وَيَتَضَمَّنُ مَسَائِلَ١
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
إِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُبَارَكَةَ عَرَبِيَّةٌ، لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلْأَلْسُنِ الْعَجَمِيَّةِ، وَهَذَا- وَإِنْ كَانَ مُبَيَّنًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ٢، أَوْ فِيهِ أَلْفَاظٌ أَعْجَمِيَّةٌ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، فَوَقَعَ فِيهِ الْمُعَرَّبُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَصْلِ كَلَامِهَا-، فَإِنَّ هَذَا البحث
_________________
(١) ١ المسائل الخمس الأولى تحتوي على مبادئ قيمة وضرورية في فهم القرآن والسنة وتحصيل مقاصدها، وهي ليست من المقاصد، وإنما هي ضوابط لفهم مقاصد الشارع، وقد بحث المصنف المسألة الأولى في كتابه "الاعتصام" "٢/ ٢٩٣- ٢٩٧"، وأفاد أنها من "الأدوات التي بها تفهم المقاصد". ٢ وعلى رأسهم الإمام الشافعي في "الرسالة" "٥٠"، وأبو عبيدة معمر بن المثنى في "مجاز القرآن" ١/ ١٧، ٢٨"، والطبري في "تفسيره" "١/ ٨"، وابن فارس في "الصاحبي" "٦٠ - ٦٢"، وابن العربي في "أحكام القرآن" "٤/ ١٦٥٢- ١٦٥٣"، وانظر: "البرهان في علوم القرآن". "١/ ٢٤٩"، و"روضة الناظر" "١/ ١٨٤- ١٨٥"، و"المسودة" "١٧٤"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "٣٢/ ٢٥٥"، و"الإتقان" "١/ ١٣٦ وما بعدها"، و"الكتاب والسنة من مصادر الفقه الإسلامي" "ص ٤١- ٤٣" لمحمد البنا، ط مطابع سجل العرب، ط الثالثة، سنة ١٩٦٩م، و"من الدراسات القرآنية" لعبد العال سالم مكرم "ص ٤٩- ٦٤".
[ ٢ / ١٠١ ]
عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ هُنَا.
وَإِنَّمَا الْبَحْثُ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَطَلَبُ فَهْمِهِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ خَاصَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُفَ: ٢] .
وَقَالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٥] .
وَقَالَ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] .
وَقَالَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ١ عَلَى أَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ، لَا أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَلَا بِلِسَانِ الْعَجَمِ، فَمَنْ أَرَادَ تَفَهُّمَهُ، فَمِنْ جِهَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ يُفْهَمُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَطَلُّبِ فَهْمِهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ جَاءَتْ فِيهِ أَلْفَاظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ، أَوْ لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ، وَجَرَى فِي خِطَابِهَا، وَفَهِمَتْ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا تَكَلَّمَتْ بِهِ صَارَ مِنْ كَلَامِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَدَعُهُ عَلَى لَفْظِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجَمِ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَخَارِجِ وَالصِّفَاتِ كَحُرُوفِ الْعَرَبِ، وَهَذَا يَقِلُّ وُجُودُهُ٢، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مَنْسُوبًا إِلَى الْعَرَبِ، فَأَمَّا إِذَا٣ لَمْ تَكُنْ حُرُوفُهُ كَحُرُوفِ الْعَرَبِ، أَوْ كان بعضها كذلك دون
_________________
(١) ١ في الأصل: "دل". ٢ قالوا: إن لفظ "تنور" اتفقت فيه اللغة العربية مع اللغات الأعجمية لفظا ومعنى، وقالوا: إن لفظ "صابون" اشترك فيه مع العربية جملة من اللغات الأعجمية. "د". ٣ في الأصل: "إن".
[ ٢ / ١٠٢ ]
بَعْضٍ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَرُدَّهَا حُرُوفِهَا، وَلَا تَقْبَلَهَا عَلَى مُطَابَقَةِ حُرُوفِ الْعَجَمِ أَصْلًا، وَمِنْ أَوْزَانِ الْكَلِمِ مَا تَتْرُكُهُ عَلَى حَالِهِ فِي كَلَامِ الْعَجَمِ، وَمِنْهَا مَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّغْيِيرِ كَمَا تَتَصَرَّفُ فِي كَلَامِهَا، وَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، صَارَتْ تِلْكَ الْكَلِمُ مَضْمُومَةً إِلَى كَلَامِهَا كَالْأَلْفَاظِ الْمُرْتَجَلَةِ وَالْأَوْزَانِ الْمُبْتَدَأَةِ لَهَا، هَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَا إِشْكَالَ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْخِلَافُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ١ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ تُوضَعَ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ يَنْبَنِي عَلَيْهَا اعْتِقَادٌ، وَقَدْ كَفَى اللَّهُ مَؤُونَةَ الْبَحْثِ فِيهَا بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيَّةِ.
فَإِنْ٢ قُلْنَا: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا عُجْمَةَ فِيهِ، فَبِمَعْنَى أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى لسان معهود العرب فِي أَلْفَاظِهَا الْخَاصَّةِ وَأَسَالِيبِ مَعَانِيهَا، وَأَنَّهَا فِيمَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنْ لِسَانِهَا تُخَاطِبُ بِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ ظَاهِرُهُ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ فِي وَجْهٍ وَالْخَاصُّ فِي وَجْهٍ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَالظَّاهِرُ٣ يُرَادُ بِهِ غَيْرُ الظَّاهِرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، [وَتَتَكَلُّمُ بِالْكَلَامِ يُنْبِئُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ، أَوْ آخِرُهُ عَنْ أَوَّلِهِ] ٤، وَتَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ يُعْرَفُ بِالْمَعْنَى كَمَا يُعْرَفُ بِالْإِشَارَةِ، وَتُسَمِّي الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِأَسْمَاءَ كَثِيرَةٍ، وَالْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ بِاسْمٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهَا لَا تَرْتَابُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ هِيَ وَلَا مَنْ تَعَلَّقَ بِعِلْمِ كلامها.
_________________
(١) ١ قال الآمدي: "اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية، فأثبته ابن عباس وعكرمة، ونفاه آخرون"، فالخلاف قديم، ومحله أسماء الأجناس لا الأعلام. "د". ٢ في "ط": "فإذا". ٣ في الأصل و"ط": "وظاهر". ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْقُرْآنُ فِي مَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَكَمَا أَنَّ لِسَانَ بَعْضِ١ الْأَعَاجِمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ جِهَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ، كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ لِسَانُ الْعَرَبِ مِنْ جِهَةِ فَهْمِ لِسَانِ الْعَجَمِ، لِاخْتِلَافِ الْأَوْضَاعِ وَالْأَسَالِيبِ، وَالَّذِي نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الشَّافِعِيُّ الْإِمَامُ، فِي "رِسَالَتِهِ"٢ الْمَوْضُوعَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُ لَمْ يَأْخُذْهَا هَذَا الْمَأْخَذَ، فَيَجِبُ التنبه لذلك، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ كتب في هامش الأصل ما نصه: "لعل الصواب إسقاط لفظ بعض لأن "جميع" ألسنة العجم لا تفهم من جهة لسان العرب، والله أعلم". ٢ "ص ٥٠ وما بعدها" بتحقيق الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَلْفَاظٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ نَظَرَانِ:
أَحَدُهُمَا:
مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَلْفَاظًا وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةً، دَالَّةً عَلَى مَعَانٍ مُطْلَقَةٍ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْأَصْلِيَّةُ.
وَالثَّانِي:
مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَلْفَاظًا وَعِبَارَاتٍ مُقَيَّدَةً دَالَّةً عَلَى مَعَانٍ خَادِمَةٍ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ التَّابِعَةُ١.
فَالْجِهَةُ الْأُولَى:
هِيَ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الْأَلْسِنَةِ، وَإِلَيْهَا تَنْتَهِي مَقَاصِدُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَلَا تَخْتَصُّ بِأُمَّةٍ دُونَ أُخْرَى، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ فِي الْوُجُودِ فِعْلٌ لِزَيْدٍ مَثَلًا كَالْقِيَامِ، ثُمَّ أَرَادَ كُلُّ صَاحِبِ لِسَانٍ الْإِخْبَارَ عَنْ زَيْدٍ بِالْقِيَامِ، تأتَّى لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُمْكِنُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْإِخْبَارُ عَنْ أَقْوَالِ الْأَوَّلِينَ -مِمَّنْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ- وَحِكَايَةُ كَلَامِهِمْ، ويتأتَّى فِي لِسَانِ الْعَجَمِ حِكَايَةُ أَقْوَالِ الْعَرَبِ وَالْإِخْبَارُ عَنْهَا، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ:
فَهِيَ الَّتِي يَخْتَصُّ٢ بِهَا لِسَانُ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ الْحِكَايَةِ وَذَلِكَ الْإِخْبَارُ، فَإِنَّ كُلَّ خَبَرٍ يَقْتَضِي فِي هَذِهِ الْجِهَةِ أُمُورًا خَادِمَةً لِذَلِكَ الْإِخْبَارِ، بِحَسَبِ [الخبر والمخبر و] المخبر عَنْهُ وَالْمُخْبَرِ بِهِ، وَنَفْسِ الْإِخْبَارِ، فِي الْحَالِ وَالْمَسَاقِ، وَنَوْعِ الْأُسْلُوبِ: مِنَ الْإِيضَاحِ، وَالْإِخْفَاءِ، وَالْإِيجَازِ، وَالْإِطْنَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّكَ تَقُولُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِخْبَارِ: "قَامَ زَيْدٌ" إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ عِنَايَةٌ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ، بَلْ بِالْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ قُلْتَ: "زَيْدٌ قَامَ"، وَفِي جَوَابِ السُّؤَالِ أَوْ مَا هُوَ مُنَزَّلٌ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ: "إِنَّ زَيْدًا قَامَ"، وَفِي جَوَابِ المنكر
_________________
(١) ١ وتنتقل حيث انتقل المتبوع ٢ في نسخة "ماء/ ص ١٣٧": "اختص".
[ ٢ / ١٠٥ ]
لِقِيَامِهِ: "وَاللَّهِ إِنَّ زَيْدًا قَامَ"، وَفِي إِخْبَارِ مَنْ يَتَوَقَّعُ قِيَامَهُ أَوِ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِهِ: "قَدْ قَامَ زَيْدٌ"، أَوْ: "زَيْدٌ قَدْ قَامَ"، وَفِي التَّنْكِيتِ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ: "إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ".
ثُمَّ يَتَنَوَّعُ أَيْضًا بِحَسَبِ تَعْظِيمِهِ أَوْ تَحْقِيرِهِ -أَعْنِي: الْمُخْبَرَ عَنْهُ- وَبِحَسَبِ الْكِنَايَةِ عَنْهُ وَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَبِحَسَبِ مَا يُقْصَدُ فِي مَسَاقِ الْأَخْبَارِ، وَمَا يُعْطِيهِ مُقْتَضَى الْحَالِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ دَائِرٌ حَوْلَ الْإِخْبَارِ بِالْقِيَامِ عَنْ زَيْدٍ.
فَمِثْلُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْكَلَامِ الْوَاحِدِ بِحَسَبِهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ، وَلَكِنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ وَمُتَمِّمَاتِهِ، وَبِطُولِ الْبَاعِ فِي هَذَا النَّوْعِ يَحْسُنُ مَسَاقُ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُنْكَرٌ، وَبِهَذَا النَّوْعِ الثَّانِي اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَقَاصِيصِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ يَأْتِي مَسَاقُ الْقِصَّةِ فِي بَعْضِ السُّورِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي بعضها على وجه آخر، وفي ثالث عَلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ، وَهَكَذَا مَا تَقَرَّرَ١ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارَاتِ لَا بِحَسَبِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، إِلَّا إِذَا سَكَتَ عَنْ بَعْضِ التَّفَاصِيلِ فِي بَعْضٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضٍ، وَذَلِكَ أَيْضًا لِوَجْهٍ اقْتَضَاهُ الْحَالُ وَالْوَقْتُ٢، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فصل:
وإذا ثبت هذ، فَلَا يُمْكِنُ مَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ أَنْ يُتَرْجِمَ كَلَامًا مِنَ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ بِكَلَامِ الْعَجَمِ عَلَى حَالٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَرْجِمَ القرآن٣ وينقل إلى
_________________
(١) ١ في "ط": "تكرر". ٢ انظر في هذا: رسالة محمد بن إسماعيل الصنعاني "الإيضاح والبيان في تحقيق عبارات قصص القرآن"، نشر مكتبة الإرشاد- صنعاء. ٣ لا تتيسر ترجمة القرآن بالنظر إلى مستتبعات التراكيب "أعنى: المباني التي يرتفع بها شأن الكلام، كما أن من الآيات ما يحتمل معاني متعددة، والمترجم إنما يمكنه نقله إلى لغة أخرى بإحدى تلك المعاني، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، فقد رأيت مترجم القرآن إلى اللسان الألماني سلك في ترجمة لفظ الإبل معنى السحاب الذي هو أحد الوجهين في تفسيرها. "خ".
[ ٢ / ١٠٦ ]
لِسَانٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ، إِلَّا مَعَ فَرْضِ اسْتِوَاءِ اللِّسَانَيْنِ فِي اعْتِبَارِهِ عَيْنًا، كَمَا إِذَا اسْتَوَى اللِّسَانَانِ فِي اسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ مَعَ لِسَانِ الْعَرَبِ، أَمْكَنَ أَنْ يُتَرْجَمَ أَحَدُهُمَا إلى آخر، وَإِثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا بِوَجْهٍ بَيِّنٌ عسيرٌ جِدًّا، وَرُبَّمَا أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَنْطِقِ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كافٍ وَلَا مغنٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَقَدْ نَفَى ابْنُ قُتَيْبَةَ١ إِمْكَانَ التَّرْجَمَةِ فِي الْقُرْآنِ -يَعْنِي: عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي- فَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ مُمْكِنٌ، وَمِنْ جِهَتِهِ صَحَّ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ لِلْعَامَّةِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَهْمٌ يَقْوَى عَلَى تَحْصِيلِ مَعَانِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَصَارَ هَذَا الِاتِّفَاقُ حُجَّةً فِي صِحَّةِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ٢.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اعْتَبُرِتِ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْأُولَى وُجِدَتْ كَوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا، لِأَنَّهَا كَالتَّكْمِلَةِ لِلْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ لِلْإِفْهَامِ، وَهَلْ تُعَدُّ مَعَهَا كَوَصْفٍ مِنَ
_________________
(١) ١ في كتابه: "تأويل مشكل القرآن" "ص ٢١" طبعة الشيخ أحمد صقر ﵀، وتبعه على هذا ابن فارس في كتابه "الصاحبي" "ص ١٦- ٢٥"، وبحث فيه موضوع الترجمة بحث خبير، ورد فيه على الرواية المرجوحة لأبي حنيفة رد بصير، وإلى ابن فارس هذا كانت تضرب آباط الإبل، وعند جهينة الخبر اليقين، وانظر: "الكتاب والسنة" لمحمد البنا "ص ٤٥ وما بعدها". ٢ انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٦/ ٥٤٢".
[ ٢ / ١٠٧ ]
الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ؟ أَوْ هِيَ كَوَصْفٍ١ غَيْرِ ذَاتِيٍّ؟ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَبَحْثٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ جُمْلَةٌ، إِلَّا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا كافٍ، فَإِنَّهُ كَالْأَصْلِ لِسَائِرِ الْأَنْظَارِ الْمُتَفَرِّعَةِ، فَالسُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَبِاللَّهِ التوفيق.
_________________
(١) ١ في نسخة "ماء/ ص ١٣٩": "وصف". وفي "ط": "أم هي".
[ ٢ / ١٠٨ ]
الْمُسَالَةُ الثَّالِثَةُ:
هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ أُمِّيَّةٌ١؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا كَذَلِكَ، فَهُوَ أَجْرَى٢ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
النُّصُوصُ الْمُتَوَاتِرَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
_________________
(١) ١ أي: لا تحتاج في فهمها وتعرف أوامرها ونواهيها إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضيات وما إلى ذلك، والحكمة في ذلك: أولا: أن من باشر تلقيها من الرسول ﷺ أميون على الفطرة كما سيشرحه المؤلف. ثانيا: فإنها لو لم تكن كذلك، لما وسعت جمهور الخلق من عرب وغيرهم، فإنه كان يصعب على الجمهور الامتثال لأوامرها ونواهيها المحتاجة إلى وسائل علمية لفهمها أولا، ثم تطبيقها ثانيا، وكلاهما غير ميسور لجمهور الناس المرسل إليهم من عرب وغيرهم، وهذا كله فيما يتعلق بأحكام التكليف، لأنه عام يجب أن يفهمه العرب والجمهور ليمكن الامتثال، أما الأسرار والحكم والمواعظ والعبر، فمنها ما يدق عن فهم الجمهور ويتناول بعض الخواص منه شيئا فشيئا بحسب ما يسره الله لهم وما يلهمهم به، وذلك هو الواقع لمن تتبع الناظرين في كلام الله تعالى على مر العصور، يفتح على هذا بشيء ولم يفتح به على الآخر، وإذا عرض على الآخرة أقره على أنه ليست كل الأحكام التكليفية التي جاءت في الكتاب والسنة مبذولة ومكشوفة للجمهور، وإلا لما كان هناك خواص مجتهدون وغيرهم مقلدون حتى في عصر الصحابة، وكل ما يؤخذ من مثل حديث "نحن أمة أمية" ما ذكرناه على أن التكاليف لا تتوقف في امتثالها على وسائل علمية وعلوم كونية وهكذا. "د". قلت: "انظر تفصيلا قويا حول هذا في "السير" "١٤/ ١٩١- ١٩٢" للذهبي، والمراجع المذكورة في تعليقنا على آخر هذه المسألة. ٢ أي: فإن تنزيل الشريعة على مقتضى حال المنزل عليهم أوفق برعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم. "د".
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَفِي الْحَدِيثِ: "بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ" ١ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِعُلُومِ الْأَقْدَمِينَ، وَالْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ الْأُمِّ لَمْ يَتَعَلَّمْ كِتَابًا وَلَا غَيْرَهُ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا٢.
وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نَكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" ٣، وَقَدْ فَسَرَ مَعْنَى الْأُمِّيَّةِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ: لَيْسَ لَنَا عِلْمٌ بِالْحِسَابِ وَلَا الْكِتَابِ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٨] .
وَمَا أَشْبَهَ هَذَا٤ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الدالة على أن
_________________
(١) ١ سيأتي نحوه "ص ١٣٨". ٢ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٧/ ٤٣٥ و٢٥/ ١٦٧". ٣ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب قوله ﷺ: "لا نكتب ولا نحسب"، ٤/ ١٢٦/ رقم ١٩١٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ٢/ ٧٦١ / رقم ١٠٨٠ بعد ١٥" من حديث ابن عمر ﵁ بلفظ: "إنا أمة" بتقديم "نكتب" على "نحسب"، ومضى "١/ ٥٦". ٤ أخذ بظاهر حديث البخاري المروي في عمرة القضاء والكتابة إلى قريش وطائفة من العلماء، ففهموا أن الكتابة مسندة إلى النبي ﷺ على وجه الحقيقة، وممن ذهب إلى هذا أبو الفتح النيسابوري وأبو ذر وأبو الوليد الباجي، وقد قام في وجه أبي الوليد فريق من علماء عصره كأبي بكر بن الصائغ وأبي محمد بن مفوز، ولكن علماء صقلية وافقوا أبا الوليد على هذه المقالة، والحق أن أبا الوليد لم يأت أمرا يقدح في المعجزة كما يدعي خصومه، إذ آية ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾، إنما نفت عن النبي ﵇ الكتابة قبل نزول القرآن، وبقي الحال فيما بعد مسكوتًا عنه، ولكن أبا الوليد تشبث بسندٍ واهٍ وهو مجرد إسناد الكتابة إلى النبي ﷺ في لفظ الحديث، وليس إسناد الأمر إلى الرئيس وقد فعله أحد أتباعه عن أمره بعزيز "خ". قلت: وفتوى الباجي مع أجوبة العلماء عليها منشورة بتحقيق أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، مع دراسة ضافية له في المقدمة في بيان معاني النصوص الواردة في أمية الرسول ﷺ بعنون "تحقيق المذهب"، وفيه "ص ٢٤٣- ٢٨١" جواب ابن مفوز.
