كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ؛ فَالْخَوْضُ فِيهَا خَوْضٌ فِيمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَأَعْنِي بِالْعَمَلِ: عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ١ شَرْعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّا رَأَيْنَا الشَّارِعَ يُعرض عَمَّا لَا يُفِيدُ عَمَلًا مُكَلَّفًا بِهِ٢؛ فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
_________________
(١) ١ المباح ليس مطلوبا شرعا كما يأتي له في بحثه؛ فقاعدته هذه تقتضي أن البحث الذي ينبني عليه استنباط المباح ومعرفة أن العمل الفلاني مباح؛ لا يكون مستحسنا شرعا، وهو غير ظاهر؛ فتقييده بالحيثية فيه خفاء "د". ٢ أليس هذا من باب النظر في مصنوعات الله المؤدي إلى قوة الإيمان وزيادة البصيرة بكمالات الخالق -جل شأنه- امتثالا للآيات الطالبة من المكلفين النظر في السموات والأرض وما فيها؟ ولذا قالوا: إن الجواب بالآية عن السؤال من الأسلوب الحكيم، أي: إنه أليق بحال هذا السائل لمعنى عرفه -ﷺ- فيه، وعليه؛ فلو أجابه -ﷺ- بما يطلب؛ لكان فيه فائدة عملية قلبية، إلا أنه رأى الأليق بحاله توجيه فكره إلى ثمرة من ثمرات طريقة سير الهلال، بدل بيان نفس الطريقة التي لا يفهمها هو، وقد يعسر فهمها على كثير من العرب، ومثله لا يناسب منصب النبوة؛ فالعدول لحال السائل وأمثاله كما هو اللائق بمنصب النبوة، وإن كان الجواب المطابق للسؤال قد يؤدي إلى فائدة عملية قلبية؛ فتأمل "د".
[ ١ / ٤٣ ]
فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَمَلُ؛ إِعْرَاضًا عَمَّا قَصَدَهُ السَّائِلُ مِنَ السُّؤَالِ عَنِ الْهِلَالِ: "لِمَ يَبْدُو فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ دَقِيقًا كَالْخَيْطِ، ثُمَّ يَمْتَلِئُ حَتَّى يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى؟ "١.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩]، بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْآيَةَ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ فِي التَّمْثِيلِ إِتْيَانٌ لِلْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا٢، وَالْبِرُّ إِنَّمَا هُوَ التَّقْوَى،
_________________
(١) ١ نقله المصنف عن الغزالي في "الإحياء"، وقال العراقي: "لم أقف له على إسناد". قلت: أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" "١/ ق ٦"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" "٣/ ٢٦٩" من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به. وإسناده واه، فيه السدي والكلبي، وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" "١/ ٤٩٠". وأخرج ابن جرير في "التفسير" "٢/ ١٨٥-١٨٦"، وابن أبي حاتم في "التفسير" "١/ ١٣٣/ أ"، عن أبي العالية؛ قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت. فيه أبو جعفر الرازي وأبوه، وكلاهما ضعيف. وأخرج نحوه ابن جرير عن قتادة بسندٍ رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل. وانظر: "الفتح السماوي" "١/ ٢٣١-٢٣٢" للمناوي، و"لباب النقول" "ص٣٥" للسيوطي، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي "١/ ١١٨-١١٩"، وقال: "وهو عند الثعلبي كما ذكره المصنف"، وحكم عليه بأنه "غريب". ٢ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب العمرة، باب قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، ٣/ ٦٢١/ رقم ١٨٠٣، وكتاب التفسير، باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، ٨/ ١٨٣/ رقم ٤٥١٢" عن البراء -﵁- قال: "نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قِبَل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها؛ فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فكأنه عُيِّرَ بذلك؛ فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ". قال "خ": "ومتى ثبت سبب نزول الآية بسند صحيح؛ امتنع تأويلها على وجه التمثيل، وتعيَّن فهمُها على ما يطابق السبب حتما".
[ ١ / ٤٤ ]
لَا الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُفِيدُ نَفْعًا فِي التَّكْلِيفِ، وَلَا تجرُّ إِلَيْهِ.
وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ سُؤَالِهِمْ عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]؛ أَيْ: إِنَّ السُّؤَالَ عَنْ هَذَا سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْنِي؛ إِذْ يَكْفِي مِنْ عِلْمِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئل ﵊ عَنِ السَّاعَةِ؛ قَالَ لِلسَّائِلِ: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " ١؛ إِعْرَاضًا عَنْ صَرِيحِ سُؤَالِهِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ فَائِدَةٌ، وَلَمْ يُجبه عَمَّا سَأَلَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠١] .
نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ سَأَلَ: مَنْ أَبِي؟ رُوي أَنَّهُ -﵇- قَامَ يَوْمًا يُعرف الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ؛ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ ". فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذافة ". فَنَزَلَتْ٢.
وَفِي الْبَابِ٣ رِوَايَاتٌ أُخر.
وَقَالَ ابنُ عبَّاس فِي سُؤَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ صِفَاتِ الْبَقَرَةِ: "لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا؛ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"٤، وهذا يبيِّن أن سؤالهم لم
_________________
(١) ١ أخرجه البخار في "الصحيح" "كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله، ١٠/ ٥٥٧/ رقم ٦١٧١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، ٤/ ٢٠٣٢-٢٠٣٣/ رقم ٢٦٣٩" من حديث أنس بن مالك، ﵁. ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال من تكلف ما لا يعنيه، ١٣/ ٢٦٥/ رقم ٧٢٩٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب توقيره -ﷺ- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، ٤/ ١٨٣٢/ رقم ٢٣٥٩" من حديث أنس بن مالك -﵁- وسيذكره المصنف "ص٢٥٧-٢٥٨" بأطول من هذا. ٣ في "د" والأصل: "البابين". ٤ أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" "١/ ٢١٥-٢١٦/ رقم ٦٩٨"، وابن جرير في =
[ ١ / ٤٥ ]
يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ.
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا١ عِنْدَ مَنْ رَوَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ٢ فِيمَنْ سَأَلَ٣: أحجُّنا هَذَا لعامنا أم للأبد؟ فقال ﵇:
_________________
(١) = "التفسير" "١/ ٣٣٨" بإسناد ضعيف. وأخرجه ابن جرير في "التفسير" أيضا -ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر" "٢/ ١٦٨"- بإسناد صحيح عن ابن عباس بلفظ: "لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم". قال ابن كثير في "تفسيره" "١/ ١١٤": "إسناده صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد"، وأورده في كتابه "تحفة الطالب" "رقم ٢٣٤" بإسناد ابن أبي حاتم الضعيف، وسكت عليه، وقال ابن حجر عقبه: "هذا موقوف صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عفان بن مسلم عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش، ورجاله كوفيون من رجال الصحيح". وورد مرفوعا ولكن من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" "١/ ١١١"، والبزار في "مسنده" "٣/ ٤٠/ رقم ٢١٨٨- زوائده"، وابن أبي حاتم في "تفسيره" "١/ ٢٢٣/ رقم ٧٢٧". وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في "المجمع" "٦/ ٣١٤"، وقال ابن كثير: "وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة"، وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد"، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "١/ ١٨٩" للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر، وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" "رقم ١٩٣- ط المحققة" عن عكرمة يبلغ به النبي -ﷺ- وهو ضعيف لإرساله. وانظر: "الدر المنثور" "١/ ١٩٠"، و"بحر العلوم" "١/ ٣٨٤"، و"تخريج الزيلعي لأحاديث الكشاف" "١/ ٦٦". ١ آية: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ.. .﴾ . ٢ هذا البحث مستوفى في المسألة الثانية من أحكام السؤال والجواب في قسم الاجتهاد آخر الكتاب "د" قلت: انظره في "٥/ ٣٧٤-٣٩٢". ٣ سأل بعد نزول آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ كما يأتي للمؤلف "٢/ ٢٥٧".
