَصَارَ كَلَامُهُ خَارِجًا مِنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ٣، وَالْكَلَامُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْقَلْبِ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٨]، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَصَادِقًا وَفَاضِلًا لَا يَبْلُغُ كَلَامُهُ مِنَ الْقُلُوبِ هَذِهِ الْمَبَالِغَ، حَسْبَمَا حَقَّقَتْهُ التَّجْرِبَةُ الْعَادِيَّةُ.
وَالثَّانِي٤: أَنَّ مُطَابَقَةَ الْفِعْلِ الْقَوْلَ شَاهِدٌ لِصِدْقِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَيْضًا؛ فَمَنْ طَابَقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ صَدَّقَتْهُ الْقُلُوبُ، وَانْقَادَتْ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ النُّفُوسُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَقَامَ وَإِنْ كَانَ فَضْلُهُ وَدِينُهُ مَعْلُومًا، وَلَكِنَّ التَّفَاوُتَ الْحَاصِلَ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ مُفِيدٌ زِيَادَةَ؛ الْفَائِدَةِ أَوْ عَدَمِ زِيَادَتِهَا فَمَنْ زَهَّدَ النَّاسُ فِي الْفُضُولِ الَّتِي لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَهُوَ زاهد فيها وتارك لطلبها؛ فتزهيده أنفع
_________________
(١) ١ كذا في "ط"، وفي غيره: "على". ٢ في "ط"ك "أرفع". ٣ في "ط": "قلبه". ٤ يحتاج إلى الفرق بين هذا الوجه وسابقه. "د".
[ ٥ / ٢٩٩ ]
مِنْ تَزْهِيدِ مَنْ زَهَّدَ فِيهَا وَلَيْسَ بِتَارِكٍ لَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةٌ، وَفِي مُخَالَفَةِ الْقَوْلِ الْفِعْلَ هُنَا مَا يَمْنَعُ مِنْ بُلُوغِ مَرْتَبَةِ مِنْ طَابَقَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ.
فَإِذَا اخْتَلَفَ مَرَاتِبُ الْمُفْتِينَ فِي هَذِهِ الْمُطَابَقَةِ؛ فَالرَّاجِحُ لِلْمُقَلِّدِ اتِّبَاعُ مَنْ غَلَبَتْ مُطَابَقَةُ قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ.
وَالْمُطَابَقَةُ أَوْ عَدَمِهَا يُنْظَرُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَإِذَا طَابَقَ فِيهِمَا؛ [فَهُوَ الْكَمَالُ، فَإِنَّ تَفَاوَتَ الْأَمْرُ فِيهِمَا] ١ -أَعْنِي فِيمَا عَدَا شُرُوطِ الْعَدَالَةِ- فَالْأَرْجَحُ الْمُطَابَقَةُ فِي النَّوَاهِي، فإذا وجد مجتهدان أحدهما مثابر على أن لا يَرْتَكِبَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ فِي الْأَوَامِرِ لَيْسَ كذلك، والآخر مثابر على أن لا يُخَالِفَ٢ مَأْمُورًا بِهِ، لَكِنَّهُ فِي النَّوَاهِي عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ فِي الِاتِّبَاعِ مِنَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ فِيمَا عَدَا شُرُوطِ الْعَدَالَةِ إِنَّمَا مُطَابَقَتُهَا مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ وَمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي آكَدُ وَأَبْلَغُ فِي الْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ مَنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ مَعْنًى يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنَاهِيَ تَمْتَثِلُ٣ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْكَفُّ؛ فَلِلْإِنْسَانِ قُدْرَةٌ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وَأَمَّا الْأَوَامِرُ؛ فَلَا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلَى فِعْلِ جَمِيعِهَا، وَإِنَّمَا تَتَوَارَدُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَلَى الْبَدَلِ بِحَسْبِ مَا اقْتَضَاهُ التَّرْجِيحُ؛ فَتَرْكُ بَعْضِ الْأَوَامِرِ لَيْسَ بِمُخَالَفَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ [فِعْلِ] بَعْضِ النَّوَاهِي، فَإِنَّهُ مُخَالَفَةٌ
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من "د". ٢ أي: بقدر ما في قدرته كما تقدم له، وكما يأتي في قوله بعد: "فلا قدرة للبشر على فعل جميعها إلخ. "د". ٣ في "م": "تمثل".
[ ٥ / ٣٠٠ ]
فِي الْجُمْلَةِ؛ فَتَرْكُ النَّوَاهِي أَبْلَغُ فِي تَحْقِيقِ١ الْمُوَافَقَةِ.
الثَّالِثُ: النَّقْلُ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ؛ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ٢، فَجَعَلَ الْمَنَاهِيَ آكَدُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْأَوَامِرِ، حَيْثُ حَتَّمَ فِي الْمَنَاهِي مِنْ غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ، وَلَمْ يُحَتِّمْ ذَلِكَ فِي الْأَوَامِرِ إِلَّا مَعَ التَّقْيِيدِ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَذَلِكَ إِشْعَارٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ تَرْجِيحِ مطابقة المناهي على مطابقة الأوامر.
_________________
(١) ١ في "ط": "تحقق". ٢ مضى تخريجه "١/ ٢٥٦".
[ ٥ / ٣٠١ ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
الِاقْتِدَاءُ بِالْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنْ١ أَهْلِ الِاقْتِدَاءِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ المقتدى به بالأفعال٢ مِمَّنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عِصْمَتِهِ كَالِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ فِعْلِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ أَوْ مَا يُعْلَمُ٣ بِالْعَادَةِ أَوْ بِالشَّرْعِ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْخَطَأِ؛ كَعَمَلِ٤ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الثَّانِي؛ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنْ يُقْتَدَى بِهِ قَصْدًا؛ كَأَوَامِرِ الْحُكَّامِ وَنَوَاهِيهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فِي مَقْطَعِ الْحُكْمِ، مِنْ أَخْذٍ وَإِعْطَاءٍ وَرَدٍّ وَإِمْضَاءٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ٥ يَتَعَيَّنُ بِالْقَرَائِنِ قَصْدُهُ إِلَيْهِ تَعَبُّدًا بِهِ وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ دِينًا وَأَمَانَةً.
وَالْآخَرُ: أن لا يَتَعَيَّنَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ، لَا بُدَّ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاقْتِدَاءِ.
فَالْقَسَمُ الْأَوَّلُ لَا يَخْلُو أَنْ يَقْصِدَ الْمُقْتَدِي إِيقَاعَ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ٦ عَلَيْهِ الْمُقْتَدَى بِهِ، لَا يَقْصِدُ بِهِ إِلَّا ذَلِكَ سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَفَهِمَ مَغْزَاهُ أَمْ لا،
_________________
(١) ١ في الأصل و"ط": "عن". ٢ كذا في "ط"، وفي غيره: "بالأفعال". ٣ واقعة موقع "من"؛ فهو داخل فيمن الدليل على عصمته. "د". ٤ في الأصل و"ف" و"م" و"ط": "وعمل"، وكتب "ف": "لعله: "كعمل أهل المدينة"، والمثبت من "د". ٥ صنف آخر من أحد الضربين، وقوله: "والآخر.. إلخ" هو الضرب الثاني؛ فلا هو ممن دل الدليل على عصمته، ولا هو ممن انتصب للاقتداء أو تعيين قصده؛ فلذا كانت الأقسام ثلاثة فقط. "د". وفي "ط": "ويتعين". ٦ كذا في "ط" و"ماء"، وفي "م": دلة"، وفي "م" و"ف": وقعه".
[ ٥ / ٣٠٢ ]
مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ تَنْوِيَةُ١ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي الْفِعْلِ أَحَسَنُ٢ الْمَحَامِلِ مَعَ احْتِمَالِهِ فِي نَفْسِهِ؛ فَيَبْنِي فِي اقْتِدَائِهِ عَلَى الْمَحْمَلِ الْأَحْسَنِ، وَيَجْعَلُهُ أَصْلًا يُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَيُفَرَّعُ عَلَيْهِ الْمَسَائِلَ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا قَرَّرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، كَمَا اقْتَدَى٣ الصَّحَابَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ؛ كَنَزْعِ الْخَاتَمِ الذَّهَبِيِّ٤، وَخَلْعِ النَّعْلَيْنِ فِي الصَّلَاةِ٥، وَالْإِفْطَارِ في السفر٦، والإحلال من
_________________
(١) ١ في "ف" و"م": "تنويه" بهاء في آخره، وفي "د" و"ط": "تنوية" بتاء مربوطة، وكتب "ف" هنا ما نصه: "من نواه بالتشديد: جعله ينوي، والمراد هنا حمله على أن المقتدي به قصد بفعله أحسن الوجوه، أو لعله الميم، بالميم؛ أي: كون المقتدي به مصيبًا بفعله أحسن المحامل، يقال: رجل منوي؛ بفتح الميم، وسكون النون: إذا كان يصيب النجعة المحمودة". ٢ وهو أن يكون فعله تعبدًا، مع احتماله أن يكون دنيويًا، وقد يقال: إنه في صورة فهم مغزاه وسره الشرعي، يتعين فيه أن يكون فاهمًا فيه التعبد من المعصوم لعدم التنوية المذكورة إنما يظهر فيما لم يفهم مغزاه. "د". ٣ فإن قيل: وهل اقتداؤهم به ﷺ في مثل الإفطار في السفر والإحلال من العمرة كان مجردًا من تنويتهم له ﷺ أنه فعل ذلك تعبدًا، وإنما فعلوه لمجرد أنه فعله من غير زيادة حتى يصح عده من القسم الأول؟ قلنا: إن محل الفرق بين القسمين قوله: "مع احتماله في نفسه" في الثاني، وهذه الأمثلة ليست مما يحتمل في نفسه لأنها متعينة للتعبد؛ فاتضح كلامه. "د". ٤ يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب اللباس، باب خواتيم الذهب، ١٠/ ٣١٥/ رقم ٥٨٦٥، وباب ختم الفضة ١٠/ ٣١٨/ رقم ٥٨٦٦، ٥٨٦٧" عن ابن عمر ﵄؛ قال بألفاظ أحدها: كان رسول الله ﷺ يلبس خاتمًا من ذهب؛ فنبذه فقال: "لا ألبسه أبدًا". فنبذ الناس خواتيمهم. ٥ يشير المصنف إلى ما أخرجه أبو دواد في "سننه" "كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل ١/ ١٧٥/ رقم ٦٥٠" -وهذا لفظه، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" "٢/ ٤٣١"- والدارمي في "السنن" "١/ ٣٢٠"، وأحمد في "المسند" "٣/ ٢٠، ٩٢"، والطيالسي في "المسند" "رقم ٢١٥٤"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ٢٦٠"، والبيهقي في "الكبرى" "٢/ =
[ ٥ / ٣٠٣ ]
الْعُمْرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ١، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الصَّحَابَةِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَيْهَا٢، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الثَّانِي٣؛ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ إِذَا أَمْكَنَ٤ انْضِبَاطُ الْمَقْصِدِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ غَيْرُ معتدٍّ بِهِ شَرْعًا فِي الِاقْتِدَاءِ؛ لِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ إِلْغَاءٌ لِاحْتِمَالِ٥ قَصْدِ الْمُقْتَدَى بِهِ دُونَ مَا نَوَاهُ الْمُقْتَدِي مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
فَالِاحْتِمَالُ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُقْتَدِي لَا يَتَعَيَّنُ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنُ لَمْ [يَكُنْ تَرْجِيحُهُ] ٦ إِلَّا بِالتَّشَهِّي، وَذَلِكَ مُهْمَلٌ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إِذْ لا ترجيح إلا بمرجِّح.