[ ٢ / ١١٠ ]
الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى وَصْفِ الْأُمِّيَّةِ لِأَنَّ أَهْلَهَا كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بُعِثَ بِهَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ ﷺ إِلَى الْعَرَبِ خُصُوصًا وَإِلَى مَنْ سِوَاهُمْ عُمُومًا، إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى نِسْبَةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مَنْ وَصْفِ الْأُمِّيَّةِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا أُمِّيَّةً، أَيْ: مَنْسُوبَةً إِلَى الْأُمِّيِّينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَزِمَ أَنْ تَكُونَ عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدُوا، فَلَمْ تَكُنْ لِتَتَنَزَّلَ١ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْزِلَةً مَا تُعْهَدُ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا يَعْهَدُونَ، وَالْعَرَبُ٢ لَمْ تَعْهَدْ إِلَّا مَا وَصَفَهَا اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأُمِّيَّةِ، فَالشَّرِيعَةُ إِذًا أُمِّيَّةٌ.
وَالثَّالِثُ ٣:
أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يَعْهَدُونَ لم يكن عندهم معجزا.
_________________
(١) ١ في النسخ المطبوعة: "لتنزل". ٢ وأما غيرهم، فهو تابع، والتابع لا حكم له. ٣ جعل هذا الثالث دليلا على أنه يجب أن تكون على ما عهدوا حتى تكون حجة عليهم، وقد كان كونها على ما عهدوا دليلا بنفسه على أنها أمية، وعليه، فليس الدليل الثاني إلا دعوى محتاجة إلى الدليل الثالث، ولا يصلح أن يكون دليلا بنفسه إلا أن يبقى الكلام في هذا الدليل الثالث فيقال: هل لو جاءت الشريعة على طريق يحتاج لعلوم كونية ووسائل فلسفية، ولكنها صيغت في القالب العربي المعجز لهم عن الإتيان بمثله، بحيث يفهمون معناه والغرض منه، وإن كانوا في تطبيقه وتعرف مبنى أحكامه محتاجين إلى تلك الوسائل، كما إذا بنى أوقات الصلوات الخمس على مواعيد تحتاج إلى الآلات والتقاويم الفلكية، ولم يكتف بالمشاهدات الحسية كما صنع في الزوال والغروب والشفق إلخ، أو بنى الصوم لا على رؤية الهلال بالبصر، بل وضع القاعدة على لزوم معرفة علم الميقات لمعرفة أول رمضان، لو كان الشارع بدل أن يبني الأحكام على الأمور الحسية التي تسع جميع الخلق بناها على أمور علمية كما صورنا، هل كان ذلك يمنع عن فهم القرآن وغرضه، ويكون الحال مثل ما إذا جاء بلغة أعجمية بالنسبة للعرب؟ الجواب بالنفي، غايته أنه يكون في تكاليفها مشاق على أكثر الخلق بإلزامهم بتعرف هذه الوسائل ليطبقوا أوامر الشريعة حسبما أرادت، أما أنهم يعجزون عن فهم الكتاب حتى لا يكون حجة، فليس بظاهر لأن حجيته عليهم جاءت من جملة أمور أهمها عندهم أنه كلام من جنس كلامهم في كل شيء إلا أنه بأسلوب أعجزهم عن الإتيان بمثله. "د".
[ ٢ / ١١١ ]
وَلَكَانُوا يَخْرُجُونَ عَنْ مُقْتَضَى التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِمْ: هَذَا عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدْنَا، إِذْ لَيْسَ لَنَا عَهْدٌ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ كَلَامَنَا مَعْرُوفٌ مَفْهُومٌ عِنْدَنَا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَفْهُومٍ وَلَا مَعْرُوفٍ، فَلَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤]، فَجَعَلَ الْحُجَّةَ١ عَلَى فَرْضِ كَوْنِ الْقُرْآنِ أَعْجَمِيًّا، وَلَمَّا قَالُوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣]، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣]، لَكِنَّهُمْ أذغنوا لِظُهُورِ الْحُجَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ به وعهدم بِمِثْلِهِ، مَعَ الْعَجْزِ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ، وَأَدِلَّةُ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ٢.
فَصْلٌ:
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ لَهَا اعْتِنَاءٌ بِعُلُومٍ ذَكَرَهَا النَّاسُ٣، وَكَانَ لِعُقَلَائِهِمِ اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن الشيم، فَصَحَّحَتِ الشَّرِيعَةُ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ وَزَادَتْ عَلَيْهِ، وَأَبْطَلَتْ مَا هُوَ بَاطِلٌ، وَبَيَّنَتْ مَنَافِعَ مَا يَنْفَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَضَارَّ مَا يَضُرُّ منه.
فمن هذه العلوم:
عِلْمُ النُّجُومِ:
وَمَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الِاهْتِدَاءِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ بِاخْتِلَافِ سَيْرِهَا، وَتَعَرُّفِ مَنَازِلِ سَيْرِ النَّيِّرَيْنِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا
_________________
(١) ١ في "ط": "فجعل لهم الحجة". ٢ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٥/ ١٥٧". ٣ تجد تفصيل هذه العلوم على وجه مستوعب في "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" لمحمود شكري الآلوسي، وهو مطبوع، وفي آخر المجلد الأول من "صبح الأعشى".
[ ٢ / ١١٢ ]
الْمَعْنَى، وَهُوَ مَعْنًى مُقَرَّرٌ فِي أَثْنَاءِ الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٧]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٣٩- ٤٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الآية [الإسراء: ١٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الْمُلْكِ: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] .
وَمَا أشبه ذلك١.
_________________
(١) ١ لو لم يكن لهم علم بسير النجوم بالمقدار الذي ينسبه لهم، فهذه الآيات يمكن فهمها لهم بعد لفت نظرهم إليها، إنها لا تحتاج إلا إلى التدبر في تطبيقها بطريق المشاهدة، على أن علم النجوم لم يكن لجمهورهم بل للبعض القليل الذي كان يستعمل غالبا دليلا للقوافي* في سير الليل ومع ذلك، فلم يتوقف الجمهور في فهمها، ومثله يقال في علوم الأنواء أن ذلك ليس لجمهورهم، بدليل ما رواه عن عمر وسؤاله للعباس، فإذا كان مثل عمر ليس عارفا، فما ذلك إلا لأن هذا يختص به جماعة منهم، كما هو الحال عندنا اليوم، الملاحون يعرفون كثيرا من هذه الأنواء وشأن الرياح، وهي أسباب عادية غير مطردة، ولا يعرفها الجمهور الذين عنايتهم بما يتسببون فيه لمعاشهم يعرفون= * كذا في الأصل، ولعل صوابها: "للقوافل".
[ ٢ / ١١٣ ]
وَمِنْهَا: عُلُومُ الْأَنْوَاءِ ١
وَأَوْقَاتُ نُزُولِ الْأَمْطَارِ، وَإِنْشَاءُ السَّحَابِ، وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ الْمُثِيرَةِ لَهَا، فَبَيَّنَ الشَّرْعُ حَقَّهَا مِنْ بَاطِلِهَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية [الرعد: ١٢-١٣] .
وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٦٨-٦٩] .
وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٤] .
وَقَالَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٢]
خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٢]، قَالَ: "شُكْرُكُمْ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، وَبِنَجْمِ كَذَا
_________________
(١) = منه ما لا يعرفه فيه غيرهم، وقد قال في الآية الثانية: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُون﴾، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُون﴾، فهل كان للعرب من علوم الزراعة وتكوين المني وخلق الإنسان ما تفهم فيه مثل هذا ومثل: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب﴾، ومثل أدوار الجنين: ﴿نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ إلخ، ومثل قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَه﴾، فإن معرفة أن تسوية الأصابع على ما هي عليه يعد من أدق تكوين الإنسان وكمال صنعته، حيث امتازت تقاسيم الجلد الكاسي لها، فلا يوجد تشابه بين شخص وآخر في هذه التقاسيم، حتى نبه الله سبحانه إليها وقال: ﴿بَلَى﴾، أي: نجمعها قادرين على جمعها وتسويتها على أدق ما يكون كما في تسوية البنان، إن هذا لا يعرفه العرب ووجه إليهم الخطاب به، وقد فهم سره في هذا العصر، وانبنى عليه علم تشبيه الأشخاص "ببصمة الأصابع"، وجعلت له إدارة تسمى "تحقيق الشخصية"، الواقع أن هذه وغيرها مما لا يحصى أمور كونية عامة يفهمها كل من توجه إليه الخطاب بفهمها والاستدلال بها على الصانع الحكيم القادر. "د". ١ انظر في ذلك كتاب "الأنواء" لابن قتيبة، و"أحكام القرآن" "٣/ ١١٤٩-١١٥٠" لابن العربي.
[ ٢ / ١١٤ ]
وَكَذَا" ١.
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وكافر [بي] " ٢ الحديث في الأنواء.
_________________
(١) ١ أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، ١/ ٨٤/ رقم ٧٣"، وأبو عوانة في "مسنده" "١/ ٢٧"،والبيهقي في "الكبرى" "٣/ ٣٥٨" من حديث ابن عباس، قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليم وسلم فقال النبي ﷺ: "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر"، قالوا هذه رحمة الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا": قال: نزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾، حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ . وأخرج اللفظ الذي أورده المصنف الترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الواقعة، ٥/ ٤٠١-٤٠٢/ رقم ٣٢٩٥"، وأحمد في "المسند" "١/ ١٠٨"، وابنه عبد الله في "زياداته عليه" "١/ ١٣١" والبزار في "البحر الزخار" "٢/ ٢٠٨/ رقم ٥٩٣"، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" "٢/ ١٠٦٨- ١٠٦٩/ ٧٧٥" من حديث علي مرفوعا، وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث إسرائيل، ورواه سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي نحوه، ولم يرفعه". قلت: رواية الوقف أشبه وأصح، وما كان ينبغي للمصنف عفا الله عنا وعنه إهمال تعليق الترمذي على الحديث، وانظر: "العلل" للدارقطني "رقم ٤٨٧". وقد صح كما قال ابن حجر في "الفتح" "٢/ ٥٢٢"، أن ابن عباس أيضا قرأ الآية: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ . علق عنه ذلك البخاري في "صحيحه" "كتاب الاستسقاء، باب ٢٨" ووصله بإسناد صحيح ابن جرير في "التفسير" "٢٧/ ٢٠٨"، وسعيد بن منصور، ومن طريقه ابن حجر في "التغليق" ٢/ ٣٩٧"، وابن مردويه في "التفسير المسند" كما في "الفتح" "٢/ ٥٢٢"، "وعمدة القاري" "٦/ ٤٥". ٢ سيأتي تخريجه "ص ٤٤٥" ومضى "١/ ٣٢١"، والحديث في "الصحيحين" وغيرهما، وما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[ ٢ / ١١٥ ]
وَفِي "الْمُوَطَّأِ" مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ: "إِذَا أَنْشَأَتْ بحرية ثم تشاءمت، فتلك عين غديقة"١.
_________________
(١) ١ أخرجه مالك في "الموطأ" "١/ ١٩٢" بلاغا، والحديث ضعيف. قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "٧/ ١٦١": "وهذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير "الموطأ" ومن ذكره إنما ذكره عن مالك في "الموطأ"، إلا ما ذكره الشافعي [في "الأم" "١/ ٢٥٥"] في كتاب الاستسقاء، [ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" "٥/ ٢٠٠/ رقم ٧٢٨١- ط قلعجي"] عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: "إذا أنشأت بحرية ثم استحالت شامية، فهو أمطر لها" وابن أبي يحيى مطعون عليه متروك، وإسحاق ابن عبد الله هو ابن أبي فروة ضعيف أيضا متروك الحديث". ثم قال: "وهذا الحديث لا يحتج به أحد من أهل العلم بالحديث؛ لأنه ليس له إسناد". وقال: "وقال الشافعي في حديثه هذا: "بحرية" بالنصب، كأنه يقول: "إذا ظهرت السحاب بحرية من ناحية البحر، ومعنى نشأت: ظهرت وارتفعت" وقال: "وناحية البحر بالمدينة الغرب"، ثم تشاءمت، أي: أخذت نحو الشام، والشام من المدينة في ناحية الشمال، يقول: إذا مالت السحابة الظاهرة من جهة الغرب إلى الشمال -وهو عندنا البحرية- ولا تميل كذلك إلا بالريح النكباء التي بين الغرب والجنوب هي القبلة، فإنها يكون ماؤها غدقا، يعني: غزيرًا معينًا؛ لأن الجنوب تسوقها وتستدرها، وهذا معروف عند العرب وغيرهم". ونحوه في "التمهيد" "٢٤/ ٣٧٧" أيضا، واستدرك ابن الصلاح في "رسالته في وصل بلاغات مالك الأربعة في الموطأ" "ص ١١-١٣" على ابن عبد البر، فوصله من طريق ابن أبي الدنيا في كتابه "المطر" عن الواقدي، قال: "وفيه استدراك على الحافظين حمزة بن محمد وابن عبد البر، وليس إسناده بذاك". قلت: وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ٤/ ١٢٤٧-١٢٤٨/ رقم ٧٢٢"، والطبراني في "الأوسط" "٨/ ٣٧٠-٣٧١/ رقم ٧٧٥٣" من طريق الواقدي عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة عن عوف بن الحارث عن عائشة به مرفوعا نحوه، قال الطبراني: "تفرد به الواقدي". قلت: وهو متروك، وعوف مقبول، وابن أبي فروة فيه كلام، فالحديث ضعيف جدا وانظر: "المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير" "ص ٢٨٢-٢٨٣" لابن قتيبة، و"الأنواء" له ص ١٧٠"، و"كنز العمال" "٧/ ٨٣٨"، و"الهيئة السنية" "ق١٠/ أ" للسيوطي، والفائق" "٣/ ٥٦"، و"النهاية" "٢/ ٤٣٧ و٣/ ٣٤٦" و"غريب الحديث" "٢/ ١٤٧" لابن الجوزي، و"توجيه النظر" "١/ ٤٠٨ و٢ / ٩١٣- ٩٢٨".
[ ٢ / ١١٦ ]
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْعَبَّاسِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ: "كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثريا؟ فقال به الْعَبَّاسُ: بَقِيَ مِنْ نَوْئِهَا كَذَا وَكَذَا"١.
فَمِثْلَ هَذَا مُبَيِّنٌ لِلْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي أَمْرِ الْأَنْوَاءِ وَالْأَمْطَارِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوه﴾ الآية [الحجر: ٢٢] .
وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فَاطِرٍ: ٩] .
إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا.
وَمِنْهَا: عِلْمُ التَّارِيخِ وَأَخْبَارُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ احْتَفَلَ٢ فِي ذَلِكَ، وَأَكْثَرُهُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ بِهَا عِلْمٌ٣، لَكِنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا كانوا ينتحلون٤.
_________________
(١) وفي الأصل: "نشأت في". ١ أخرجه الطبري في "تفسيره" "٢٧/ ٢٠٨" بإسناد فيه مجهول، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس، فالإسناد ضعيف. وذكره ابن قتيبة في كتابه "الأنواء" "ص١٤" وابن العربي في "أحكام القرآن" "٣/ ١١٤٩" من غير سند. ٢ أي: قام بالأمر فيه. ٣ هذا يعضد ما قلناه، من أنه ليس بلازم أن يكون القرآن مجاريا لما عند العرب، فيصحح صحيحه، أو يزيد عليه، أو يبطل باطله، كل هذا تكلف لا داعي إليه في هذا المقام؛ لأن الرسول بعث بالكتاب؛ ليخرج الناس كافة من الظلمات إلى النور بتعليم ما لم يعلموا، وتصحيح ما أخطأوا فيه، وتوجيه همتهم وعقولهم إلى ما فيه إصلاحهم بالعلم والعمل، سواء أكان لهذا كله أصل عند العرب أم لم يكن له أصل ولا رابطة مطلقا بين كون الشريعة أمية وكون كل ما جاءت به منطبقا على ما عند العرب، وإعجاز العرب شيء آخر لا يتوقف على ما قال، فتأمل، فالمقام جدير بالتدبر؛ لأنه إذا كان يكتفي بجنس ما كانوا يعرفون وإن لم يكن هو ولا نوعه، فما الذي يبقى حتى نحترز عنه، ولا يبعد أن يكون لبعضهم إلمام بهذه الأجناس والكائنات التي تتعلق بما ورد في الكتاب والسنة. "د".
[ ٢ / ١١٧ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم﴾ الآية [آل عمران: ٤٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هُودٍ: ٤٩] .
وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةُ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ١ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَى.
وَمِنْهَا: مَا كَانَ أَكْثَرُهُ بَاطِلًا أَوْ جَمِيعُهُ
كَعِلْمِ الْعِيَافَةِ، وَالزَّجْرِ، وَالْكِهَانَةِ، وَخَطِّ الرَّمْلِ، وَالضَّرْبِ بِالْحَصَى، وَالطِّيَرَةِ٢، فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل.
_________________
(١) ١ أخرجها البخاري في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه/ رقم ٢٣٦٨، وكتاب الأنبياء، باب "يزفون"، النسلان في المشي/ رقم ٣٣٦٢ و٣٣٦٣ و٣٣٦٤ و٣٣٦٥"، وأحمد في "المسند" "١/ ٣٤٧، ٣٦٠"، وابنه عبد الملك في "زوائد المسند" "٥/ ١٢١"، وعبد الرزاق في "المصنف" "٥/ ١٠٥/ رقم ٩١٠٧"، والنسائي في "فضائل الصحابة" رقم ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٤"، والأزرقي في "أخبار مكة" "١/ ٥٩-٦٠" وغيرهم. وقد جمعت قسما من الأحاديث الصحيحة في الأخبار التى قصها رسول الله ﷺ عمن قبلنا في كتاب بعنوان "من قصص الماضين"، وذكرت فيه القصة التي أشار إليها المصنف "ص ٨٩-١٠٤"، فانظرها فيه. ٢ فائدة في معاني الألفاظ المذكورة: - العيافة: زجر الطير، وهو أن يرى طائرا أو غرابا فيتطير، وإن لم ير شيئا، وإن قال بالحدس=
[ ٢ / ١١٨ ]
وَنَهَتْ عَنْهُ كَالْكِهَانَةِ وَالزَّجْرِ، وَخَطِّ الرَّمْلِ، وَأَقَرَّتِ الْفَأْلَ لَا مِنْ جِهَةِ تَطَلُّبِ الْغَيْبِ، فَإِنَّ الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تخرُّصٌ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بجهةٍ مِنْ تعرُّف عِلْمِ الْغَيْبِ مِمَّا هُوَ حَقٌّ مَحْضٌ، وَهُوَ الْوَحْيُ وَالْإِلْهَامُ، وَأُبْقِيَ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ﵇ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ١، وَأُنْمُوذَجٌ٢ مِنْ غَيْرِهِ لِبَعْضِ الخاصة وهو الإلهام٣ والفراسة.