[ ١ / ٤٦ ]
"لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ" ١، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ" ٢ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا سُؤَالُهُمْ هُنَا زِيَادَةٌ٣ لَا فَائِدَةَ عَمَلٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ سَكَتُوا لَمْ يَقِفُوا عَنْ عَمَلٍ، فَصَارَ السُّؤَالُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَمِنْ هُنَا نَهَى ﵇: "عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ" ٤؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُفِيدُ، وقد سأله جبريل عن الساعة؛ فقال:
_________________
(١) ١ هذه الجملة ملفقة من حديثين في قصتين مختلفتين كما يُفهم من الأسلوب العربي، وكما يعلم من مراجعة "صحيح مسلم" في "باب حجة النبي -ﷺ- وفي باب فرض الحج مرة"، والأصل أنه لما فُرض الحج؛ قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. ثم قال: "ذروني ما تركتكم، لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم " إلخ، والسائل هنا هو الأقرع بن حابس، وهذه القصة هي المناسبة للمقام "د". قلت: وسيأتي تخريج ذلك "ص٢٥٧". "أما الحديث الآخر؛ ففي صفة متعة النبي -ﷺ- في الحج قال سُراقة بن مالك: أرأيت مُتعتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: "بل هي للأبد" "د". قلت: سيأتي تخريجه "ص٢٧٥". ٢ سيأتي عند المصنف "ص٢٥٦" بلفظه، ولكن فيه "بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" مع تتمة له، وهو في "الصحيحين" وغيرهما. ٣ فقد سأل بعدما أخذ من العلوم حاجته؛ لأن ظاهر الآية الإطلاق، وهو أن حجهم لا يجب إلا مرة في العمر، والآية تنزل على هذا الوجه، بمعنى أن الإجابة على الأسئلة الكثيرة مظنة الإساءة بزيادة تكليف لم يكن، أو بجواب يكرهه السائل، ولو في غير التكليف، وإن كان ليس في خصوص سببها هنا ما يكرهون؛ لأن الجواب بما فيه يُسْر، وهو أن الحج واجب مرة فقط "د". ٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، ١٣/ ٢٦٤/ رقم ٧٢٩٢" أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية: "إنه -أي: النبي، ﷺ- كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
[ ١ / ٤٧ ]
"مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" ١؛ فَأَخْبَرَهُ أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْم، وَذَلِكَ يبيِّن أَنَّ السُّؤَالَ عَنْهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ٢ تَكْلِيفٌ، وَلَمَّا كَانَ يَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ أَمَارَاتِهَا الحذرُ مِنْهَا وَمِنَ الْوُقُوعِ فِي الْأَفْعَالِ٣ الَّتِي هِيَ مِنْ أَمَارَاتِهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ عِنْدَهَا؛ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ ﵇ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِتَعْرِيفِهِ عُمر أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُمْ لِيُعَلِّمَهُمْ دِينَهُمْ؛ فَصَحَّ إِذًا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمْ فِي فَصْلِ السُّؤَالِ عَنِ السَّاعَةِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهِ "أَعْنِي: علْم زَمَانِ إِتْيَانِهَا"؛ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ وَفَائِدَةِ سُؤَالِهِ لَهُ عَنْهَا.
وَقَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرما: مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحرم فحُرِّم مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" ٤، وَهُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحرم؛ فَمَا فَائِدَةُ السؤال عنه
_________________
(١) ١ قطعة من حديث جبريل الطويل، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان، ١/ ١١٤/ رقم ٥٠"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ١/ ٣٩-٤٠/ رقم ٩" من حديث أبي هريرة، ﵁. ٢ وإلا لعلمه -ﷺ- وإذا كان هو لا يعنيه علمها وهو المعني بالعلم والمعارف الربانية، فغيره أولى. "د". ٣ كما ينبه عليه حديث الترمذي مجملا: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم " إلخ إلى أن قال: "يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا ". "د". ٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، ١٣/ ٢٦٤/ رقم ٧٢٨٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب توقيره -ﷺ- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، ٤/ ١٨٣١/ رقم ٢٣٥٨" من حديث سعد بن أبي وقاص، ﵁. قال "خ": "الحكمة من مثل هذا الإنذار تأكيد النهي عن إلقاء الأسئلة في وقت غير لائق من غير أن تدعو إليها حاجة، وتحريم الشيء عقوبة وتأديبا وقع في بعض الشرائع الماضية، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، ولكن لم يقع في الشريعة الإسلامية بحال".
[ ١ / ٤٨ ]
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَلِ؟
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عَبَسَ: ٣١]، وَقَالَ: "هَذِهِ الْفَاكِهَةُ؛ فَمَا الْأَبُّ؟ "١، ثُمَّ قَالَ: "نُهينا عَنِ التَّكَلُّفِ"٢.
وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية [الْإِسْرَاءِ: ٨٥] .
وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُجابوا، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُحتاج إِلَيْهِ في
_________________
(١) ١ أي: إنه لفت نظرهم أولا إلى أن هنا شيئا مجهولا ليبني عليه هذه الفائدة العلمية. "د". ٢ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، ١٣/ ٢٦٤-٢٦٥" بسنده إلى أنس؛ قال: "كنا عند عمر؛ فقال: "نهينا عن التكلف"". وأخرج الإسماعيلي وأبو نعيم في "مستخرجيهما"، وعبد بن حميد في "التفسير" -كما في "فتح الباري" "١٣/ ٢٧١"، وأورد ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "١٣/ ٣٧٢" إسناد عبد بن حميد- وعبد الرزاق في "التفسير" "٢/ ٣٤٨"، وسعيد بن منصور في "سننه" "١/ ١٨١/ رقم ٤٣"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "٣/ ٣٢٧"، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" "رقم ٨٢٥، ٢٢٧- ط غاوجي"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "١٠/ ٥١٢-٥١٣"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٥١٤"، والبيهقي في "الشعب" "٥/ ٢٢٩-٢٣٠/ رقم ٢٠٨٤"، وابن جرير في "التفسير" "٣٠/ ٥٩"، والهروي في "ذم الكلام" "ص١٣٣" من طرق عن عمر بعضها صحيح نحو ما عند المصنف من ذكر الأب. وعزاه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "٤/ ١٥٩" للثعلبي وابن مردويه والطبراني في "مسند الشاميين". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "١٣/ ٣٧٢": "وهذا محمول على أنه إنما أراد استكشاف علم كيفية الأب، وإلا؛ فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل"، وقاله ابن كثير في "تفسيره" أيضا. قلت: ويستشكل هذا بما أخرجه الحاكم -مختصرا- في كتاب الصوم في "المستدرك" عن عمر بن الخطاب؛ أنه سأل ابن عباس عن الأب؛ فقال: هو نبت الأرض مما يأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس، وقال: "صحيح على شرط مسلم".