_________________
(١) = ٤٠٢، ٤٣١" عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: بينما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ قال: @"ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ ". قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن جبريل ﷺ أتاني، فأخبرني أن فيها قذرًا"، وقال: "إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى؛ فليمسحه، وليصلِّ فيهما". وإسناده صحيح، صححه النووي في "المجموع" "٢/ ١٧٩، ٣/ ١٣٢، ١٥٦"، وشيخنا الألباني في "الإرواء" "رقم ٢٨٤". ٦ مضى لفظه وتخريجه "٤/ ٨٧-٨٨". ١ مضى لفظه وتخريجه "ص٢٦٤". ٢ كصلاة التراويح جماعة في المسجد. "د". قلت: مضى تخريج ذلك "٤/ ٤٢٣". ٣ وهو زيادة نية التعبد. "د". ٤ فإذا لم يمكن؛ فلا وجه للاختلاف فيه، بل يتعين إلغاؤه. "د". ٥ أي: وهو احتمال قوي لا يصح إهماله بمجرد تحسين المقتدي الظن بأن المقتدى به فعله على الوجه الأفضل وهو التعبد، وإلغاؤه بدون دليل ترجيح الاحتمالين بمجرد التشهي. "د". ٦ كذا في "ط"، وبدله في جميع النسخ: "يترجح".
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ مَطْلُوبٌ عَلَى الْعُمُومِ؛ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ١ ثَبَتَتْ عِصْمَتُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ -وَإِنْ ظَهَرَتْ مَخَايِلُ٢ احْتِمَالِ إِسَاءَةِ الظَّنِّ فِيهِ- مَطْلُوبٌ٣ بِلَا شَكٍّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّن﴾ الْآيَةَ [الْحُجُرَاتِ: ١٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ١٢] .
بَلْ أُمِرَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ ما لا يعلم كما أمر٤ باعتقاد
_________________
(١) ١ أي: كما هو الفرض في هذا القسم. "د". ٢ بالياء: جمع مخلية؛ كمعايش، ومعيشة. "ف". ٣ في الأصل: "مطلوبه". ٤ أداة الطلب الموجه إلى القول في الآيتين واحدة، وهي: "لولا"، كما أنها موجهة إلى ظن الخير بالمؤمنين والمؤمنات في الأولى؛ فالمطلوب في الأولى أن يظنوا الخير بأهل الإيمان، وأن يقولوا: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، وفي الثاني أن يُكَذِّبوا ما سمعوا، ويهولوا عليه ويقولوا: "سبحان الله! "؛ أي: تنزه عن أن يَصِمَ نبيه ويشينَه؛ لأن فجور الزوجة ينفر القلوب من زوجها، وأن يقولوا: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وعليه؛ فلا يظهر وجه لما قيل*: "إن موضع الأمر قوله: لولا إذ سمتعتموه، وذكر الأول؛ لتعلقه به"، ويبقى الكلام في أن طلب الجزم في قولهم: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، و﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم﴾ [النور: ١٦] من باب طلب القول والاعتقاد لما يعلم أو ما لا يعلم، قال بالأول الفخر، والعلامة الثاني؛ لأن الأنبياء معصومون من كل منفر، وهذا منه كما أشرنا إليه، واستشكل بأن هذا لو كان شرطًا عقليًا في النبوة؛ لما خفي عليه ﷺ ولما سألها؛ فقال: "إن كنتِ ألممت بذنب؛ فاستغفري الله، وتوبي إليه " إلخ**، وأجيب بأجوبة، واختار الآلوسي*** أن هذا من مجرد الظن بخيرة المؤمنين؛ فراجعه. "د". * المذكور قول "ف". ** قطعة من حديث الإفك الطويل، ومضى تخريجه "٢/ ٤٢٢". *** في "تفسيره" "١٨/ ١٢٠-١٢١".
[ ٥ / ٣٠٥ ]
مَا لَا يَعْلَمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النُّورِ: ١٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّورِ: ١٦] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يبْن عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا اعْتُبِرَ فِي عَدَالَةِ شَاهِدٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ [بـ] مجرد هَذَا التَّحْسِينِ؛ حَتَّى تَدُلَّ الْأَدِلَّةُ الظَّاهِرَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ الْغَالِبِ.
فَإِذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ مَأْمُورًا بِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ كُلُّ مُسْلِمٍ عَدْلًا [عِنْدَ المحسِّن] بِمُجَرَّدِ هَذَا التَّحْسِينِ حَتَّى تَحْصُلَ الْخِبْرَةُ أَوِ التَّزْكِيَةُ١؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَمْرٍ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَإِذَا لَمْ يُثْبِتْهُ لَمْ ينبنِ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَتَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْأَفْعَالِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ.
وَمِثَالُهُ كَمَا إِذَا فَعَلَ الْمُقْتَدَى بِهِ فِعْلًا يُحتمل أَنْ يَكُونَ دِينِيًّا تَعَبُّدِيًّا، ويُحتمل أَنْ يَكُونَ دُنْيَوِيًّا رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ على تعين أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ؛ فَيَحْمِلُهُ هَذَا الْمُقْتَدِي عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ إِنَّمَا قَصَدَ الْوَجْهَ الدِّينِيَّ [لَا الدُّنْيَوِيَّ] بِنَاءً عَلَى تَحْسِينِهِ الظَّنَّ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ مِنْ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقْتَدَى بِهِ مَثَلًا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا وَافَقَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ خَالَفَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ يَسْتَلْزِمُ٢ الْمُطَابَقَةَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا لَمَا أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا، بَلْ بِقَيْدِ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْمُطَابَقَةَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّحْسِينِ بِنَاءٌ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ نَفْسِهِ لَا عَلَى أَمْرٍ٣ حَصَلَ لِذَلِكَ الْمُقْتَدَى بِهِ، لَكِنَّهُ قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءً على ما
_________________
(١) ١ في "ط": "والتزكية". ٢ في "ط": "ويلتزم". ٣ وهو قصده في الواقع بهذا الفعل التعبد، وقوله: "على ما عند المقتدى به"؛ أي: كما يقتضيه معنى الاقتداء. "د".
[ ٥ / ٣٠٦ ]
عِنْدَ الْمُقْتَدَى بِهِ؛ فأدَّى إِلَى بِنَاءِ الِاقْتِدَاءِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ عَلَامَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا انْبَنَى عَلَى أَمْرٍ حَصَلَ لِلْمُقْتَدَى بِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا١، وَإِيَّاهُ قَصَد الْمُقْتَدِي بِاقْتِدَائِهِ فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَيَّنَةِ٢.
وَالثَّالِثُ٣: أَنَّ هَذَا الِاقْتِدَاءَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنَاقُضَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقتدَى بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ظَنًّا مَثَلًا، وَمُجَرَّدُ تَحْسِينِ الظَّنِّ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا عِلْمًا وَلَا ظَنًّا، وَإِذَا لَمْ يَقْتَضِهِ لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ فَرَضْنَا أَنَّهُ كَذَلِكَ، هَذَا خَلْفٌ مُتَنَاقِضٌ.
وَإِنَّمَا يَشْتَبِهُ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَاطِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِنَفْسِ الظَّنِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّنَّ نَفْسَهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُقْتَدَى بِهِ مَثَلًا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ، حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ، بِخِلَافِ تَحْسِينِ الظَّنِّ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَانَ فِي الْخَارِجِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ أَوْ لَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّنَّ نَاشِئٌ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ ضَرُورَةً٤ لَا انْفِكَاكَ لِلْمُكَلَّفِ٥ عَنْهُ وَتَحْسِينُ الظَّنِّ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ لِلْمُكَلَّفِ غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْيِ بَعْضِ الْخَوَاطِرِ الْمُضْطَرِبَةِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالْمُقْتَدَى بِهِ، فَإِذَا جَاءَهُ خَاطِرُ الِاحْتِمَالِ الأحسن
_________________
(١) ١ في "ط": و"ظنًّا". ٢ أي: للتعبد كما في الصنف الأول من هذا القسم. "د". ٣ هذا الوجه لازم لما قبله، ولو قال عقب قوله: "فَأَدَّى إِلَى بِنَاءِ الِاقْتِدَاءِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ"، ويلزمه أيضًا التناقض؛ لصَحَّ؛ لأن مقدمات هذا الوجه هي محصل مقدمات الوجه الثاني. "د". ٤ كما قالوه في لزوم النتيجة للدليل. "د". ٥ في "ط": "لانفكاك المكلف".
[ ٥ / ٣٠٧ ]
قوَّاه وثبتَهُ بتكراره في فِكْرِهِ وَوَعْظِ النَّفْسِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَإِذَا أَتَاهُ خَاطِرُ الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ ضَعَّفَهُ وَنَفَاهُ، وَكَرَّرَ نَفْيَهُ عَلَى فِكْرِهِ، وَمَحَاهُ عَنْ ذِكْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْمُقْتَدَى بِهِ ظَاهِرُهُ وَالْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ الميلُ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَالتَّزَوُّدُ لِلْمَعَادِ، وَالِانْقِطَاعُ إِلَى اللَّهِ، وَمُرَاقَبَةُ أَحْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ؛ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْفَرْدَ الْمُحْتَمَلَ مُلْحَقٌ بِذَلِكَ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، شَأْنَ الْأَحْكَامِ الواردة على هذا الوزان.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْفَرْدَ إِذَا تَعَيَّنَ هَكَذَا عَلَى هَذَا الْفَرْضِ فَقَدْ يَقْوَى الظَّنُّ بِقَصْدِهِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْأُخْرَوِيِّ؛ فَيَكُونُ مَجَالُ الِاجْتِهَادِ كَمَا سَيُذْكَرُ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْفَرْضُ بِنَاءً عَلَى مُجَرَّدِ تَحْسِينِ الظَّنِّ، بَلْ عَلَى نَفْسِ الظَّنِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى دَلِيلٍ يُثِيرُهُ، وَالظَّنُّ الَّذِي يَكُونُ هَكَذَا قَدْ يَنْتَهِضُ فِي الشَّرْعِ سَبَبًا لِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، وَفَرْضُ مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ هكذا، بل على جهة أن لا يَكُونَ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ تَرْجِيحٌ يُثِيرُ مِثْلُهُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَيُضْعِفُ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ كَرَجُلٍ١ مُتَّقٍ لِلَّهِ مُحَافِظٍ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، لَيْسَ [لَهُ] ٢ فِي الدُّنْيَا شُغْلٌ إِلَّا بِمَا كُلِّفَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ؛ فَمِثْلُ هَذَا لَهُ فِي هَذِهِ الدار حالان:
_________________
(١) ١ لتكن على ذكر من أصل الموضوع، وهو أن المتقدى به ممن دل الدليل على عصمته كالنبي ﷺ أَوْ فِعْلِ أَهْلِ الإجماع، لا فعل واحد منهم، بل فعل صدر من جمع يتحقق منهم الإجماع الشرعي، أو صدر من جماعة يقوم الدليل على أَنَّهُمْ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْخَطَأِ؛ كَعَمَلِ أَهْلِ المدينة، فالفعل المقتدى فيه فيما عدا النبي ﷺ لا يكون عمل فرد ولا جماعة لا يتحقق فيهم ما ذكر؛ فتمثيله برجل إلخ هنا وفيما يفهم من أصل السؤال بعيد عن أصل الفرض، ومحتاج تطبيقه على أصل الموضوع إلى تكلفات، وإنما يتضح التمثيل فيما يأتي له بعد بالأفعال الجبلية بالنسبة له ﷺ من حيث تحسين الظن بأن أفعاله مصروفة إلى الآخرة. "د". ٢ ما بين المعقوفتين سقط من "م".