_________________
(١) = أي: بالظن والتخمين- كان عيافة أيضا. - الزجر: أن تزجر طائرا أو ظبيا سانحا أو بارحا، فتطير منه، وهو ضرب من التكهن، تقول: زجرت أنه يكون كذا وكذا. - الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. -خط الرمل: يقال له علم الخط وعلم الرمل، ويقال له: "الطَرْق" -بفتح فسكون آخره قاف-، وهو علم يعرف به الاستدلال على أحوال المسألة حين السؤال، وأكثر مسائله تخمينية مبنية على التجاريب، وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفا معينا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة، فحين السؤال عن المطلوب يقتفي أوضاع البروج، وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال بسبب مدلولاتها من البروج تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج، راجع: "مفتاح السعادة" "١/ ٣٣٦"، و"كشف الظنون"" ١/ ٩١٢-٩١٣". - الضرب بالحصى: هو ضرب من التكهن والخط في التراب، يأخذ الكاهن حصيات، فيضرب بها الأرض، وينظر فيها، فيخبر بالمغيبات. - الطِيَرَة- بكسر ففتح وبسكون الياء- هي ما يتشاءم به من الفأل الرديء ١ وسيأتي الحديث وتخريجه "ص٤١٩". ٢ الأنموذج قال في "المصباح: "بضم الهمزة، ما يدل على صفة الشيء، وهو معرب، وفي لغة نموذج -بفتح النون والذال معجمة مفتوحة مطلقا-، قال الصغاني: "النموذج: مثال الشيء الذي يعمل عليه". "ماء / ص١٤٢". ٣ كما حصل لعمر وغيره. قلت: ولا بد من التنبه إلى أن الإلهام لا يصح أن يكون دليلا كليًّا عامًّا تبنى عليه الأحكام، كما هو عند بعض أهل البدع، وانظر في ذلك: "القائد لتصحيح العقائد" "ص ٣٧ وما بعدها"، و"مجموع الفتاوى" "٥/ ٤٩١"، و"الجواب الصحيح" "٢/ ٩٢"، و"تفسير القرطبي" "٤/ ٢١ و٧/ ٣٩ و١١/ ٤٠-٤١".
[ ٢ / ١١٩ ]
وَمِنْهَا: عِلْمُ الطِّبِّ
فَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ مِنْهُ شَيْءٌ لَا عَلَى مَا عِنْدَ الْأَوَائِلِ، بَلْ مَأْخُوذٌ مِنْ تَجَارِيبِ الْأُمِّيِّينَ، غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى عُلُومِ الطَّبِيعَةِ الَّتِي يُقَرِّرُهَا الْأَقْدَمُونَ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمَسَاقِ جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ جَامِعٍ شافٍ١ قليلٍ يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى كَثِيرٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١] .
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ التَّعْرِيفُ بِبَعْضِ الْأَدْوِيَةِ لبعض الأدواء٢، وأبطل من
_________________
(١) ١ قال ابن القيم في "زاد المعاد" [٤/ ٦-٧]: "وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة، وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع في كتابه، فحمى المريض من استعمال الماء خشية الضرر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] . فأباح التيمم للمريض حمية له كما أباحه للعادم، وقال في حفظ الصحة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظا لصحته لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقة السفر، فيضعف القوة والصحة، وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه وهو محرم أن يحلق رأسه ويستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القمل كما حصل لكعب بن عجرة، أو تولد عليه المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئا وصورة تنبيها بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم وحفظ صحتهم واستفراغ مواد أذاهم، رحمة لعباده ولطفا بهم ورأفة، وهو الرؤوف الرحيم". "د". قلت: والمنقول بتصرف كبير عن ابن القيم. ٢ يشير المصنف في عبارته إلى عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، ١٠/ ١٣٩/ رقم ٥٦٨٤، وباب دواء المطعون، ١٠/ ١٦٨=
[ ٢ / ١٢٠ ]
ذَلِكَ مَا هُوَ بَاطِلٌ، كَالتَّدَاوِي بِالْخَمْرِ١، وَالرُّقَى الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا٢.
وَمِنْهَا: التَّفَنُّنُ فِي عِلْمِ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ
وَالْخَوْضُ فِي وُجُوهِ الْفَصَاحَةِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي أَسَالِيبِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مُنْتَحَلَاتِهِمْ، فَجَاءَهُمْ بِمَا أَعْجَزَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
_________________
(١) = رقم ٥٧١٦"،ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، ٤/ ١٧٣٦ - ١٧٣٧/ رقم ٢٢١٧" عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا أتي النبي ﷺ، فقال: أخي يشتكي بطنه. فقال: "اسقه عسلا". ثم آتاه الثانية، فقال "اسقه عسلا" ثم أتاه الثالثة، فقال: "اسقه عسلا"، ثم أتاه، فقال، فعلت. فقال: "صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا"، فسقاه، فبرأ. ويصلح للاستشهاد على ما ذكره المصنف كثيرا من أحاديث الطب في "صحيح البخاري"، ولا سيما "باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وباب الشفاء في ثلاث، وباب الدواء بألبان الإبل، وباب الدواء بأبوال الإبل، وباب الحبة السوداء، وباب التلبينة للمريض، وباب السعوط، وباب السعوط بالقسط الهندي والبحري"، وكذلك ما جاء في الحجامة، وغير حديث مما ورد تحت هذه الأبواب في "صحيح مسلم" "كتاب السلام"، ولا نتوسع في ذكر ذلك، والمذكور يكفي، والله الموفق. ١ يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر، ٣/ ١٥٧٣/ رقم ١٩٨٤" عن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه، أو كره أن يصنعها. فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء". ٢ يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، ٤/ ١٧٢٧/ رقم ٢٢٠٠" عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا نرقي في الجاهلية. فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
[ ٢ / ١٢١ ]
وَمِنْهَا: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ ١
[وَقَدْ قَالَ تَعَالَى] ٢: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا [لِلنَّاس] ٢ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٨] إِلَّا ضَرْبًا وَاحِدًا، وَهُوَ الشِّعْرُ، فَإِنَّ اللَّهَ نَفَاهُ وَبَرَّأَ الشَّرِيعَةَ مِنْهُ، قَالَ تعالى في حكايته عن الكفار: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٣٦]، أَيْ: لَمْ يَأْتِ بِشِعْرٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الآية [يس: ٦٩] .
وَبَيَّنَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٢٤-٢٢٦] .
فَظَهَرَ أَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ مَبْنِيًّا٣ عَلَى أَصْلٍ، وَلَكِنَّهُ هَيَمَانٌ عَلَى غَيْرِ تَحْصِيلٍ، وَقَوْلٌ لَا يُصَدِّقُهُ فِعْلٌ، وَهَذَا مُضَادٌّ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى.
فَهَذَا أُنْمُوذَجٌ يُنَبِّهُكَ عَلَى٤ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِ الْعَرَبِ الْأُمِّيَّةِ.
وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الِاتِّصَافِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَا يَنْضَافُ إِلَيْهَا، فَهُوَ أَوَّلُ مَا خُوطِبُوا بِهِ، وَأَكْثَرُ مَا تَجِدُ ذَلِكَ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، مِنْ حيث كان آنس لهم،
_________________
(١) ١ المثل عند البيانيين هو المركب الذي يفشو استعماله على سبيل الاستعارة، فإن فشا استعماله وكان من باب الحقيقة نحو: السعيد من اتعظ بغيره، أو التشبيه نحو: فلان كالخمر يُشتهى شربها ويُخشى صداعها، فهذا هو الذي يعبرون عنه بما يجري مجرى المثل، والذين صنفوا في الأمثال، كأبي عبيدة، والزمخشري، وابن قتيبة، والميداني، وابن الأنباري، وابن هلال أرادوا من المثل القول السائر مطلقا سواء كان استعارة أو تشبيها أو حقيقة. "خ". ٢ سقط ما بين المعقوفتين من الأصل. ٣ في "ط": "بمبني". ٤ في الأصل: "فيما".
[ ٢ / ١٢٢ ]
وَأُجْرِيَ عَلَى مَا يُتَمَدَّحُ بِهِ عِنْدَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النَّحْلِ: ٩٠] إِلَى آخِرِهَا١.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] إِلَى انْقِضَاءِ تِلْكَ الْخِصَالِ.
[وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِه﴾] ٢ [الْأَعْرَافِ: ٣٢]
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى.
لَكِنْ أُدْرِجَ فِيهَا مَا هُوَ أَوْلَى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْإِشْرَاكِ وَالتَّكْذِيبِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، وَأَبْطَلَ لَهُمْ مَا كَانُوا يُعِدُّونَهُ كَرْمًا وَأَخْلَاقًا حَسَنَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ مَا يُرْبِي عَلَى الْمَصَالِحِ الَّتِي تَوَهَّمُوهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٠] .
ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ خُصُوصًا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا فِي الْفَسَادِ أَعْظَمُ مِمَّا ظَنُّوهُ فِيهِمَا صَلَاحًا، لِأَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ تُشَجِّعُ الْجَبَانَ، وَتَبْعَثُ الْبَخِيلَ عَلَى الْبَذْلِ، وَتُنَشِّطُ الْكُسَالَى، وَالْمَيْسِرُ كَذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ مَحْمُودًا لِمَا كَانُوا يَقْصِدُونَ بِهِ مِنْ إِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْعَطْفِ عَلَى المحتاجين، وقد قال تعالى:
_________________
(١) ١ بعدها في نسخة "ماء / ص ١٤٧": "فما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك، إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية. ٢ سقط ما بين المعقوفتين من الأصل.
[ ٢ / ١٢٣ ]
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا ١ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] .
وَالشَّرِيعَةُ [كُلُّهَا] ٢ إِنَّمَا هِيَ تَخَلُّقٌ بمكارمِ الْأَخْلَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ" ٣.
إِلَّا أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا كَانَ مَأْلُوفًا وَقَرِيبًا مِنَ الْمَعْقُولِ الْمَقْبُولِ، كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا خُوطِبُوا بِهِ، ثُمَّ لَمَّا رَسَخُوا فِيهِ تَمَّمَ لَهُمْ مَا بَقِيَ، وَهُوَ:
الضَّرْبُ الثَّانِي:
وَكَانَ مِنْهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فأُخِّرَ، حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِهِ تَحْرِيمُ الرِّبَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ الَّذِي كان معهودا٤ عندهم على الجملة.
_________________
(١) ١ في "خ": "فيها". ٢ ليست في الأصل. ٣ مضى تخريجه "ص ٤١". ٤ لو لم يكن للعرب عهد بالتعرف عن مكارم الأخلاق رأسا، ثم جاء الرسول ببيان الفضائل والرذائل من الأخلاق، لما وسعهم بعد التصديق بالرسالة إلا الأخذ بالمكارم، كما هو الحال فيما أخطئوا فيه من أصولها، كوأد البنات والربا، والخمر، والسلب والنهب، وغيرها من الرذائل التي تأصلت فيهم، ومع ذلك، فالإيمان بكتاب الله وسنة رسوله طهرتهم من هذه الأرجاس تطهيرا، فلا علاقة لأمية الشريعة بهذه المباحث، ولا توجد أمة من الأمم إلا وفيها شيء من المكارم وشيء من الرذائل، لا خصوصية لجاهلية العرب، بل هذا في كل جاهلية. "د". قلت: خلتان فضلت بهما العرب على سائر الناس: الأولى الصدق، والثانية الجود، فالصدق بناء العبادات، والجود بناء المعاملات، ويعبر عن الأصلين بالصلاة والزكاة ألا ترى كيف كانوا يمدحون بهاتين الصفتين؟ قال صخر أخو الخنساء يرثي أخا لها: وطيب نفسي أنني لم أقل له كذبت ولم أبخل عليه بماليا أفاده الفراهي في "القائد" "ص ١٨٣".
[ ٢ / ١٢٤ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِلْعَرَبِ أَحْكَامٌ١ عِنْدِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ، كَمَا قَالُوا فِي الْقِرَاضِ، وَتَقْدِيرِ الدِّيَةِ وَضَرْبِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْقَافَةِ٢، وَالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَالْحُكْمِ فِي الْخُنْثَى، وَتَوْرِيثِ الْوَلَدِ لِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْقَسَامَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ.
ثُمَّ نَقُولُ: لَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ حَتَّى خُوطِبُوا٣ بِدَلَائِلِ التَّوْحِيدِ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ سَمَاءٍ، وَأَرْضٍ، وَجِبَالٍ، وَسَحَابٍ، وَنَبَاتٍ وَبِدَلَائِلِ الْآخِرَةِ وَالنُّبُوَّةِ كَذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْبَاقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرَائِعِ الأنْبياء شَيْءٌ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَبِيهِمْ، خُوطِبُوا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَدُعُوا إِلَيْهَا، وَأَنَّ مَا جاء به محمد صلى الله عليهوسلم هِيَ تِلْكَ بِعَيْنِهَا: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية [آل عمران: ٦٧] .
غَيْرَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جُمْلَةً مِنْهُمْ، وَزَادُوا، وَاخْتَلَفُوا، فَجَاءَ تَقْوِيمُهَا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأُخْبِرُوا بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا هُوَ لَدَيْهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأُخْبِرُوا عَنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَأَصْنَافِهِ بِمَا هُوَ مَعْهُودٌ فِي تَنَعُّمَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، لَكِنْ مُبَرَّأٌ مِنَ الْغَوَائِلِ والآفات التي تلازم التنعم٤ الدُّنْيَوِيَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٧-٣٠] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
وبَيَّنَ مَنْ مَأْكُولَاتِ الْجَنَّةِ وَمَشْرُوبَاتِهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، كَالْمَاءِ،
_________________
(١) ١ لعلها بعض ميراثهم من أبيهم إبراهيم، كما يقول بعد. "د". ٢ أي: تبع أثره. "قاموس". ٣ خوطب الناس كلهم بِدَلَائِلِ التَّوْحِيدِ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ إلخ، فليس هذا خاصا بهم، وهو واضح "د". ٤ كذا في "ط"، وفي غيره: "التنعيم".
[ ٢ / ١٢٥ ]
وَاللَّبَنِ، وَالْخَمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالنَّخِيلِ، وَالْأَعْنَابِ، وَسَائِرِ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ مَأْلُوفٌ دُونَ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَوَاكِهِ الْأَرْيَافِ وَبِلَادِ الْعَجَمِ، بَلْ أَجْمَلَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْفَاكِهَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]
فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ، وَقَدْ كَانُوا عَارِفِينَ بِالْحِكْمَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ حُكَمَاءُ، فَأَتَاهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ بِمَا عَجَزُوا عَنْ مِثْلِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ أَهْلُ وَعْظٍ وَتَذْكِيرٍ، كقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ١ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُجَادِلْهُمْ إِلَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْجَدَلِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْقُرْآنَ وَتَأَمَّلَ كَلَامَ الْعَرَبِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ٢، وَجَدَ الْأَمْرَ سَوَاءً إِلَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ مِنَ الْخَوَاصِّ الْمَعْرُوفَةِ.
وَسِرْ فِي جَمِيعِ مُلَابَسَاتِ الْعَرَبِ هَذَا السَّيْرَ، تَجِدِ الْأَمْرَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَضَحَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لَمْ تَخْرُجْ عما ألفته العرب٣.
_________________
(١) ١ جاء خبر تذكيره في حديث طويل مشهور على الألسنة، وفي كتب التاريخ، وروي في حديث أن النبي ﷺ سمع منه كلاما لم يحفظه حتى رواه له بعض الصحابة عنه، وقال في آخره: "رحم الله قُسًّا، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة واحدة" وله طرق ولم يثبت، كما قاله ابن القيم في "الفوائد الحديثية" "ص١٠١/ ١٠٦"، وفصلنا علله في التعليق عليه، وانظر -غير مأمور: "حديث قُسِّ بن ساعدة الإيادي" لابن درستويه، وهو مطبوع. ٢ الحكمة والوعظ والجدل يتوقف عليها إصابة الدعوة وإرشاد الخلق، ولو لم يكن عندهم قوة فيها ولا ولع بها؛ لأنها دعوة إلى هدم عقائد، وتصحيح معارف، وتمهيد طريق جديد للسير عليه في طريق عبادة الله وحده، وطريق معاملتهم بعضهم لبعض، فلا بد لها من اجتماع هذه القوى الثلاثة لوصول إلى الغاية من الرسالة، وعلى كل حال، فليس بلازم في كون الشريعة أمية أن تكون جاءت مسايرة لهم في شئونهم، بل معنى كونها أمية ما قدمناه في أول المسألة، وأما كون ما جاءت به كان عندهم منه شيء أو لم يكن، فهذا لا شأن له بهذا المبحث، ولا يتوقف عليه. "د". ٣ انظر في معنى كون الأمة المحمدية أمة أمية: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٦/ ١٩٠، ١٧/ ٤٣٤- ٤٣٦ و٢٥ / ١٦٩- ١٧٢"، و"أحكام القرآن" "٣/ ٤٤٣" للجصاص، و"تفسير القرطبي" "٧/ ٢٩٨"، و"البحر المحيط" "٤/ ٤٠٣" لأبي حيان، و"روح البيان" "٣/ ٢٥٥"، والتحرير والتنوير" "٩/ ١٣٣".
[ ٢ / ١٢٦ ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
مَا تَقَرَّرَ مِنْ أُمِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِهَا وَهُمُ الْعَرَبُ، يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ:
- مِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَجَاوَزُوا فِي الدَّعْوَى عَلَى الْقُرْآنِ الْحَدَّ، فَأَضَافُوا إِلَيْهِ كُلَّ عِلْمٍ يُذْكَرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ أَوِ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْ عُلُومِ الطَّبِيعِيَّاتِ، وَالتَّعَالِيمِ١، وَالْمَنْطِقِ، وَعِلْمِ الْحُرُوفِ٢، وَجَمِيعِ مَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُونَ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ وَأَشْبَاهِهَا، وَهَذَا إِذَا عَرَضْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَى هَذَا، فَإِنَّ٣ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِالْقُرْآنِ وَبِعُلُومِهِ وَمَا أُودِعَ فِيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمُدَّعَى، سِوَى مَا تَقَدَّمَ٤، وَمَا ثَبَتَ٥ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ، وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَمَا يَلِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ خَوْضٌ وَنَظَرٌ، لَبَلَغَنَا مِنْهُ مَا يدلنا على أصل المسألة، إلا أن
_________________
(١) ١ أي: الرياضيات من الهندسة وغيرها. "د". ٢ يعلم من هذا البحث [أن] تفسير القرآن بالمعاني التي تخطر على قلوب المتصوفة غير صحيح، كقول بعضهم في قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، هذا خطاب للجوارج حال الدعاء، والمراد من الأخ القلب ومن الأب الجسم، ومثل هذا النوع لم ينقل عن السلف، وإنما هو وليد مذهب الباطنية الذين يوجسون في أنفسهم المكيدة للشريعة بسوء التأويل حتى تتعطل أحكامها وتنطمس أعلام حقائقها. "خ". ٣ في نسخة "ماء / ص ١٤٢": " لم يصح، وأيضًا، فإن السلف". ٤ في المسألة قبلها. "د". ٥ في نسخة ماء / ص ١٤٩": "بث".