[ ١ / ٤٩ ]
التَّكْلِيفِ.
وَرُوِيَ١ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- ملُّوا مَلَّة، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَدِّثْنَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الْآيَةَ] [الزُّمَرِ: ٢٣] .
وَهُوَ كَالنَّصِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا سَأَلُوا، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي السُّؤَالُ إِلَّا فِيمَا يُفِيدُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ، ثُمَّ ملُّوا ملَّة، فَقَالُوا: حدِّثنا حَدِيثًا فَوْقَ الْحَدِيثِ وَدُونَ الْقُرْآنِ؛ فَنَزَلَتْ سُورَةُ يُوسُفَ٢.
_________________
(١) ١ هو قطعة من الحديث الآتي. ٢ أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص٢٢/ رقم ١٣" -ثنا حجاج- وأبو نعيم في "الحلية" "٤/ ٢٤٨" من طريق وكيع بن الجراح، كلاهما عن المسعودي عن عون بن عبد الله به. وسماع وكيع من المسعودي -وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- بالكوفة قديم، قبل الاختلاط، بخلاف سماع حجاج بن محمد الأعور، نص على ذينك الإمام أحمد؛ كما في "الكواكب النيرات" "ص٢٨٨، ٢٩٣". إلا أن عون بن عبد الله روايته عن الصحابة مرسلة فيما قيل؛ كما في "تهذيب الكمال" "٢٢/ ٤٥٤"؛ فكيف روايته سبب النزول؛ فهو مرسل، بل معضل بلا شك، وقد ذكره الواحدي في "أسباب النزول" "ص١٨٢-١٨٣" من غير سند. وقد أخرج ابن جرير في "التفسير" "٢٣/ ٢١١" بسند ضعيف عن ابن عباس؛ قال: قالوا: يا رسول الله! لو حدثتنا؟ قال: فنزلت: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ . وأخرج إسحاق بن راهويه في "المسند" -وكما في "المطالب العالية" "٣/ ٣٤٣، ق ١٣٦/ ب-المسندة"- ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" "٢/ ٣٤٥"، وابن حبان في "الصحيح" "١٤/ ٩٢/ رقم ٦٢٠٩- الإحسان"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص١٨٢-١٨٣"، أخبرنا عمرو بن محمد القرشي ثنا خلاد الصفار عن عمرو بن قيس الملائي عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه؛ قال: أنزل القرآن على رسول الله -ﷺ- فتلا عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله! لو قصصت علينا؟ فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾ إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ١-٣]؛ فتلاها عليهم رسول اللهﷺ- زمانا، فقالوا: يا رسول =
[ ١ / ٥٠ ]
انْظُرِ الْحَدِيثَ فِي "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ" لِأَبِي عُبيد.
وَتَأَمَّلْ خَبَرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ صَبِيغٍ فِي سُؤَالِهِ النَّاسَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكم تَكْلِيفِيٌّ، وَتَأْدِيبَ عُمَرَ [﵁] له١.
_________________
(١) = الله! لو حدثتنا؟ فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الْآيَةَ [الزمر: ٢٣] كل ذلك يؤمرون بالقرآن. قال خلاد: وزاد فيه حين قالوا: يا رسول الله! ذكِّرنا. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] . وأخرجه بنحوه ابن جرير في "التفسير" "١٢/ ٩٠" مختصرا من طريق محمد بن سعيد العطار، وأبو يعلى في "المسند" "رقم ٧٤٠" عن الحسين بن عمرو العنقري، والبزار في "المسند" "رقم ٨٦- مسند سعد، و٣/ ٣٥٢-٣٥٣/ رقم ١١٥٣" عن الحسين بن عمرو والحسين بن الأسود وإسماعيل بن حفص، جميعهم عن عمرو بن محمد به. وأخرجه ابن أبي عاصم في "المُذَكِّر والتذكير" "رقم ٢٤" ثنا حسين بن الأسود به. قال البزار عقبه: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد [إلا] بهذا الإسناد، ولا نعلم رواه عن سعد إلا مصعب، ولا عن مصعب إلا عمرو بن مرة، ولا عن عمرو بن مرة إلا عمرو بن قيس، ولا عن عمرو بن قيس إلا خلاد بن مسلم". قلت: إسناده جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير خلاد، وهو ثقة، وثقه ابن معين في رواية الدوري، وقال في رواية عثمان بن سعيد الدارمي: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: "حديثه مقارب". وأعلَّه الهيثمي في "المجمع" "١٠/ ٢١٩" بالحسين بن عمرو، وقال عنه: "وثقه ابن حبان، وضعّفه غيره، وبقية رجاله ثقات". والحسين بن عمرو توبع؛ كما يظهر لك من التخريج السابق. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "٤/ ٤٩٦" لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في "المطالب": "هذا حديث حسن". ١ أخرج ذلك ابن أبي شيبة في "المصنف" "١١/ ٤٢٦"، والدارمي في "السنن" "١/ =
[ ١ / ٥١ ]
وَقَدْ سَأَلَ ابنُ الكوَّاء عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١-٢] إِلَخْ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: "وَيْلَكَ، سَل تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا". ثُمَّ أَجَابَهُ؛ فَقَالَ لَهُ ابنُ الكوَّاء: أَفَرَأَيْتَ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ؟ فَقَالَ: "أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمْيَاءَ". ثُمَّ أَجَابَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ١، وَفِي الْحَدِيثِ طُول.
_________________
(١) = ٥٥-٥٦"، والخلال -كما قال أبو يعلى في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" "ق ١٢٢-١٢٣"- وابن بطة في "الإبانة" "رقم ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣٢، ٣٣٣، ٧٨٩"، وابن عساكر في "تاريخه" "ترجمة صبيغ"، وهو صحيح. وأخرجها البزار في "البحر الزخار" "١/ ٤٢٣-٤٢٤/ رقم ٢٩٩"، والدارقطني في "الأفراد" "ق ٢٠/ ب-أطراف الغرائب" مرفوعا، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك. قال ابن كثير في "مسند الفاروق" "٢/ ٦٠٦" بعد عزوه للبزار: "قلت: المستغرب من هذا السياق رفع هذا التفسير إلى النبي -ﷺ- وإلا؛ فقصة صبيغ بن عسل التميمي مع عمر مشهورة وكأنه -والله أعلم- إنما ضربه لما ظهر له من حاله أن سؤاله سؤال استشكال، لا سؤال استرشاد واستدلال، كما قد يفعله كثير من المتفلسفة الجهال، والمبتدعة الضلال؛ فنسأل الله العافية في هذه الحياة الدنيا وفي المآل". وانظر: "مجمع الزوائد" "٧/ ١١٢-١١٣"، و"تفسير ابن كثير "٤/ ٢٣١-٢٣٢" و"الاعتصام" "١/ ٨٠، و٢/ ٥٣-٥٤" للمصنف. ١ أخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "٢/ ٢٤١"، وابن جرير في "التفسير" "٢٦/ ١١٥-١١٧"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٤٦٦-٤٦٧"، والفريابي وسعيد بن منصور والحارث بن أبي أسامة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في "المصاحف" -كما في "الدر المنثور" "٦/ ١١١"- وابن عبد البر في "الجامع" "١/ ٤٦٤/ رقم ٧٢٦-ط الجديدة"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم ٣٣٤"، والآجري في "أخلاق العلماء" "ص١٢٦-ط المغرب" من طرق عن علي -﵁- وبعضها إسناده صحيح. وانظر: "مسند الشاشي" "٢/ ٩٦/ رقم ٦٢٠"، و"الاعتصام" للمصنف "١/ ٦٥-٦٦"؛ فقد أطال في ذكر الروايات التي فيها إنكار علي -﵁- على هذا المبتدع.
