وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجَ الْمُكَلَّفِ١ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا، كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا٢.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
النَّصُّ الصَّرِيحُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ خُلِقُوا للتعبد لله، والدخول
_________________
(١) ١ هذا قصد آخر للشارع من وضع الشريعة غير النوع الأول الذي قرره من أن مقصد الشرع إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه كلي، ولا تنافي بين القصدين، إنما المطلوب منك معرفة الفرق بين القصدين، حتى تميز المباحث الخاصة بكل منهما، فالنوع الأول معناه وضع نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسك به، والرابع أن الشارع يطلب من العبد الدخول تحت هذا النظام، والانقياد له لا لهواه، وهكذا تجد مسائل النوع الأول كلها في تفاصيله، وكذلك سائر الأنواع بطريق الاستقراء التام. "د". قلت: ويتضح الفرق جليا بين النوعين من النظر في مباحث كل منهما، ولكن العبارات التي افتتح بها الكلام في كل من النوعين كافية أيضا في التفريق بينهما. ٢ نحوه في "الاعتصام" "١/ ٤٣٤- ط دار المعرفة و١/ ١٣٤-١٣٥- ط محمد رشيد رضا" للمصنف، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٠/ ٣٤٦-٣٤٧، ٤٧٩"، و"المرآة" "١/ ٢٩٤- بحاشية الإزميري".
[ ٢ / ٢٨٩ ]
تَحْتَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٦-٥٧]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١] .
ثُمَّ شَرَحَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ فِي تَفَاصِيلَ السُّورَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] .
وَهَكَذَا إِلَى تَمَامِ مَا ذُكِرَ فِي السُّورَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاءِ: ٣٦] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْآمِرَةِ بِالْعِبَادِةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِتَفَاصِيلِهَا عَلَى الْعُمُومِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالِانْقِيَادِ إِلَى أَحْكَامِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى التَّعَبُّدِ لِلَّهِ.
وَالثَّانِي:
مَا دَلَّ عَلَى ذَمِّ مُخَالَفَةِ هَذَا الْقَصْدِ مِنَ النَّهْيِ أَوَّلًا عَنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ، وَذَمِّ من أعرض عن الله، وإيعادهم بالعذاب العادل مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْخَاصَّةِ بِكُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْمُخَالَفَاتِ، وَالْعَذَابِ الْآجِلِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَالِانْقِيَادُ إِلَى طَاعَةِ الْأَغْرَاضِ الْعَاجِلَةِ، وَالشَّهَوَاتِ الزَّائِلَةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ اتِّبَاعَ الْهَوَى مُضَادًّا لِلْحَقِّ، وَعَدَّهُ قَسِيمًا لَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [ص: ٢٦] .
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٧-٣٩] .
وَقَالَ فِي قَسِيمِهِ١: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٠-٤١] .
وَقَالَ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النَّجْمِ: ٣-٤] .
فَقَدْ حَصَرَ الْأَمْرَ فِي شَيْئَيْنِ: الْوَحْيِ وَهُوَ الشَّرِيعَةُ، وَالْهَوَى، فَلَا ثَالِثَ لَهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُمَا مُتَضَادَّانِ، وَحِينَ تَعَيَّنَ الْحَقُّ فِي الْوَحْيِ توجَّه لِلْهَوَى ضِدَّهُ، فَاتِّبَاعُ الْهَوَى مُضَادٌّ لِلْحَقِّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٣] .
وَقَالَ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٧١] .
وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٦] .
وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٤] .
وَتَأَمَّلْ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْهَوَى، فَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ وَلِمُتَّبِعِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: "مَا ذَكَرَ اللَّهُ الْهَوَى فِي كِتَابِهِ إِلَّا ذَمَّهُ"١ فَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ فِي أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْخُرُوجَ عَنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى والدخول تحت التعبد للمولى.
_________________
(١) ١ ذكره ابن الجوزي في "ذم الهوى" "ص١٨"، وعزاه لابن عباس، ولم ينسبه لأحد، ثم وجدته في "الاعتصام" "٢/ ٦٨٨- ط ابن عفان" معزوا لطاوس، قال: "حكى ابن وهب عن طاوس" "وذكره". وأخرجه الهروي في "ذم الكلام" "ص١٢٣" بسنده إلى سليمان الأحول قوله.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وَالثَّالِثُ:
مَا عُلِمَ بِالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ لَا تَحْصُلُ مَعَ الِاسْتِرْسَالِ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالْمَشْيِ مَعَ الْأَغْرَاضِ؛ لِمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّهَارُجِ١ وَالتَّقَاتُلِ وَالْهَلَاكِ، الَّذِي هُوَ مُضَادٌّ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى ذَمِّ مَنِ اتَّبَعَ شَهَوَاتِهِ، وَسَارَ حَيْثُ سَارَتْ بِهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِمَّنْ لَا شَرِيعَةَ لَهُ يَتْبَعُهَا، أَوْ كَانَ لَهُ شَرِيعَةٌ دَرَسَتْ، كَانُوا يَقْتَضُونَ الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ بِكَفِّ كُلِّ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ فِي النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ٢، وَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ إِلَّا لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ، واطِّراد الْعَوَائِدِ بِاقْتِضَائِهِ مَا أَرَادُوا مِنْ إِقَامَةِ صَلَاحِ الدُّنْيَا، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا السِّيَاسَةَ الْمَدَنِيَّةَ، فَهَذَا أَمُرُّ قَدْ تَوَارَدَ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُستدَل عَلَيْهِ٣.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى مُقْتَضَى تَشَهِّي الْعِبَادِ وَأَغْرَاضِهِمْ؛ إِذْ لَا تَخْلُو أَحْكَامُ الشَّرْعِ مِنَ الْخَمْسَةِ، أَمَّا الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ، فَظَاهِرٌ مُصَادَمَتُهَا لِمُقْتَضَى الِاسْتِرْسَالِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ؛ إِذْ يُقَالُ لَهُ: "افْعَلْ كَذَا" كَانَ لَكَ فِيهِ غَرَضٌ أَمْ لَا، وَ"لَا تَفْعَلْ كَذَا". كَانَ لَكَ فِيهِ غَرَضٌ أَمْ لَا، فَإِنِ اتَّفَقَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ غَرَضٌ مُوَافِقٌ، وَهَوًى بَاعِثٌ على
_________________
(١) ١ الهَرْج: القتل والفتنة. ٢ أي: من يعد متبعا لهواه بحسب ما يؤدي إليه النظر العقلي عندهم، وقد اطردت العوائد عندهم أن هذا الكف يترتب عليه ما أرادوا من إقامة المصالح. "د". ٣ يتفق المصنف في كلامه هذا مع أحداث الآراء الفلسفية التي تُرجع انهيار الحضارات إلى الأهواء الجامحة، كما تراه مثلا في كتاب "منبعا الأخلاق والدين" "ص٢٧٧" لبرقسون، وسبقه إلى هذا ابن القيم؛ قال في "إعلام الموقعين" "١/ ٧٢": "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم الفساد".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
مُقْتَضَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ، فَبِالْعَرْضِ لَا بِالْأَصْلِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْسَامِ -وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الدُّخُولَ تَحْتَ خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّمَا دَخَلَتْ بِإِدْخَالِ الشَّارِعِ لَهَا تَحْتَ اخْتِيَارِهِ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى إِخْرَاجِهَا عَنِ اخْتِيَارِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ وَغَرَضٌ، وَقَدْ لَا يَكُونُ؟ فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَيْسَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ، بَلْ فِي رَفْعِهِ مَثَلًا، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ؟ فَكَمْ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يودُّ لَوْ كَانَ الْمُبَاحُ الْفُلَانِيُّ مَمْنُوعًا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وُكِّلَ إِلَيْهِ مَثَلًا تَشْرِيعُهُ لِحَرَّمَهُ، كَمَا يَطْرَأُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِي حَقٍّ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ اخْتِيَارَهُ وَهَوَاهُ فِي تَحْصِيلِهِ يَوَدُّ لَوْ كَانَ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ، حَتَّى لَوْ فُرِضَ جَعْلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِأَوْجَبَهُ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْمُبَاحِ بِعَيْنِهِ عَلَى الْعَكْسِ، فَيُحِبُّ الْآنَ مَا يَكْرَهُ غَدًا، وَبِالْعَكْسِ، فَلَا يستتبُّ فِي قَضِيَّةِ حُكْمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَوَارَدُ الْأَغْرَاضُ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَيَنْخَرِمُ النظام بسبب فرض اتِّباع الْأَغْرَاضِ وَالْهَوَى، فَسُبْحَانَ الَّذِي أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] .