[ ٥ / ٣٠٨ ]
- حَالٌ دُنْيَوِيٌّ، بِهِ يُقِيمُ مَعَاشَهُ وَيَتَنَاوَلُ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ.
- وَحَالٌ أُخْرَوِيٌّ، بِهِ يُقِيمُ أَمْرَ آخِرَتِهِ.
فَأَمَّا هَذَا الثَّانِي؛ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي نَفْسِهِ، وَغَيْرُ مُحْتَمِلٍ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالنَّوَادِرِ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ مَثَارُ الِاحْتِمَالِ، فَالْمُبَاحُ مَثَلًا يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ حَظِّ نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا عَمِلَهُ وَلَمْ يُدرَ وَجْهَ أَخْذِهِ؛ فَالْمُقْتَدِي بِهِ بِنَاءً عَلَى تَحْسِينِ ظَنِّهِ بِهِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا عَمِلَهُ مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ وَمُتَعَبِّدًا لَهُ بِهِ؛ فَيَعْمَلُ بِهِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إِلَّا تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِالْمُقْتَدَى بِهِ، لَيْسَ له أصل يبني عَلَيْهِ؛ إِذْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا قَوِيًّا أَنْ يَقْصِدَ الْمُقْتَدَى بِهِ نَيْلَ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ حَظِّهِ؛ فَلَا يُصَادِفُ قَصْدَ الْمُقْتَدِي مَحَلًّا، بَلْ إِنْ صَادَفَ صَادَفَ أَمْرًا مُبَاحًا صَيَّرَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ، وَالْمُبَاحُ لَا يَصِحُّ التَّقَرُّبُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
بَلْ نَقُولُ: إِذَا وَقَفَ الْمُقْتَدَى بِهِ وَقْفَةً، أَوْ تَنَاوَلَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهٍ، أَوْ قَبَضَ [عَلَى] لِحْيَتِهِ فِي وَقْتٍ مَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَأَخَذَ هَذَا الْمُقْتَدِي يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْعِبَادَةَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى دُنْيَوِيٍّ أَوْ غَافِلًا؛ كَانَ هَذَا الْمُقْتَدِي مَعْدُودًا مِنَ الْحَمْقَى وَالْمُغَفَّلِينَ؛ فَمِثْلُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمَسْأَلَةِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ دِرْهَمٌ مَثَلًا، فَأَعْطَاهُ صَدِيقًا لَهُ؛ لِصَدَاقَتِهِ١، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَصْنَعَ بِهِ مُبَاحًا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؛ فَيَقُولُ الْمُقْتَدِي: حُسْنُ الظَّنِّ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ [كَانَ] يَتَصَدَّقُ بِهِ، لَكِنْ آثَرَ بِهِ عَلَى نفسه في هذا الأمر
_________________
(١) ١ أي: لا لفقر مثلًا. "د".
[ ٥ / ٣٠٩ ]
الْأُخْرَوِيِّ؛ فَيَجِيءُ١ مِنْهُ جَوَازُ الْإِيثَارِ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى لَحَظَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِيثِ: "وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٢، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ صِحَّةَ الْإِيثَارِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا يَدْعُو٣ بِدَعْوَتِهِ الَّتِي أُعْطِيهَا فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ لَا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا.
فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ٤؛ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكُنُهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَا فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَلَا قَدْحَ فِيهِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ كَانَ ﵊ يُحِبُّ مِنَ الدُّنْيَا أَشْيَاءَ، وَيَنَالُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا أُبِيحَ لَهُ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي أمور؛ كحبه للنساء، والطيب٥،
_________________
(١) ١ أي: يفرع عليه جواز ذلك، ولا بد له أن يجعل في طي حسن ظنه أنه إنما أعطاه لصديقه ليتصدق به؛ حتى يتم له الاستنباط. "د". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة ١١/ ٩٦/ رقم ٣٦٠٤، وكتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة ١٣/ ٤٤٧/ رقم ٧٤٧٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته ١/ ١٨٨-١٩٠/ رقم ١٩٨" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي؛ شفاعة لأمتي في الآخرة". لفظ البخاري. وأخرجه البخاري في "صحيحه" "رقم ٦٣٠٥"، ومسلم في "صحيحه" "رقم ٢١٠" عن أنس نحوه. وأخرجه مسلم في "صحيحه" "رقم ٢٠١" عن جابر مرفوعًا، وفي آخره: "وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". ٣ أي: فحسن الظن به ﷺ أنه يدعو بها لأمر أخروي؛ فآثر أمته عن نفسه في أمر أخروي. "د". ٤ وهو أن الصواب أنه غير معتدٍّ به شرعًا للأدلة السابقة، فلنا أن نردَّ ما لحظه هذا البعض؛ فنقول: إن ما قاله إلخ. "د". ٥ مضى بيان ذلك وتخريجه في "٢/ ٢٤٠".
[ ٥ / ٣١٠ ]
وَالْحَلْوَاءِ، وَالْعَسَلِ، وَالدُّبَّاءِ١، وَكَرَاهِيَتِهِ لِلضَّبِّ٢، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَكَانَ يَتَرَخَّصُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ٣، وَهُوَ مَنْقُولٌ كَثِيرًا.
وَوَجْهٌ ثانٍ٤ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ دَعَا ﵊ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؛ كَاسْتِعَاذَتِهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَالدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالْهَمِّ وَأَنْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ٥، وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورَ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَيَدُلُّ
_________________
(١) ١ مضى بيان حبه ﷺ للحلواء والعسل وتخريجه في "١/ ١٨٥"، وأما حبه ﷺ للدباء؛ فأخرجه البخاري في "صحيحه" "رقم ٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٥٣٥، ٥٤٣٧" عن أنس ﵁. ٢ مضى بيان ذلك وتخريجه في "٤/ ١١٥". ٣ مضى بيان ذلك وتخريجه في عدة أحاديث. انظر "١/ ٤٦٩-٤٧٠، ٥٢٣". ٤ مغايرة هذا الوجه لما قبله من حيث إنه في هذا وقع الدعاء فعلًا بأمور دنيوية، وفيما قبله أنه بحيث لو وقع؛ لكان مقبولًا؛ لما ثبت أنه كان يميل إلى بعض أمور دنيوية ولا حجر عليه في طلبها. "د". ٥ ورد ذلك في أحاديث عديدة، منها: ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب من غزا بصبي للخدمة ٦/ ٨٦/ رقم ٢٨٩٣" -وهذا لفظه- ومسلم في "صحيحه" "كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره ٤/ ٢٠٧٩/ رقم ٢٧٠٦" عن أنس؛ قال: كنت قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ كثيرًا يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال". وما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب ما يتعوذ من الجبن ٦/ ٣٦-٣٧/ رقم ٢٨٢٢" عن ميمون الأودي: قال: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر". فحدثت به مصعبًا؛ فصدقه. وما أخرجه النسائي في "المجتبى" كتاب السهو، باب التعوذ في دبر الصلاة ٣/ ٧٣-٧٤" -وهذا لفظه- وأحمد في "المسند" "٥/ ٣٦، ٣٩، ٤٤"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" "رقم ١١٠" بسند صحيح على شرط مسلم عن مسلم بن أبي بكرة؛ قال: كان أبي يقول =
[ ٥ / ٣١١ ]
عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ جُمْلَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ دَعَوُا الدَّعْوَةَ الْمَضْمُونَةَ الْإِجَابَةِ لَهُمُ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ" ١ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِالدُّنْيَا جَائِزٍ لَهُمْ، وَهُوَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، حسبما نقله المفسرون٢، وكان من
_________________
(١) = في دبر الصلاة، "اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، وعذاب القبر". فكنت أقولهن، فقال أبي: أي بني! عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك. قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولهن في دبر الصلاة. وما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب القدر، باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء ١١/ ٥١٣/ رقم ٦٦١٦" عن أبي هريرة مرفوعًا: "تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء". وأخرجه البخاري في "صحيحه" "أيضًا في "كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء ١١/ ١٤٨/ رقم ٦٣٤٧" عن أبي هريرة ﵁؛ قال: كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الاعداء". وأخرجه بنحوه مسلم في "صحيحه" "كتاب الذكر والدعاء، باب من التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره ٤/ ٢٠٨٠/ رقم ٢٧٠٧". ١ هو صدر الحديث السابق، وسيأتي الكلام على قوله في "أمته" من جهة الرواية ومن جهة المعنى. "د". ٢ ذهب ابن العربي في "أحكامه" "٤/ ١٨٦١" -وتبعه القرطبي في "تفسيره" "١٨/ ٣١٣"- إلى أن دعاء نوح ﵇ على قومه كان "غضبًا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك"، ولم يبين هنا هل استجيب لنوح أم لا، وبينه في مواضع أخر، منها قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَه﴾ وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، بقى الدليل الذي يعين أن دعوت ﵇ المستجابة هي المذكورة، لم أظفر بأحد من المفسرين تعرض لذلك، وذلك على خلاف قول المصنف، وقد نظرت في تفسير الآية عند الزمخشري، والآلوسي، والبقاعي، وابن كثير، والجلالين، وحواشيه، وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي، والقاسمي، والشنقيطي، ولكن سيأتي أن في رواية مسلم: "دعاها لأمته"، و"مستجابة في أمته"، وهذا يرجح ما ذكره المصنف هنا.
[ ٥ / ٣١٢ ]
الْمُمْكِنِ أَنْ يَدْعُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ فَكَوْنُهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ صَفْوَةُ اللَّهِ مَنْ خَلْقِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِمْ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ مَصْرُوفَةً إِلَى الْآخِرَةِ فَقَطْ، فَكَذَلِكَ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا أَمْرُ الْآخِرَةِ أَلْبَتَّةَ؛ فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَالَ هَذَا العالم.