[ ١ / ٥٢ ]
وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ، وَيَحْكِي كَرَاهِيَّتَهُ عمَّن تقدَّم١.
وَبَيَانُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
- مِنْهَا: أَنَّهُ شُغْلٌ عَمَّا يَعْنِي مِنْ أَمْرِ التَّكْلِيفِ الَّذِي طُوِّقَه المكلَّف بِمَا لَا يَعْنِي، إِذْ لَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فَائِدَةٌ؛ لَا فِي الدُّنْيَا، وَلَا فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّهُ٢ يُسأل عَمَّا أُمر بِهِ أَوْ نُهي عَنْهُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ عِلْمَهُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَزِيدُهُ فِي تَدْبِيرِ رِزْقِهِ وَلَا يَنْقُصُهُ، وَأَمَّا اللَّذَّةُ الحاصلة منه فِي الْحَالِ؛ فَلَا تَفِي مَشَقَّةَ اكْتِسَابِهَا وتعبُ طَلَبِهَا بِلَذَّةِ حُصُولِهَا، وَإِنْ فُرض أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً فِي الدُّنْيَا؛ فَمِنْ شَرْطِ كَوْنِهَا فَائِدَةً شَهَادَةُ الشَّرْعِ لَهَا بِذَلِكَ، وَكَمْ مِنْ لَذَّةٍ وَفَائِدَةٍ يَعُدُّهَا الْإِنْسَانُ كَذَلِكَ وَلَيْسَتْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ إِلَّا عَلَى الضِّدِّ؛ كَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفِسْقِ، وَالْمَعَاصِي الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ عَاجِلٌ، فَإِذًا قَطَعَ الزَّمَانَ فِيمَا لَا يَجْنِي ثَمَرَةً فِي الدَّارَيْنِ، مَعَ تَعْطِيلِ مَا يجني الثمرة من فعل ما لا يَنْبَغِي.
- وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْعَ٣ قَدْ جَاءَ بِبَيَانِ مَا تَصْلُحُ بِهِ أَحْوَالُ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ قَدْ يُظن أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِي التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعُلُومِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا ثَمَرَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْفِتْنَةُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيَثُورُ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ وَالنِّزَاعُ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ والتعصُّب، حَتَّى تَفَرَّقُوا شِيَعًا٤، وَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ خَرَجُوا عَنِ السُّنَّةِ، ولم يكن أصل التفرق٥ إلا بهذا
_________________
(١) ١ انظر: "٢/ ١٤٢-١٤٣، ٥/ ٣٣٢". ٢ في "م" و"خ" و"ط" زيادة: "إنما". ٣ في "ط": "الشارع". ٤ وذلك كاختلافهم في نجاة أبويه -ﷺ- فإنه طالما شقي به الناس فرقة وتدابرا. "د". قلت: وكذلك مسألة عصمة نساء النبي -ﷺ- من الزنا؛ هل هي قدرية أم شرعية؟ فإنها وقع بسببها خلاف وهجر بين بعض فضلاء علماء عصرنا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العظيم ٥ في "ط": "الفِرَق".
[ ١ / ٥٣ ]
السَّبَبِ، حَيْثُ تَرَكُوا الِاقْتِصَارَ مِنَ الْعِلْمِ عَلَى مَا يَعْنِي، وَخَرَجُوا إِلَى مَا لَا يَعْنِي؛ فَذَلِكَ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَالْعَالِمِ، وَإِعْرَاضُ الشَّارِعِ -مَعَ حُصُولِ السُّؤَالِ- عَنِ الْجَوَابِ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ مِثْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ فِتْنَةٌ أَوْ تَعْطِيلٌ لِلزَّمَانِ فِي غَيْرِ تَحْصِيلٍ.
- وَمِنْهَا: أَنَّ تَتَبُّعَ النَّظَرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وتطلب عمله مِنْ شَأْنِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَتَبَرَّأُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ١، وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِلَّا بِتَعَلُّقِهِمْ بِمَا يُخالف السُّنَّةَ؛ فَاتِّبَاعُهُمْ فِي نِحْلَةٍ هَذَا شَأْنُهَا خَطَأٌ عَظِيمٌ، وَانْحِرَافٌ عَنِ الجادَّة.
وَوُجُوهُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ كَثِيرَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعِلْمُ مَحْبُوبٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَمَطْلُوبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ جَاءَ الطَّلَبُ فِيهِ عَلَى صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، فَتَنْتَظِمُ صِيَغه كُلَّ عِلْمٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَلٌ، وَمَا لَا يتعلَّق بِهِ عَمَلٌ؛ فَتَخْصِيصُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالِاسْتِحْسَانِ دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ٢، وَأَيْضًا؛ فَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ تَعَلُّمَ كُلِّ عِلْمٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالسِّحْرِ وَالطَّلْسَمَاتِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُلُومِ الْبَعِيدَةِ الْغَرَضِ عَنِ الْعَمَلِ٣، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ؛ كَالْحِسَابِ، وَالْهَنْدَسَةِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا؛
_________________
(١) ١ يتبرأ الإسلام من الفلسفة المتولدة من أوهام وظنون، لا يشهد لها حس أو تجربة صحيحة أو برهان، وأما ما يقوم منها على نظر صادق؛ فيأذن بتعلمه ولا سيما حيث يكون له مدخل في تنظيم شئون الحياة وترقية وسائل العمران. "خ". ٢ قلت: أي: قول بالتشهي والهوى. ٣ السحر والطلسمات من العلوم المحرمة، قال الذهبي في رسالته "مسائل في طلب العلم وأقسامه" "ص٢١٤-٢١٥- ضمن ست رسائل": "من العلوم المحرمة علم السحر والكيمياء والطيرة والسيمياء والشعبذة والتنجيم والرَّمل، وبعضها كفر صراح". وانظر، غير مأمور: كتابنا "كتب حذر العلماء منها" "المجموعة الأولى، ١/ ٩٩"؛ فقد أتينا على نقل كثير من النقول على حرمة تعلم السحر والطلسمات، وذكرنا فيه أشهر كتبه الرائجة، ليحذر منها المتقي ربه -﷿- والله الهادي.