فإذن، إِبَاحَةُ الْمُبَاحِ مَثَلًا لَا تُوجِبُ دُخُولَهُ بِإِطْلَاقٍ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ، إِلَّا مِنْ حَيْثُ كَانَ قَضَاءً مِنَ الشَّارِعِ، وَإِذْ ذَاكَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ تَابِعًا لِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَغَرَضُهُ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْتِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ لَا بِالِاسْتِرْسَالِ الطَّبِيعِيِّ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ إِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَضْعُ الشَّرَائِعِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبَثًا، أَوْ لِحِكْمَةٍ، فَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ ١ [المؤمنون: ١١٥] .
_________________
(١) ١ أي: بل لحكمة تقتضي تكليفكم وبعثكم للجزاء، فهي توبيخ للكفار على تغافلهم، وإرشاد إلى أن الشريعة وضعت لحكمة، ولو زاد كلمة "إلخ"، لكان أحسن؛ لأن ظهور الإشارة تام في قوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ . "د".
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَقَالَ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ ١ [ص: ٢٧] .
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدُّخَانِ: ٣٨-٣٩] .
وَإِنْ كَانَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، فَالْمَصْلَحَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ إِلَى الْعِبَادِ، وَرُجُوعُهَا إِلَى اللَّهِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ وَيَسْتَحِيلُ عَوْدُ الْمَصَالِحِ إِلَيْهِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يبقَ إِلَّا رُجُوعُهَا إِلَى الْعِبَادِ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى أَغْرَاضِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إِنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، وَمَا يُوَافِقُ هَوَاهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَالشَّرِيعَةُ تَكَفَّلَتْ لَهُمْ بِهَذَا الْمَطْلَبِ فِي ضِمْنِ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ يُنْفَى أَنْ تُوضَعَ الشَّرِيعَةُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِ الْعِبَادِ وَدَوَاعِي أَهْوَائِهِمْ؟
وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جاءت على وفق أغراض العباد وأثبتت٢ لَهُمْ حُظُوظُهُمْ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُحَقِّقُونَ، أَوْ وُجُوبًا عَلَى مَا يَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ حَقًّا، كَانَ مَا يُنَافِيهِ بَاطِلًا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ وَضْعَ الشَّرِيعَةِ إِذَا سُلِّمَ أَنَّهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَهِيَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَعَلَى الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ، لَا عَلَى مُقْتَضَى أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلِذَا٣ كَانَتِ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ ثَقِيلَةً عَلَى النُّفُوسِ، وَالْحِسُّ وَالْعَادَةُ وَالتَّجْرِبَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، فَالْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي مُخْرِجَةٌ لَهُ عَنْ دَوَاعِي طَبْعِهِ وَاسْتِرْسَالِ أَغْرَاضِهِ، حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْ تَحْتِ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَهُوَ عَيْنُ مُخَالَفَةِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَغْرَاضِ، أَمَّا أَنَّ مَصَالِحَ التَّكْلِيفِ عَائِدَةٌ على المكلف في
_________________
(١) ١ الباطل ما لا حكمة فيه، والآية مقررة لما قبلها من أمر المَعاد والحساب، ولا يكون إلا بعد شرع وبيان، والآية بعدها مثلها، فإن معنى اللعب واللهو ما لا حكمة فيه، وبما ذكرناه ظهر وجه الاستدلال بالآيات، فلا يقال: إن الآيات في أصل الخلق لا في وضع الشريعة. "د". ٢ في "د": "ثبَّتت". ٣ في الأصل و"ط": "ولذلك".
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَصَحِيحٌ١ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَيْلُهُ لَهَا خَارِجًا عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لَهَا بِنَفْسِهِ دون أن يناولها إياه الشرع، وهو ظَاهِرٌ، وَبِهِ يُتَبَيَّنُ أَنَّ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْكَلَامِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ نَظَرٌ فِي ثُبُوتِ الْحَظِّ وَالْغَرَضِ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ، لَا مِنْ حَيْثُ اقْتَضَاهُ الهوى والشهوة، وذلك ما أردنا ههنا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا انْبَنَى عَلَيْهِ قَوَاعِدُ:
- مِنْهَا: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ الْهَوَى بِإِطْلَاقٍ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَمَلِ مِنْ حَامِلٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وداعٍ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِتَلْبِيَةِ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلٌ، فَلَيْسَ إِلَّا مُقْتَضَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْحَقِّ بِإِطْلَاقٍ، فَهَذَا الْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ بِمُقْتَضَى الدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي "الْمُوَطَّأِ": "إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وتُضَيَّع حُرُوفُهُ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ، كَثِيرٌ مَنْ يُعطِي، يُطِيلُونَ فيه الصلاة ويُقْصِرُون فيه الخطبة، يبدءون أعمالهم قبل أهوائهم٢،
_________________
(١) ١ أما المعاملات، فأثرها في المصالح العاجلة بانتظام حياة الاجتماع والتمتع بنعمة الاستقلال وعزة الجانب، وأما العبادات، فلما في إقامتها من الفوز برضا الخالق الذي هو مبدأ فيضان النعم الروحية، من اطمئنان النفس، وراحة الضمير، واحتقار متاع هذه الحياة، وقلة المبالاة بنوائب البأساء والضراء، وهذه النعم التي هي ملاك الحياة الطيبة ملازمة للقيام بالأعمال الصالحة ملازَمة النتائج لمقدماتها الصحيحة، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ . "خ". ٢ فعملهم يبدأ قبل ظهور شهوتهم وهواهم فيه، فإذن عملهم يُحمَل عليه شيء آخر غير الهوى، وهو انقيادهم إلى ما شرعه الله، أما هواهم فمرتبته متأخرة عن البدء في العمل، فليسوا فيه متبعين للهوى، بخلاف الفريق الآخر الذي لا يبدأ في العمل إلا بعد ظهور الهوى فيه؛ فإن المتغلب عليه في العمل هواه، وشتان بين الفريقين. "د".
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ، وَتَضِيعُ حُدُودُهُ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيُقْصِرُونَ الصَّلَاةَ، يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ"١.
فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ، فَكَوْنُهَا بَاطِلَةً ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْعَادَاتُ، فَذَلِكَ٢ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَوُجُودُهَا فِي ذَلِكَ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ فِي عَدَمِ أَخْذِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُنْعِمِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَفِي هَذَا الْكِتَابِ.
وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ بِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ صَحِيحٌ وحق؛ لأنه قد أتى مِنْ طَرِيقِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَوَافَقَ فِيهِ صَاحِبُهُ قصد الشارع،
_________________
(١) ١ أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ١٧٣" عن يحيى بن سعيد، أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان "وذكره". وإسناده منقطع؛ يحيى بن سعيد لم يسمع من ابن مسعود شيئا، لكن قال ابن عبد البر في "الاستذكار" ٦/ ٣٤٥": "إن هذا الحديث قد روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة". قلت: نعم، أخرجه أبو خيثمة في "العلم" "١٠٩" بإسناد حسن، ولكنه مختصر، وأخرجه من طرق عن ابن مسعود البخاريُّ في "الأدب المفرد" "رقم ٧٨٩"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم ٣٧٨٧"، ومن طريقه وغيره الطبراني في "الكبير" "٩/ ٣٤٥/ رقم ٩٤٩٦، ٨٥٦٧". وحسنه ابن حجر في "الفتح" "١٠/ ٥١٠"، وشيخنا الألباني في "صحيح الأدب المفرد" "رقم ٦٠٥". قلت: ووقع في "خ" محرفا: "فقاؤه" في الموضع الثاني منه. ٢ في نسخة "ماء/ ص١٧٩": "فكذلك".
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فَكَانَ كُلُّهُ صَوَابًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا إِنِ امْتَزَجَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، فَكَانَ مَعْمُولًا بِهِمَا، فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ١ وَالسَّابِقِ٢، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ أَمْرَ الشَّارِعِ بِحَيْثُ قَصَدَ الْعَامِلُ نَيْلَ غَرَضِهِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي إِلْحَاقِهِ٣ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ مَا كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ طَلَبِ الْحُظُوظِ وَالْأَغْرَاضِ لَا يُنَافِي وَضْعَ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ أَيْضًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَإِذَا جُعِلَ الْحَظُّ تَابِعًا، فَلَا ضَرَرَ عَلَى الْعَامِلِ.
إِلَّا أَنَّ هُنَا شَرْطًا مُعْتَبَرًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَجْهُ الَّذِي حصَّلَ أَوْ يُحَصِّل بِهِ غَرَضُهُ مِمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهُ لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ، وَإِلَّا، فَلَيْسَ السَّابِقُ فِيهِ أَمْرَ الشَّارِعِ، وَبَيَانُ هَذَا الشَّرْطِ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ وَالسَّابِقُ هُوَ الْهَوَى وَصَارَ أَمْرُ الشَّارِعِ كَالتَّبَعِ، فَهُوَ لَاحِقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَامَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَحَرِّي قَصْدِ الشَّارِعِ وَعَدَمُ ذَلِكَ، فَكُلُّ عَمَلٍ شَارَكَ العاملَ فِيهِ هَوَاهُ، فَانْظُرْ؛ فَإِنْ كَفَّ هَوَاهُ وَمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ عِنْدَ نَهْيِ الشَّارِعِ٤، فَالْغَالِبُ وَالسَّابِقُ لِمِثْلِ هَذَا أَمْرُ الشَّارِعِ، وَهَوَاهُ تَبَع، وَإِنْ لَمْ يكفَّ عِنْدَ وُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ، فَالْغَالِبُ وَالسَّابِقُ لَهُ الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ، وَإِذْنُ الشَّارِعِ تَبَعٌ لَا حُكْمَ لَهُ عِنْدَهُ، فَوَاطِئُ زَوْجَتِهِ وَهَيَ طَاهِرٌ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَابِعًا لِهَوَاهُ، أَوْ لِإِذْنِ الشارع، فإن حاضت فانكف، دل عل أَنَّ هَوَاهُ تَبَعٌ، وَإِلَّا؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ السابق.
_________________
(١) ١، ٢ أي: الأقوى في الحمل على الفعل، والذي سبق إلى النفس منهما. "د". ٣ في "د" و"خ" و"ط": "لحاقه". ٤ في "ط" زيادة "له".
[ ٢ / ٢٩٧ ]
فَصْلٌ:
- وَمِنْهَا: أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى طَرِيقٌ إِلَى الْمَذْمُومِ وَإِنْ جَاءَ فِي ضِمْنِ الْمَحْمُودِ١؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُضَادٌّ بِوَضْعِهِ لِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ، فَحَيْثُمَا زَاحَمَ مُقْتَضَاهَا فِي الْعَمَلِ كَانَ مَخُوفًا.
أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّهُ سَبَبُ تَعْطِيلِ الْأَوَامِرِ وَارْتِكَابِ النَّوَاهِي؛ لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لَهَا.
وَأَمَا ثَانِيًا، فَإِنَّهُ إِذَا اتُّبِعَ وَاعْتِيدَ، رُبَّمَا أَحَدَثَ لِلنَّفْسِ ضَرَاوَةً وَأُنْسًا بِهِ، حَتَّى يَسْرِيَ مَعَهَا فِي أَعْمَالِهَا، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مَخْلُوقٌ مَعَهَا مُلْصَقٌ بِهَا فِي الْأَمْشَاجِ، فَقَدْ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِالِامْتِثَالِ الشَّرْعِيِّ فيصير سابقا له، وإذا صَارَ سَابِقًا لَهُ صَارَ الْعَمَلُ الِامْتِثَالِيُّ تَبَعًا لَهُ وَفِي حُكْمِهِ، فَبِسُرْعَةٍ مَا يَصِيرُ صَاحِبُهُ إِلَى الْمُخَالَفَةِ وَدَلِيلُ التَّجْرِبَةِ حَاكِمٌ هُنَا.
وَأَمَّا ثَالِثًا: فَإِنَّ الْعَامِلَ بِمُقْتَضَى الِامْتِثَالِ مِنْ نَتَائِجِ عَمَلِهِ الِالْتِذَاذُ بِمَا هُوَ فِيهِ، وَالنَّعِيمُ بِمَا يَجْتَنِيهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْفُهُومِ، وَانْفِتَاحِ مَغَالِيقِ الْعُلُومِ، وَرُبَّمَا أُكْرِمَ بِبَعْضِ الْكَرَامَاتِ، أَوْ وُضِعَ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، فَانْحَاشَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وحلَّقوا عَلَيْهِ، وَانْتَفَعُوا بِهِ، وأمُّوه لِأَغْرَاضِهِمُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَى السَّالِكِينَ طُرُقَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، مِنَ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْخَلْوَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَسَائِرِ الْمُلَازِمِينَ لِطُرِقِ الْخَيْرِ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَانَ لِلنَّفْسِ بِهِ بَهْجَةٌ وَأُنْسٌ، وَغِنًى وَلَذَّةٌ، وَنَعِيمٌ بِحَيْثُ تَصْغُرُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَحْظَةٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ٢: "لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَقَاتَلُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ"، أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَعَلَّ النفس تنزع٣
_________________
(١) ١ بعدها في نسخة "ماء/ ص١٧٩": "وذا حقيق". ٢ هو إبراهيم بن أدهم، أسنده عنه البيهقي في "الزهد" "رقم ٨١"، وابن الجوزي في "صفة الصفوة" "٤/ ١٢٧" و"سلوة الأحزان" "رقم ١٩٨"، وأبو نعيم "٧/ ٣٧٠". ٣ وتشتد رغبتها في القيام بالصلاة والصيام والخلوة للعبادة؛ ليزداد أنسها وبهجتها، ولذتها ونعيمها، وإكرامها بالكرامات وزيادة القبول في الأرض، وكل هذا هوى خالط المحمود من العمل، لكنه قد يسبق إلى النفس، فيخسر صاحبه مرتبته. "د".
[ ٢ / ٢٩٨ ]
إِلَى مُقَدِّمَاتِ تِلْكَ النَّتَائِجِ، فَتَكُونُ سَابِقَةً لِلْأَعْمَالِ، وَهُوَ بَابُ السُّقُوطِ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ وَالْعِيَاذُ بالله، هذا وإن كان الهوى في الْمَحْمُودُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إِلَى الْمَذْمُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَدَلِيلُ هَذَا الْمَعْنَى مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِقْرَاءِ أَحْوَالِ السَّالِكِينَ وَأَخْبَارِ الْفُضَلَاءِ والصالحين، فلا حاجة إلى تقريره ههنا.