أمر ثَالِثٌ١: وَهُوَ أَنَّا لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ٢؛ لَكُنَّا نَقُولُ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي كُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ ﵊، كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْجِبِلَّةِ الْآدَمِيَّةِ أَوْ لَا؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَصَدَ بِهَا أُمُورًا أُخْرَوِيَّةً وَتَعَبُّدًا مَخْصُوصًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، بل كان يلزم منه أن لا يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ مُخْتَصًّا٣ بِالدُّنْيَا إلا ما بَيَّنَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ إِذْ ذَاكَ كَوْنُهُ دُنْيَوِيًّا لِخَفَاءِ قَصْدِهِ فِيهِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِهِ٤، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ جِهَتَهُ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا؛ فَلَا يَحْصُلُ مِنْ بَيَانِ أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا ثبت صَحَّ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ ثَابِتٍ٥، وَأَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلِيلَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أَنَّ الدَّعْوَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْأُمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ:
_________________
(١) ١ هذا يصلح دليلًا لأصل الموضوع، وهو أن الصواب عدم الاعتداد بالمحتمل في الاقتداء؛ فيكون رابع الأدلة الثلاثة المتقدمة. "د". ٢ أي: المجيز للاقتداء تحسين الظن الذي بني عليه الإيثار في أمور الآخرة. "د". ٣ أي: متعينًا لها غير محتمل. "د". ٤ لعله قد سقطت هنا جملة المشبه به، والأصل: "فما بين رجوعه إلى الآخرة؛ فهو أخروي، وكذلك إلخ"، وقوله: "فلا يحصل إلخ" مبني على تمهيد مطوي، حاصله أن ما لم يبين جهته هو الغالب والكثير، وقوله: "وذلك خلاف إلخ" في قوة الاستثنائية القائلة: وذلك باطل. "د". ٥ طبق قوله سابقًا: "الصواب أنه غير معتدٍّ به شرعًا". "د".
[ ٥ / ٣١٣ ]
"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ" ١؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِهِ، فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِيثَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ ثانٍ عَنْ قَبُولِ الِانْتِفَاعِ فِي٢ جِهَةِ الْمُؤَثِّرِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي إِنْ كَانَ مِثْلَ انْتِصَابِ الْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا شَكَّ فِي٣ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَصْرِيحِهِ٤ بِالِانْتِصَابِ لِلنَّاسِ وَتَصْرِيحِهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَفْعُولِ أَوِ الْمَتْرُوكِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَعَيَّنَ فِيهِ قَصْدُ الْعَالِمِ إِلَى التَّعَبُّدِ بِالْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، بِالْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ:
فَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا تَطَرَّقَ إِلَى أَفْعَالِهِ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْمَعْصِيَةُ٥ قَصْدًا، وَإِذَا لَمْ يتعين وجه فعله٦؛ فكيف يصح الاقتداء
_________________
(١) ١ مضى تخريجه في "ص٣١٠"، وأفاد "د" أنه في "صحيح مسلم" بروايات منها روايتان قريبتان في المعنى مما يرويها المؤلف، إحداهما: "لكل نبي دعوة دعا بها في أمته"، والأخرى: "دعاها لأمته"، وعلى هاتين يتمشى كلام المؤلف؛ أما على رواية البخاري وروايات مسلم الأولى؛ فيمكن استنباط الإيثار الذي قاله بعضهم، لولا الاحتمال الذي ذكره المؤلف سابقًا من أنه لا مانع أن يدعو بها في أمور ديناه؛ فلا يكون في أمور الآخرة متعينًا حتى يستدل به على الإيثار المذكور، وإلى ما فصلناه أشار المؤلف بقوله: "كما تقدم"، أي أنه بالرواية المتقدمة لا معنى للاستدلال به على الإيثار رأسًا، يعني: وما قررناه أولًا مقطوع فيه النظر عن هذه الرواية، ومصروف إلى الروايات الأخرى التي لم تصرح بما يقتضي أن الدعوة مختصة بأمته. ٢ في "ط": "مَن". ٣ في "ط": "إشكال". ٤ أي: لا فرق بين ما بعد كالتصريح القولي بسبب الانتصاب المذكور، وهو فعله في مقطع الحكم من أخذ ورد إلخ، وبين تصريحه اللفظي بحكم الفعل من إذن ومنع مثلًا، وإنما أولنا كلمة "التصريح" بهذا؛ لأن موضوع المسألة الاقتداء بفعله. "د". قلت: انظر صحة الاقتداء بالحاكم في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٣٠/ ٤٠٧". ٥ هذا في الحقيقة لا داعي إليه في الدليل، ويكر بالإبطال على الأقوال نفسها وعلى أفعال المنتصب اللذين سلمنا فيها بصحة الاقتداء، ويرشح ما قلناه قوله بعد: "ولعله فعله ساهيًا"، ولم يقل: أو عاصيًا. "د". ٦ إلا بقرائن قد لا تصدق؛ كما هو موضوع كلامه. "د".
[ ٥ / ٣١٤ ]
قَصْدًا فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ فِي الْعَادَاتِ؟ وَلِذَلِكَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ١ أَنَّهُ قَالَ: "أَضْعَفُ الْعِلْمِ الرُّؤْيَةُ، يَعْنِي: أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُ فُلَانًا يَعْمَلُ كَذَا، وَلَعَلَّهُ فَعَلَهُ سَاهِيًا".
وَعَنْ إِيَاسِ ابن مُعَاوِيَةَ: "لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الْفَقِيهِ، وَلَكِنْ سَلْهُ يصدقْك"٢.
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ قَالُوا٣: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الْآيَةَ [الزُّخْرُفِ: ٢٢] .
وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الْمُرْتَابِ: "سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ"٤. فَالِاقْتِدَاءُ بِمِثْلِ هَذَا الْمَفْرُوضِ كَالِاقْتِدَاءِ بِسَائِرِ النَّاسِ أَوْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ.
وَلِلْمُجِيزِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مَعْمُولٌ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ٥، وَإِذَا تَعَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ قَصْدُهُ إِلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ -وَلَا سِيَّمَا في العبادات، ومع التكرار أيضًا،
_________________
(١) ١ هو عطاء، وأورد نحوه عنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ٧٧٨/ رقم ١٤٤٨"، ونصه: "وأضعف العلم: علم النظر، أن يقول الرجل: رأيت فلانًا". ٢ أخرجه وكيع في "أخبار القضاة" "١/ ٣٥٠"، وابن شبة كما في "تهذيب الكمال" "٣/ ٤٣٣". ٣ أي: الذين قلدوا من ليس أهلًا، وفي الحديث لفظ: "الناس"؛ أي: مطلق الناس الذين لا يقلدون، فتقليد من ليس أهلًا المنفي عليه في الآية، والحديث يشبهه تقليد العالم في الفرض المذكور، وليس التقليد بعمومه مذمومًا كما تدل عليه تلك المسائل الأصولية. "د". ٤ قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الكسوف، باب الصلاة النساء مع الرجال في الكسوف ٢/ ٥٤٣/ رقم ١٠٥٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ٢/ ٦٢٤/ رقم ٩٠٥"، ومالك في "الموطأ" "١/ ١٨٨-١٨٩" عن أسماء ﵂". ٥ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٣/ ٣١٢-٣١٣ و١٣/ ٣١٠-٣٢٦"، و"المسودة في أصول الفقه" "ص٥١٨"، و"البحر المحيط" للزركشي "١/ ٧٦، ٨٢ و٥/ ٢٧٦ و٦/ ٢٨٥".
[ ٥ / ٣١٥ ]
وَهُوَ مِنْ أَهِلِ الِاقْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِهِ كَذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ: "إِنَّهُ جَائِزٌ"١، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ، قَالَ٢: "وأراه كان يتحراه"؛ فقد استند
_________________
(١) ١ وذهب الجمهور إلى كراهته، وقال عياض: "لعل قول مالك يرجع إليه؛ لأن مذهبه كراهة تخصيص يوم معين بالصيام" وأشار الباجي في "المنتقى" "٢/ ٧٦" إلى احتمال أنه قول آخر له، وقال الداودي: "لم يبلغه الحديث، ولو بلغه ما خالفه"، قال الأبي: "فالحاصل أن المازري والداودي فهما من "الموطأ" الجواز، وعياض رده إلى ما علم من مذهبه من كراهته تخصيص يوم معين بالصوم، وعضده بما أشار إليه الباجي؛ هذا وأكثر الشيوخ يحكي عن مالك الجواز، ولكن بناؤه على ما قال المؤلف بعيد، فإنه روي عن ابن مسعود أنه "كان ﷺ، يصوم من كل شهر ثلاثة ايام، وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة"*، وعن ابن عمر: "ما رأيته [ﷺ] مفطرًا يوم الجمعة قط"**، ويكون قوله: "لم أسمع أحدًا من أهل العلم ينهى عنه"، وقوله: "وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه إلخ" من باب الترشيح والتقوية لهذه الأحاديث؛ لا أن عمل بعض أهل العلم هو الدليل المسقط لحكم الحديث الصحيح كما يقول المؤلف، يراجع: "الزرقاني على الموطأ" "٢/ ٢٠٣". "د". قلت: انظر أيضًا: "الاستذكار" "١٠/ ٢٦٠-٢٦٤"، و"مصنف ابن أبي شيبة" "٣/ ٤٦"، و"الشرح الصغير" "١/ ٦٩٤" للدردير. ٢ عبارته في "الموطأ" "كتاب الصيام، باب جامع الصيام ١/ ٣١١ - رواية يحيى" هذا = * أخرجه الترمذي في "الجامع" "رقم ٧٤٢ "، وأبو دواد في "السنن" "رقم ٢٤٥٠" -دون: "وقلما "، والنسائي في "المجتبى" "٤/ ٢٠٤"، وأحمد في "المسند" "١/ ٤٠٦"، وابن خزيمة في "الصحيح" "٣/ ٣١٢٩"، وإسناده صحيح، وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" "١٠/ ٢٦٠". ** أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" "٣/ ٤٦" بإسنادٍ ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم.
[ ٥ / ٣١٦ ]
إِلَى فِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ ظَنِّهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عُمْدَةً مُسْقِطَةً لِحُكْمِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ.
فَقَدْ يُلَوَّحُ مِنْ هُنَا أَنَّ مَالِكًا يَعْتَمِدُ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ صَاحِبِهِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ جَهْلًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَفْلَةً؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ يَقْتَضِي عَمَلَهُ بِهِ، وَتَحَرِّيهِ إِيَّاهُ دَلِيلٌ٢ عَلَى عَدَمِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي مَا اعْتُمِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ السَّلَفِ، إِذَا تَأَمَّلْتَهَا وَجَدْتَهَا قَدِ انْضَمَّتْ إِلَيْهَا قَرَائِنُ عَيَّنَتْ قَصْدَ الْمُقْتَدَى بِهِ، وَجِهَةَ فعله، فصَحَّ الاقتداء.