[ ١ / ٥٤ ]
فَعِلْمُ التَّفْسِيرِ مِنْ جُملة الْعُلُومِ الْمَطْلُوبَةِ، وَقَدْ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَتَأَمَّلْ حِكَايَةَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ١: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ مَرَّ بِيَهُودِيٍّ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُسْلِمٌ يَقْرَأُ عَلَيْهِ عِلْمَ هَيْئَةِ الْعَالَمِ، فَسَأَلَ الْيَهُودِيَّ عَمَّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُفَسِّرُ لَهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ مَا هِيَ؟ وَهُوَ مُتَعَجِّبٌ، فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] . قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَأَنَا أُبيِّن لَهُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا وَتَزْيِينِهَا. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الْعَالِمُ مِنْهُ. هَذَا مَعْنَى الْحِكَايَةِ لَا لَفْظُهَا.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٥] يَشْمَلُ كُلَّ عِلْمٍ ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ، مِنْ مَعْقُولٍ أَوْ مَنْقُولٍ، مُكْتسب أَوْ مَوْهُوبٍ، وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَيَزْعُمُ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْفَلْسَفَةِ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ فِي الْمَوْجُودَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مِنْ حَيْثُ تَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا، وَمَعْلُومٌ طَلَبُ النَّظَرِ فِي الدَّلَائِلِ وَالْمَخْلُوقَاتِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الِاسْتِحْسَانِ فِي كُلِّ عِلْمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: إِنَّ عُمُومَ الطَّلَبِ مَخْصُوصٌ، وَإِطْلَاقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَالَّذِي يوضحه أمران:
أحدهما: بأن السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ لَمْ يَخُوضُوا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا عَمَلٌ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ، بَلْ قَدْ عَدَّ عُمَرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عَبَسَ: ٣١] مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي نُهي
_________________
(١) ١ لم يذكرها في "تفسيره" عند الآية المذكورة "٢٨/ ١٣٣".
[ ١ / ٥٥ ]
عَنْهُ١، وَتَأْدِيبُهُ صَبِيغًا ظَاهِرٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنكر عَلَيْهِ٢، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَخُض فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لنُقل، لَكِنَّهُ لَمْ يُنقل؛ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ.
وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لِأُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، وَقَدْ قَالَ ﵇: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وَهَكَذَا" ٣ إِلَى نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ هُنَالِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَعَنِ الثَّانِي: إِنَّا لَا نُسلِّم ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ رَدُّ٤ كُلِّ فَاسِدٍ وَإِبْطَالُهُ، عُلم ذَلِكَ الْفَاسِدُ أَوْ جُهل؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ أَنَّهُ فَاسِدٌ، والشرعُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ. وَالْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى -﵇- لَمْ يَعْلَمْ علم
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "ص٤٩". ٢ مضى تخريجه "ص٥١-٥٢". ٣ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب قول النبي، ﷺ: "لا نكتب ولا نحسب" "٤/ ١٢٦/ رقم ١٩١٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، ٢/ ٧٦١/ رقم ١٠٨٠ بعد ١٥"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصوم، باب الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة فيه، ٧/ ١٣٩-١٤٠" من حديث ابن عمر بلفظ: "إنا أمة أمية " وتقديم "نكتب" على "نحسب". وأخرجه أحمد في "المسند" "٢/ ١٢٢" من حديثه بلفظ: "نحن أمة أميون ". وعلّق "خ" هنا: "وصف عليه -الصلاة والسلام- العرب بأنها أمة أمية لقلة العارفين منها بالكتابة، وإنما ذكر هذا الوصف ليكون كالعلة لتعليق حكم الصيام على رؤية الهلال دون الحساب، ولم يأت به في مساق الفخر حتى يفهم منه مدح الأمية والترغيب في البقاء عليها، بل القرآن وصفهم بالأميين ونبه على أن الرسول -﵇- بعث فيهم ليخرجهم من طور الأمية ويرتقي بهم إلى صفوف الذين أوتوا العلم والحكمة؛ فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] ". ٤ في "ط": "فيه رد".
[ ١ / ٥٦ ]
السِّحْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ السَّحَرَةُ، مَعَ أَنَّهُ بَطَلَ عَلَى يَدَيْهِ بِأَمْرٍ هُوَ أَقْوَى مِنَ السِّحْرِ، وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ وَلِذَلِكَ لَمَّا سَحَرُوا أعْين النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ؛ خَافَ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَخَفْ، كَمَا لَمْ يَخَفِ الْعَالِمُونَ بِهِ، وَهُمُ السحرة؛ فقال الله له: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] .
وَهَذَا تَعْرِيفٌ١ بَعْدَ التَّنْكِيرِ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يُعرَّف بِهِ، وَالَّذِي كَانَ يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِذَا حَصَلَ الْإِبْطَالُ وَالرَّدُّ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ، وَلَوْ بِخَارِقَةٍ عَلَى يَدِ وَلِيٍّ لِلَّهِ، أَوْ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ نَاشِئٍ عَنْ فُرْقَانِ التَّقْوَى؛ فَهُوَ الْمُرَادُ، فَلَمْ يتعيَّن إِذًا طلبُ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْعُلُومِ مِنَ الشَّرْعِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: إِنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مطلوبٌ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمُرَادِ مِنَ الْخِطَابِ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَعْلُومًا؛ فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَكَلُّفٌ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عَبَسَ: ٣١]، تَوَقَّفَ فِي مَعْنَى الْأَبِّ٢، وَهُوَ مَعْنًى إِفْرَادِيٌّ لَا يَقْدَحُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ فِي عِلْمِ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ فِي الْآيَةِ؛ إِذْ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ حَيْثُ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ طَعَامِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَصْنَافًا كَثِيرَةً مِمَّا هُوَ مِنْ طَعَامِ الْإِنْسَانِ مُبَاشَرَةً؛ كَالْحَبِّ٣، وَالْعِنَبِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالنَّخْلِ، وَمِمَّا هُوَ مِنْ طَعَامِهِ بِوَاسِطَةٍ، مِمَّا هُوَ مَرْعًى لِلْأَنْعَامِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَبَقِيَ التَّفْصِيلُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ تلك الأفراد فضلا؛
_________________
(١) ١ أي: قوله: "إنما صنعوا إلخ" تعريف لموسى بأن هذا سحر وصاحبه لا يفلح، بعد تنكير وعدم معرفة من موسى -﵇- بذلك. "د". ٢ مضى تخريجه "ص٤٩". ٣ في الأصل: "كالحب مباشرة والعنب".
[ ١ / ٥٧ ]
فَلَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ عُدَّ الْبَحْثُ عَنْ مَعْنَى الْأَبِّ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَإِلَّا؛ فَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ مِنْ جِهَتِهِ لَمَا كَانَ مِنَ التَّكَلُّفِ، بَلْ مِنَ الْمَطْلُوبِ عِلْمُهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّاسُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ مَعْنَى التَّخَوُّفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النَّحْلِ: ٤٧]؛ فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الهُذلي بِأَنَّ التخوُّف فِي لُغَتِهِمُ التَّنَقُّصُ، وَأَنْشَدَهُ شَاهِدًا عَلَيْهِ:
تخوَّف الرَّحْل مِنْهَا تامِكا قَرِدا كَمَا تخوَّف عودُ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
فَقَالَ عُمَرُ: "يَا أَيُّهَا١ النَّاسُ! تَمَسَّكُوا بِدِيوَانِ شِعْرِكُمْ في جاهليتكم؛ فإن فيه تفسير كتابكم"٢.