فَصْلٌ:
- وَمِنْهَا: أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَظِنَّةٌ لِأَنْ يُحْتَالُ بِهَا عَلَى أَغْرَاضِهِ، فَتَصِيرُ١ كَالْآلَةِ الْمُعَدَّةِ لِاقْتِنَاصِ٢ أَغْرَاضِهِ، كَالْمُرَائِي يَتَّخِذُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ سُلَّمًا لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَبَيَانُ هَذَا ظَاهِرٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَآلَاتِ اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَجَدَ مِنَ الْمَفَاسِدِ كَثِيرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى جُمْلَةً عِنْدِ الْكَلَامِ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ فِي أَسْبَابِهَا، وَلَعَلَّ الْفِرَقَ الضَّالَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثَ٣ أَصْلُ ابْتِدَاعِهَا اتِّبَاعُ أَهْوَائِهَا، دُونَ توخي مقاصد الشرع.
_________________
(١) ١ في "ط": "حتى تصير". ٢ في نسخة "ماء/ ص١٧٩": "الانتقاص". ٣ سيأتي نصه وتخريجه "ص٣٣٥".
[ ٢ / ٢٩٩ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
الْمَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ: مَقَاصِدٌ أَصْلِيَّةٌ، وَمَقَاصِدٌ تَابِعَةٌ١.
فَأَمَّا الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ، فَهِيَ الَّتِي لَا حَظَّ فِيهَا للمكلَّف، وَهَى الضَّرُورِيَّاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا لَا حَظَّ فِيهَا لِلْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا قِيَامٌ بِمَصَالِحَ عَامَّةٍ مُطْلَقَةٍ، لَا تَخْتَصُّ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، وَلَا بِصُورَةٍ دُونَ صُورَةٍ، وَلَا بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، لَكِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى ضَرُورِيَّةٍ عَيْنِيَّةٍ، وَإِلَى ضَرُورِيَّةٍ كِفَائِيَّةٍ.
فَأَمَّا كَوْنُهَا عَيْنِيَّةً، فَعَلَى كُلِّ مكلَّف فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ دِينِهِ٢ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا، وَبِحِفْظِ نَفْسِهِ قياما بضروريات حَيَاتِهِ، وَبِحِفْظِ عَقْلِهِ حِفْظًا لِمَوْرِدِ الْخِطَابِ مِنْ رَبِّهِ إِلَيْهِ، وَبِحِفْظِ نَسْلِهِ الْتِفَاتًا إِلَى بَقَاءِ عِوَضِهِ فِي عِمَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ، وَرَعْيًا لَهُ عَنْ وَضْعِهِ فِي مَضْيَعَةِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْعَاطِفَةِ٣ بِالرَّحْمَةِ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنْ مَائِهِ، وَبِحِفْظِ مَالِهِ اسْتِعَانَةً عَلَى إِقَامَةِ تِلْكَ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ خلاف هذه الأمور لجر عليه، ولحيل بينه
_________________
(١) ١ في الأصل وفي نسخة "ماء/ ص ١٨٠": "تابعية". ٢ يحتاج المقام لبيان القدر الذي لا حظ فيه للنفس من هذه الأمور الخمسة، فحفظ نفسه بألا يعرضها للهلاك كأن يقذف بنفسه في مهواة، ودينه بأن يتعلم ما يدفع عن نفسه به الشُّبَه التي تورد عليه مثلا، وعقله بأن يمتنع عما يكون سببا في ذهابه أو غيبوبته، بأي سبب من الأسباب، ونسله بألا يضع شهوته إلا حيث أحلَّ الله حتى تحفظ، وماله بألا يتلفه بحرق أو نحوه مما يوجب عدم الانتفاع به، وبهذا يظهر قوله: "أنه لو فرض اختياره لغير هذه الأمور لحجر عليه"، أما حفظ نفسه بالتحرف والتسبب لينال ما تقوم به حياته من لباس ومسكن وهكذا، فهذا من النوع الثاني، أي: المقاصد التابعة التي فيها حظه، وإن كان ضروريا أيضا كما سيأتي: "د". ٣ صفة للأنساب، وقوله: "الرحمة" متعلق بالعاطفة، أي: الأنساب التي من شأنها أن تتعطف الوالد على والده بالرحمة والإحسان. "د".
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِ، فَمِنْ هُنَا صَارَ فِيهَا مَسْلُوبَ الْحَظِّ، مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ صَارَ لَهُ فِيهَا حَظٌّ، فَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَابِعَةٍ لِهَذَا الْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا كَفَائِيَّةً، فَمِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَنُوطَةً بِالْغَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، لِتَسْتَقِيمَ الْأَحْوَالُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا تَقُومُ الْخَاصَّةُ إِلَّا بِهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُكَمِّلٌ لِلْأَوَّلِ، فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ فِي كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا؛ إِذْ لَا يَقُومُ الْعَيْنِيُّ إِلَّا بِالْكِفَائِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِفَائِيَّ قِيَامٌ بِمَصَالِحَ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَأْمُورٌ بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ تَخْصِيصٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ إِذْ ذَاكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَإِلَّا صَارَ عَيْنِيًّا١، بَلْ بِإِقَامَةِ الْوُجُودِ، وَحَقِيقَتُهُ٢ أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ عَلَى حَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَا هيء لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَالْقِيَامِ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ٣، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِقَبِيلِةٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِمَصَالِحِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْخَلْقَ خَلَائِفَ فِي إِقَامَةِ الضَّرُورِيَّاتِ الْعَامَّةِ، حَتَّى قَامَ الْمُلْكُ فِي الْأَرْضِ.
وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ الْكِفَائِيَّ مُعَرًّى مِنَ الْحَظِّ شَرْعًا أَنَّ الْقَائِمِينَ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ٤ مَمْنُوعُونَ مِنْ اسْتِجْلَابِ الْحُظُوظِ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا قَامُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لوالٍ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً مِمَّنْ تَوَلَّاهُمْ عَلَى وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا لقاضٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ أُجْرَةً عَلَى قَضَائِهِ٥، وَلَا لِحَاكِمٍ عَلَى حُكْمِهِ،
_________________
(١) ١ في الأصل: "عينا". ٢ أي: القائم الكفائي ٣ في "ط": "بجميع ما يحتاج إليه". ٤ وإنما قال في ظاهر الأمر لأنه وإن لم يأخذ الأجر من خصوص من ترافعوا إليه، فإنه يأخذه من بيت المال الذي يأتي دخله ممن ترافعوا ومن غيرهم، إلا أن هذا ليس كالأجر الذي يأخذه من أرباب القضايا مباشرة، فهو لا يؤثر في ذمته ولا يبعثه على أن يغير حكما حقا رآه بين المتخاصمين، كما هو ظاهر. "د". ٥ قرر القرافي في "الفرق الخامس عشر والمئة" بين قاعدة الأرزاق وقاعدة الإجارات أن القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعا، ولا يجوز أن يستأجروا على القضاء إجماعا لأن الأرزاق عامة من الإمام لهم على القيام بالمصالح لا أنها عوض عما يجب عليهم من تنفيذ الحكم عند قيام الحِجاج ونهوضها. "خ".