والقسم الثالث: هو٣ أن لا يَتَعَيَّنَ فِعْلُ الْمُقْتَدَى بِهِ لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ وَلَا أُخْرَوِيٍّ، وَلَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى جِهَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَإِنْ قُلْنَا فِي الْقَسَمِ الثَّانِي بِعَدَمِ
_________________
(١) = نصها: لم اسمع أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وَمَنْ يُقْتَدَى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه". قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "١٠/ ٢٦١" في تحديد "بعض أهل العلم": "وأما الذي ذكره مالك؛ فيقولون: إنه محمد بن المنكدر، وقيل: إنه صفوان بن سليم". ١ ورد ذلك في أحاديث كثيرة منها: - ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة ٤/ ٢٣٢"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردًا ٢/ ٨٠١/ رقم ١١٤٣" عن محمد بن عباد؛ قال: "سألت جابرًا ﵁: أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم". زاد بعض الرواة: "يعنى: أن ينفرد بصومه". لفظ البخاري. - وأخرجه البخاري في "صحيحه" "رقم ١٩٨٥"، ومسلم في "صحيحه" "رقم ١١٤٤" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة؛ إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده". ٢ خبر قوله: "وتحرِّيه". "د". ٣ في "ط": "وهو".
[ ٥ / ٣١٧ ]
صحة الاقتداء؛ فههنا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ؛ فَقَدْ يَنْقَدِحُ فِيهِ احْتِمَالٌ، فَإِنَّ قَرَائِنَ التَّحَرِّي لِلْفِعْلِ [هُنَالِكَ] ١ مَوْجُودَةٌ؛ فَهِيَ دَلِيلٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الصِّحَّةِ٢.
وَأَمَّا ههنا، فَلَمَّا فُقِدَتْ قَوِيَ احْتِمَالُ الْخَطَأِ وَالْغَفْلَةِ وَغَيْرِهِمَا، هَذَا مَعَ اقْتِرَانِ الِاحْتِيَاطِ عَلَى الدِّينِ؛ فَالصَّوَابُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَنْعُ الِاقْتِدَاءِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِالسُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ النَّازِلَةِ الْمُقَلَّدِ فِيهَا، وَيَتَمَكَّنُ قَوْلُ مَنْ قَالَ٣: "لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الفقيه، ولكن سله يصدقْك" ونحوه
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ماء" و"ط". ٢ أي: في القسم الثاني. "د". ٣ هو إياس بن معاوية كما تقدم قريبًا "ص٣١٥".
[ ٥ / ٣١٨ ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
قَدْ تَقَدَّمَ١ أَنَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً:
أَمَّا الْحَالُ الْأَوَّلُ؛ فَلَا يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ صَاحِبِهِ كَمَا لَا يُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ بَعْدُ، فَإِذَا كَانَ اجْتِهَادُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَعْمَالَهُ إِنْ كَانَتْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ فَهِيَ سَاقِطَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِتَقْلِيدٍ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ فِي الِاقْتِدَاءِ إِلَى مُقَلِّدِهِ أَوْ إِلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَلِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِدُخُولِ الْعَوَارِضِ٢ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِهَا فَيَصِيرُ عَمَلُهُ مُخَالِفًا فَلَا يُوْثَقُ بِأَنَّ عَمَلَهُ صَحِيحٌ فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ اسْتِفْتَائِهِ، وَيَجْرِي الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِي؛ فَهُوَ مَوْضِعُ إِشْكَالٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِفْتَائِهِ٣، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ؛ فَاسْتِفْتَاؤُهُ٣ جارٍ عَلَى النَّظَرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ أَوْ عَدَمِ صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ كَصَاحِبِ الْحَالِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ اجْتِهَادِهِ جَرَى الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ وَالنَّظَرِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَعْمَالِهِ صَاحِبَ حَالٍ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ٤ حَالٍ وَهُوَ
_________________
(١) ١ في المسألة الثالثة عشرة من الطرف الأول في الاجتهاد. ٢ أي: من شأنها أن تدخل النقص والخلل في أعماله، وذلك كدواعي الهوى والانحراف عن قصد الدليل وغير ذلك. "د". ٣ في "ط": "استيفائه.. فاستيفاؤه". ٤ ليس خاصًا بالحالة الثانية، بل عام لكل من صح اجتهاده، واستفتاؤه كان من ذوي الحالة الثانية أو الثالثة. "د".
[ ٥ / ٣١٩ ]
مِمَّنْ يُسْتَفْتَى؛ فَهَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِنَاءً عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا، وَهَلْ يَصِحُّ اسْتِفْتَاؤُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَمْ لَا؟
كُلُّ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ حَيْثُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ لَيْسَ بِصَاحِبِ حَالٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ هُوَ ذُو حَالٍ مِثْلُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ عَامِلُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، بَالِغُونَ غَايَةَ الْجُهْدِ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ؛ إِمَّا لِسَائِقِ الْخَوْفِ، أَوْ لِحَادِي الرَّجَاءِ، أَوْ لِحَامِلِ الْمَحَبَّةِ؛ فَحُظُوظُهُمُ الْعَاجِلَةُ قَدْ سَقَطَتْ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِأَمْرٍ شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِ مَا هُمْ فِيهِ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ عَنِ الْأَعْمَالِ فَتْرَةٌ، وَلَا عَنْ جِدِّ السَّيْرِ رَاحَةٌ، فَمَنْ كَانَ بِهَذَا الْوَصْفِ؛ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ مَنْ هُوَ طَالِبٌ لِحُظُوظِهِ مُشَاحٌّ فِي اسْتِقْصَاءِ مُبَاحَاتِهِ؟!
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَهَّلَ عَلَيْهِمْ مَا عَسُرَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَأَيَّدَهُمْ بِقُوَّةٍ مِنْهُ عَلَى مَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ، حَتَّى صَارَ الشَّاقُّ عَلَى النَّاسِ غَيْرَ شَاقٍّ عَلَيْهِمْ، وَالثَّقِيلُ عَلَى غَيْرِهِمْ خَفِيفًا عَلَيْهِمْ؛ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ ضَعِيفُ الْمِنَّةِ١ عَنْ حَمْلِ تِلْكَ الْأَعْبَاءِ، أَوْ مَرِيضُ الْعَزْمِ فِي
قَطْعِ مَسَافَاتِ النَّفْسِ، أَوْ خَامِدُ الطَّلَبِ لِتِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، أَوْ رَاضٍ بِالْأَوَائِلِ عَنِ الْغَايَاتِ؟!
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِاتِّبَاعِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ تَطَوَّقُوا ذَلِكَ زَمَانًا؛ فَعَمَّا قَرِيبٍ يَنْقَطِعُونَ٢، وَالْمَطْلُوبُ الدَّوَامُ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حتى تملوا" ٣.
_________________
(١) ١ أي: القوة، وتقدمت. أما "ماء"؛ ففيها: "الهمة". ٢ كما في حديث الترمذي الصحيح: @"إن لكل شيء شرة، ولكل شرة فترة"، والشرة: النشاط والرغبة. "د". قلت: مضى تخريجه الحديث "٣/ ٥٢٢". ٣ مضى تخريجه "١/ ٥٢٥"، وهو صحيح.
[ ٥ / ٣٢٠ ]
وَقَالَ: "أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ" ١.
وَأَمَرَ٢ بِالْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ، وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ" ٣.
وَكَرِهَ الْعُنْفَ وَالتَّعَمُّقَ وَالتَّكَلُّفَ وَالتَّشْدِيدَ٤ خَوْفًا مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَقَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٧] .
وَرَفَعَ عَنَّا الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، فَإِذَا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ آيِلًا إِلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ؛ لَمْ يَلِقْ أَنْ يَنْتَصِبُوا مَنْصِبَ الِاقْتِدَاءِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَتَّخِذَهُمْ غَيْرُهُمْ أَئِمَّةً فِيهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَالٍ مِثْلَهُمْ وَغَيْرَ مَخُوفٍ عَلَيْهِ الِانْقِطَاعُ؛ فَإِذْ ذَاكَ يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَهَذَا الْمَقَامُ قَدْ عَرَفَهُ أَهْلُهُ، وَظَهَرَ لَهُمْ بُرْهَانُهُ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ.
وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِأَقْوَالِهِ إِذَا اسْتُفْتِيَ فِي الْمَسَائِلِ؛ فَيَحْتَمِلُ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُسْتَفْتَى فِي شَيْءٍ هُوَ فِيهِ صَاحِبُ حَالٍ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَرَى حُكْمُهُ مَجْرَى الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ، فَإِنَّ نُطْقَهُ فِي أحكام أحواله من جملة
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٥٢٥"، وهو بقية الحديث السابق. ٢ كما في حديث: "سددوا وقاربوا"، وهو صحيح، ومضى تخريجه "٢/ ٢٠٨". ٣ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، ١٠/ ٤٤٩/ رقم ٦٠٢٤، وكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين، ١١/ ١٩٤/ رقم ٦٣٩٥"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، ٤/ ٢٠٠٣-٢٠٠٤/ رقم ٢٥٩٣" عن عائشة ﵂. والمذكور لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه". ٤ ورد ذلك في أحاديث عديدة، تقدم منها ما يفي بالغرض، وانظر غير مأمور: "١/ ٥٢٢".
[ ٥ / ٣٢١ ]
أعماله، والغالب فليه أَنَّهُ يُفْتِي بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ، لَا بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالُ السَّائِلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي سَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَأَنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِنْ أَصْلِ الْعِلْمِ لَا مِنْ رَأْسِ الْحَالِ؛ إِذْ لَيْسَ مَأْخُوذًا فِيهِ.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
يُذْكَرُ فِيهَا بَعْضُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَشْهَدُ لِلْعَامِّيِّ بِصِحَّةِ اتِّبَاعِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا فِي فَتْوَاهُ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ١: "رُبَّمَا وَرَدَتْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةُ تَمْنَعُنِي مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّوْمِ. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَلَامُكَ عِنْدَ النَّاسِ إِلَّا نَقْرٌ فِي حَجَرٍ، مَا تَقُولُ شَيْئًا إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْكَ. قَالَ: فَمَنْ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا إِلَّا مَنْ كَانَ هَكَذَا؟ قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: مَالِكٌ مَعْصُومٌ".
وَقَالَ٢: "إِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي مَسْأَلَةٍ مُنْذُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا اتَّفَقَ لِي فِيهَا رَأْيٌ إِلَى الْآنِ".
وَقَالَ٣: "رُبَّمَا وَرَدَتْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةُ فَأُفَكِّرُ فِيهَا لَيَالِيَ".
وَكَانَ٤ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ لِلسَّائِلِ: "انْصَرِفْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا". فَيَنْصَرِفُ وَيُرَدِّدُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَبَكَى وَقَالَ: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الْمَسَائِلِ يَوْمٌ وَأَيُّ يَوْمٍ".
وَكَانَ إِذَا جَلَسَ؛ نَكَّسَ رَأْسَهُ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَلَمْ يلتفت يمينًا
_________________
(١) ١ قال القاضي عياض في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٤ - ط بيروت": "قال عبد الرحمن العمري: قال لي مالك "وذكره"، وفيه: "كنقش في الحجر"، و"أن يكون كذا"، وفي "ط": "نقش". ٢ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٤": قال: ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول "وذكره". ٣ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٤": "قال ابن مهدي: سمعت مالكًا يقول "وذكره"، وفيه: " المسألة فأسهر فيها عامة ليلي". ٤ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٤": قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا وذكره"، وفيه: " ويتردد فيها؛ فقلنا شفتيه بذكر وكان أحمر فيصفر".