[ ٢ / ١٢٧ ]
ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ عِنْدَهُمْ١، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُقْصَدْ٢ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِشَيْءٍ مِمَّا زَعَمُوا، نَعَمْ، تَضَمَّنَ عُلُومًا هِيَ مِنْ جِنْسِ عُلُومِ الْعَرَبِ، أَوْ مَا يَنْبَنِي٣ عَلَى مَعْهُودِهَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ٤ مِنْهُ أُولُو الْأَلْبَابِ، وَلَا تَبْلُغُهُ إِدْرَاكَاتُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ دُونَ الِاهْتِدَاءِ بِإِعْلَامِهِ وَالِاسْتِنَارَةِ بِنُورِهِ، أَمَا أَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ، فلا٥.
_________________
(١) ١ في الأصل: "لهم". ٢ كونه لم يقصد فيه تقرير شيء من هذه العلوم الكونية ظاهر؛ لأنه ليس بصدد ذلك، أما كونه لا يجيء في طريق دلائله على التوحيد ما ينبني عليه التوسع في إدراكها وإتقان معرفتها إذا لم يكن معروفا عند العرب، فهو محل نظر. "د". ٣ كالجدل المأخوذ فيه مقدمات معهودة للعرب، بل ولغيرهم كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَات﴾ إلخ، فإنه لولا توجيه الأفكار إليه للاستدلال به والمحاجة، ما بلغته العقول الراجحة. "د". ٤ في الأصل: "تعجب". ٥ وهل كل ما تضمنه القرآن من أوصاف نعيم الجنة وعذاب النار من معهود العرب في الدنيا؟ وهل مثل الإسراء والمعراج من معهوداتهم؟ أما أصل الموضوع، فمسلم أنه لا يصح أن يتكلف في فهم كتاب الله بتحميله لما لا حاجة بالتشريع والهداية إليه من أنواع العلوم الكونية، ولكن قصره بطريق القطع على ما عند العرب في علمها ومألوفها، فهذا ما لا سبيل إليه، ولا حاجة له: "د". قلت: تلقى الباحثون والمطلعون كلام المصنف هذا بعناية فائقة، واستفادوا منه في موضوع "التفسير العلمي للقرآن"، وقد وقفوا عنده طويلا وناقشوه، وقلبوا النظر فيه بين مؤيد ومخالف، تجد تفصيل ذلك في "التحرير والتنوير" "١/ ٤٤، ٤٥"، لابن عاشور، و"القرآن العظيم، هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين" "ص٢٦٠ وما بعدها" لمحمد صادق عرجون، و"التفسير، معالم حياته، منهجه اليوم" "ص١٩-٢٧"، و"مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب" "ص٢٨٧-٢٩٦" كلاهما لأمين الخولي، وفيه تأييد وتدعيم لكلام الشاطبي هذا بأدلة كثيرة، ثم ظفرت بكلامه في كتابيه السابقين في مادة "تفسير" في "دائرة المعارف الإسلامية" "٥/ ٣٤٨-٣٧٤" له أيضا، و"اتجاهات التفسير في العصر الراهن" "ص٢٩٧-٣٠٢" لعبد المجيد المحتسب. وانظر في التفسير العلمي أيضا: "مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه" "ص٢٣١-٢٥٠" لعدنان زرزور، و"التفسير العلمي للقرآن في الميزان" لأحمد عمر أبو حجر.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى دَعْوَاهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨]
وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِفَوَاتِحِ السُّوَرِ وَهِيَ مِمَّا لَمْ يُعْهَدْ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَبِمَا نُقِلَ عَنِ النَّاسِ فِيهَا، وَرُبَّمَا حُكِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَغَيْرِهِ أَشْيَاءُ١.
فَأَمَّا الْآيَاتُ، فَالْمُرَادُ بِهَا عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ، أَوِ٢ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَضَمُّنَهُ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ.
وَأَمَّا فَوَاتِحُ السُّوَرِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْعَرَبِ بِهَا عَهْدًا، كَعَدَدِ الْجُمَّلِ الَّذِي تَعَرَّفُوهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، حسبما ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السِّيَرِ، أَوْ هِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِمَا لَا عَهْدَ بِهِ٣، فَلَا يَكُونُ، وَلَمْ يدَّعِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ تقدم، فلا دليل فيها على ما
_________________
(١) ١ انظر: "الدر المنثور" "١/ ٥٦-٥٩"، وسيأتي قريبا تضعيف المصنف لما ورد عن علي في ذلك. ٢ في الأصل: "و". ٣ أي: من فهمها على أنها أسرار ورموز لحقائق أو أحداث حاصلة أو تحصل، من مثل ما يشير إليه الألوسي في مقدمة "التفسير". "د". قلت: وأورد الرازي في "تفسيره" "١/ ١٥٠-١٥١"، والنيسابوري في "غرائبه" "١/ ١١٩-١٢٠" نصين فيهما نحو ما ذكر المصنف، انظر مناقشتهما في "براعة الاستهلال في فواتح القصائد والسور" "ص١١٧ وما بعدها"، وتجد تفسيرا لهذه الحروف بما لا عهد للسلف به في كتب الصوفية، مثل: "شمس المعارف الكبرى"، و"خزينة الأسرار الكبرى" "ص١٠٨ وما بعدها" وكذا في "رسائل إخوان الصفا" "٤/ ١٩١"، وكذا في الرسالة النيروزية" "ص٩٢" لابن سينا، وابن أبي الأصبع في كتابه: "الخواطر السوانح في أسرار الفواتح" وهو مطبوع، وكذا في كتب المستشرقين، انظر ما نقله زكي مبارك عن أستاذه بلانشو في "النثر الفني في القرن الرابع" "١/ ٤٠"، وانظر ما سيأتي "٣/ ٣٢٦" مع تعليقنا عليه.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ادَّعوا، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فِي هَذَا لَا يَثْبُتُ١؛ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْقُرْآنِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْكَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ، وَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي الِاسْتِعَانَةِ عَلَى فَهْمِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُضَافُ عِلْمُهُ إِلَى الْعَرَبِ خاصة٢،
_________________
(١) ١ ولم يعرف عن أحد في هذه الأمة كُذِبَ عليه ما كذب على علي رضوان الله عليه، وأوضح الكذب وأبينه عليه ما زعموه في "الجفر" على نحو ما بيناه في المجموعة الأولى من كتابنا "كتب حذر منها العلماء"، والله الموفق. ٢ لو قال: جمهور الناس لا خاصتهم لكان أحسن؛ لأن الخطاب به لكل من بلغه، فقد يفقه بعضه بغير ما يضاف إلى العرب كما ورد: "بلغوا عني ولو آية، قرب مبلغ أوعى من سامع". على أنه لم ينقل فيما سبق نسبة علم الحيوان المسمى بالتاريخ الطبيعي إلى العرب، ولم ينقل أحد أنهم اشتغلوا به، "وليكن على ذكر منك أنه إذا قال في هذا المقام: "العرب، فإنما يعني الذين كانوا في عهد الرسول ﵇"، فعلى رأي المؤلف لا يجوز لنا أن نتوصل إلى فهم مثل آيتي سورة النحل في تكوين اللبن والعسل وما فيهما من أعاجيب ربنا في صنعه، لا يجوز لنا أن نتوصل إلى ذلك من علم حياة النحل وحياة الحيوان ذي الدر، مع أنه لا يمكن أن تتم العظة والاعتبار الذي يشير إليه الكتاب في آخر كل آية منهما: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾، ﴿يَعْقِلُون﴾ لا يتم ذلك على وجهه إلا بمعرفة تكوين العسل واللبن، في علم حياة النحل وغيره، وكذا لا يتم فهم: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ على وجهها إلا بعد معرفة ما يصلح من الأمراض أن يكون العسل دواء له، وما لا يصلح بل يكون ضارًّا، ويترتب عليه أن تكون اللام في الناس للجنس أو العموم، وهكذا، والواقع أن كتاب الله للناس كلهم يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، وإلا لاستوى العرب أنفسهم في الفهم للكتاب، والأمر ليس كذلك، ألا ترى إلى قول علي: "إلا فهما يعطاه الرجل في كتاب الله" الحديث. "د".
[ ٢ / ١٣٠ ]
فَبِهِ١ يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ مَا أُودِعَ مِنَ الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغيره مَا هُوَ أَدَاةٌ لَهُ، ضَلَّ عَنْ فَهْمِهِ، وتقوَّل عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ:
- وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ مِنِ اتِّبَاعِ مَعْهُودِ الْأُمِّيِّينَ، وَهُمُ الْعَرَبُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَرَبِ فِي لِسَانِهِمْ عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ، فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْرَى فِي فَهْمِهَا عَلَى مَا لَا تَعْرِفُهُ٢.
وَهَذَا جارٍ فِي الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ وَالْأَسَالِيبِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْهُودَ الْعَرَبِ أَنْ لَا تَرَى الْأَلْفَاظَ تَعَبُّدًا عِنْدَ مُحَافَظَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَتْ تُرَاعِيهَا أَيْضًا، فَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهَا بِمُلْتَزَمٍ، بَلْ قَدْ تَبْنِي عَلَى أَحَدِهِمَا مَرَّةً، وَعَلَى الْآخَرِ أُخْرَى، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ كَلَامِهَا وَاسْتِقَامَتِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ:
أَحَدُهَا:
خُرُوجُهَا٣ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَوَانِينِ الْمُطَّرِدَةِ وَالضَّوَابِطِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَجَرَيَانُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَنْثُورِهَا عَلَى طَرِيقِ مَنْظُومِهَا٤، وإن
_________________
(١) ١ في الأصل: "فيه". ٢ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٥/ ١٦٨"، والاعتصام" "٢/ ٢٩٧"، و"تفسير ابن جرير" "١/ ٧- المقدمة"، و"الرسالة" "ص٥١، ٥٢، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧"، و"مختصر الصواعق المرسلة" "١/ ١٥"، و"الإبانة" "ص٥٤- جامعة الإمام". ٣ أي: فيصح أن يجري ذلك في القرآن، ولكن بشرط أن لا يكون شاذًّا ونادرًا يخل بالفصاحة، فإن هذا -وإن كان جاريا في كلام العرب- لا يصح أن يقال به في الكتاب "د". ٤ أي: في تجويز مخالفات للقياس المطرد، كصرف ما لا ينصرف، ومد المقصور وعكسيه، مع أنه أجيز في الشعر لضرورة الوزن ولا توجد ضرورة في النثر لمثله، فقوله: "وجريانها" عطف خاص على عام للبيان. "د".
[ ٢ / ١٣١ ]
لَمْ يَكُنْ بِهَا حَاجَةٌ، وَتَرْكُهَا لِمَا هُوَ أَوْلَى فِي مَرَامِيهَا، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ قَلِيلًا فِي كَلَامِهَا وَلَا ضَعِيفًا، بَلْ هُوَ كَثِيرٌ قَوِيٌّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الِاسْتِغْنَاءَ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ عَمَّا يرادفها أَوْ يُقَارِبُهَا، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا وَلَا اضْطِرَابًا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَالْكَافِي مِنْ ذَلِكَ نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ١، كُلُّهَا شافٍ كافٍ٢، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الْعَارِفِينَ بِالْقُرْآنِ٣ كَثِيرٌ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ أَهْلُ الْقِرَاءَاتِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عِنْدَهُمْ مِمَّا وَافَقَ الْمُصْحَفَ، وَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ قَارِئُونَ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ شك ولا إشكال، وإن كان بين القرائتين مَا يَعُدُّهُ النَّاظِرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ اخْتِلَافًا فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بِحَسَبِ مقصود الخطاب، كـ: ﴿مَالِكِ﴾ و"مَلِكِ" [الفاتحة: ٤] . "د".
﴿وَمَا يَخْدَعُون َ٤ إِلَّا أَنْفُسَهُم﴾، [البقرة: ٩] .
_________________
(١) ١ ومن ذلك تبديل لفظ بآخر، كتبينوا وتثبتوا مثلا. "د". ٢ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف متواتر، ووردت لفظة: "كلها شافٍ كافٍ" في حديث أبي بن كعب عند أحمد في "المسند" "٥/ ١٢٤"، وابنه عبد الله في "زياداته" "٥/ ١٢٤، ١٢٥"، وأبي داود "١٤٧٧"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" "رقم ٦٧٠"، وابن جرير في مقدمة "التفسير" "١/ ١٥"، والضياء في "المختارة" "٣/ رقم ١١٧٣، ١١٧٤، ١١٧٥، ١١٧٦"، وإسناده صحيح، وجمع طرقه الشيخ عبد الفتاح القاري في جزء مفرد وهو مطبوع. وللحديث لفظ آخر يأتي قريبا "ص١٣٨". ٣ في "خ" زيادة: "على"، والصواب حذفها. ٤ انظر ما تقدم: "١/ ٥٣٧".
[ ٢ / ١٣٢ ]
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾، "لَنُبَوِّينَّهُمْ١ [مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا] ٢" [العنكبوت: ٥٨] .
إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا٣ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بِحَسَبِ فَهْمِ مَا أُرِيدَ مِنَ الْخِطَابِ، وَهَذَا كَانَ عَادَةَ الْعَرَبِ.
أَلَا تَرَى مَا حَكَى ابْنُ جِنِّي٤ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ٥ أَيْضًا، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا الرُّمَّةِ يُنْشِدُ:
وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لها سترا٦
فقلت: أنشدني: "من بائس"، فقال: "يابس" و"بائس" وَاحِدٌ.
فَأَنْتَ تَرَى ذَا الرُّمَّةِ لَمْ يَعْبَأْ بِالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْبُؤْسِ وَالْيُبْسِ، لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْبَيْتِ قَائِمًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَصَوَابًا عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَحْوَلِ: "الْبُؤْسُ وَالْيُبْسُ وَاحِدٌ"، يَعْنِي: بِحَسَبِ قَصْدِ الكلام لا بحسب تفسير اللغة٧.
_________________
(١) ١ بالثاء المثلثة على ما قرأها حمزة والكسائي كما في "السبعة" "٥٠٢"، وكذا في الأصل و"ط". ٢ في "خ": "لنبوينهم"، وما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٣ كما في قوله تعالى: ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، بكسر اللام للتعليل أو بفتحها على أنها فارقة. "د". ٤ في "الخصائص" "٢/ ٤٦٩- ط العراقية" ٥ في "ط": "وحكاه غيره" ٦ الشخت: الحطب الدقيق، ولم أر تعليقا على البيت في كتب الأدب، ويلوح أن الضمائر المؤنثة في البيت كناية عن النار يذكيها البدوي بالوقود ويستعين على إشعالها بالريح، ثم يجلس إليها للاصطلاء وتدفئة يديه وأطرافه من البرد. "د". قلت: والبيت في "ديوانه" "١٧٦"،وله رواية أخرى في "اللسان" "مادة فوت" ٧ فمادة البؤس تدور على الشدة من الشجاعة وغيرها، ومادة اليبس تدور على الجفاف بعد الرطوبة ويلزمها الشدة ضد اللين، فهما متغايران متلازمان. "د".
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَنْشَدَنِي ابْنُ الأعرابي:
وموضع زبن١ لَا أُرِيدُ مَبِيتَهُ كَأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوْعِ آنِسُ٢
فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَيْسَ هَكَذَا أَنْشَدْتَنَا، [وَإِنَّمَا أَنْشَدْتَنَا] ٣: "وَمَوْضِعُ ضِيقٍ" فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَصْحَبُنَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ولا تعلم أن الزبن٤ وَالضِّيقَ وَاحِدٌ؟!
وَقَدْ جَاءَتْ أَشْعَارُهُمْ عَلَى رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَبِأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ، يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَلْتَزِمُونَ٥ لَفْظًا وَاحِدًا عَلَى الْخُصُوصِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مُرَادِفُهُ أَوْ مُقَارَبُهُ عَيْبًا أَوْ ضَعْفًا، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَا يَكُونُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ مَحْمُولًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا مَعْهُودُهَا الْغَالِبُ مَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّهَا قَدْ تُهْمِلُ بَعْضَ أَحْكَامِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَتْ تَعْتَبِرُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَمَا اسْتَقْبَحُوا الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا لَهُ لَفْظٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ لَفْظٌ، فَقُبِّحَ "قُمْتُ وَزِيدٌ" كَمَا قُبِّحَ "قَامَ وَزِيدٌ"، وَجَمَعُوا في الردف بين "عمود" و"يعود" مِنْ غَيْرِ اسْتِكْرَاهٍ، وَوَاوُ عَمُودٍ أَقْوَى فِي المد،
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، وهو الصواب، وأورده هكذا ابن جني في "الخصائص" "٢/ ٤٦٩"، وابن منظور في "اللسان" "مادة ز ب ن، ١٣/ ١٩٥"، وقال: "ومقام زبن: إذا كان ضيقا لا يستطيع الإنسان أن يقوم عليه في ضيقه وزلقه"، وفي "المفضليات" "٢٢٥": "ومنزل ضنك"، وتصحف في النسخ المطبوعة من "الموافقات" إلى "زير" بياء آخر الحروف وراء، ولذا كتب "د" في الهامش: "المعنى المناسب للضيق في الزير أنه الدن"!! انتهى. قلت: ومعنى البيت: قد أنست بهذا المنزل لما نزلت به من شدة ما بي من الروع، وإن كان ضيقا ليس بموضع نزول. ٢ من قصيدة المرقش الأكبر في "المفضليات" "ص٢٢٥". ٣ سقطت من الأصل و"ط" والنسخ المطبوعة كلها، وأثبتناها من "الخصائص" "٢/ ٤٦٩" لابن جني. ٤ سبق في هامش١ ٥ في "ط": "أنهم ما كانوا يلتزمون".
[ ٢ / ١٣٤ ]
وجمعوا بين "سعيد" و"عمود" مَعَ اخْتِلَافِهِمَا، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأَلْفَاظُ فِي قِيَاسِهَا النَّظَرِيِّ، لَكِنَّهَا تُهْمِلُهَا وَتُولِيهَا جَانِبَ الْإِعْرَاضِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَمِ تَعَمُّقِهَا فِي تَنْقِيحِ لِسَانِهَا.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّ الْمَمْدُوحَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ مَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ تَكَلُّفِ الِاصْطِنَاعِ، وَلِذَلِكَ إِذَا اشْتَغَلَ الشَّاعِرُ الْعَرَبِيُّ بِالتَّنْقِيحِ اخْتُلِفَ فِي الْأَخْذِ عَنْهُ، فَقَدْ كَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَعِيبُ الْحُطَيْئَةَ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ١:
"وَجَدْتُ شِعْرَهُ كُلَّهُ جَيِّدًا" فَدَلَّنِي عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصْنَعُهُ، وَلَيْسَ هَكَذَا الشَّاعِرُ الْمَطْبُوعُ، إِنَّمَا الشَّاعِرُ الْمَطْبُوعُ الَّذِي يَرْمِي بِالْكَلَامِ عَلَى عَوَاهِنِهِ٢، جَيِّدِهِ عَلَى رَدِيئِهِ"،وَمَا قَالَهُ هُوَ الْبَابُ الْمُنْتَهَجُ، وَالطَّرِيقُ الْمَهَيْعُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَمِنْ زَاوَلَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَقَفَ مِنْ هَذَا عَلَى عِلْمٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لِلْمُتَكَلِّمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِيهِمَا٣ فَوْقَ مَا يَسَعُهُ لِسَانُ الْعَرَبِ، وَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الِاعْتِنَاءَ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ تَعْتَنِيَ الْعَرَبُ به، والوقوف عند ما حدته٤.