[ ٢ / ٣٠١ ]
وَلَا لِمُفْتٍ عَلَى فَتْوَاهُ، وَلَا لِمُحْسِنٍ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَلَا لِمُقْرِضٍ عَلَى قَرْضِهِ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَتِ الرُّشَا وَالْهَدَايَا الْمَقْصُودُ بِهَا نَفْسُ الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِجْلَابَ الْمَصْلَحَةِ١ هُنَا مؤدٍ إِلَى مَفْسَدَةٍ عَامَّةٍ تُضَادُّ حِكْمَةَ الشَّرِيعَةِ فِي نَصْبِ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ.
وَعَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ يَجْرِي الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْأَنَامِ، وَيَصْلُحُ النِّظَامُ، وَعَلَى خِلَافِهِ يَجْرِي الْجَوْرُ فِي الْأَحْكَامِ، وَهَدْمُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَبِالنَّظَرِ فِيهِ يَتَبَيَّنُ٢ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْعَيْنِيَّةَ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَلَا قُصْدُ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا، وَلَا نَيْلُ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ بِهَا، وَأَنَّ تَرْكَهَا سَبَبٌ لِلْعِقَابِ وَالْأَدَبِ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مُوجِبٌ تَرْكَهَا لِلْعُقُوبَةِ٣؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَيَّ مَفْسَدَةٍ فِي الْعَالَمِ.
وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ التَّابِعَةُ٤، فَهِيَ الَّتِي رُوعِيَ فِيهَا حظ المكلف، فمن جهتها
_________________
(١) ١ أي: بأخذ الرشوة أو القضاء وما أشبه، يؤدي إلى مفسدة عامة هي الجور وعدم الاستقامة في تأدية واجبات الولاية والقضاء، من رعاية العدالة والنصفة بين الناس، والبعد عن تهمة التحيز. "د". ٢ لأنه مسلوب الحظ فيها، وليس له الخيرة في التخلي عنها. "د". ٣ هذا إذا تعين النظر على الشخص بوجه من وجوه التعين. "د". ٤ وهي التسببات المتنوعة التي لا يلزم المكلف أن يأخذ بشيء خاص منها، بل وكل إلى اختياره أن يتعلق بما يميل إليه وتقوى منته عليه، فلم يلزم بالتجارة دون الصناعة، ولا بالتعليم دون الزراعة، وهكذا من ضروب التسببات التي لا يسعها التفصيل، فهذه كلها مكملة للمقاصد الأصلية وخادمة لها؛ لأنها لا تقوم في الخارج إلا بها، ولو عدمت التابعة رأسا لم تتحقق الأصلية لتوقفها عليها، وفرق آخر، وهو أن الأصلية واجبة والتابعة مباحة: "أي: بالجزء كما تقدم في المسألة الثانية من المباح": وسيأتي له في المسألة التالية عدها من الضروريات أيضا كالمقاصد الأصلية. "د".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
يَحْصُلُ لَهُ مُقْتَضَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ نَيْلِ الشَّهَوَاتِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْمُبَاحَاتِ، وَسَدِّ الْخَلَّاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ حِكْمَةَ الْحَكِيمِ الْخَبِيِرِ حَكَمَتْ أَنَّ قِيَامَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إِنَّمَا يَصْلُحُ وَيَسْتَمِرُّ بدواعٍ مِنْ قِبَلِ الْإِنْسَانِ تَحْمِلُهُ عَلَى اكْتِسَابِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَخَلَقَ لَهُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِذَا مَسَّهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ؛ لِيُحَرِّكَهُ ذَلِكَ الْبَاعِثُ إِلَى التَّسَبُّبِ فِي سَدِّ هَذِهِ الْخَلَّةِ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَكَذَلِكَ خَلَقَ لَهُ الشَّهْوَةَ إِلَى النِّسَاءِ لِتُحَرِّكَهُ إِلَى اكْتِسَابِ الْأَسْبَابِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ خَلَقَ لَهُ الِاسْتِضْرَارَ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالطَّوَارِقِ الْعَارِضَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إِلَى اكْتِسَابِ اللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ، ثُمَّ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَأَرْسَلَ [الرُّسُلَ] ١ مبينة أن الاستقرار ليس ههنا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدَّارُ مَزْرَعَةٌ لِدَارٍ أُخْرَى، وَأَنَّ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ وَالشَّقَاوَةَ الْأَبَدِيَّةَ هُنَالِكَ، لَكِنَّهَا تَكْتَسِبُ أَسْبَابَهَا هُنَا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، أو الخروج عَنْهُ، فَأَخَذَ٢ الْمُكَلَّفُ فِي اسْتِعْمَالِ الْأُمُورِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى تِلْكَ الْأَغْرَاضِ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَطَلَبَ التَّعَاوُنَ بِغَيْرِهِ، فَصَارَ يَسْعَى فِي نَفْعِ نَفْسِهِ وَاسْتِقَامَةِ حَالِهِ بِنَفْعِ غَيْرِهِ، فَحَصَلَ الِانْتِفَاعُ لِلْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ إِنَّمَا يَسْعَى فِي نَفْعِ نَفْسِهِ.
فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ صَارَتِ الْمَقَاصِدُ التَّابِعَةُ خَادِمَةً لِلْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ وَمُكَمِّلَةً لَهَا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكُلِّفَ بِهَا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْحُظُوظِ، أَوْ لَكُلِّفَ بِهَا مَعَ سَلْبِ الدَّوَاعِي الْمَجْبُولِ عَلَيْهَا، لَكِنَّهُ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا جَعَلَهُ وَسِيلَةً إِلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ عِمَارَةِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، وَجَعَلَ الِاكْتِسَابَ لِهَذِهِ الْحُظُوظِ مُبَاحًا لَا مَمْنُوعًا، لَكِنْ عَلَى قَوَانِينَ شَرْعِيَّةٍ هِيَ أَبْلَغُ فِي الْمَصْلَحَةِ وَأَجْرَى عَلَى الدَّوَامِ مِمَّا يَعُدُّهُ الْعَبْدُ مَصْلَحَةً ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦]، وَلَوْ شَاءَ لَمَنَعَنَا فِي الِاكْتِسَابِ الْأُخْرَوِيِّ الْقَصْدَ إِلَى الحظوظ، فإنه المالك وله الحجة البالغة،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل. ٢ في الأصل ونسخة "ماء/ ص١٨٣": "مأخذ".
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وَلَكِنَّهُ رَغَّبَنَا فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْنَا بِوَعْدٍ حَظِيٍّ لَنَا، وَعَجَّلَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ حُظُوظًا كَثِيرَةً نَتَمَتَّعُ بِهَا فِي طَرِيقِ مَا كلفنا به، فبهذا اللحظ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَقَاصِدَ تَوَابِعٌ، وَإِنَّ تِلْكَ هِيَ الْأُصُولُ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِيهُ مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِيهِ لُطْفُ الْمَالِكِ بِالْعَبِيدِ.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
المسألة الثالثة ١:
قد تحصَّلَ إذن أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا كَانَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ، كَقِيَامِ٢ الْإِنْسَانِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فِي الِاقْتِيَاتِ، وَاتِّخَاذِ السَّكَنِ٣، وَالْمَسْكَنِ وَاللِّبَاسِ، وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنَ الْمُتَمِّمَاتِ، كَالْبُيُوعِ، وَالْإِجَارَاتِ، وَالْأَنْكِحَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الِاكْتِسَابِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْهَيَاكِلُ الْإِنْسَانِيَّةُ.