[ ٥ / ٣٢٣ ]
وَلَا شِمَالًا، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؛ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ -وَكَانَ أَحْمَرَ- فَيَصْفَرُّ، وَيُنَكِّسُ رَأْسَهُ وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، فَرُبَّمَا سُئِلَ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً؛ فَلَا يُجِيبُ مِنْهَا فِي وَاحِدَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلَاصُهُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ يُجِيبُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ١: "لَكَأَنَّمَا مَالِكٌ وَاللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؛ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ".
وَقَالَ٢: "مَا شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُسْأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْقَطْعُ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَلَقَدْ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ بِبَلَدِنَا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّ الْمَوْتَ أَشْرَفَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ زَمَانِنَا هَذَا يَشْتَهُونَ الْكَلَامَ فِيهِ وَالْفُتْيَا، وَلَوْ وَقَفُوا عَلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ غَدًا لَقَلَّلُوا مِنْ هَذَا، وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيًّا وَعَامَّةَ خِيَارِ الصَّحَابَةِ كَانَتْ تَرِدُ عَلَيْهِمُ الْمَسَائِلُ وَهُمْ خَيْرُ الْقَرْنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَانُوا يَجْمَعُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْأَلُونَ، ثُمَّ حِينَئِذٍ يُفْتُونَ فِيهَا، وَأَهْلُ زَمَانِنَا هَذَا قَدْ صَارَ فَخْرُهُمُ الْفُتْيَا؛ فَبِقَدْرِ ذَلِكَ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ".
قَالَ٣: "وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَلَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا الَّذِينَ يُقتدى بِهِمْ
_________________
(١) ١ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٤"، وفي "د": "مسألة والله". ٢ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٤-١٤٥"، وفيه: " كأن هذا هو.. وعلقمة -وهو خطأ- خيار الصحابة تتردد عليهم المسائل. ويسألون حينئذ ثم". ٣ نقله عياض في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٥"، وفيه: "مضى ولا من سلفنا ويعول أكره كذا وأحب ". وذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ١٠٧٥/ رقم ٢٠٩١"؛ قال: "وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول "وذكر نحوه".
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وَمُعَوَّلُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَلَكِنْ يَقُولُ: أَنَا أَكْرَهُ كَذَا، وَأَرَى كَذَا وَأَمَّا حَلَالٌ وَحَرَامٌ؛ فَهَذَا الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٥٩]؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَاهُ".
قَالَ مُوسَى بْنُ دَاوُدَ١: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "لَا أُحْسِنُ" مِنْ مَالِكٍ، وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَيْسَ نُبْتَلَى بِهَذَا الْأَمْرِ، لَيْسَ هَذَا بِبَلَدِنَا"، وَكَانَ٢ يَقُولُ لِلرَّجُلِ يَسْأَلُهُ، اذْهَبْ حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكَ، قَالَ الرَّاوِي: فَقُلْتُ: إِنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَالِهِ٣ وَمَا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَّا بِالتَّقْوَى.
وَسَأَلَ٤ رَجُلٌ مَالِكًا عَنْ مَسْأَلَةٍ -وَذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ فِيهَا مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْمَغْرِبِ- فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرِ الَّذِي أَرْسَلَكَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِهَا. قَالَ: وَمَنْ يَعْلَمُهَا؟ قَالَ: مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا أَهْلُ الْمَغْرِبِ؛ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا ابْتُلِينَا بِهَذِهِ المسألة ببلدنا، ولا سمعنا أحدا من
_________________
(١) ١ نقله عنه عياض في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٥"، وليس فيه: "ليس نبتلى بهذا الأمر". ٢ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٥": "قال مروان بن محمد: كنت أرى مالكًا يقول للرجل "وذكره"، وفيه: "من بابه". ٣ أي معروف عنده، ولكنه لورعه يريد التثبت، وهذا نوع من التقوى الموجبة لرضى الله عن عبده ورفعه في أعين خلقه. "د". ٤ في "ترتيب المدراك" "١/ ١٤٥-١٤٦": "قال ابن مهدي: سأل رجل مالكًا" و"ذكره"، وفيه: "تكلم بها ولكن جاءه بغلة يقودها ". وأسنده إلى ابن مهدي ابنُ أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" "ص١٨"، والآجري في "أخلاق العلماء" "ص١٣٤"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "٢/ ١٧٤"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ٨٣٨/ رقم ١٥٧٣":، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٨١٦"، وأبو نعيم في "الحلية" "٦/ ٣٢٣" بألفاظ متقاربة.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
أَشْيَاخِنَا تَكَلَّمَ فِيهَا، وَلَكِنْ تَعُودُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ وَقَدْ حَمَلَ ثِقَلَهُ عَلَى بَغْلِهِ يَقُودُهُ، فَقَالَ: مَسْأَلَتِي! فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! تَرَكْتُ خَلْفِي مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ مِنْكَ. فَقَالَ مَالِكٌ غَيْرَ مُسْتَوْحِشٍ: إِذَا رَجَعْتَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي لَا أُحْسِنُ". وَسَأَلَهُ آخَرُ١ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَجِبْنِي. فَقَالَ: وَيْحَكَ، تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَنِي حُجَّةً بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ؟ فَأَحْتَاجُ أَنَا أَوَّلًا أَنْ أَنْظُرَ كَيْفَ خَلَاصِي ثُمَّ أُخَلِّصُكَ".
وَسُئِلَ٢ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا" "لَا أَدْرِي".
وَسُئِلَ٣ مِنَ الْعِرَاقِ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً؛ فَمَا أَجَابَ مِنْهَا إِلَّا فِي خَمْسٍ.
وَقَدْ٤ قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: "إِذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ "لَا أَدْرِي"؛ أُصِيبَتْ مقاتله".
_________________
(١) ١ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦"، وفيه: "أتريد أن " ونحوه في "المعرفة والتاريخ" "١/ ٥٥٦"، و"الفقيه والمتفقه" "٢/ ١٦٩"، و"المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٨٢٣". ٢ في ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦": قال الهيثم بن جبيل: "شهدتُ مالكًا سئل عن ". ٣ في ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦": "وقال خالد بن خراش: قدمت من العراق على مالك بأربعين "، وفيه: " فما أجابني ". ٤ في "د" و"ف" و"ط": "وقال: قال"، وسقطت "قال" من "م"، والتصويب من "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦"، والأصل. وأسند مقولة ابن عجلان ابنُ أبي حاتم في "مناقب الشافعي" "ص١٠٧"، والآجري في "أخلاق العلماء" "ص١٣٤"، والحازمي في "سلسلة الذهب" -ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر للخبر" "١/ ٢٢-٢٣"- والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "٢/ ١٧٢-١٧٣"، والبيقهي في "المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٨١٢"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ٨٤٠، ٨٤٠ ٨٤١/ رقم ١٨٥٢، ١٨٥٣"، وإسناده صحيح. ونحوها عن ابن عجلان عند أبي الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" "٣/ ١٤٢"، وأبي نعيم في "أخبار أصبهان" "١/ ٣٤٩".
[ ٥ / ٣٢٦ ]
وَيُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١، وَقَالَ٢: "سَمِعْتُ ابْنَ هُرْمُزَ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُوَرِّثَ الْعَالِمُ جُلَسَاءَهُ قَوْلَ لَا أَدْرِي"، وَكَانَ٣ يَقُولُ فِي أَكْثَرِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ: "لَا أَدْرِي". قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ: "فَقُلْتُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ: يَرْجِعُ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى شَامِهِمْ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى عِرَاقِهِمْ، وَأَهْلُ مِصْرَ إِلَى مصرهم، ثم لعلي أرجع عما أُفْتِيهِمْ٤ بِهِ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُ اللَّيْثَ بِذَلِكَ؛ فَبَكَى وَقَالَ: مَالِكٌ وَاللَّهِ أَقْوَى مِنَ اللَّيْثِ "أَوْ نَحْوُ هَذَا".
وَسُئِلَ٥ مَرَّةً عَنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً؛ فَمَا أَجَابَ مِنْهَا إِلَّا فِي وَاحِدَةٍ،
_________________
(١) ١ أخرجه عنه الآجري في "أخلاق العلماء" "ص١٣٣"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "٢/ ١٧٢"، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٨١٣"، وابن عبد البر في "الجامع" "٢/ ٨٣٩، ٨٤٠/ رقم ١٥٨٠، ١٥٨١" بأسانيد منقطعة. والمذكور من "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦". ٢ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦": "وقال مالك: "سمعت ابن هرمز."، وأسنده إلى ابن هرمز: الفسوي في "المعرفة والتاريخ" "١/ ٦٥٥"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "٢/ ١٧٣"، والبيهقي في "مدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٨٠٩"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ٨٣٥/ رقم ١٥٦٤". ٣ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦": "وقال ابن وهب: كان مالك يقول: "وذكره بتمامه". وأسند الحميدي في "جذوة المقتبس" "٢/ ٤٨٥" إلى الفضل بن دكين؛ قال: "ما رأيت أحدًا أكثر قولا "لا أدري" من مالك بن أنس"، وفي "د": "لعلي أرجع عما أرجع " والصواب حذف "أرجع" الثانية. ٤ في "ط": "أفتيتهم". ٥ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٧": قال ابن أبي أويس: سئل مالك مرة عن نيف "وذكره".
[ ٥ / ٣٢٧ ]
وَرُبَّمَا سُئِلَ عَنْ مِائَةِ مَسْأَلَةٍ فَيُجِيبُ مِنْهَا فِي خَمْسٍ أَوْ عَشْرٍ، وَيَقُولُ فِي الْبَاقِي: "لَا أَدْرِي".
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ١: "قَالَ لَنَا المغيرة: تعالوا نجتمع [ونستذكر] كل ما بقي علينا ما نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ مَالِكًا. فَمَكَثْنَا نَجْمَعُ ذَلِكَ، وَكَتَبْنَاهُ فِي قُنْدَاقٍ٢ وَوَجَّهَ بِهِ الْمُغِيرَةُ إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ الْجَوَابَ؛ فَأَجَابَهُ فِي بَعْضِهِ وَكَتَبَ فِي الْكَثِيرِ مِنْهُ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا قَوْمِ! لَا وَاللَّهِ مَا رَفَعَ اللَّهُ هَذَا الرَّجُلَ إِلَّا بِالتَّقْوَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا فَيَرْضَى أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي؟ ".
[وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ فِي لَا أَدْرِي"] ٣ وَ"لَا أُحْسِنُ" كَثِيرَةٌ؛ حَتَّى قِيلَ لَوْ شَاءَ رَجُلٌ أَنْ يَمْلَأَ صَحِيفَتَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ "لَا أَدْرِي" لَفَعَلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ فِي مَسْأَلَةٍ٤.