_________________
(١) ١ في "م": "أيها". ٢ قال المناوي في "الفتح السماوي" "٢/ ٧٥٥/ رقم ٦٤٢": "لم أقف عليه"، وقال ابن همات في كتابه "تحفة الراوي في تخريج أحاديث تفسير البيضاوي" "ق ١٩٤/ ب": "قال السيوطي: لا يحضرني الآن تخريجه، لكن أخرج ابن جرير [في "التفسير" "١٤/ ١١٣"] عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية" وذكر نحوه. قلت: إسناد ابن جرير ضعيف، فيه رجل لم يسم عن عمر، وفيه سفيان بن وكيع ضعيف، وذكره القرطبي في "التفسير" "١٠/ ١١٠" عن سعيد بن المسيب نحوه. وقال ابن حجر في "الفتح" "٨/ ٣٨٦": "وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر؛ أنه سأل عن ذلك، فلم يجب، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله. قال: فخرج فلقي أعرابيا؛ فقال: ما فعل فلان؟ قال: تخوفته -أي: تنقصته- فرجع؛ فأخبر عمر فأعجبه"، ثم قال: "وفي شعر أبي كبير الهذلي ما يشهد له". وورد نحوه عن ابن عباس فيما أخرجه الحاكم "٢/ ٤٩٩"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص٣٤٥"، وابن الأنباري في "الوقف"؛ كما في "المزهر" "٢/ ٣٠٢"، وابن أبي حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد؛ كما في "الدر" "٦/ ٢٥٤". قلت: ويشير ابن حجر في مقولته السابقة إلى البيت المذكور، وقد عزاه الجوهري في "الصحاح" "مادة: خوف، ٤/ ١٣٥٩" لذي الرمة، وفيه: "ظهر النبعة"، وعزاه ابن منظور في "لسان =
[ ١ / ٥٨ ]
وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ فِي مَحَافِلِ النَّاسِ عَنْ مَعْنَى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١]، ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣] مِمَّا يُشوش عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ عَمَلٍ عَلَيْهِ، أدَّب عُمَرُ صَبِيغًا بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ١.
فَإِذًا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ الْآيَةَ [ق: ٦] بِعِلْمِ الْهَيْئَةِ الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ؛ غَيْرُ سائغ؛ ولأن ذلك من قبيل ما لا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهَا وَعَلَى مَعْهُودِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوحٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بِحَوْلِ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُعزى إِلَى الشَّرِيعَةِ لَا يُؤَدِّي فَائِدَةَ عَمَلٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؛ فَقَدْ تَكَلَّفَ أَهْلُ الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وَغَيْرِهَا الِاحْتِجَاجَ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْذِ فِي عُلُومِهِمْ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كَمَا استدل
_________________
(١) = العرب" "مادة خوف، ٩/ ١٠١" لابن مقبل، ونسبه الأصفهاني في "الأغاني" -كما قال الزبيدي في "تاج العروس"- لابن مزاحم الثمالي، ونسبه الآلوسي في "تفسيره" "١٤/ ١٥٢" والبيضاوي في "تفسيره" "٣٥٧" وغيرهما لأبي كبير الهذلي، ووقع في بعض المصادر: "تخوف السير". ومعنى "تامكا" -بالمثناة الفوقية، اسم فاعل- من "تمك السنام يتمك تمكا"؛ أي: طال وارتفع، فهو تامك؛ أي: سنام مرتفع، وقوله "قردا" -بفتح القاف، وكسر الراء- أي: متراكما أو مرتفعا، و"النبعة" -بضم النون وفتحها-: واحد "النبع"، وهو شجر يتخذ منه القسي، و"السَّفَن" -بفتح السين والفاء-: ما ينحت به الشيء كالمبرد، وهو فاعل "تخوف"، ومفعوله "عود" أو "ظهر"، ومعنى البيت: إن رحل ناقته أثر في سنمهم المتراكم -أوالمرتفع- وتنقص كما ينقص المبرد عود النبعة، أفاده ابن همات. وقال "خ" في هذا الموطن: "اختلف علماء اللغة في قائل هذا البيت؛ فنسبوه إلى زهير وذي الرمة وابن مزاحم الثمالي وعبد الله بن عجلان النهدي؛ كما اختلفت الرواية في بعض ألفاظه؛ فروى لفظ "السير" بدل "الرحل"، و"ظهر" بدل "عود"، والبيت وارد في وصف ناقة أضناها السير، والتامك المرتفع والمراد به السنام، والقرد المتلبد بعضه على بعض، والسفن الحديدة التي تبرد بها القسي". ١ مضى تخريجه "ص٥١-٥٢".
[ ١ / ٥٩ ]
أَهْلُ الْعَدَدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٣] .
وَأَهْلُ [النِّسَبِ الْعَدَدِيَّةِ أَوِ الْهَنْدَسِيَّةِ] ١ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: [﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٥] إِلَى آخَرِ الْآيَتَيْنِ.
وَأَهْلُ الْكِيمِيَاءِ بِقَوْلِهِ، ﷿]: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية [العدد: ١٧] .
وَأَهْلُ التَّعْدِيلِ النُّجُومِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٥] .
وَأَهْلُ الْمَنْطِقِ فِي أَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الْآيَةَ] [الْأَنْعَامِ: ٩١] .
وَعَلَى بَعْضِ الضُّرُوبِ الْحَمْلِيَّةِ وَالشُّرْطِيَّةِ بِأَشْيَاءَ أُخر.