وَالثَّانِي:
مَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ٤، كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالْعِبَادَاتِ٥ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، مِنَ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، كَالْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ، مِنَ٦ الْخِلَافَةِ، وَالْوِزَارَةِ، وَالنِّقَابَةِ، وَالْعِرَافَةِ٧، وَالْقَضَاءِ، وَإِمَامَةِ الصَّلَوَاتِ، وَالْجِهَادِ، وَالتَّعْلِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي شُرِعَتْ عَامَّةً لِمَصَالِحَ عَامَّةٍ إِذَا فُرِضَ عَدَمُهَا أَوْ تَرْكُ النَّاسِ لَهَا انْخَرَمَ النِّظَامُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ:
فَلَمَّا كَانَ لِلْإِنْسَانِ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ، وَبَاعِثٌ من نفسه يستدعيه.
_________________
(١) ١ كلام المصنف تحتها تعميق لما في "البرهان" "٢/ ٩١٩، ٩٣٨"، للجويني. ٢ في الأصل: "لقيام". ٣ أي: الزوجة "د". ٤ إنما قال: "مقصود" لأن في فروض الكفاية كالولاية حظا عاجلا، كعزة الرياسة، وتعظيم المأمورين للآمر، وهكذا مما سيأتي له، إلا أنه غير مقصود شرعا، بل منهي عنه أشد النهي، وسيأتي له تفسير الحظ المقصود بعد. "د". ٥ وكغير العبادات، من سائر الضروريات التي ليس فيها حظ عاجل، كما تقدم إيضاحه، "د". ٦ في الأصل: "والخلافة". ٧ النقابة والعرافة منصب دون الرئاسة، ويطلق على صاحبه "النقيب" و"العريف".
[ ٢ / ٣٠٥ ]
إِلَى طَلَبِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الدَّاعِي قَوِيًّا جِدًّا بِحَيْثُ يَحْمِلُهُ قَهْرًا عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُؤَكَّدْ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفْسِهِ١، بَلْ جُعِلَ الِاحْتِرَافُ وَالتَّكَسُّبُ وَالنِّكَاحُ عَلَى الْجُمْلَةِ مَطْلُوبًا طَلَبَ النَّدْبِ لَا طَلَبَ الْوُجُوبِ، بَلْ كَثِيرًا مَا يَأْتِي فِي مَعْرِضِ الْإِبَاحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] .
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الْجُمْعَةِ: ١٠] .
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] .
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٢] .
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٢] .
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَخْذَ النَّاسِ لَهُ كَأَخْذِ الْمَنْدُوبِ بِحَيْثُ يَسَعُهُمْ جَمِيعًا التَّرْكُ لَأَثِمُوا٢؛ لِأَنَّ الْعَالَمَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالتَّدْبِيرِ وَالِاكْتِسَابِ، فَهَذَا مِنَ الشَّارِعِ كَالْحِوَالَةِ عَلَى مَا فِي الْجِبِلَّةِ مِنَ الدَّاعِي الْبَاعِثِ عَلَى الِاكْتِسَابِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظٌّ أَوْ جِهَةُ نَازِعٍ طَبْعِيٍّ أَوْجَبَهُ الشرع عينا أو كفاية٣، كما
_________________
(١) ١ أما بالنسبة إلى غيره كالأقارب والزوجات مما لم يكن الداعي للنفس فيه قويا، فسيأتي أن الشارع يوجبه. "د". ٢ قد يقال: إذن يكون واجبا كفائيا، وإلا لاختل حد الأحكام الخمسة، إلا أن يقال: إن هذا من المندوب بالجزء الواجب كفاية بالكل كما تقدم في الأحكام، فيصح التأثيم بترك الكل مع كونه مندوبا بالجزء. "د". ٣ صرح الإمام الغزالي في كتاب "الوسيط" بأن الحِرف والصنائع لا تندرج في فرض الكفاية، والصواب ما جرى عليه المصنف من دخولها في هذا القبيل، ولا مخلص من إثم الجميع متى تظافروا على ترك حرفة يحتاج إليها في وسائل القوة أو مرافق الحياة، والشعب الذي لا يعني بالصنائع ويعول على أن يستمد حاجاته من أمة أخرى، لا يلبث أن يقع في غمرة بؤس وشقاء، واختلال الحالة الاقتصادية مطية إلى الإفلاس في السياسة، والابتلاء بسيطرة أجنبي يعبث بحقائق الدين وتجول يده في الأموال والثمرات، ويسوق النفوس الشريفة إلى عارٍ خالد أو موتة خاسرة. "خ". قلت: ورجح ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" "١٨/ ٨٢" أن الحرف من باب فرض الكفاية، ومتى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها، وكان الناس محتاجين إليها.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
لَوْ فُرِضَ هَذَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ١، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ يَكُونُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ فِيهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَقِيَامِهِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ مُبَاشَرَةً.
وَقِسْمٌ يَكُونُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الْحَظِّ فِي الْغَيْرِ، كَالْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ، وَالِاكْتِسَابِ بِمَا لِلْغَيْرِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، كَالْإِجَارَاتِ، وَالْكِرَاءِ، وَالتِّجَارَةِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الصَّنَائِعِ وَالِاكْتِسَابَاتِ، فَالْجَمِيعُ يَطْلُبُ الْإِنْسَانُ بِهَا حَظَّهُ فَيَقُومُ بِذَلِكَ حَظُّ الْغَيْرِ، خِدْمَةً دَائِرَةً بَيْنَ الْخَلْقِ، كَخِدْمَةِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ بَعْضًا حَتَّى تَحْصُلَ الْمَصْلَحَةُ لِلْجَمِيعِ.
وَيَتَأَكَّدُ الطَّلَبُ فِيمَا فِيهِ حَظُّ الْغَيْرِ عَلَى طَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ الْمُبَاشِرِ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ هَكَذَا، وَكَانَتْ جِهَةُ الدَّاعِي كَالْمَتْرُوكَةِ٢ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ، وَكَانَ مَا يُنَاقِضُ الدَّاعِيَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ٣، بل هو على الضد من ذلك.
_________________
(١) ١ فالتكسب لنفقة هؤلاء واجب. "د". ٢ فلم توجب، بل ندب إليها، أو ذكرت في معرض الإباحة. "د". ٣ أي: لما كان الداعي هو المتسلط وحده على الإنسان يدعوه إلى طلب المصلحة ودرء المفسدة من أي طريق كان، وكان ما يناقض الداعي وهو ما يقتضي عدم الدخول في طلب مصلحته ودرء مفسدته ليس له من جهة الطبع ما يخدمه ويعين عليه، صار من الحكمة تخفيف وطأة هذا الداعي بالزواجر الشديدة عن السير وراء الداعي في كل شيء ليقف عند حد عدم المساس بحقوق الغير. "د".
[ ٢ / ٣٠٧ ]
أُكِّدَتْ جِهَةُ الْكَفِّ هُنَا بِالزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِيعَادِ بِالنَّارِ فِي الْآخِرَةِ، كَالنَّهْيِ عَنْ قتل النفس والزنى، وَالْخَمْرِ، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَأَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالسَّرِقَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّبْعَ النَّازِعَ إِلَى طَلَبِ مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ وَدَرْءِ مَفْسَدَتِهِ يَسْتَدْعِي الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ جَرَى الرَّسْمُ الشَّرْعِيُّ فِي قِسْمِ الْكِفَايَةِ مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي أَوْ أَكْثَرِ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّ عِزَّ السُّلْطَانِ، وَشَرَفَ الْوِلَايَاتِ، وَنَخْوَةَ الرِّيَاسَةِ، وَتَعْظِيمَ الْمَأْمُورِينَ لِلْآمِرِ مِمَّا جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَى حبه، فكان الأمر بهم جَارِيًا مَجْرَى النَّدْبِ لَا الْإِيجَابِ، بَلْ جَاءَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِالشُّرُوطِ الْمُتَوَقَّعِ خِلَافُهَا، وَأَكَّدَ النَّظَرَ فِي مُخَالَفَةِ الدَّاعِي، فَجَاءَ كَثِيرٌ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَمَّا تَنْزِعُ إِلَيْهِ النَّفْسُ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] إِلَى آخِرِهَا.