_________________
(١) ١ قوله في "الأغاني" "٢/ ٤٣- ٤٤" بنحوه. ٢ أي: عواجله وحواضره. ٣ هذه النتيجة ليست هي المنتظرة في هذين الوجهين الأخيرين، بل كان ينتظر أن يأتي من الكتاب أو الحديث بما فيه إهمال بعض أحكام اللفظ، أو ما رمي به الكلام على عواهنه جيده على غير جيده، ولعل ذلك لا يكون في الكتاب والسنة أصلا، وإذا كان هكذا كان المناسب حذف هذين الوجهين من المقام. "د". ٤ في الأصل: "حدث"، وانظر في معنى ما ذكره المصنف: "مجاز القرآن" "١/ ٨" لأبي عبيدة، و"الرسالة" "ص٤٢" للشافعي، و"الصاحبي" "ص٤٧-٤٨" لابن فارس.
[ ٢ / ١٣٥ ]
فَصْلٌ:
- وَمِنْهَا١: أَنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي مَسْلَكِ الْأَفْهَامِ وَالْفَهْمِ مَا يَكُونُ عَامًّا لِجَمِيعِ الْعَرَبِ، فَلَا يُتَكَلَّفُ فِيهِ فَوْقَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْفَهْمِ وَتَأَتِّي التَّكْلِيفِ فِيهِ لَيْسُوا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ وَلَا مُتَقَارِبٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَقَارَبُونَ فِي الْأُمُورِ الْجُمْهُورِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ مَصَالِحُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَتَعَمَّقُونَ فِي كَلَامِهِمْ وَلَا فِي أَعْمَالِهِمْ، إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا لَا يُخِلُّ بِمَقَاصِدِهِمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقْصِدُوا أَمْرًا خَاصًّا لِأُنَاسٍ خَاصَّةٍ، فَذَاكَ كَالْكِنَايَاتِ الْغَامِضَةِ، وَالرُّمُوزِ الْبَعِيدَةِ، الَّتِي تَخْفَى عَنِ الْجُمْهُورِ، وَلَا تَخْفَى عَمَّنْ قُصِدَ بِهَا، وَإِلَّا كَانَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ مَعْهُودِهَا.
فَكَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَنْزِلَ فَهْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مَعَانِيهِ مُشْتَرَكَةً لِجَمِيعِ الْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أحرف٢، واشتركت فيه اللغات
_________________
(١) ١ أي: القواعد. ٢ أحسن ما رأيته في بيانه ما ذكره النويري في "شرحه للطيبة" في مقدمات الكتاب، وليس فيما عده الإمالة والترقيق لا شيء من صفات الحروف، بل هي أنواع سبعة ترجع لحذف لفظ أو زيادة لفظ كـ "تجري تحتها الأنهار" و"من تحتها"، وإبدال لفظ بمرادفه، كـ"تبينوا وتثبتوا"، وتقديم لفظ وتأخيره، وإبدال حركة بأخرى بتغير المعنى بسببها، ولكنه يكون كل منها صحيحا ومرادان إلى آخر ما ذكره "د". وكتب "خ" هنا ما نصه: "حكى القرطبي عن ابن حبان أن الاختلاف في معنى الأحرف السبعة بلغ خمسة وثلاثين قولا، وأظهر هذه الأقوال أن يكون المراد منها وجوه تغاير الألفاظ مع الاتفاق أو التقارب في المعنى، ومن أصحاب هذا القول من يرى لفظ السبعة مستعملا في الكثرة، ومنهم من يجعل هذا العدد الخاص مقصودا، ويذكر في بيانه الإبدال واختلاف تصريف الأفعال، واختلاف وجوه الإعراب والتقديم والتأخير والنقص والزيادة، والاختلاف بمثل الإمالة والترقيق والإدغام، واختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع، ومن وجوه هذا التغاير ما ينشأ عن اختلاف اللغات، ومنها ما يكون في لغة وحده. "خ". وانظر في ذلك: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٣/ ٣٨٩" وما بعدها".
[ ٢ / ١٣٦ ]
حَتَّى كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ تَفْهَمُهُ.
وَأَيْضًا، فَمُقْتَضَاهُ مِنَ التَّكْلِيفِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا النَّمَطِ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَيْسَ كَالْقَوِيِّ، وَلَا الصَّغِيرَ كَالْكَبِيرِ، وَلَا الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ، بَلْ كُلٌّ لَهُ حَدٌّ ينتهي إليه في العبارة١ الْجَارِيَةِ، فَأَخَذُوا بِمَا يَشْتَرِكُ الْجُمْهُورُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِهِمْ: بِالْحُجَّةِ الْقَائِمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَلْزَمَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَلَكَلَّفَهُمْ بِغَيْرِ قِيَامِ حُجَّةٍ، وَلَا إِتْيَانٍ بِبُرْهَانٍ، وَلَا وَعْظٍ وَلَا تَذْكِيرٍ، وَلَطَوَّقَهُمْ فَهْمَ مَا لَا يُفْهَمُ وَعِلْمَ مَا لَمْ يُعْلَمْ، فَلَا حِجْرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ حُجَّةَ الْمُلْكِ قَائِمَةٌ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٩] .
لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَهُمْ مِنْ حَيْثُ عَهِدُوا، وَكَلَّفَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَهُمُ الْقُدْرَةُ٢ عَلَى مَا بِهِ كُلِّفُوا، وَغُذُّوا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ بِمَا يَسْتَقِيمُ بِهِ مُنْآدُهُمْ٣، وَيَقْوَى بِهِ ضَعِيفُهُمْ، وَتَنْتَهِضُ بِهِ عَزَائِمُهُمْ: مِنَ الْوَعْدِ تَارَةً، وَالْوَعِيدِ أُخْرَى، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أُخْرَى، وَبَيَانِ مَجَارِي الْعَادَاتِ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِهَذَا الأمر دون الخلق الماضيين، بَلْ هُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي مُقْتَضَاهُ، وَلَا يَكُونُونَ مُشْتَرِكِينَ إِلَّا فِيمَا لَهُمْ مُنَّةٌ٤ عَلَى تَحَمُّلِهِ، وَزَادَهُمْ تَخْفِيفًا دُونَ الْأَوَّلِينَ، وَأَجْرَى فَوْقَهُمْ فَضْلًا من الله ونعمة، والله عليم حكيم.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل و"ط"، وفي "ماء/ ص ١٥٣": "العبارات"، وفي باقي النسخ المطبوعة: "العادة". ٢ في "ط": "قدرة" بالتنكير. ٣ في الأصل: "متادهم"، وقال في الحاشية: "هو جهة من الأود"، وفي "خ": "مناديهم"، وفسرها "د" في الهامش بقوله: "أي: معوجهم". ٤ المنة: القوة ".
[ ٢ / ١٣٧ ]
وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ ". قَالَ: "يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" ١.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِجْرَاءُ الْفَهْمِ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى وِزَانِ الِاشْتِرَاكِ الْجُمْهُورِيِّ الَّذِي يَسَعُ الْأُمِّيِّينَ كَمَا يَسَعُ غَيْرَهُمْ.
فَصْلٌ:
- وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الِاعْتِنَاءُ بِالْمَعَانِي الْمَبْثُوثَةِ فِي الْخِطَابِ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا كَانَتْ عِنَايَتُهَا بِالْمَعَانِي، وَإِنَّمَا أَصْلَحَتِ الْأَلْفَاظَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهَذَا الْأَصْلُ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَاللَّفْظُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا أَيْضًا كُلُّ الْمَعَانِي، فإن
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب القراءات، باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف، ٥/ ١٩٤/ رقم ٢٩٤٤"، والطيالسي في "المسند" "رقم ٥٤٣"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "١٠/ ٥١٨"، وأحمد في "المسند" "٥/ ١٣٢"، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" ٣/ رقم ١١٦٨، ١١٦٩، وابن حبان في "الصحيح" "٣/ ١٤/ رقم ٧٣٩- الإحسان، والشاشي في "مسنده" "٣/ ٣٦٢/ رقم ١٤٨٠، ١٤٨١" من طرق عن عاصم عن زر عن أبي به. وإسناده حسن، عاصم صدوق له أوهامن حجة في القراءة، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه أبي بن كعب"، وقال قبل ذلك: "وفي الباب عن عمر وحذيفة بين اليمان وأم أيوب وسمرة وابن عباس وأبي هريرة وأبي جهم بن الحارث بن الصمة وعمرو بن العاص وأبي بكرة". قلت: وأقرب ألفاظها للفظ المصنف حديث حذيفة عند أحمد في "المسند" "٥/ ٤٠٥-٤٠٦".
[ ٢ / ١٣٨ ]
المعنى الإفرادي قد لا يُعْبَأُ بِهِ، إِذَا كَانَ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيُّ مَفْهُومًا دُونَهُ، كَمَا لَمْ يَعْبَأْ ذُو الرُّمَّةِ "بِبَائِسٍ" وَلَا "يَابِسٍ" اتِّكَالًا مِنْهُ عَلَى أَنَّ حَاصِلَ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ.
وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا مَا فِي "جَامِعِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ المخرَّج عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قرأ: ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عَبَسَ: ٣١]، قَالَ: مَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا كُلِّفْنَا هَذَا. أَوْ قَالَ: مَا أُمِرْنَا بِهَذَا١.
وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عَبَسَ: ٣١]: مَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نُهِينَا عَنِ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ٢.
وَمِنَ الْمَشْهُورِ تَأْدِيبُهُ لِصَبِيغٍ٣ حِينَ كَانَ يُكْثِرُ السُّؤَالَ عَنِ ﴿الْمُرْسَلاتِ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١]، وَ﴿الْعَاصِفَاتِ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٢] وَنَحْوِهِمَا.
وَظَاهِرُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيَّ مَعْلُومٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى فَهْمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، فَرَأَى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ تكلُّفٌ، وَلِهَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ صَحِيحٌ، نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: فَلَوْ كَانَ فَهْمُ اللَّفْظِ الْإِفْرَادِيِّ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ التَّرْكِيبِيِّ، لَمْ يَكُنْ تَكُلُّفًا، بَلْ هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف﴾ [النَّحْلِ: ٤٧]، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: التَّخَوُّفُ عِنْدَنَا التنقص، ثم أنشده:
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٤٩"، وهو صحيح. ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، ١٣/ ٢٦٤- ٢٦٥". ٣ مضى تخريجه "١/ ٥١"، وهو صحيح، وفي "خ": "ضبيع". قلت: وفي حاشية الأصل قال: "صبيغ، كأمير، آخره معجمة".
[ ٢ / ١٣٩ ]
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ١
فَقَالَ عُمَرُ: "أَيُّهَا النَّاسُ! تَمَسَّكُوا بِدِيوَانِ شِعْرِكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُمْ"٢، فَلَيْسَ بَيْنَ الْخِبْرَيْنِ تَعَارُضٌ لِأَنَّ هَذَا [قَدْ] ٣ تَوَقَّفَ فَهْمُ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا، فَاللَّازِمُ الِاعْتِنَاءُ بِفَهْمِ مَعْنَى الْخِطَابِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ، وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي٤ الْخِطَابُ ابْتِدَاءً، وَكَثِيرًا مَا يُغْفَلُ هَذَا النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكِتَابِ٥ وَالسُّنَّةِ، فَتُلْتَمَسُ غَرَائِبُهُ وَمَعَانِيهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي٦، فَتَسْتَبْهِمُ عَلَى الْمُلْتَمِسِ، وَتَسْتَعْجِمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَقَاصِدَ الْعَرَبِ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ فِي غَيْرِ مَعْمَلٍ، وَمَشْيُهُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَاللَّهُ الْوَاقِي بِرَحْمَتِهِ.
_________________
(١) ١ التامك: السنام، والقرد: الذي تجعد شعره فكان كأنه وقاية للسنام، والنبع: شجر للقسي والسهام، والسفن: كل ما ينحت به غيره. "د". في حاشية المخطوط ما نصه: "الرحل، بالحاء المهملة: ما يوضع على الدابة، والضمير في "منها" لناقة، وتامكا، على وزن فاعل: سنام الناقة، وقرد، بفتح القاف، وكسر الراء: لبد من السمن، وعود النبعة معروف، والسفن، بفتح السين والفاء: آلة القطع كالقدوم، يقول: إن الرحل قطع من ناقته سناما سمينا كما قطع القدوم شجرة النبع". ٢ مضى تخريجه "١/ ٥٨"، وهو ضعيف، وتقدم بيان ما في الشعر من الغريب بتفصيل، ولله الحمد. ٣ ليست في الأصل ولا في "ماء". ٤ في الأصل: "بني". ٥ في الأصل: و"ط": "إلى الكتاب"،. ٦ ومن أطرف ما يحكى ما عزاه النعيمي في "الدارس في تاريخ المدارس" "١/ ٢٥" إلى النووي بقوله: "وبقيت أكثر من شهرين أو أقل، لما قرأت في "التنبيه": يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج"، أعتقد أن ذلك قرقرة البطن، فكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني". ونقلها أيضا الذهبي في "تاريخ الإسلام" "ق ٥٧٤- نسخة رامبور" والسخاوي في ترجمة الإمام النووي" "ص٥، ٦"، والسيوطي في "المنهاج السوي" "ص٣٢" وعقب عليها بعضهم بقوله: "والظاهر أن الحياء كان يمنعه السؤال عن ذلك".
[ ٢ / ١٤٠ ]
فَصْلٌ:
- وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ التَّكَالِيفُ الِاعْتِقَادِيَّةُ وَالْعَمَلِيَّةُ مِمَّا يَسَعُ الْأُمِّيَّ تَعَقُّلُهَا، لِيَسَعَهُ الدُّخُولُ تَحْتَ حُكْمِهَا.
أَمَّا الِاعْتِقَادِيَّةُ -بِأَنْ تَكُونَ مِنَ الْقُرْبِ لِلْفَهْمِ، وَالسُّهُولَةِ عَلَى الْعَقْلِ، بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْجُمْهُورُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ أَوْ بَلِيدًا-، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ، لَمْ تَكُنِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً، وَلَمْ تَكُنْ أُمِّيَّةً، وَقَدْ ثَبَتَ كَوْنُهَا كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذِ١.
وَأَيْضًا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لزمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُمْهُورِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ٢، وَلِذَلِكَ تَجِدُ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُعَرِّفْ مِنَ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَّا بِمَا يَسَعُ فَهْمُهُ، وَأَرْجَتْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَرَّفَتْهُ بِمُقْتَضَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَحَضَّتْ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَأَحَالَتْ٣ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَسَكَتَتْ عَنْ أَشْيَاءَ لَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا العقول، نعم، لا ينكر
_________________
(١) ١ انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٩/ ٣٧". ٢ انظر في ذلك: "البرهان" "١/ ١٠٥"، و"المستصفى" "١/ ٥٦، ٨٦-٨٨، و"البحر المحيط" "١/ ٢٢٠ و٣٨٨"، و"الإبهاج" "١/ ١٧٠"، و"سلاسل الذهب" "١٣٦"، و"روضة الناظر" "١/ ٢٣٤- ٢٣٥- ط الرشد"، و"المحصول" "١/ ٢/ ٣٦٣"، و"المسودة" "٨٠"، و"الإحكام" "١/ ١٣٧" للآمدي، و"تيسير التحرير" "٢/ ١٣٥"، و"إرشاد الفحول" ٩، و"رفع الحرج في الشريعة الإسلامية" "١٨٧- ٢٠٥" ليعقوب الباحسين. ٣ في "خ": "وإحالة".
[ ٢ / ١٤١ ]
تَفَاضُلُ الْإِدْرَاكَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الْقَدْرِ الْمُكَلَّفِ بِهِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَا١ يَكُونُ أَصْلًا لِلْبَاحِثِينَ وَالْمُتَكَلِّفِينَ، كَمَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ﵊، وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، بَلِ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ النَّهْيُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى قَالَ: "لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ " ٢.
وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَعَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِي٣ عَامًّا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَأَخْبَرَ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ٤، وَإِنَّمَا يُرِيدُ مَا كَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ لِفَهْمِهَا مما
_________________
(١) ١ في الأصل: "وما". ٢ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٦/ ٣٣٦ / رقم ٣٢٧٦"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، ١/ ١١٩- ١٢٠م رقم ١٣٤" عن أبي هريرة مرفوعا: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله، ولينته". وأورده مسلم بألفاظ مقاربة أخرى، واللفظ الذي عند المصنف هو من حديث أنس مرفوعا، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، ١٣/ ٢٦٥/ رقم ٧٢٩٦". ٣ أما النهي عن كثرة السؤال، فقد ورد في غير حديث عند المصنف، منها حديث المغيرة المتقدم "١/ ٤٨"، وأما النهي عن التكلف، فقد أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، ١٣/ ٢٦٤- ٢٦٥" بسنده إلى أنس، قال: "كنا عند عمر، فقال: نُهِينا عن التكلف"، ومن المقرر في علم المصطلح أن قول الصحابي: "نُهِينا"، و"أُمِرنا" له حكم المرفوع. ٤ أسند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "٣٠٩"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ٩٣٨/ رقم ١٧٨٦" بسند عن مالك، قال: "الكلام في الدين أكرهه، وكان أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل".
[ ٢ / ١٤٢ ]
سُكِتَ عَنْهُ، أَوْ مِمَّا وَقَعَ نَادِرًا مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ مُحَالًا بِهِ عَلَى آيَةِ التَّنْزِيهِ.
وَعَلَى هَذَا، فَالتَّعَمُّقُ فِي الْبَحْثِ فِيهَا وَتَطَلُّبُ مَا لَا يَشْتَرِكُ الْجُمْهُورُ فِي فَهْمِهِ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضَى وَضْعِ الشَّرِيعَةِ الْأُمِّيَّةِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَمَحَتِ النَّفْسُ إِلَى طَلَبِ مَا لَا يُطْلَبُ مِنْهَا فَوَقَعَتْ فِي ظُلْمَةٍ لَا انْفِكَاكَ لَهَا مِنْهَا، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
وَلِلْعُقُولِ قُوًى تَسْتَنُّ١ دُونَ مَدًى إِنْ تَعْدُهَا٢ ظَهَرَتْ فِيهَا اضْطِرَابَاتُ
وَمِنْ طِمَاحِ النُّفُوسِ إِلَى مَا لَمْ تُكَلَّفْ بِهِ نَشَأَتِ الْفِرَقُ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا.
وَأَمَّا الْعَمَلِيَّاتُ، فَمِنْ مُرَاعَاةِ الْأُمِّيَّةِ فِيهَا أَنْ وَقَعَ تَكْلِيفُهُمْ بِالْجَلَائِلِ فِي الْأَعْمَالِ وَالتَّقْرِيبَاتِ٣ فِي الْأُمُورِ، بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الْجُمْهُورُ كَمَا عَرَّفَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ بِالْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ لَهُمْ، كَتَعْرِيفِهَا بِالظِّلَالِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ، وَغُرُوبِهَا وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧]، وَلَمَّا كَانَ فِيهِمْ مَنْ حَمَلَ الْعِبَارَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، نَزَلَ٤: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ .
وَفِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم" ٥.