وَأَهْلُ خَطِّ الرَّمْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٤]، وَقَوْلِهِ، ﵇: "كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ فِي الرَّمْلِ"٢ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مسطور
_________________
(١) ١ المثبت من "ط" -وكذا ما بين المعقوفتين فيما سيأتي- فقط، وبدله في سائر النسخ: "الهندسة". ٢ رواه عن معاوية بن الحكم السلمي اثنان، ضمن حديث طويل جليل في باب الصفات، في بعض طرقه ذكر بالسؤال "أين الله؟ " وإجابة الجارية "في السماء"، وفيه اللفظ المذكو عند المصنف، على النحو التالي: أولا: عطاء بن يسار، وعنه هلال بن أبي ميمونة، ورواه عنه ثلاثة:
(٢) يحيى بن أبي كثير. قال الذهبي في "العلو للعلي الغفار" "١٦": "رواه جماعة من الثقات عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية السلمى". قلت: وقفت على ثمانية منهم: الأول: حجاج الصَّوَّاف: كما عند ابن أبي شيبة في "الإيمان" مختصرا "رقم ٨٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، ١/ ٣٨١-٣٨٢/ رقم ٥٣٧ بعد ٣٣، وكتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ٤/ ١٧٤٩"، وأحمد في "المسند" "٥/ ٤٤٧، ٤٤٨"، والنسائي في "السنن الكبرى" كما في =
[ ١ / ٦٠ ]
_________________
(١) = "تحفة الأشراف" "٨/ ٤٢٧"، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم ٦١"، وأبي داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة، ١/ ٢٤٤/ رقم ٩٣٠، وكتاب الأيمان والنذور، باب في الرقبة المؤمنة، ٣/ ٢٣٠/ رقم ٣٢٨٢، وكتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير، ٤/ ١٦/ رقم ٣٩٠٩"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٤٩٠"، والدارمي في "السنن" "١/ ٣٥٤" -ولم يسق لفظه- وأبي عوانة في "المسند" "٢/ ١٤٢-١٤٣"، وابن خزيمة في "الصحيح" "٢/ ٣٥-٣٦/ ورقم ٨٥٩"، و"التوحيد" "ص١٢٢"، وابن حبان في "الصحيح" "١/ ٣٨٣/ رقم ١٦٥- مختصرا، ٦/ ١٢٤/ رقم ٢٢٤٨- الإحسان"، والطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٣٩٨-٣٩٩، الأرقام: ٩٣٨ و٩٤٣ و٩٤٧"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم ٢١٢"، والبغوي في "شرح السنة" "٣/ ٢٣٧/ رقم ٧٢٦"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٢/ ٣٦٠ مختصرا"، ولفظه: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه؛ فذاك". ورواه عن يحيى وفيه اللفظ المذكور جماعة، منهم: الثاني: الأوزاعي: كما عند مسلم في "الصحيح" "١/ ٣٨٣" -ولم يسق لفظه- وأشار إليه في "٤/ ١٧٤٩"، وأبي عوانة في "المسند" "٢/ ١٤١"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب الكلام في الصلاة، ٣/ ١٤-١٨"، وابن حبان في "الصحيح" "٦/ ٢٢/ رقم ٢٢٤٧- الإحسان"، وابن خزيمة في "الصحيح" "٢/ ٣٥-٣٦/ رقم ٨٥٩"، و"التوحيد" "ص١٢١"، والطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٣٩٨/ رقم ٩٣٧ و٩٤١ و٩٤٥"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٢/ ٢٤٩"، و"الأسماء والصفات" "٤٢١". وأخرجه من طريقه مختصرا البخاري في "خلق أفعال العباد" "رقم ١٩٣"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "١/ ٤٤٦"، والدارمي في "المسند" "١/ ٣٥٣"، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" "٨٤". الثالث والرابع: حرب بن شداد وأبان بن يزيد العطار: كما عند الطيالسي في "المسند" "رقم ١١٠٥". ومن طريقه: البيهقي مختصرا في "السنن الكبرى" "٢/ ٢٥٠"، و"الأسماء والصفات" "٤٢٢"، وابن قدامة مختصرا في "إثبات صفة العلو" "رقم ١٦". وأخرجه أبو عوانة في "المسند" "٢/ ١٤١-١٤٢" بسنده إلى أبان والأوزاعي، جميعا عن =
[ ١ / ٦١ ]
_________________
(١) = يحيى به، وفيه اللفظ المذكور. وأخرجه مختصرا دونه عن أبان وحده به: أحمد في "المسند" "٥/ ٤٤٨"، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم ٦٠"، و"الرد على بشر المريسي" "ص٩٥"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٤٨٩"، ومن طريقه الحافظ أبو العلاء ابن العطار في "فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف" "رقم ٢٠"، والطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٣٩٩/ رقم ٩٣٩ و٩٤٢ و٩٤٦"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "رقم ٦٥٢"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي، ﷺ" "ص٦٣". الخامس: هشام الدستوائي: كما عند الحربي في "غريب الحديث" "٢/ ٧٢٠"؛ قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى "هو ابن سعيد القطان" عن هشام به مختصرا، وفيه اللفظ المذكور. السادس: حسين المعلم: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٤٠١/ رقم ٩٤٤"، وفيه اللفظ المذكور. السابع: همام بن يحيى: كما عند أحمد في "المسند" "٥/ ٤٤٨"، وفيه اللفظ المذكور. ورواه عن يحيى، لكن بلفظ: " فمن وافق علْمَه علِم ". الثامن: معمر، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" "١٠/ ٤٠٣/ رقم ١٩٥٠١، وبإسناده إليه الطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٣٩٩/ رقم ٩٤٠"، والبغوي في "شرح السنة" "١٢/ ١٨١/ رقم ٣٣٥٩". ورواه تاسع عن يحيى وهو من أقرانه، وهو: التاسع: أيوب السختياني: ولكن عن يحيى عن هلال عن معاوية به، ولم يذكر فيه عطاء بن يسار؛ كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٤٠٢-٤٠٣/ رقم ٩٤٨" مختصرا، وليس فيه اللفظ المذكور. وهذا حديث سمعه يحيى من هلال؛ إذ صرح بالتحديث عند أحمد وابن خزيمة؛ فانتفت شبهة تدليسه، كما صرح كل من هلال بن أبي ميمونة وعطاء بالتحديث عند ابن خزيمة.
(٢) فليح بن سليمان: رواه مختصرا ولم يرد فيه السؤال المذكور، ولا جواب الجارية، ولا اللفظ الذي أورده المصنف؛ كما عند البخاري في "خلق أفعال العباد" "رقم ٥٣٠"، وأبي داود في "السنن" "كتاب =
[ ١ / ٦٢ ]
_________________
(١) = الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة، ١/ ٢٤٥/ رقم ٩٣١"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "١/ ٤٤٦"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٢/ ٢٤٩".