وَقِيلَ٥: "إِذَا قُلْتَ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا أَدْرِي؛ فَمَنْ يَدْرِي؟ قَالَ: وَيْحَكَ أَعَرَفْتَنِي، وَمَنْ أَنَا، وَإِيشِ مَنْزِلَتِي حَتَّى أَدْرِيَ مَا لَا تَدْرُونَ؟ ثُمَّ أَخَذَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ٦، وَقَالَ: هَذَا ابْنُ عُمَرَ يقول "لا أدري"؛ فمن أنا؟ وإنما
_________________
(١) ١ وكذا في "ترتيب المدارك" "١٤/ ١٤٧" و"ط"، وما بين المعقوفتين منه، وفي الأصول: "نجمع"، و"ما نريد"، والتصويب منه ومن "ط". ٢ بضم القاف: صحيفة الحساب. "ف" و"م". قلت: تصحفت في "ترتيب المدراك" إلى "قنوان"!! ٣ سقط من "ط". ٤ أخرجه الحميدي في "جذوة المقتبس" "٢/ ٤٨٥" بسنده إلى وهب؛ قال: "ولو شئت أن أنصرف كل يوم عن مالك وألواحي مملوءة من "لا أدري" لفعلت"، وذكره الذهبي في "السير" "٨/ ١٠٨". ٥ في "ترتيب المدراك" "١/ ١٤٧": "وقال بعضهم: إذا قلت "وذكره"، وفيه: "ما عرفتني؟ وما أنا"، وفي "ط": "وقيل له ". ٦ يشير إلا سؤال الأعرابي لابن عمر: "أترث العمة؟ قال: لا أدري. قال: أنت ابن عمر ولا تدري؟ قال: نعم، اذهب إلى العلماء؛ فسلهم"، وأخرجه الدرامي في "السنن" "١/ ٦٣"، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والذهلي في "جزئه"، وابن مردويه في "التفسير المسند" -كما في "فتح الباري" "٣/ ٢٧٣"، و"موافقة الخبر والخبر" "١/ ٨١"- والآجري في "أخلاق العلماء" "ص١٣١-١٣٢"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "٢/ ١٧١-١٧٢"، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٧٩٦"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ٨٣٤-٨٣٥، ٨٣٥-٨٣٦/ رقم ١٥٦٣، ١٥٦٦"، بألفاظ وأسانيد بعضها صحيح على شرط البخاري.
[ ٥ / ٣٢٨ ]
أَهْلَكَ الناسَ العُجْبُ وطَلَبُ الرياسةِ، وَهَذَا يضمحِلُّ عَنْ قَلِيلٍ".
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى١: "قَدِ ابْتُلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا٢، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَا أَدْرِي، وَابْنُ عُمَرَ: لَا أَدْرِي".
وَسُئِلَ٣ مَالِكٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: "لَا أَدْرِي. فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنَّهَا مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَ بِهَا الْأَمِيرَ، وَكَانَ السَّائِلُ ذَا قَدر؛ فَغَضِبَ مَالِكٌ وَقَالَ: مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ! لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٥]؛ فَالْعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَبِخَاصَّةٍ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَالَ بَعْضُهُمْ٤: مَا سَمِعْتُ قَطُّ أَكْثَرَ قَوْلًا مِنْ مَالِكٍ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، وَلَوْ نَشَاءُ أَنْ نَنْصَرِفَ بِأَلْوَاحِنَا مَمْلُوءَةً بِقَوْلِهِ: "لَا أَدْرِي ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٣٢]؛ لَفَعَلْنَا.
_________________
(١) ١ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٧". ٢ وكان ﵁ يجمع الشباب فيستشيرهم تارة، وأهل بدر تارة أخرى، وأخرج الأول عنه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" "١٩٣" والخليلي في "الإرشاد" "١/ ٣٠٩"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "١/ ١٠٦ - ط القديمة"، وذكره عنه الذهبي في "السير" "٨/ ٣٧٢-٣٧٣" وأخرج الثاني والبيهقي في "المدخل" "رقم ٨٠٣". ٣ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٧-١٤٨": "وقال مصعب: سئل مالك "وذكره"، وانظر: "الإمام مالك مفسرًا" "ص٣٩٩" لحميد الحمر، ط دار الفكر، ١٤١٥هـ. ٤ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٨".
[ ٥ / ٣٢٩ ]
وَقَالَ١ لَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: "لَيْسَ بَعْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ بِالْبُيُوعِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. فَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَيْنَ عَلِمُوهَا؟ قَالَ: مِنْكَ. فَقَالَ٢ مَالِكٌ: مَا أَعْلَمُهَا [أَنَا]؛ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَهَا؟! ".
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ٣: "قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَا حَدَّثْتُ بِهَا قَطُّ وَلَا أُحَدِّثُ بِهَا قَالَ الْفَرَوِيُّ: فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا الْعَمَلُ".
وَقَالَ٤ رَجُلٌ لِمَالِكٍ: إِنِ الثَّوْرِيَّ حَدَّثَنَا عَنْكَ فِي كَذَا. فَقَالَ: "إِنِّي لَأُحَدِّثُ فِي كَذَا وَكَذَا حَدِيثًا مَا أَظْهَرْتُهَا بِالْمَدِينَةِ".
وَقِيلَ٥ لَهُ: عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ عِنْدَكَ. فَقَالَ: "أَنَا أُحَدِّثُ الناس بكل ما سمعت؟! إني إذن أَحْمَقُ! "، وَفِي رِوَايَةٍ٦: "إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُضِلَّهُمْ إذن! وَلَقَدْ خَرَجَتْ مِنِّي أَحَادِيثُ لَوَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا سَوْطًا وَلَمْ أُحَدِّثْ بِهَا، وإن كنت أجزع الناس من السياط! ".
_________________
(١) ١ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٨"، وما بين المعقوفتين منه، وفي الأصول: "يعلمونها بي"، والتصويب منه. ٢ كذا في الأصل و"د" و"ف" و"ط"، وفي "الترتيب"و"م": "قال". ٣ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٨"، و"ما رواه الأكابر" "٤٣"، و"الحلية" "٦/ ٣٢٢، و"السير" "٨/ ٦٢". ٤ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٨-١٤٩"، وفيه: "إني لأحدثك". ٥ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٩": "قال الشافعي: قيل لمالك: عند ابن عيينة " وفيه: "إذا أحدث..". ٦ وكذا في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٩-١٥٠"، وفيه: "أفزع الناس"، وأسنده بنحوه من طريق القعنبي عن مالك الحميدي في "جذوة المقتبس" "٢/ ٥٥٢-٥٥٣" والضبي في "البغية" "ص٤٦٤"، وانظر: "نوادر ابن حزم" "١/ ٥٦".
[ ٥ / ٣٣٠ ]
وَلَمَّا مَاتَ؛ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ حَدِيثٌ كَثِيرٌ جِدًّا لَمْ يُحَدِّثْ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ١.
وَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ: "لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ غَيْرِكَ" تَرَكَهُ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ: "هَذَا مِمَّا٢ يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ" تَرَكَهُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا يُحَدِّثُ٣ بِغَرَائِبَ. فَقَالَ: "مِنَ الْغَرِيبِ نَفِرُّ". وَكَانَ٤ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ طَرَحَهُ كُلَّهُ، وَقَالَ٥: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ؛ فَانْظُرُوا [فِي] رَأْيِي؛ فَكُلُّ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوَافِقْ ذَلِكَ فَاتْرُكُوهُ".
وَقَالَ٦: "لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ الرَّجُلُ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا يُتَّبَعُ وَيُجْعَلُ سُنَّةً وَيُذْهَبُ بِهِ إِلَى الْأَمْصَارِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ١٧-١٨] .
وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَجَابَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ مَكَانَهُ: "لَا أَدْرِي، إِنَّمَا هُوَ الرَّأْيُ وَأَنَا أُخْطِئُ وَأَرْجِعُ، وَكُلُّ مَا أَقُولُ يكتب"٧.
_________________
(١) ١ انظر تفصيل ذلك في "ترتيب المدارك" "١/ ١٤٨، ١٤٩". ٢ في "د" "ما"، وما أثبتناه من "ترتيب المدارك" "١/ ١٥٠" والأصل و"ف" و"م" و"ط". ٣ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥٠": "تحدثنا". ٤ في "ترتيب المدراك" "١/ ١٥٠": "قال الشافعي: كان مالك إذا شك..". ٥ في ترتيب المدارك" "١/ ١٤٦-١٤٧": قال معن: سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشر"، وما بين المعقوفتين منه. ٦ قال المؤلف في "الاعتصام" "٢/ ٣٦٢": "ذكر ابن معين عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك "وذكره"، ونحوه في "المقدمات" لابن رشد "٣/ ٤٢٤ - ط دار الغرب"، وانظر: "الإمام مالك مفسرًا" "ص٣٤١". ٧ نحوه في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥٠".
[ ٥ / ٣٣١ ]
وَقَالَ أَشْهَبُ١: "وَرَآنِي أَكْتُبُ جَوَابَهُ فِي مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا تَكْتُبْهَا؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَثْبُتُ عَلَيْهَا أَمْ لَا".
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ٢: "سَمِعْتُهُ يَعِيبُ كَثْرَةَ الْجَوَابِ مِنَ الْعَالِمِ حِينَ يُسأل، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ عِنْدَمَا يُكْثَرُ عَلَيْهِ مِنَ السُّؤَالِ يَكُفُّ، وَيَقُولُ: حَسْبُكُمْ! مَنْ أَكْثَرَ أَخْطَأَ، وَكَانَ يَعِيبُ كَثْرَةَ ذَلِكَ، وَقَالَ: يَتَكَلَّمُ كَأَنَّهُ جَمَلٌ مُغْتَلِمٌ٣ يَقُولُ: هُوَ كَذَا هُوَ كَذَا يُهْدِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عِرَاقِيٌّ عَنْ رَجُلٍ وَطِئَ دَجَاجَةً مَيِّتَةً فَخَرَجَتْ مِنْهَا بَيْضَةٌ، فَأَفْقَسَتِ الْبَيْضَةُ عِنْدَهُ عَنْ فَرْخٍ: أَيَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: سَلْ عَمَّا يَكُونُ، وَدَعْ مَا لَا يَكُونُ. وَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ نَحْوِ هَذَا فَلَمْ يُجِبْهُ؛ فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَا تُجِيبُنِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! فَقَالَ٤: لَوْ سَأَلْتَ عَمَّا تَنْتَفِعُ بِهِ أَجَبْتُكَ".
وَقِيلَ لَهُ٥: إِنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَذْكُرُ فِي مَجْلِسِكَ آبَاءَهَا وَفَضَائِلَهَا. فَقَالَ: "إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِيمَا نَرْجُو بَرَكَتَهُ".
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ٦: "كَانَ مَالِكٌ لَا يَكَادُ يُجِيبُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَحْتَالُونَ أَنْ يَجِيءَ رَجُلٌ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهَا كَأَنَّهَا مَسْأَلَةُ بَلْوَى، فَيُجِيبُ فِيهَا".