_________________
(١) ١ من استن الفرس قمص وهو أن ترفع يديها وتطرحهما معا وتعجن برجليهان وهو غاية الاعوجاج في سيرها، فلا تقطع به الطريق، وتؤذي راكبها. "د". ٢ في الأصل: "تعده". ٣ لعل الأصل "بالتقريبات"، أي فلم يكلفوا بما يقتضي الضبط التام للأوقات، بل بأمارات وعلامات تقريبية، مع أنها جعلت أمارات لجلائل الأعمال كالصلاة والصوم والحج. "د". ٤ سيأتي تخريج ذلك "٣/ ٢٩٨". ٥ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم باب متى يحل فطر الصائم، ٤/ ١٩٦ رقم ١٩٥٤"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، ٢/ ٧٧٢/ رقم ١١٠٠"، والترمذي في "الجامع "أبواب الصوم، باب وقت انقضاء الصوم وخروج النهار/ رقم ٦٩٨"، والنسائي في "الكبرى"- كما في "تحفة الأشراف" "٨/ ٣٤"-، وأحمد في "المسند" "١/ ٢٨، ٣٥، ٤٨، ٥٤"،والبيهقي في الكبرى "٤/ ٢١٦، ٢٣٧، ٢٣٨" عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَقَالَ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسُبُ وَلَا نَكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا" ١.
وَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ" ٢.
وَلَمْ يُطَالِبْنَا بِحِسَابِ مَسِيرِ الشَّمْسِ مَعَ الْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَعْهُودِ الْعَرَبِ وَلَا مِنْ عُلُومِهَا٣، وَلِدِقَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ٤، وَأَجْرَى لَنَا غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ مُجْرَى الْيَقِينِ، وَعَذَرَ الْجَاهِلَ فَرَفَعَ
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٥٦"، والحديث في الصحيحين" بلفظ: "إنا" بتقديم "نكتب" على "نحسب". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ٤/ ١١٣/ رقم ١٩٠٠، وباب قول النبي ﷺ: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" ٤ / ١١٩/ رقم ١٩٠٦"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، ٢/ ٧٥٩/ رقم ١٠٨٠" عن ابن عمر ﵄. ٣ كيف يتفق هذا مع ما تقدم له في المسألة الثالثة؟ "د". ٤ ذهب قوم منهم ابن شريح* إلى اعتبار منازل القمر والرجوع إلى المنجمين، وتأولوا على هذا الرأي قوله ﵊: "فإذا غم عليكم، فاقدروا له"، والمحقق أن المراد من قوله: "فاقدروا له" ما بينته رواية: "فإن غم عليكم، فاقدروا ثلاثين"، ورواية: "فأكملوا العدة ثلاثين"،ويؤيده من جهة النظر ما أومأ إليه المصنف من أن الصوم عبادة يتوجه الخطاب بها إلى المكلفين عامة، فلم يكن من اللائق تعليق الحكم فيها بما لا يعرفه إلا طائفة خاصة من الناس. "خ". * كذا في الأصل، ولعل الصواب: "سريج".
[ ٢ / ١٤٤ ]
عَنْهُ الْإِثْمَ، وَعَفَا عَنِ الْخَطَأِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ لِلْجُمْهُورِ، فَلَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ عَمَّا حُدَّ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَا تَطَّلُّبُ مَا وَرَاءَ هَذِهِ الْغَايَةِ، فَإِنَّهَا مَظِنَّةُ الضَّلَالِ، وَمَزِلَّةُ الْأَقْدَامِ.
فَإِنْ قِيلَ١: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ تَدْقِيقِ٢ النَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ الْأَحْكَامِ، وَمَظَانِّ الشُّبُهَاتِ، وَمَجَارِي الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ لِلنَّاسِ، وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي التَّحَرُّزِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهْلِكَاتِ، الَّتِي هِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الدَّقَائِقِ الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَى فَهْمِهَا وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ، وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ عَظَائِمَ وَهِيَ مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهَا الْجُمْهُورُ.
وَأَيْضًا، لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْعُلَمَاءِ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ خَاصَّةً وَعَامَّةً، وَكَانَ لِلْخَاصَّةِ مِنَ الْفَهْمِ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ عَرَبًا وَأُمَّةً أُمِّيَّةً، وَهَكَذَا سَائِرُ الْقُرُونِ إِلَى الْيَوْمِ، فَكَيْفَ٣ هذَا؟
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ عَامَّةً، وَمَا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ خَاصَّةً، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ الْمُتَشَابِهَاتُ، فَهِيَ شَامِلَةٌ لِمَا يُوصَلُ إِلَى فَهْمِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَا لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، فَأَيْنَ الِاخْتِصَاصُ بِمَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ خَاصَّةً؟
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْمُتَشَابِهَاتُ، فَإِنَّهَا مِنْ قَبِيلٍ غَيْرِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهَا إِمَّا رَاجِعَةٌ إِلَى أُمُورٍ إِلَهِيَّةٍ لَمْ يَفْتَحِ الشَّارِعُ لِفَهْمِهَا بَابًا غَيْرَ التَّسْلِيمِ والدخول تحت
_________________
(١) ١ السؤال وارد على كلامه في الاعتقاديات والعمليات بدليل قوله: "فإن الشريعة قد اشتملت إلخ". "د". ٢ في الأصل: "وتدقيق". ٣ في الأصل: "وكيف".
[ ٢ / ١٤٥ ]
آيَةِ التَّنْزِيهِ، وَإِمَّا رَاجِعَةٌ إِلَى قَوَاعِدَ شَرْعِيَّةٍ، فَتَتَعَارَضُ أَحْكَامُهَا١، وَهَذَا خَاصٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَامٍّ٢ هُوَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا يُجَابُ عَنْهَا بِأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّهَا أُمُورٌ إِضَافِيَّةٌ لَمْ يُتَعَبَّدْ بِهَا أَوَّلَ الْأَمْرِ لِلْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ تَعْرِضُ لِمَنْ تَمَرَّنَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَزَاوَلَ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ، وَامْتَازَ عَنِ الْجُمْهُورِ بِمَزِيدِ فَهْمٍ فِيهَا، حَتَّى زَايَلَ الْأُمِّيَّةَ مِنْ وَجْهٍ، فَصَارَ تَدْقِيقُهُ فِي الْأُمُورِ الْجَلِيلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَتَهُ، فَنِسْبَتُهُ إِلَى مَا فَهِمَهُ نِسْبَةُ الْعَامِّيِّ إِلَى مَا فَهِمَهُ، وَالنِّسْبَةُ إِذَا كَانَتْ مَحْفُوظَةً، فَلَا يَبْقَى تَعَارُضٌ٣ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَرَاتِبَ لَيْسُوا فِيهَا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ، فَلَيْسَ مَنْ لَهُ مَزِيدٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ كَمَنْ لَا مَزِيدَ لَهُ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ جَارٍ عَلَى أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ.
وَالِاخْتِصَاصَاتُ فِيهَا هِبَاتٌ مِنَ اللَّهِ لَا تُخْرِجُ أَهْلَهَا عَنْ حُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، بَلْ يَدْخُلُونَ مَعَ غَيْرِهِمْ فِيهَا، وَيَمْتَازُونَ هُمْ بِزِيَادَاتٍ في ذلك الأمر المشترك.
_________________
(١) ١ أي أن المسألة تكون محتملة الدخول تحت قواعد شرعية مختلفة، فتتعارض أحكامها بحسب الظاهر، ويحصل الاشتباه. "د". وفي "ط": "تتعارض أحكامها". ٢ في "خ": "هام". ٣ كيف لا يعارض هذا ما قرره في نتيجة هذا الفصل من قوله آنفا: "وعلى هذا، فالتعمق في البحث في الشريعة وتطلب ما لا يشترك فيه الجمهور خروج عن مقتضى وضع الشريعة الأمية"، وهنا يقول: "إنها أمور إضافية"، و"إن تدقيق الذي يتمرن على علم الشريعة في الأمور الجليلة، وإن نسبة ما فهمه إلى ما يفهمه العامي نسبة محفوظة"، ولا يقال: إن ما قرره كان خاصا بالاعتقاديات، لأنا نقول: الجواب أصله عام في المتشابهات الاعتقادية وغيرها، كما يعلم من النظر في الاعتراض، وعلى كل حال، فهو هنا يثبت أن للخاصة أن تفهم وتدقق في الشريعة بما لا يناسب الجمهور ولا يشتركون فيه، وهل هذا إلا عين التسليم بالإشكال على ما سبق؟ "د".
[ ٢ / ١٤٦ ]
بِعَيْنِهِ، فَإِنِ امْتَازُوا بِمَزِيدِ الْفَهْمِ لَمْ يُخْرِجْهُمْ ذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَزِيدَ أَصْلُهُ الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ.
كَمَا نَقُولُ: إِنَّ الْوَرَعَ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مِنَ الْجَلَائِلِ، كَالْوَرَعِ عَنِ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ، وَالْمَكْرُوهِ الْبَيِّنِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنَ الْجَلَائِلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ مِنْهَا عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ، فَصَارَ الَّذِينَ عَدُّوهُ مِنَ الْجَلَائِلِ دَاخِلِينَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَى الْجُمْلَةِ وإن كانوا قد امتازوا عنهم بالورع على بَعْضِ مَا لَا يَتَوَرَّعُ عَنْهُ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، بِنَاءً عَلَى الشَّهَادَةِ بِكَوْنِ الْمَوْضِعِ مُتَأَكَّدًا لِبَيَانِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَأَكَّدٍ لِدِقَّتِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا الْخَوَاصُّ عَنِ الْعَوَامِّ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْقَانُونِ، فَقَدْ بَانَ أَنَّ الْجَمِيعَ جَارُونَ عَلَى حُكْمِ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ١ مَفْهُومٍ لِلْجُمْهُورِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ مَا فِيهِ التَّفَاوُتُ إِنَّمَا تَجِدُهُ٢ فِي الْغَالِبِ فِي الْأُمُورِ الْمُطْلَقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَمْ يُوضَعْ لَهَا حَدٌّ يُوقَفُ عِنْدَهُ، بَلْ وُكِلَتْ إِلَى نَظَرِ الْمُكَلَّفِ، فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ فِيهَا مَطْلُوبًا بِإِدْرَاكِهِ، فَمِنْ مُدْرِكٍ فِيهَا أَمْرًا قَرِيبًا فَهُوَ٣ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ، وَمِنْ مُدْرِكٍ فِيهَا أَمْرًا هُوَ٤ فَوْقَ الأول، فهو المطلوب منه، وربما تفاوت
_________________
(١) ١ وهل هذه هي الدعوى التي يشتغل في هذه الفصول بإثباتها، وهي أن الشريعة أمية، وأنه لا يصح أن تفهم إلا بالوجه الذي يعهده الأميون والجمهور، أما كون الأمر المشترك في التكليف هو ما يفهمه الجمهور وما يقدر على أدائه الجمهور، فلا مرية فيه، إنما الكلام فيما أطال فيه النفس في هذه الفصول من الحجر على الخواص أن يفهموا الكتاب إلا بمقدار الأميين والجمهور، وبنى على هذه النتائج. "د". ٢ على كل حال هو موجود، سواء أكان في هذا النوع فقط أم على الإطلاق، فلا ينحسم الإشكال. "د". ٣ في الأصل: "هو". ٤ في الأصل: "فهو".
[ ٢ / ١٤٧ ]
الْأَمْرُ فِيهَا بِحَسَبِ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ عَلَى الدَّوَامِ فِيمَا١ دَخَلَ فِيهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ، فَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِهِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا، بَلْ بِمَا هُوَ دُونَهَا، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَطْلُوبًا، وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ يُعْتَبَرُ مَا جَاءَ مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ وُضِعَتِ الْعَمَلِيَّاتُ عَلَى وَجْهٍ لَا تُخْرِجُ الْمُكَلَّفَ إِلَى مَشَقَّةٍ يَمَلُّ٢ بِسَبَبِهَا، أَوْ إِلَى تَعْطِيلِ عَادَاتِهِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا صَلَاحُ دُنْيَاهُ، وَيَتَوَسَّعُ بِسَبَبِهَا فِي نَيْلِ حُظُوظِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي لَمْ يُزَاوِلْ شَيْئًا مِنَ الْأُمُورِ٣ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا الْعَقْلِيَّةِ- وَرُبَّمَا اشْمَأَزَّ قَلْبُهُ عَمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ مُعْتَادِهِ٤- بِخِلَافِ مَنْ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عَهْدٌ، وَمِنْ هُنَا كَانَ نُزُولُ الْقُرْآنِ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَوَرَدَتِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا٥ وَلَمْ تَنْزِلْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ لِئَلَّا تَنْفِرَ عَنْهَا النُّفُوسُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
وَفِيمَا يُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: "مَا لَكَ لَا تُنَفِّذُ الْأُمُورَ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي لَوْ أَنَّ الْقُدُورَ غَلَتْ بِي وَبِكَ فِي الْحَقِّ". قَالَ لَهُ عُمَرُ: "لَا تَعْجَلْ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَرَّمَهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّى أَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملة، ويكون من ذا فتنة"٦.
_________________
(١) ١ في "خ": "فيها". ٢ في الأصل: "يقل". ٣ في "ط": "العلوم". ٤ في "ط": "معتاداته". ٥ في الأصل: "شيئا". ٦ نحوه في "سيرة عمر بن عبد العزيز" "٦٠" لابن عبد الحكم، وكتب "خ": من أقوى الدعائم في نجاح السياسة أن يفحص الرئيس مزاج الأمة ويسير في علاجها وترقية شأنها شيئا فشيئا للوجه الذي بسطه المصنف في هذا المقام، وقد يتخذ الأجنبي المتغلب هذه الطريقة محورًا يدير عليها سياسته في الشعوب الغافلة، فيوجس في نفسه أن يضع عليها من القوانين والتصرفات ما ينحدر بها إلى هاوية الشقاء والجهالة، ولكنه يحذر أن تطرحها جملة وتفضل الموت في مواقع الدفاع على الحياة تحت نير الأسر والاستعباد، فيأخذها بتلك القوانين والتصرفات رويدا رويدا حتى تألف مرارتها ويتهون عليها المقام تحت أعبائها".
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ فِي الِاسْتِقْرَاءِ الْعَادِيِّ، فَكَانَ مَا كَانَ أَجْرَى بِالْمَصْلَحَةِ وَأَجْرَى عَلَى جِهَةِ التَّأْنِيسِ١، وَكَانَ أَكْثَرُهَا عَلَى أَسْبَابٍ وَاقِعَةٍ، فَكَانَتْ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ حِينَ صَارَتْ تَنْزِلُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، وَكَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى التَّأْنِيسِ حِينَ كَانَتْ تَنْزِلُ حُكْمًا حُكْمًا وَجُزْئِيَّةً جُزْئِيَّةً؛ لِأَنَّهَا إِذَا نَزَلَتْ كَذَلِكَ، لَمْ يَنْزِلْ حُكْمٌ إِلَّا وَالَّذِي قَبْلَهُ قَدْ صَارَ عَادَةً، وَاسْتَأْنَسَتْ بِهِ نَفْسُ الْمُكَلَّفِ الصَّائِمِ عَنِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْعِلْمِ بِهِ رَأْسًا، فَإِذَا نَزَلَ الثَّانِي كَانَتِ النَّفْسُ أَقْرَبَ لِلِانْقِيَادِ لَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ.
وَلِذَلِكَ أُونسوا فِي الِابْتِدَاءِ٢ بِأَنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، كَمَا يُؤْنَسُ الطِّفْلُ فِي الْعَمَلِ بِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ أَبِيهِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] .
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِي﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] .
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٨] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ: فَلَوْ نَزَلَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَتَكَاثَرَتِ التَّكَالِيفُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَنْقَادَ إِلَيْهَا انْقِيَادَهُ إِلَى الحكم الواحد أو الاثنين.
_________________
(١) ١ في "خ": "التأنيث". ٢ ظاهر فيما كان من ذلك مكيا وسابقا، وأما ما كان مدنيا أو متأخرا كآية: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾، فلا يظهر فيه قوله أونسوا في الابتداء، إلا أن يقال: إن مثله زيادة في التوكيد والتقرير كما هو شأن ما تكرر من المكيات في المدينة. "د". قلت: والجملة في الأصل: "أنسوا في الابتداء"، وفي "ط": "ولذلك أيضا أُونسوا".
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَفِي الْحَدِيثِ: "الْخَيْرُ عَادَةٌ" ١ وَإِذَا اعْتَادَتِ النَّفْسُ فعلا مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ حَصَلَ لَهُ بِهِ نُورٌ فِي قَلْبِهِ، وَانْشَرَحَ بِهِ صَدْرُهُ، فَلَا يَأْتِي فِعْلٌ ثانٍ إِلَّا وَفِي النَّفْسِ لَهُ الْقَبُولُ؛ هَذَا فِي عَادَةِ اللَّهِ فِي أَهْلِ الطَّاعَةِ، وَعَادَةٌ أُخْرَى جَارِيَةٌ فِي النَّاسِ أَنَّ النَّفْسَ أَقْرَبُ انْقِيَادًا إِلَى فِعْلٍ يَكُونُ عِنْدَهَا فِعْلٌ آخَرُ مِنْ نَوْعِهِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ ﵊ يَكْرَهُ أَضْدَادَ هَذَا وَيُحِبُّ مَا يُلَائِمُهُ، فَكَانَ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَكْرَهُ الْعُنْفَ٢، وَيَنْهَى عَنِ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ٣ وَالدُّخُولِ تَحْتَ مَا لَا يُطَاقُ حَمْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الانقياد، وأسهل في التشريع للجمهور.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجة في "السنن" "المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ١/ ٨٠/ رقم ٢٢١"، وابن حبان في "الصحيح" "٢/ ٨/ رقم ٣١٠ - الإحسان"، والطبراني في "الكبير" "١٩/ ٣٨٥-٣٨٦/ رقم ٩٠٤"، و"مسند الشاميين" "رقم ٢٢١٥"، وابن عدي في الكامل" "٣/ ١٠٠٥"، وأبو الشيخ في "الأمثال" "رقم ٢٠"، وابن أبي عاصم في "الصمت" "١٠٠"، وأبو نعيم في "الحلية" "٥/ ٢٥٢"، و"تاريخ أصبهان" "١/ ٣٤٥"،والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم ٢٢ عن معاوية مرفوعا، وإسناده حسن، والحديث في "السلسلة الصحيحة" لشيخنا الألباني "رقم ٦٥١". ٢ يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق ٤/ ٢٠٠٣-٢٠٠٤/ رقم ٢٥٩٣" عن عائشة مرفوعا: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه". وأخرج برقم "٢٥٩٤" عنها ﵂ مرفوعا: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". ٣ وقد مضى ذلك في التعليق على "ص١٤٢".
[ ٢ / ١٥٠ ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى اعْتِبَارَيْنِ: [مِنْ جِهَةِ دلالته على المعنى الأصلي، و] ١ من جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ الَّذِي هُوَ خَادِمٌ لِلْأَصْلِيِّ٢، كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي تُسْتَفَادُ مِنْهُ الْأَحْكَامُ، وَهَلْ يَخْتَصُّ بِجِهَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ؟ أَوْ يَعُمُّ الْجِهَتَيْنِ مَعًا؟
أَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ اعْتِبَارِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا يَسَعُ فِيهِ خِلَافٌ عَلَى حَالٍ، وَمِثَالُ ذَلِكَ صِيَغُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْعُمُومَاتِ وَالْخُصُوصَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مُجَرَّدًا مِنَ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ لَهَا عَنْ مُقْتَضَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ، فَهَلْ يَصِحُّ اعْتِبَارُهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهَا مَعَانٍ زَائِدَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا؟ هَذَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ.
فَلِلْمُصَحِّحِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ هَذَا النَّوْعَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ لَا، وَلَا يُمْكِنُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِهِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، [فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِيهِ، وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى الْمَعْنَى] ٣ الْأَصْلِيِّ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي حُكْمًا شَرْعِيًّا، لَمْ يُمْكِنْ إِهْمَالُهُ وَاطِّرَاحُهُ، كَمَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ إِذًا مُعْتَبَرٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ من جهة كونها
_________________
(١) "١و ٣" ساقط من الأصل، والمعنى الأصلي: هو لفظ القائل الذي يقصد به الأشياء أو يعمه، والمعنى التبعي: الذي هو الحال الذي يفهم منه زائدا على المعنى الأصلي. "ماء / ١٥٦". ٢ كذا في "ط"، وفي غيره: "للأصل".
[ ٢ / ١٥١ ]
بِلِسَانِ الْعَرَبِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كَلَامًا فَقَطْ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ يَشْمَلُ مَا دَلَّ بِالْجِهَةِ الْأَوْلَى، وَمَا دَلَّ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، هَذَا وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى كَالصِّفَةِ مَعَ الموصوف كالفصل والخاصة، فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ضَائِرٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَخْصِيصُ الْأُولَى بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ دُونَ الثَّانِيَةِ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصَّصٍ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مرجح، وذلك كله باطل، فليست١ الأولى إذا ذَاكَ بِأَوْلَى لِلدَّلَالَةِ٢ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُمَا مَعًا هُوَ الْمُتَعَيَّنَ.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اعْتَبَرُوهَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَتِهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِقَوْلِهِ ﵇: "تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي"٣، والمقصود الإخبار بنقصان
_________________
(١) ١ في "خ": "ليست" ٢ في "ط": "بالدلالة". ٣ قال البيهقي في "المعرفة" "١/ ٣٦٧": "وأما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية عن قعودها شطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيرا، فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادًا بحال، والله أعلم". وقال ابن منده فيما حكاه ابن دقيق العيد في "الإمام" عنه: "ذكر بعضهم هذا الحديث، ولا يثبت بوجه من الوجوه"، كذا في "التلخيص الحبير" "١/ ١٦٢". وقال ابن الجوزي في "التحقيق": "وهذا لفظ لا أعرفه"، وأقره محمد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" "١/ ٦١٥"، ونقل كلامهما ولم يتعقبهما الزيلعي في "نصب الراية" "١/ ١٩٣". وقال أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب""١/ ٤٦- ط المصرية القديمة" بعد ذكره: "لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه". وقال النووي في "شرحه" المسمى "المجموع" "٢/ ٣٧٧": و"أما حديث " تمكث شطر دهرها"، فحديث باطل لا يعرف"،وقال في "الخلاصة": باطل لا أصل له"، وقال المنذري: "لم يوجد له إسناد بحال، وأغرب الفخر ابن تيمية في "شرح الهداية" لأبي الخطاب، فنقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: ذكر هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب "السنن" له، كذا قال، وابن أبي حاتم ليس هو بستيا إنما هو رازي، وليس له كتاب يقال له "السنن". تنبيه: في قريب من المعنى ما اتفقا عليه من حديث أبي سعيد، قال: "أليس إذا حاضت =
[ ٢ / ١٥٢ ]
الدِّينِ، لَا الْإِخْبَارُ بِأَقْصَى الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ١ اقْتَضَتْ ذِكْرَ ذَلِكَ، وَلَوْ تُصُوِّرَتِ الزِّيَادَةُ لَتَعَرَّضَ لَهَا.
وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِنَجَاسَةٍ لَا تُغَيِّرُهُ بِقَوْلِهِ ﵇: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإناء حتى يغلسها" ٢ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ لكان توهمه لا يوجب.
_________________
(١) = لم تصل ولم تصم، فذلك من نقصان دينها؟ "،ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: "تمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها"، ومن حديث أبي هريرة كذلك، وفي "المستدرك" من حديث ابن مسعود نحوه، ولفظه: "فإن إحداهن تقعد ما شاء الله من يوم وليلة لا تسجد لله سجدة". قلت: وهذا وإن كان قريبا من معنى الأول، لكنه لا يعطي المراد من الأول، وهو ظاهر من التفريع، والله أعلم، وإنما أورد الفقهاء هذا محتجين به على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، ولا دلالة في شيء من الأحاديث التي ذكرناها على ذلك، والله أعلم. قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير" "١/ ١٦٢- ١٦٣". ولقد تلقى المتأخرون ما أطلقه ابن منده والبيهقي وغيرهما من أن الحديث بهذا اللفظ لا أصل له، كما تراه في "المقاصد" "ص١٦٤"، و"مختصر المقاصد" "ص٨٨"، و"التمييز" "ص٦٢"، و"الكشف" "١/ ٣٩"، و"المصنوع" "ص٨٥"، و"الدرر المنتثرة" "ص١١٣"، و"الأسرار المرفوعة" "ص١٧٧- ١٧٨"، و"الغماز على اللماز" "ص٨٥"و"النخبة البهية" "ص٤٨"، واللؤلؤ المرصوع" رقم ١٥٣". ١ أي: فالمقام يقتضي ذكر أقصى ما يقع لها من الحيض الذي يمنع الصلاة وينقص به الدين. "د". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا، ١/ ٢٦٣/ رقم ١٦٢"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا، ١/ ٢٣٣/ رقم ٢٧٨" والمذكور لفظه عن أبي هريرة وقد أسهبت في تخريجه في تعليقي على كتاب "الطهور" "رقم ٢٧٩". قال الشيخ "د": "وتمامه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يداه". فقال الأئمة: "إنه مستحب، أي لهذا التوهم، أن تكون يده مست نجاسة من ذكره أو غيره، فأخذ منه الشافعي الحكم المذكور".
[ ٢ / ١٥٣ ]
الِاسْتِحْبَابَ، فَهَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحُلُّهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ، لَكِنَّهُ لَازِمٌ مِمَّا قُصِدَ ذِكْرُهُ.
وَكَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٥]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لُقْمَانَ: ١٤]، فَالْمَقْصِدُ فِي١ الْآيَةِ الْأُولَى بَيَانُ مُدَّةِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الثَّانِيَةِ مُدَّةَ الْفِصَالِ قَصْدًا، وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَحْدَهَا قَصْدًا، فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُدَّةً فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا وَصِحَّةِ الصِّيَامِ، لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ تَقْتَضِي٢ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودَ الْبَيَانِ، لِأَنَّهُ لَازِمٌ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى بَيَانِ إِبَاحَةِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ٣.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٦] .
وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ٤ بِإِثْبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ لغير الله
_________________
(١) ١ في الأصل و"ط": "فالقصد". ٢ في الأصل: "يقتضي". ٣ الدلالة في هذه الآية وما تقدمها من قبيل دلالة الإشارة التي هي دلالة اللفظ على معنى لازم للمعنى المقصود من السياق، وهي أحد أقسام المنطوق غير الصريح كدلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء. "خ". ٤ أي: الأصلي الذي سيق له التركيب، أما كونه لا يملك، فهو معنى تبعي ولازم من إثبات كونه عبدا ونفي كونه ولدا، لأنه لما نفى الولدية بسبب العبودية وهو المقصود الأصلي، دل على أن هناك تنافيا بين الولدية والعبودية، فالولد لا يملك ولا يكون عبدا، فقوله: "لكنه" الضمير فيه لقوله لا أن الولد لا يملك، وقوله: "وأن لا يكون" سقط منه في الأصل حرف العطف ولا غنى عنه، والمعنى أن كون الولد لا يملك لزم من أمرين في الآية وهما نفي الولد وإثبات ألا يكون إلا عبدا، وكلاهما صريح الآية ومنطوقها، وكونه لا يملك لازم لهذين المعنيين، لأنه إذا كان هناك تنافٍ بين الولدية والعبودية أي الملكية فالولد لا يملك، حتى صح الاستدلال بتنافيهما. "د".
[ ٢ / ١٥٤ ]
وخصوصا للملائكة نفي اتخاذ الولد، إلا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ، لَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ نَفْيِ الْوِلَادَةِ١ أَنْ٢ لَا يَكُونَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا إِلَّا عَبْدًا، إِذْ لَا مَوْجُودَ٣ إِلَّا رَبٌّ أَوْ عَبْدٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ثُبُوتِ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ الْحُبُوبِ وَكَثِيرِهَا بِقَوْلِهِ ﵊: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" ٤ الْحَدِيثَ، مَعَ أَنَّ المقصود٥ تقدير
_________________
(١) ١ أي: بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، وبالحصر في قوله: ﴿بَلْ هُمْ عِبَادٌ﴾ . "د". ٢ كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "وأن" بزيادة واو، وفي "ط": "المنسوب لها". ٣ هذا كلام آخر دليل على الحصر الذي قبله. "د". ٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، ٣/ ٣٤٧/ رقم ١٤٣٨"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع ٢/ ٢٥٢ / رقم ١٥٩٦"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الزكاة" باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار وغيرها ٢/ ٧٥/ رقم ٦٣٥"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر، ٥/ ٤١" وابن ماجه في "السنن": "كتاب الزكاة، باب صدقة الزروع والثمار ١/ ٥٨١/ رقم ١٨١٧" من حديث ابن عمر ﵄، وفيه زيادة وتتمة ستأتي عند المصنف "ص٣/ ١٦٢". وأخرجه بنحوه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة" باب ما فيه العشر أو نصف العشر ٢/ ٦٧٥/ رقم ٩٨١"، والنسائي في "المجتبى" "٥/ ٤١، ٤٢"، من حديث جابر. وفي الباب عن معاذ وأبي هريرة وعلي ﵃ جميعًا. ٥ من أين للمؤلف هذا؟ ولم لا يكون المقصود إفادة المعنيين المخرج والمخرج منه قصدًا أصليًّا؟. "د".
[ ٢ / ١٥٥ ]
الْجُزْءِ الْمُخْرَجِ لَا تَعْيِينَ الْمُخْرَجِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ كُلُّ عَامٍّ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ١، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى الْأَخْذِ بِالتَّعْمِيمِ اعْتِبَارًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَالْمَقْصُودِ، [وَإِنْ] ٢ كَانَ السَّبَبُ عَلَى الْخُصُوصِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيجَابُ السَّعْيِ لَا بَيَانَ فَسَادِ الْبَيْعِ٣.
وَأَثْبَتُوا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ ٤ قِيَاسًا كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، مَعَ٥ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي قَوْلِهِ ﵇: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ" ٦ مُطْلَقُ الملك،
_________________
(١) ١ لعله يريد أنه حينئذ يكون القصد الأصلي الإجابة على قدر السبب، ويكون الزائد من قبيل ما نحن فيه ليس مقصودا أصليا بل تبعي، وهو محل تأمل؛ لأن الدلالة عليه في مثل الحديث بنفس صيغة العموم، وهي ما بأصل الوضع، فليس من باب اللازم كما يدل عليه قوله: "اعتبارا بمجرد اللفظ"، وقوله: "ومثله" ليس المراد المماثلة الخاصة وأن الحديث السابق مما ورد على سبب، فإنهم لم يذكروا أن حديث الزكاة المذكور نزل على سبب بل المراد المماثلة العامة في أصل الموضوع، وهو الاعتداد بالمعاني الثانوية في استنباط "الأحكام" الشرعية كبقية الأمثلة السابقة. "د". ٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". ٣ يريد أن الدلالة على فساده لزمته من النهي عنه، وهو متمشٍ مع ما سبق في الموضوع. "د". ٤ وهو ما قُطع فيه بنفي الفارق كمثاله، فإن قصد الشارع للحرية لا فرق فيه بين الذكر والأنثى قطعا. "د". ٥ الظاهر الواو بدل مع، والمعنى أن اللفظ بحسب وضعه دال على خصوص الذكر، لكنهم حملوا الأنثى عليه في سريان العتق؛ لأنه لا فارق، ولزم من كونه لا فارق أن يكون مقصود الشارع بالعبد هنا مطلق الملك مجازا، وهو معنى تبعي لا أصلي. "د". ٦ تمام الحديث: "وكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قوِّم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء، ٥/ ١٣٢ / رقم ٢٤٩١"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب العتق، باب منه، ٢/ ١١٣٩/ رقم ١٥٠١"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأحكام، باب العبد يكون بين الرجلين ٣/ ٦٢٩/ رقم ١٣٤٦"، وأبو داود في "السنن" "كتاب العتق، باب من روي أنه لا يستسعى، ٤/ ٢٥٦/ رقم ٣٩٤٠"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب الشركة في الرقيق، ٧/ ٣١٩"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب العتق، باب من أعتق شركا له في عبد ٢/ ٨٤٤/ رقم ٢٥٢٧"، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ١٥٦ ]
لَا خُصُوصُ الذَّكَر
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَجَمِيعُهَا تَمَسُّكٌ بِالنَّوْعِ الثَّانِي لَا بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ جِهَتِهِ صَحِيحٌ مَأْخُوذٌ بِهِ.
وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَسْتَدِلَّ أَيْضًا بِأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالْفَرْضِ خَادِمَةٌ لِلْأُولَى وَبِالتَّبَعِ لَهَا، فَدَلَالَتُهَا عَلَى مَعْنًى إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى، وَمُقَوِّيَةٌ لَهَا، وَمُوَضِّحَةٌ لِمَعْنَاهَا، وَمُوقِعَةٌ لَهَا مِنَ الْأَسْمَاعِ مَوْقِعَ الْقَبُولِ، وَمِنَ الْعُقُولِ مَوْقِعَ الْفَهْمِ، كما تقول فِي الْأَمْرِ الْآتِي لِلتَّهْدِيدِ أَوِ التَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٩] .
فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْأَمْرُ١، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَةٌ في التهديد أو الخزي،
_________________
(١) ١ أي: فليس المقصود المعنى الأصلي، والتهديد مثلا هو المعنى التبعي، وأن كلا منهما* يأخذ منه حكم، بل المعنى المقصود هنا في الحقيقة هو التهديد مثلا، أما طلب الفعل، فليس مقصودا، وكأن المعنى الأصلي هو المقوي للمعنى التبعي، وهذا وإن كان عكس ما قرره، إلا أنه يفيد أنهما لا ينفكان في الدلالة على المعنى المقصود وتقويته ووقوعه الموقع من الفهم، ولو قال ذلك، لكان أتم، ولعله يقول: إن الصيغة موضوعة** للتهديد، وأنه معنى أصلي لها أيضا، والأمر هو المعنى الثانوي مبالغة في التهديد. "د". * في المطبوع: "منها". ** في المطبوع: "موضوع".
[ ٢ / ١٥٧ ]
فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حُكْمٌ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ، وَكَمَا نَقُولُ فِي نَحْوِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يُوسُفَ: ٨٢]: إِنَّ الْمَقْصُودَ: سَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَلَكِنْ جُعِلَتِ الْقَرْيَةُ مَسْئُولَةً مُبَالَغَةً١ فِي الِاسْتِيفَاءِ بِالسُّؤَالِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمْ ينبنِ عَلَى إِسْنَادِ السُّؤَالِ لِلْقَرْيَةِ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هُودٍ: ١٠٧] بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا تَفْنَيَانِ وَلَا تَدُومَانِ٢، لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالتَّأْبِيدِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ انْقِطَاعُ مُدَّةِ الْعَذَابِ لِلْكُفَّارِ٣ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا يؤتى على حصرها، وإذا كان
_________________
(١) ١ فهو تقوية للمعنى المقصود، حتى كأنه لا يدع أحدا من أهلها بدون سؤال. "د". ٢ قال بعضهم: المراد بالسموات والأرض هذه الأرض المشاهدة، والكواكب والأفلاك الموجودة، وهذه تبدل وتغير قطعا كما في النصوص، وإن المراد بهذا التعليق التأبيد كما هو معهود العرب في مثله نحو: ما طلع نجم، وما غنت حمامة، مما يقصد به التأبيد لا التعليق، فكون السماوات والأرض تفنيان لا يؤثر في هذا المعنى المقصود وهو التأبيد، ولكن التعليق يقوي هذا المعنى ويوقعه في الفهم الموقع، أما على القول بأن المراد بالسموات والأرض جنسهما، وأنه لا بد من أرض وسماء للجنة والنار غير هذين، وأن التعليق على دائم يقتضي الدوام، فلا يكون مما نحن فيه، فلذا قال: "بناء على القول بأنهما تفنيان"، وبهذا تعلم أن كلام بعضهم هنا انتقال نظر، فإنه ليس الكلام في بقاء الجنة والنار وفنائهما كما هو واضح، فإن القول بأن الجنة تفن لم يقل به مسلم فضلا عن أن نبني عليه استدلالا كهذا. "د". ٣ القول بأن الجنة والنار تفنيان هو مذهب جهم بن صفوان إمام الجهمية، وقد تحطمت عقيدتهم الإسلامية على صخرة هذه المقالة، ودخلوا في زمرة المخالفين لصريح كتاب الله وسنة=
[ ٢ / ١٥٨ ]
كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيضَاحِ وَالتَّأْكِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ لِلْجِهَةِ الْأُولَى، فَإِذًا لَيْسَ لَهَا خصوص حكم يؤخذ منها زئدا عَلَى ذَلِكَ بِحَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا مَوْضِعُ خُصُوصِ حُكْمٍ يُقَرَّرُ شَرْعًا دُونَ الْأُولَى لَكَانَتْ هِيَ الْأَوْلَى١، إِذْ كَانَ يَكُونُ تقرير٢ ذلك المعنى مقصود بِحَقِّ الْأَصْلِ فَتَكُونُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأَوْلَى لَا مِنَ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مِنَ الثانية، هذا خلف لا يمكن
_________________
(١) = رسول الله، وما القول بأن الجنة أبدية والنار فانية، فقد حكاه الشيخ ابن تيمية عن بعض الصحابة والتابعين، وتصدى ابن القيم في كتاب "حادي الأرواح" إلى ترجيحه وبسط أدلته. "خ". قلت: كذا قال الشيخ "خ" رحمه الله تعالى، ولم يصب في ذلك، فقد حكاه ابن تيمية وتبعه ابن القيم، فأسهب في هذا المبحث في كتابيه "شفاء العليل" "ص٥٢٨-٥٥٢"، و"حادي الأرواح" "ص٢٧٦-٣١١"، وذكر أدلة القائلين بالفناء، وسكت عليها، فأوهم أنه يرى فناء النار، مع أنه صرح في كتابه "الوابل الصيب" "ص٢٩" أن نار الكافرين والمنافقين لا تفنى، وأن نار عصاة الموحدين هي التي تفنى، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، وهذا ما صرح به ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "١/ ١٥٧"، و"درء تعارض العقل والنقل" "١/ ٣٠٥"، و"مجموع الفتاوى" "٣/ ٣٠٤"، وله "قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار" ذكرها يوسف بن عبد الهادي في "فهرسته" "ق ٢٦/ أ"، وانظر في المسألة: "رفع الأستار" للصنعاني مع مقدمة شيخنا الألباني، و"دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في الحركات الإسلامية المعاصرة" "ص٢٤٦-٢٦٧" لصلاح مقبول، و"دفع إيهام الاضطراب" "ص١٢٢" للشنقيطي، و"دفع الشبه الغوية عن شيخ الإسلام ابن تيمية" لأخينا مراد شكري "ص١١١-١١٩"، و"كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار" لعلي بن علي جابر الحربي، نشر دار طيبة- مكة المكرمة. ١ أي: لكانت جهة تقصد قصدا أوليا، فتكون العبارة عنه من الجهة الأولى لا من الجهة الثانية. "د". ٢ في الأصل: "تقدير".