(٢) مالك بن أنس: وذكر فيه السؤال وجواب الجارية، ولم يذكر اللفظ الذي أورده المصنف أو نحوه؛ كما في "الموطأ" "٢/ ٧٧٦-٧٧٧"، وعنه الشافعي في "الرسالة" فقرة "٢٤٢"، و"الأم" "٥/ ٢٨٠"، والنسائي في "التفسير" "٢/ ٢٥٥-٢٥٦/ رقم ٤٨٥"، و"السنن الكبرى" في "السير" و"النعوت"؛ كما في "تحفة الأشراف" "رقم ١١٣٧٨"، وابن خزيمة في "التوحيد" "ص١٢٢"، والخطيب في "الموضح" "١/ ١٩٥"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٧/ ٣٨٧". ولكن قال مالك في روايته في اسم الصحابي "عمر بن الحكم"؛ فتعقبه الشافعي؛ فقال في "الرسالة" "ص٧٦": "وهو معاوية بن الحكم، وكذلك رواه غير مالك، وأظن مالكا لم يحفظ اسمه". قلت: رواه عن مالك على الصواب يحيى بن يحيى التميمي، وعنه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم ٦٢"، والبيهقي في "السنن الكبرى "٧/ ٣٨٧"، وقال: "ورواه يحيى بن يحيى عن مالك مجوّدا". وانظر غير مأمور: "الجوهر النقي"، وشروح "الموطأ"، و"تحفة الأشراف" "رقم ١١٣٤٨"، وترجمة "معاوية بن الحكم" من "تهذيب الكمال" ومختصراته؛ ففيها كلام تفصيلي بخصوص هذا الشأن. ثانيا: أبو سلمة بن عبد الرحمن: وعنه الزهري، وعنه جماعة؛ كما عند مسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب تحريم الكهانة، ٤/ ١٧٤٨-١٧٤٩/ رقم ٥٣٧ بعد ١٢١"، وعبد الرزاق في "المصنف" "١٠/ ٤٠٢/ رقم ١٩٥٠٠"، وأحمد في "المسند" "٣/ ٤٤٣ و٥/ ٤٤٧-٤٤٨، ٤٤٩"، والطيالسي في "المسند" "رقم ١١٠٤"، والطبراني في "المعجم الكبير" "١٩/ ٣٩٦-٣٩٧/ رقم ٩٣٣-٩٣٦". والحديث صحيح، وقد شكك بعضهم في سؤال النبي -ﷺ- الجارية، وجوابها، وإقراره -ﷺ- لها بقولهم تارة: إن الحديث مضطرب، وبقولهم أخرى: إنها زيدت فيما بعد في "صحيح مسلم"! =
[ ١ / ٦٣ ]
_________________
(١) = ومن زعم الاختلاف في متنه؛ فلم يصب لأنه احتج لما ذهب إليه بروايات أحسن مراتبها الضعف على أنها عند التحقيق لا تُعدّ اختلافا، وإنما أراد بعض أهل البدع التعلق بهذا لإبطال دلالة هذا الحديث على اعتقاد أهل السنة من أن الله فوق خلقه، وكذلك تشكيك بعض أهل الزيغ في ثبوت هذا الحديث في "صحيح مسلم" هو أوهى من بيت العنكبوت، لمن علم وَفَهِمَ وأنصف، وشبهات أهل البدع لم تسلم منها آيات الكتاب؛ فكيف تسلم منها السنن؟! أما اللفظ الذي أورده المصنف آنفا في الخط؛ فهو صحيح عند مسلم وغيره، ورواته جميعا ثقات معروفون؛ فقول ابن رشد "ت٥٢٠هـ" في رسالته "الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط" "ص٤٢- بتحقيقي"، وكذا قول ابن العربي في "أحكام القرآن" "٤/ ٦٩٦" بأن جميع أحاديث الخط ضعيفة؛ ليس بجيد، ويعوزه التحقيق العلمي، والله تعالى أعلم، وكذا قال القرطبي المفسر في "الجامع لأحكام القرآن" "١٦/ ١٧٩" متعقبا ابن العربي: "هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي أخرجه مسلم". تنبيه: أورد الرافعي في "الشرح الكبير" هذا الحديث عن معاوية بن الحكم، وورد في أوله: "لما رجعت من الحبشة؛ صليت مع رسول الله، ﷺ " وهو غلط محض لا وجه له، ولم يذكر أحد "معاوية بن الحكم" في مهاجرة الحبشة؛ لا من الثقات، ولا من الضعفاء، وكأنه انتقال ذهني من حديث متقدم لابن مسعود، يورده الفقهاء قبل هذا؛ فإن فيه "رجعت من الحبشة"، والله أعلم، أفاده ابن حجر في "التلخيص الحبير" "١/ ٢٨١". ومن الجدير بالذكر أن الذهبي عد هذا الحديث في "العلو للعلي الغفار" "١٦" من الأحاديث المتواترة الواردة في العلو، وذكر طرفا منه، وقال: "هذا حديث صحيح". وأخرجه ابن وهب في "جامعه" "١/ ١١٣-١١٤"؛ قال: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن أناسا قالوا لرسول الله، ﷺ "وذكر نحوه". وهذا النبي هو إدريس -﵇- كما قال أبو ذر ابن الشيخ الإمام سبط ابن العجمي في "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم ٢٥٨، ٩٣٢- بتحقيقنا"، والأبي في "إكمال الإكمال" "٢/ ٢٣٩"، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" "١/ ٩١٢"، واقتصروا عليه، وذكره الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" "٩/ ١١٨"، وشبير العثماني في "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" "٢/ ١٣٥"، وذكرا معه قولا آخر، وهو "دانيال".
[ ١ / ٦٤ ]
فِي الْكُتُبِ، وجميعُه١ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَبِهِ تَعْلَمُ الْجَوَابَ عَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٥] لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ عُلُومُ الْفَلْسَفَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِهَا٢، وَلَا يليق بالأميين الذين بُعث فيهم النبي الأمي -ﷺ- بِمِلَّةٍ سَهْلَةٍ سَمْحَةٍ، وَالْفَلْسَفَةُ -عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا جَائِزَةُ الطَّلَبِ- صَعْبَةُ الْمَأْخَذِ، وَعِرَةُ الْمَسْلَكِ، بَعِيدَةُ الْمُلْتَمَسِ، لَا يَلِيقُ الْخِطَابُ بِتَعَلُّمِهَا كَيْ تُتعرف آيَاتِ اللَّهِ وَدَلَائِلَ تَوْحِيدِهِ٣ لِلْعَرَبِ النَّاشِئِينَ فِي مَحْضِ الْأُمِّيَّةِ؛ فَكَيْفَ وَهِيَ مَذْمُومَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ، مُنبَّه عَلَى ذَمِّهَا بِمَا تَقَدَّمَ
_________________
(١) ١ أي: وجميع المسطور في هذه الكتب يأتون فيه بما يدل على القطع بأن هذه الآيات مقصود منها ما استدلوا عليه، يعني: وإنما هي تكلفات لا تليق بلسان العرب ومعهودها. "د". قلت: وهنالك أمثلة من إسقاطات العقلانيين و"العلمانيين" يضحك منها العقلاء بله العلماء، والله الهادي. وفي "ط": "بأنه غير مقصود ما تقدم". ٢ إذا نظرنا للحديث الصحيح: "بلغوا عني ولو آية؛ فرب مبلغ أوعى من سامع"، مع العلم بأن القرآن للناس كافة، وأنه ليس مخاطبا به خصوص طائفة العرب في العهد الأول لها، بل العرب كلهم في عهدهم الأول وغيره وغير العرب كذلك، إذا نظرنا بهذا النظر؛ لا يمكننا أن نقف بالقرآن وبعلومه وأسراره وإشاراته عند ما يريده المؤلف وكيف نوفق بين ما يدعو إليه من ذلك وبين ما ثبت من أنه لا ينضب معينه؟ والخير في الاعتدال؛ فكل ما لا تساعد عليه اللغة، ولا يدخل في مقاصد التشريع؛ يعامل المعاملة التي يريدها المؤلف، أما ما لا تنبو عنه اللغة، ويدخل في مقاصد الشريعة بوجه؛ فلا يوجد مانع من إضافته إلا الكتاب العزيز، ومنه ما يتعلق بالنظر في مصنوعات الله للتدبر والاعتبار وتقوية الإيمان وزيادة الفهم والبصيرة. "د". ٣ من الآيات المبثوثة في السماء والأرض ما يكفي في إدراكه النظر الفطري، ومنها ما يُدرك بمزاولة قوانين علمية، ولا مانع من أن يبقى هذا القسم في الآيات المرغب في تدبرها؛ فإن النظر الذي يحث عليه مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] لم يحد بنهاية أو ينص فيه على طريق معين. "خ".
[ ١ / ٦٥ ]
فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ؛ غيرُ مَطْلُوبٍ فِي الشَّرْعِ.
فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ؛ كَأَلْفَاظِ اللُّغَةِ، وَعِلْمِ النَّحْوِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَا إِشْكَالَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ مَطْلُوبٌ، إِمَّا شَرْعًا، وَإِمَّا عَقْلًا، حَسْبَمَا تبيَّن فِي مَوْضِعِهِ، لَكِنْ هُنَا معنى آخر لا بد من الالتفات إليه، وهو:
[ ١ / ٦٦ ]