وَقَالَ٧ لِابْنِ وَهْبٍ: "اتَّقِ هَذَا الْإِكْثَارَ وَهَذَا السَّمَاعَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ أن
_________________
(١) ١ مثله في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥٠". ٢ أخرجه الدوري "فيما رواه الأكابر" "٣٦، ٥٣"، بنحون، ومثله في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥٠"/ وزاد: "يعني: الرجل الذي يجلس لهذا". ٣ [أي]: هائج. "ف" و"م". ٤ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥٠" زيادة "له". ٥ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥١": "قال ابن المعدل: قيل لمالك: إن قريشًا ". ٦ مثله في "ترتيب المدراك" "١/ ١٥١". وفي "ط": "أن يتعلموها". ٧ مثله في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥١"، وفيه: "اتق هذه الآثار، وهذا السماع فقال [له] لأعرفه لأحَدِّث. فقال: ما سمع إلا تحد َّث به، وعلى ذكر القدر وسعت".
[ ٥ / ٣٣٢ ]
يُحَدَّثَ بِهِ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَسْمَعُهُ لِأَعْرِفَهُ، لَا لِأُحَدِّثَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا يَسْمَعُ إِنْسَانٌ شَيْئًا إِلَّا يُحَدِّثُ بِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ أَشْيَاءَ مَا تَحَدَّثْتُ بها، وأرجو أن لا أفعل ما عشت، وقد١ ندمت أن لا أَكُونَ طَرَحْتُ مِنَ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا طَرَحْتُ".
قَالَ أَشْهَبُ٢: "رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: لَقَدْ لَزِمَ مَالِكٌ كَلِمَةً عِنْدَ فَتْوَاهُ لَوْ وَرَدَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَقَلَعَتْهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"".
هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ الْإِنْسَانَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالْفُتْيَا وَالتَّقْلِيدِ لَهُ، وَيَتَبَيَّنُ بِالتَّفَاوُتِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ الرَّاجِحُ مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَلَمْ آتِ بِهَا عَلَى تَرْجِيحِ تَقْلِيدِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ٣ بِسَبَبِ شِدَّةِ اتِّصَافِهِ بِهَا، وَلَكِنْ لِتُتَّخَذَ قَانُونًا فِي سَائِرِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي سَائِرِ هُدَاةِ الْإِسْلَامِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أشد اتصافا بها من بعض٤.
_________________
(١) ١ في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥١": "وروى البياضي عنه أنه قال: لقد ندمت أن لا أكون طرحت أكثر مما طرحت من الحديث". وفي "ط": "وقال: لقد ". ٢ مثله في "ترتيب المدارك" "١/ ١٥١"، وفيه: "لو ورد عليه الجبال"، وفي "ط" و"ف" و"م": "وردت عليه"، وعلَّقا: "لعل "أصل" هذه العبارة: "لو وردت على الجبال لقلعتها"". ٣ انظر رجحان مذهب أهل المدينة في "مجموع الفتاوى" "١٠/ ٢٦٠ و٢٠/ ٢٩٤-٣٢٠ و٣٣٣-٣٩٦"، وانظر منه: "٢٠/ ٣٢٠-٣٤٨" تعظيم الناس لمالك. ٤ في "ط": "من البعض".
[ ٥ / ٣٣٣ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
يَسْقُطُ عَنِ الْمُسْتَفْتِي١ التَّكْلِيفُ بِالْعَمَلِ عِنْدَ فَقْدِ الْمُفْتِي، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لَا مِنْ جِهَةِ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَا مِنْ تَقْلِيدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ -حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْأُصُولِ- فَالْمُقَلِّدُ عِنْدَ فَقْدِ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ رَأْسًا أَحَقُّ وَأَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَمَلِ قَبْلَ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ؛ إِذْ لَا حُكْمَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ؛ إِذْ شَرْطُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ الْعِلْمُ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ عَالِمٍ [بِهِ] بِالْفَرْضِ؛ فَلَا يَنْتَهِضُ سَبَبُهُ عَلَى حَالٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِالْعَمَلِ؛ لَكَانَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ إِذْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بِهِ لَكُلِّفَ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِثَالِ فِيهِ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُحَالِ؛ إِمَّا عَقْلًا وَإِمَّا شرعًا، والمسألة بيِّنَة.
_________________
(١) ١ أي: من هو بصدد الاستفتاء، وهو من عرضت له مسألة دينية وليس من أهل الاجتهاد. "د". قلت: قال إمام الحرمين في "الغياثي" "ص٤٣١" في مثل اختيار المصنف: "وهذا زَلَل ظاهر"، ثم أسهب في بيان أن هذه المسألة "تنزل منزلة التباس الأحوال في الطهارة والنجاسة مع وجود العلماء"، ثم قال "ص٤٤٢": "فقصارى القول فيه اعتبار شك بشك، وبناء على الأمر على تغليب ما قضى الشارع بتغليبه"، ثم قال "ص٤٨١": "ويتحصل من مجموع ما نفينا وأثبتنا أن الناس يأخذون ما لو تركوه لتضرروا في الحال أو في المآل، والضرار الذي ذكرناه في أدراج الكلام عنينا به ما يُتوقع منه فساد البنية، أو ضعف يصد عن التصرف، والتقلب في أمور المعاش"، ثم فصل ذلك في سائر الأبواب، وقرر أشياء نفيسة وقواعد كلية مليحة، وصرح في "ص٥٢١" أنه ألف الكتاب عند تخليه انحلال الشريعة، وانقراض حملتها، ورغبة الناس عن طلبها.
[ ٥ / ٣٣٤ ]
فَصْلٌ:
وَيُتَصَوَّرُ فِي هَذَا الْعَمَلِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: فَقْدُ١ الْعِلْمِ بِهِ أَصْلًا؛ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ أَلْبَتَّةَ.
وَالثَّانِي: فَقْدُ الْعِلْمِ لوصفه دُونَ أَصْلِهِ كَالْعَالَمِ بِالطَّهَارَةِ أَوِ الصَّلَاةِ٢ أَوِ الزَّكَاةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِنْ تَفَاصِيلِهَا وَتَقْيِيدَاتِهَا وَأَحْكَامِ الْعَوَارِضِ فِيهَا، كَالسَّهْوِ وَشِبْهِهِ؛ فَيَطْرَأُ عَلَيْهِ فِيهَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِوَجْهِ الْعَمَلِ بِهِ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَكُتُبُ الْفُرُوعِ أَخَصُّ٣ بِهَا مِنْ هذا الموضع.
_________________
(١) ١ كمن يسمع أن التهجد مطلوب ولكن لا يدري ما هو، أو يسمع أن العمرة مطلوبة ولا يعرفها؛ من أي نوع من العبادات؟ لا أنه لم يُروَ إليه حتى اسم العمل المطلوب؛ لأنه حينئذ لا يتحقق فيه أنه مستفتٍ هذا، ومغايرته لما بعده ظاهرة، وما يسقط عنه في أصل العلم، وما يسقط عنه في الثاني الوصف الذي لم يتيسر له طريق معرفته. "د". ٢ في "ط": "أو بالصلاة". ٣ فمنها يُعلم ما رتب على هذه المسألة مما يسقط عنه وما لا يسقط بعد حصول العلم به. "د".
[ ٥ / ٣٣٥ ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:
فَتَاوَى الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَوَامِّ كالأدلة١ الشرعية بالنسبة إلى
_________________
(١) ١ أي: قائمة مقامها، فكما أن المجتهدين ملزمون باتباع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة إلخ، فكذلك المقلدون ليس لهم أهلية الاجتهاد يلزمهم اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواهم؛ كما قال الآمدي في "الأحكام" "٤/ ٣٠٦ وما بعد" واستدل عليه بالنص والإجماع والمعقول؛ فالنص الآية التي استدل بها المؤلف والإجماع السكوتي على ذلك المعقول، وهو أن من لم يكن عنده أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فرعية؛ فإما ألا يكون متعبدًا بشيء أصلًا، وهو خلاف الإجماع، وإن كان متعبدًا بشيء؛ فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد، والأول ممتنع؛ لأن ذلك مما يفضي في حقه وحق الخلق أو أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الحرف والصناعات، وخراب الدنيا بتعطيل الحرث والنسل، ورفع التقليد رأسًا، وهو منتهى الحرج والإضرار المطلوب رفعهما؛ فلم يبقَ إلا التقليد، وأنه هو المتعبد به عند ذلك الفرض، هذا هو ما يريد المؤلف تقريره، وهو بعينه الذي يوافق المسألة قبله من سقوط التكليف عن المستفتي والمقلد إذا لم يجد المفتي، فهذا لا يكون إلا إذا كانت أقوال المجتهدين كأقوال الرسل، من جهة وجوب اتباعها والتزام العمل بها، وأنها كخطاب الله الوارد على لسان الرسل بالنسبة للعوام، ولا معنى لكونها حجة على الناس إلا ذلك، وسبق للآمدي في تعريف التقليد ما صرح فيه بوجوب أخذ العامي بقول المفتي، حتى قال: "إنه حجة ملزمة كالأخذ بالإجماع وبقول الرسول ﵇"، وأما كون ذلك حجة لذاته، أو ليس لذاته، وكذا كون الأدلة الشرعية للمجتهدين حجة لذاتها أو للمعجزة؛ فهذا أمر آخر وبحث آخر، لا يخص موضوع المسألة. "د". وكتب "ف" -وتبعه "م"- ما نصه: "لا لأن أقوالهم حجة على الناس في ذاتها كأقوال الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فإن ذلك لا يقول به أحد، بل لأنه -لعدالتهم، وسعة اضطلاعهم، واستقامة أفهامهم، وعنايتهم بضبط الشرعية وحفظ نصوصها- لا بد أن تستند أقوالهم إلى مأخذ شرعي عام أو خاص وإن يذكروه لمن يستفتيهم في النوازل، فإن ذلك غير لازم؛ فقد كان المجتهدون من الصحابة والتابعين يفتون العامة من غير إبداء المستند، ويُتَّبَعون* في ذلك من غير نكير، وشاع ذلك بينهم حتى تَوَاتَر". * في "م": "والناس يتبعونهم في ذلك".
[ ٥ / ٣٣٦ ]
الْمُجْتَهِدِينَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ وُجُودَ الْأَدِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِينَ وَعَدَمَهَا سَوَاءٌ؛ إِذْ كَانُوا لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا شَيْئًا؛ فَلَيْسَ النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمْ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٣] .
وَالْمُقَلِّدُ غَيْرُ عَالِمٍ؛ فَلَا يَصِحُّ لَهُ إِلَّا سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِلَيْهِمْ مَرْجِعُهُ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ عَلَى الإطلاق، فهم إذن الْقَائِمُونَ لَهُ مَقَامَ الشَّارِعِ، وَأَقْوَالُهُمْ قَائِمَةٌ مَقَامَ [أَقْوَالِ] الشَّارِعِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فَقْدُ الْمُفْتِي١ يُسْقِطُ٢ التَّكْلِيفَ فَذَلِكَ مساوٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ؛ إِذْ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهِ؛ فَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مفتٍ فِي الْعَمَلِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ دَلِيلُ الْعَامِّيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَتَعَلَّقُ٣ بِكِتَابِ الِاجْتِهَادِ نَظَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.
وَالْآخَرُ: فِي أحكام السؤال والجواب.
_________________
(١) ١ في الأصل و"ط: "عدم المفتي". ٢ في "ط": "بسقوط". ٣ لعل هنا كلمة "فصل" محذوفة. "ف".
[ ٥ / ٣٣٧ ]