[ ٢ / ١٥٩ ]
لَا يُقَالُ: إِنَّ كَوْنَهَا دَالَّةً بِالتَّبَعِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا دَالَّةً بِالْقَصْدِ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ ثَانِيًا كَمَا نَقُولُ فِي الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ: إِنَّهَا مَقَاصِدُ أَصْلِيَّةٌ وَمَقَاصِدُ تَابِعَةٌ، وَالْجَمِيعُ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ، وَيَصِحُّ مِنَ الْمُكَلَّفِ الْقَصْدُ إِلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ١ في أحكام التكليف حسبما يَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا: إِنْ دَلَالَةَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لَا تَمْنَعُ٢ قَصْدَ الْمُكَلَّفِ إِلَى فَهْمِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهَا مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ نِسْبَةُ تِلْكَ مِنَ الأخذ بها عملا، وإذا اتحدت النسبةكان التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلَزِمَ مِنِ اعْتِبَارِ إِحْدَاهُمَا اعْتِبَارُ الْأُخْرَى، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ إِهْمَالِ إِحْدَاهُمَا إِهْمَالُ الْأُخْرَى.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا -إِنْ سُلِّمَ- مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ بِقَصْدِ قَضَاءِ الوَطَر مَثَلًا صَحِيحًا، مِنْ حَيْثُ كَانَ مُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ النَّسْلُ، فَغَفْلَةُ الْمُكَلَّفِ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا فِي قَصْدِ الشَّارِعِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي مَسْأَلَتِنَا: إِنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى، فِي نَفْسِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأُولَى، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ، فَالْمَعْنَى التَّبَعِيُّ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقًا، وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ بِقَصْدِ قَضَاءِ الْوَطَرِ إِنْ كَانَ دَاخِلًا مِنْ وَجْهٍ تَحْتَ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ لِلضَّرُورِيَّاتِ فَهُوَ دَاخِلٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَحْتَ الْحَاجِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِبَادِ فِي نَيْلِ مَآرِبِهِمْ، وَقَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ، وَإِذَا دَخَلَ تحت أصل الحاجيات، صح
_________________
(١) ١ في الأصل استظهر ناسخ الأصل أن هناك كلمة أمور أو أحكام هنا. ٢ في الأصل و"خ" و"ط": "ممتنع".
[ ٢ / ١٦٠ ]
إِفْرَادُهُ بِالْقَصْدِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَرَجَعَ إِلَى كَوْنِهِ مَقْصُودًا لَا بِالتَّبَعِيَّةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْجِهَةَ التَّابِعَةَ لَا يَصِحُّ إِفْرَادُهَا بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ التَّأْكِيدِ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا وَضَعَتْ كَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِهَذَا الْقَصْدِ؛ فَلَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِلْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّ مَا تُؤَدِّيهِ مِنَ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، فَلَوْ جَازَ أَخْذُهُ مَنْ غَيْرِهَا، لَكَانَ خُرُوجًا بِهَا عَنْ وَضْعِهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى حُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى مَا في الأولى خروج لها عن كونها تَبَعًا لِلْأُولَى، فَيَكُونُ اسْتِفَادَةُ الْحُكْمِ مِنْ جِهَتِهَا عَلَى غَيْرِ فَهْمٍ عَرَبِيٍّ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَمَا ذُكِرَ مِنِ اسْتِفَادَةِ الْأَحْكَامِ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا إِلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، وَإِمَّا إِلَى جِهَةٍ ثَالِثَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ١.
فَأَمَّا مُدَّةُ الْحَيْضِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَيْهَا، وَفِيهِ النِّزَاعُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ٢: إِنَّ أَكْثَرَهَا عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَإِنْ سُلِّمَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ٣، وَفِيهِ الْكَلَامُ.
وَمَسْأَلَةُ الشَّافِعِيِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ ٤ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَقَلِّ مُدَّةِ.
_________________
(١) ١ أي: وإما لا استفادة أصلا كما في مدة الحيض على الشق الأول قبل التسليم، فإنه يمنع دلالة الحديث عليها، ويحتمل أنه يشير بالجهة الثالثة إلى ما سيأتي له في الفصل التالي من التأسي بالآداب القرآنية. "د". ٢ في الأصل و"ط": "الحنفي". ٣ أي: بل بدلالة غير وضعية، وكلامنا إنما هو في مستتبعات التراكيب، أي: دلالة الألفاظ. "د". قلت: انظر المسألة وأدلتها في "الخلافيات" "٣/ رقم ٤٨- وتعليقي عليها". ٤ غير واضح؛ لأنه إما أن يكون ما تقدم في الاستدلال من نفس كلام الشافعي أو لا، فإن كان الأول، فهذا الجواب غير ظاهر؛ لأن صريح الكلام يمنع هذا الجواب، وإن كان الثاني، فكيف ساغ نسبة هذا الدليل للشافعي من طرف المصحح؟ "د"
[ ٢ / ١٦١ ]
الحمل مأخوذة مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى١ لَا مِنَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا، إِذْ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ٢، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَدِ لَا يُمْلَكُ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ مَمْنُوعٌ وَفِيهِ النِّزَاعُ، وَمَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ، فَالْقَائِلُ بِالتَّعْمِيمِ إِنَّمَا بَنَى عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مَقْصُودٌ، وَلَمْ يَبْنِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَإِلَّا كَانَ تَنَاقُضًا، لِأَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْعُمُومِ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَهَكَذَا الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَمَنْ قَالَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٣ [الْجُمُعَةِ: ٩]، فَهُوَ عِنْدُهُ مَقْصُودٌ لَا مُلْغًى، وَإِلَّا، لَزِمَ التَّنَاقُضُ فِي الْأَمْرِ٤ كَمَا ذُكِرَ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، لَمْ يَجْعَلُوا دُخُولَ الْأَمَةِ فِي حُكْمِ الْعَبْدِ بِالْقِيَاسِ إِلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ بِخُصُوصِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُفْرَضُ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ لَا يَثْبُتُ، فَلَا يَصِحُّ إِعْمَالُهُ أَلْبَتَّةَ، وَكَمَا أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنِ الدَّلِيلِ الثَّالِثِ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَإِنَّ فِي الْأَوَّلِ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: "فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا يُمْكِنُ إِهْمَالُهُ"، وَهَذَا عَيْنُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي اسْتِقْلَالِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ، فَالصَّوَابُ إِذًا الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ ليس هنا لفظ وضع للدلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، بل إنما أخذ ذلك من عملية جمع وطرح، فكان الباقي هو العدد المذكور، وهو من باب اللزوم قطعا، "د". ٢ أي: فيتوقف صحة الكلام على ثبوت هذا المعنى، وهو ما يسمى اقتضاء على بعض الاصطلاحات. "د". ٣ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". ٤ في "ط": "في الاستدلال".
[ ٢ / ١٦٢ ]
فَصْلٌ:
قَدْ تَبَيَّنَ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَظَهَرَ أَنَّ الْأَقْوَى مِنَ الْجِهَتَيْنِ جِهَةُ الْمَانِعِينَ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ زَائِدٍ أَلْبَتَّةَ.
لَكِنْ يَبْقَى فِيهَا نَظَرٌ آخَرُ رُبَّمَا أَخَالُ أَنَّ لَهَا دَلَالَةً عَلَى معانٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، هِيَ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ، وَتَخَلُّقَاتٌ حَسَنَةٌ، يُقِرُّ بِهَا كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ، فَيَكُونُ لَهَا اعْتِبَارٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا تَكُونُ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ خَالِيَةً عَنِ الدَّلَالَةِ جُمْلَةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُشَكَلُ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَمْثِلَةٍ سَبْعَةٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ الْقُرْآنَ أَتَى بِالنِّدَاءِ١ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ، وَمِنَ الْعِبَادِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، إِمَّا حِكَايَةً، وَإِمَّا تَعْلِيمًا، فَحِينَ أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَاءَ بِحَرْفِ النِّدَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْبُعْدِ، ثَابِتًا غَيْرَ مَحْذُوفٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٦] .
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] .
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٤] .
فَإِذَا أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنَ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، جَاءَ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ [فَلَا تَجِدُ فِيهِ نِدَاءً بِالرَّبِّ تَعَالَى بِحَرْفِ] نِدَاءٍ ثَابِتٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَرْفَ النِّدَاءِ لِلتَّنْبِيهِ فِي الْأَصْلِ، وَاللَّهُ منزه عن التنبيه.
_________________
(١) ١ راجع المسألة السابعة من مباحث الكتاب في هذا الموضوع. "د".
[ ٢ / ١٦٣ ]
وَأَيْضًا، فَإِنَّ أَكْثَرَ حُرُوفِ النِّدَاءِ لِلْبَعِيدِ، وَمِنْهَا "يَا" الَّتِي هِيَ أُمُّ الْبَابِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الدَّاعِي خُصُوصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦] .
وَمِنَ الْخَلْقِ عُمُومًا، لِقَوْلِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .
وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
فَحَصَلَ مِنْ هَذَا التنبيهُ عَلَى أَدَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَرْكُ حَرْفِ النِّدَاءِ.
وَالْآخَرُ: اسْتِشْعَارُ الْقُرْبِ.
كَمَا أَنَّ فِي إِثْبَاتِ الْحَرْفِ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ إِثْبَاتُ التَّنْبِيهِ لِمَنْ شَأْنُهُ الْغَفْلَةُ وَالْإِعْرَاضُ وَالْغَيْبَةُ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى ارْتِفَاعِ شَأْنِ الْمُنَادَى وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُدَانَاةِ الْعِبَادِ، إِذْ هُوَ فِي دُنُوِّهِ عالٍ، وَفِي عُلُوِّهِ دانٍ، سُبْحَانَهُ!
وَالثَّانِي:
أَنَّ نِدَاءَ الْعَبْدِ لِلرَّبِّ نِدَاءُ رَغْبَةٍ وَطَلَبٍ لِمَا يُصْلِحُ شَأْنَهُ، فَأَتَى فِي النِّدَاءِ الْقُرْآنِيِّ١ بِلَفْظِ: "الرَّبِّ" فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ، تَنْبِيهًا وَتَعْلِيمًا لِأَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ فِي دُعَائِهِ بِالِاسْمِ الْمُقْتَضَى لِلْحَالِ الْمَدْعُوِّ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبَّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَائِمُ بِمَا يُصْلِحُ الْمَرْبُوبَ، فَقَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ بَيَانِ دُعَاءِ الْعِبَادِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] إِلَى آخِرِهَا، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] .
_________________
(١) ١ أي: وأما الدعاء في الحديث، فالشائع فيه لفظ الجلالة، ولكل سرٌّ وحكمة، وسيأتي له التعبير بكثرة بدل "عامة". "د".
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَإِنَّمَا أَتَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٣٢] مِنْ غَيْرِ إِتْيَانٍ بِلَفْظِ الرَّبِّ"؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ١ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا دَعَوْا بِهِ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُنَافِيهِ، بِخِلَافِ الْحِكَايَةِ عَنْ عِيسَى ﵇ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاء﴾ الآية: [المائدة: ١١٤]، فَإِنَّ لَفْظَ الرَّبِّ فِيهَا مُنَاسِبٌ جِدًّا.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّهُ أَتَى فِيهِ الْكِنَايَةُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يستحيى مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَا، كَمَا كَنَّى عَنِ الْجِمَاعِ بِاللِّبَاسِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَعَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِالْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ، وَكَمَا قَالَ فِي نَحْوِهِ: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَام﴾ ٢ [الْمَائِدَةِ: ٧٥] فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ أَدَبًا لَنَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِحُكْمِ التَّبَعِ لَا بِالْأَصْلِ.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّهُ أَتَى فِيهِ بِالِالْتِفَاتِ الَّذِي يُنْبِئُ فِي الْقُرْآنِ عَنْ أَدَبِ الْإِقْبَالِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ مُقْتَضَى الْحَالِ يَسْتَدْعِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٢-٤] .
ثُمَّ قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
وبالعكس إذا اقتصاه الْحَالُ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
_________________
(١) ١ ومع هذا، فلا حاجة إلى الاعتذار عنه؛ لأنه محكي على لسان الجحدة الذين لم يصلوا للآداب إنما يحتاج للاعتذار عن مثل قوله تعالى حكاية عن نُوحٌ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ والجواب أن هلاك هؤلاء رحمة بسائر أولاد آدم، كما قال: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَك﴾ . "د". قلت: سيأتي إيضاح ذلك في التعليق على "٤/ ٢٠٣، ٤٣٢" بوجه أوضح وأوعب. ٢ أي: ويلزمه قضاء الحاجة التي لا تليق بالإله. "د".
[ ٢ / ١٦٥ ]
وَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَسَاقِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عَبَسَ: ١-٢] حَيْثُ عُوتِبَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ [هَذَا] ١ الْعِتَابِ، لَكِنْ عَلَى حَالٍ٢، تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ الَّتِي شَأْنُهَا أَخَفُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المعاتَب، ثُمَّ رَجَعَ الْكَلَامُ إِلَى الْخِطَابِ، إِلَّا أَنَّهُ بِعِتَابٍ أخفَّ مِنَ الْأَوَّلِ٣، وَلِذَلِكَ خُتِمَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة﴾ [عَبَسَ: ١١] .
وَالْخَامِسُ:
الْأَدَبُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَى نِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى٤، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ، كَمَا قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦]، وَلَمْ يَقُلْ: "بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ" وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ مَعًا، لِأَنَّ نَزْعَ الْمُلْكِ وَالْإِذْلَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَحِقَ ذَلِكَ بِهِ شَرٌّ ظَاهِرٌ، نَعَمْ قَالَ فِي أَثَرِهِ: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦] تَنْبِيهًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ خَلْقُهُ، حَتَّى جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ ليس إليك" ٥.
_________________
(١) ١ سقط من "ط". ٢ في "ط": "حالة". ٣ انظر: "روح المعاني" "٣٠/ ٣٩"، و"تفسير القرطبي" "١٩/ ٢١١"، و"فتح القدير" "٥/ ٣٨٢"، و"آيات عتاب المصطفى ﷺ في ضوء العصمة والاجتهاد" "ص٢٧٩-٢٨٧". ٤ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٨/ ٢٠٧-٢١١ و١٤/ ١٨-٢٨ و٢٩٩-٣٠٢"، و"الحسنة والسيئة" "ص١٩٠"، و"شفاء العليل" "ص١٧٨"، و"مدارج السالكين" "١/ ١٩٤"، و"شرح الطحاوية" "٢٨٢". ٥ أخرج البخاري في "الصحيح" كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج ٦/ ٣٨٢/ رقم ٣٣٤٨، وكتاب الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ١١/ ٣٨٨/ رقم ٦٥٣٠" عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك". وأخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٤-٥٣٥/ رقم ٧٧١" عن علي مرفوعًا، "إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال والخير كله فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ".
[ ٢ / ١٦٦ ]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] إِلَخْ، فَنَسَبَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ، وَالْهِدَايَةَ، وَالْإِطْعَامَ، وَالسَّقْيَ، وَالشِّفَاءَ، وَالْإِمَاتَةَ، وَالْإِحْيَاءَ، وَغُفْرَانَ الْخَطِيئَةِ، دُونَ مَا جَاءَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنَ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ سَكَتَ عَنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ.
وَالسَّادِسُ:
الْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ١ أَنْ لَا يُفَاجِئَ بِالرَّدِّ كِفَاحًا دُونَ التَّقَاضِي بِالْمُجَامَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨١] .
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هُودٍ: ٣٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٣] .
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٤] .
لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ وَتَرْكِ الْعِنَادِ وَإِطْفَاءِ نَارِ الْعَصَبِيَّةِ.
وَالسَّابِعُ:
الْأَدَبُ فِي إِجْرَاءِ الْأُمُورِ عَلَى الْعَادَاتِ فِي التَّسَبُّبَاتِ وَتَلَقِّي الْأَسْبَابِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ قَدْ أَتَى مِنْ وَرَاءِ مَا يَكُونُ أَخْذًا مِنْ مَسَاقَاتِ التَّرَجِّيَاتِ الْعَادِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] .
﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٢] .
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
_________________
(١) ١ انظر: "المنهاج" للباجي "ص٩-١٠".
[ ٢ / ١٦٧ ]
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَاءَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١] . ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٢] .
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرَجِّيَ وَالْإِشْفَاقَ وَنَحْوَهُمَا إِنَّمَا تَقَعُ حَقِيقَةً مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَاللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [كَانَ] ١ يَكُونُ، وَلَكِنْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى الْمَجْرَى الْمُعْتَادِ فِي أَمْثَالِنَا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِعَاقِبَةِ أَمْرٍ- بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ مُعْتَادِ الْجُمْهُورِ- أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِحُكْمِ غَيْرِ الْعَالِمِ، دُخُولًا فِي غِمَارِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ بَانَ عَنْهُمْ بِخَاصِّيَّةٍ يَمْتَازُ بِهَا وَهُوَ مَنِ التَّنَزُّلَاتِ الْفَائِقَةِ الْحُسْنِ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْلَمُ بِأَخْبَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ٢ وَيُطْلِعُهُ رَبُّهُ عَلَى أَسْرَارِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُعَامَلَةً يَشْتَرِكُ مَعَهُمْ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ٣؛ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي عَدَمِ انْخِرَامِ الظَّاهِرِ٤، فَمَا نَحْنُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، فإن كَانَ كَذَلِكَ، ظَهَرَ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ يُسْتَفَادُ بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَفَوَائِدُ عَمَلِيَّةٌ لَيْسَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الدَّلَالَةِ بِالْجِهَةِ الْأُولَى، وَهُوَ تَوْهِينٌ لِمَا تقدم اختياره.
_________________
(١) ١ زيادة من "خ" و"ط". ٢ في "ط": "يعلم بكثير من أخبار المنافقين". ٣ وكان يعلل ذلك بقوله: "خَوْفًا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابه" كما سيأتي "ص٤٦٧". ٤ قبوله ﵊ لدخول المنافقين في جملة أتباعه مع معرفته بما تنطوي عليه صدورهم كان من حسن النظر والبعد في مذاهب السياسة بالمكان الذي ليس وراءه مرمى، حيث يكثر بهم سواد حزبه رأي العين، ويفصلهم عن أن يكونوا أعوانا لأعدائه وكان يرجو مع ذلك هدايتهم وخلوص عقيدتهم لكثرة ما يشاهدونه من آيات نبوته ودلائل صدقه، وقد انقلب كثير منهم بعدما تخبطتهم وساوس النفاق إلى إيمان كفلق الصبح، وهذه كلها مصالح لا يظهر بجانبها المفاسد الناجمة عن بقائهم في جماعة المسلمين ولا سيما مع تتبع خطواتهم والحذر من مكايدهم. "خ".
[ ٢ / ١٦٨ ]
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا لَمْ يُسْتَفَدِ الْحُكْمُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِلْمَعَانِي، وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وهي جهة الاقتداء بالأفعال١، [والله أعلم] ٢.
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية في "المسودة" "ص٢٩٨": "الأصل قول الله تعالى وفعله وتركه القول، وتركه٩ الفعل، وقول رسول الله ﷺ وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وإن كانت جرت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه". قلت: والاحتجاج بأفعاله سبحانه فيها خلاف، والصواب التفصيل، واختيار المصنف حسن. وانظر: "إعلام الموقعين" "٣/ ٢٣١"، و"شرح تنقيح الفصول" "ص١٢٣"، و"إرشاد الفحول" "١٧٣"، وأفعال الرسول ﷺ" "٢/ ١٥٠-١٥٤" للأشقر. ٢ زيادة من "ط".
[ ٢ / ١٦٩ ]