وَفِي الْحَدِيثَ: "لَا تَطْلُبُ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ طَلَبْتَهَا بِاسْتِشْرَافِ نَفْسٍ وُكِّلْتَ إِلَيْهَا" ١، أَوْ كَمَا قَالَ.
وَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ غُلُولِ الْأُمَرَاءِ٢، وَعَنْ عَدَمِ النُّصْحِ فِي الْإِمَارَةِ٣، لما كان
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾، ١١/ ٥١٦-٥١٧/ رقم ٦٦٢٢، وكتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده، ١١/ ٦٠٨/ رقم ٦٧٢٢" من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁. ٢ من مثل قوله ﷺ: "هدايا الأمراء غلول"، وسيأتي تخريجه "٣/ ١١٨". ٣ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح، ١٣/ ١٢٦-١٢٧/ رقم ٧١٥٠/ ٧١٥١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ١/ ١٢٥/ رقم ٢٢٧، وكتاب الإمارة، باب فضيلة الإم العادل، ٣/ ١٤٦٠" عن معقل بن يسار مرفوعا: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، لم يجد رائحة الجنة".
[ ٢ / ٣٠٨ ]
هَذَا كُلُّهُ عَلَى خِلَافِ الدَّاعِي مِنَ النَّفْسِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلُّهُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْأَصْلِ، بَلْ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا فِي مَصَالِحِ الْخَلْقِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ.
وَأَمَّا قِسْمُ الْأَعْيَانِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ، أُكِّدَ الْقَصْدُ إِلَى فِعْلِهِ بِالْإِيجَابِ، وَنَفْيِهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَأَعْنِي بِالْحَظِّ الْمَقْصُودِ مَا كَانَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِوَضْعِهِ السَّبَبَ [الْبَاعِثَ عَلَيْهِ، وَغَيْرَ الْمَقْصُودِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ بِوَضْعِهِ السَّبَبَ]، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ شَرْعَ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ لَا لِنُحْمَدَ عَلَيْهَا، وَلَا لِنَنَالَ بِهَا فِي الدُّنْيَا شَرَفًا وَعِزًّا أَوْ شَيْئًا مِنْ حُطَامِهَا، فَإِنَّ هَذَا ضِدُّ مَا وُضِعَتْ لَهُ الْعِبَادَاتُ، بَلْ هِيَ خَالِصَةٌ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣] .
وَهَكَذَا شُرِعَتْ أَعْمَالُ الْكِفَايَةِ لَا لِيُنَالَ بِهَا عِزُّ السُّلْطَانِ، وَنَخْوَةُ الْوِلَايَةِ، وَشَرَفُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّبَعِ، فَإِنَّ عِزَّ الْمُتَّقِي لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا وَشَرَفَهُ عَلَى غَيْرِهِ، لَا يُنْكَرُ، وَكَذَلِكَ ظُهُورُ الْعِزَّةِ فِي الْوِلَايَاتِ مَوْجُودٌ مَعْلُومٌ ثَابِتٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ يَأْتِي تَبَعًا لِلْعَمَلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَهَكَذَا الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْوُلَاةِ مِنْ حَيْثُ لَا يُقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ١ حَسْبَمَا حَدَّهُ الشَّارِعُ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَلَا مَمْنُوعٍ، بَلْ هُوَ مَطْلُوبٌ مُتَأَكَّدٌ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِي الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَعَلَى الْعَامَّةِ الْقِيَامُ بِوَظَائِفِهِ مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمْ إِنِ احْتَاجَ إلى ذلك٢، وقد قال تعالى:
_________________
(١) ١ بأن يكون ذلك من بيت المال لا بالرشوة، ولا بهدايا الخصوم، ولا بأجر منهم. "د". ٢ تقوم الأمة بنفقة ولاة الأمور، وهي التي تفرض لهم من بيت المال ما يكفي لسداد حاجاتهم بالمعروف، ولا حق للوالي في أن يعد ما في الخزينة العامة بمنزلة تراث أبيه وجده، فيرمي فيه في سبيل أهوائه الواسعة، وإلى الله المشتكى من ذلك التصرف الذي انطلقت به أيدي كثير من الأمراء والوزراء في بعض الممالك الإسلامية حتى سقطت في بؤس وغرقت دولها في ديون اتخذها الأجنبي في وسائل امتلاك البلاد والقبض على زمام سياستها. "خ". قلت: وقال ابن خلدون في "مقدمته" "ص٣٢٢": "إن الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش"، وانظر: "الإشارة في محاسن التجارة" "٣٨"، و"الأحكام السلطانية" "ص١٢٠" للماوردي، و"الأموال" "ص٤٦٩" لأبي عبيد، و"تحرير المقال" للبلاطنسي. وكان المصنف ﵀ ممن يرى رأي من يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما تراه في ترجمته انظر على سبيل المثال: "نيل الابتهاج" "٤٩" ونقله عنه الونشريسي في "المعيار المعرب" "١١/ ١٣١"، وانظر: "فتاوى الشاطبي" "ص١٨٧-١٨٨".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ الآية [طه: ١٣٢] .
وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢-٣] .
وَفِي الْحَدِيثَ: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ، تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ"١.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قيام المكلف بحقوق الله سببب لِإِنْجَازِ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرِّزْقِ.
فَصْلٌ:
فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ حَظٌّ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ حَظُّهُ بِالْقَصْدِ الثَّانِي مِنَ الشَّارِعِ، وَمَا فيه للمكلف حظ بالقصد الأول
_________________
(١) ١ أخرجه الخطيب في "تاريخه" "٣/ ١٨٠"، و"الجامع" "رقم ٦٩" والشجري في "أماليه" "١/ ٦٠" من حديث زياد بن الحارث الصدائي مرفوعا. قال الخطيب: "غريب من حديث الثوري عن أبيه عن جده، لا أعلم رواه إلا يونس بن عطاء" قلت: ويونس بن عطاء قال عنه ابن حبان: "يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به"، وانظر له: "الميزان" "٤/ ٤٨٢" فالحديث مرفوعا ضعيف جدا، ولعله من قول الثوري، والله أعلم.
[ ٢ / ٣١٠ ]
يَحْصُلُ فِيهِ١ الْعَمَلُ الْمُبَرَّأُ مِنَ الْحَظِّ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ مَا ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ أوَّلًا مِنْ حَظِّ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنِ احْتِرَامِ أَهْلِ التَّقْوَى وَالْفَضْلِ وَالْعَدَالَةِ، وَجَعْلِهِمْ عُمْدَةً فِي الشَّرِيعَةِ فِي الْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْمَعَالِمِ الدِّينِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ زَائِدًا إِلَى مَا جُعِلَ لَهُمْ مِنْ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ لَهُمْ، وَوُضِعَ الْقَبُولُ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى يُحِبَّهُمْ النَّاسُ وَيُكْرِمُونَهُمْ وَيُقَدِّمُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمَا يُخَصُّونَ بِهِ مِنِ انْشِرَاحِ الصُّدُورِ، وَتَنْوِيرِ الْقُلُوبِ، وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، وَالْإِتْحَافِ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ مُسْنَدًا إِلَى رَبِّ الْعِزَّةِ: "مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارِبَةِ" ٢.
وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَ مَن هَذَا وصفُه قَائِمًا بِوَظِيفَةٍ عَامَّةٍ لَا يَتَفَرَّغُ بِسَبَبِهَا لِأُمُورِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَنِيلِ حُظُوظِهِ، وَجَبَ عَلَى الْعَامَّةِ أَنْ يَقُومُوا له بذلك ويتكلفوا لَهُ بِمَا يُفَرِّغُ بَالَهُ لِلنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ، مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمُ الْمُرْصَدَةِ لِمَصَالِحِهِمْ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَيْلِ حَظِّهِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَأَنْتَ تَرَاهُ لَا يُعَرَّى عَنْ نَيْلِ حُظُوظِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي طَرِيقِ تَجَرُّدِهِ عَنْ حُظُوظِهِ، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَعْظَمُ.
وَأَمَّا الثَّانِي:
فَإِنَّ اكْتِسَابَ الْإِنْسَانِ لِضَرُورِيَّاتِهِ فِي ضِمْنِ قَصْدِهِ إِلَى الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يَتَنَعَّمُ بِهَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمُسْتَلِذَّاتِ، وَلِبَاسَ اللينات، وركوب
_________________
(١) ١ أي: يحصل بسببه العمل المطلوب منه الذي جعل مما لا حظ فيه كإقامة الحياة بسائر أسبابها من أكل وشرب ولباس ومسكن وغيرها، فالقسم الذي فيه للمكلف حظ يحصل بسبب القسم الذي لا حظ فيه. "د". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب التواضع ١١/ ٣٤٠-٣٤١/ رقم ٦٥٠٢".
[ ٢ / ٣١١ ]
الْفَارِهَاتِ، وَنِكَاحَ الْجَمِيلَاتِ قَدْ تَضَمَّنَ سَدَّ الْخَلَّاتِ وَالْقِيَامَ بِضَرُورَةِ الْحَيَاةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَيَاةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ضَرُورِيٌّ لَا حَظَّ فِيهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِي اكْتِسَابِهِ بِالتِّجَارَاتِ وَأَنْوَاعِ البِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعَامَلَةٌ بَيْنَ الْخَلْقِ قِيَامًا بِمَصَالِحِ الْغَيْرِ١، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقِ الْحَظِّ، فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَظٌّ لَهُ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ غَرَضٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ طَرِيقٌ إِلَى حَظِّهِ، وَكَوْنُهُ طَرِيقًا وَوَسِيلَةً غَيْرُ كَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَهَكَذَا نَفَقَتُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَسَائِرِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ شَرَعًا مِنْ حَيَوَانٍ عَاقِلٍ وَغَيْرِ٢ عَاقِلٍ، وَسَائِرِ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الْحَظِّ الْمَطْلُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي اعْتِبَارِ حُظُوظِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِسْمِ الْكِفَايَةِ، وَجَدْنَا الْأَعْمَالَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ حَظُّ الْمُكَلَّفِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ عَلَى حَالٍ، وَذَلِكَ الْوِلَايَاتُ الْعَامَّةُ وَالْمَنَاصِبُ الْعَامَّةُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَقِسْمٌ اعْتُبِرَ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةُ الْغَيْرِ فِي طَرِيقِ مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ، كَالصِّنَاعَاتِ وَالْحِرَفِ الْعَادِيَّةِ كُلِّهَا، وَهَذَا الْقِسْمُ في الحقيقة راجع إلى مصلحة الإنسان واستجلاب٣ حَظَّهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِجْلَابُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِيهِ بِالْعَرْضِ.
وَقِسْمٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا، فَيَتَجَاذَبُهُ قَصْدُ الْحَظِّ وَلَحْظُ٤ الْأَمْرِ الَّذِي لَا حظ
_________________
(١) ١ أي: فكما أن فيه الضروري العيني، فيه الضروري الكفائي. "د". ٢ في "ط": "أو غير". ٣ في "د": "واستجلابه". ٤ أي: وملاحظة.
[ ٢ / ٣١٢ ]
فِيهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تتمحض فِي الْعُمُومِ وَلَيْسَتْ خَاصَّةً، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا وِلَايَةُ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْأَذَانُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ يَصِحُّ فِيهَا التَّجَرُّدُ مِنَ الْحَظِّ، وَمِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِ وَأَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ الْخَاصَّةِ بِالْإِنْسَانِ فِي الِاكْتِسَابِ يَدْخُلُهَا الْحَظُّ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي هَذَا، فَإِنَّ جِهَةَ الْأَمْرِ بِلَا حَظٍّ غَيْرُ وَجْهِ الْحَظِّ؛ فيؤمر انتدابا أن يقوم به لا لِحَظٍّ، ثُمَّ يُبْذَلُ لَهُ الْحَظُّ فِي مَوْطِنِ ضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، حِينَ لَا يَكُونُ ثمَّ قَائِمٌ بِالِانْتِدَابِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ: ٦] .
وَانْظُرْ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ وَالنَّاظِرِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ الْجَارِيَةِ، وَتَعْلِيمِ الْعُلُومِ عَلَى تَنَوُّعِهَا١، فَفِي ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ هَذَا القسم.
_________________
(١) ١ ما يصرف لمن يقوم بمصلحة يتعدي نفعها، كالعلم، أو القسام للعقار بين الخصوم، أو ترجمان الحاكم أو كاتبه، هو من باب المعونة على القيام بهذه المصالح، وتقاضيه لهذه المعونة لا يقطع عنه ثواب الله في الآخرة، بل ينال جزاءه الأخروي لقيامه بذلك العمل النافع موفورا، ولباذل المعونة ثواب التبرع بالمال في سبيل المصالح العامة. "خ". قلت: ذهب إلى مشروعية أخذ الأجرة على الطاعات المذكورة ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "٣٠/ ٢٠٢، ٢٠٦-٢٠٧"، وانظر في المسألة: "المغني" "٦/ ١٤٣- مع الشرح الكبير" و"كشاف القناع" "٤/ ١٢"، و"المحلى" "٨/ ١٩١"، و"حاشية ابن عابدين" "٦/ ٥٦"، و"بدائع الصنائع" "٤/ ١٩١"، و"حاشية الدسوقي" "٢/ ١٦"، و"فتح العلي المالك "٢/ ٢٢٩"، و"مغني المحتاج" "٢/ ٣٤٤"، و"نيل الأوطار" "٥/ ٣٢٢".
[ ٢ / ٣١٣ ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ١:
مَا فِيهِ حَظُّ الْعَبْدِ مَحْضًا -مِنَ الْمَأْذُونِ فِيهِ- يَتَأَتَّى تَخْلِيصُهُ مِنَ الْحَظِّ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا أُذِنَ فِيهِ أَوْ أُمِرَ بِهِ، فَإِذَا تَلَقَّى الْإِذْنَ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْمَأْذُونُ فِيهِ هَدِيَّةً مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، صَارَ مُجَرَّدًا مِنَ الْحَظِّ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا لَبَّى الطَّلَبَ بِالِامْتِثَالِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِمَا سِوَاهُ، تَجَرَّدَ عَنِ الْحَظِّ، وَإِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْحَظِّ سَاوَى٢ مَا لَا عِوَضَ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ فِي الْحُكْمِ لَمَّا صَارَ مُلْحَقًا بِهِ فِي الْقَصْدِ؟ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ٣ من النظر:
_________________
(١) ١ إن قلت: إنه كان الأنسب للمؤلف أن يؤخر هذه المسألة ويضمها إلى مسائل القسم الثاني من الكتاب المتعلقة بمقاصد المكلف نفسه، ولا يدرجها في مسائل هذا القسم المتعلقة بمقاصد الشرع بالتكليف؛ لأنها ترجع إلى أن المباح يكون عبادة بقصد المكلف، ثم يكون النظر في أنه حينذاك هل يأخذ الفعل حكم ما كان عبادة ويصير صاحبه كصاحب الولاية فيما ولي عليه، أم يبقى حكمه كصاحب الحظ يتصرف كيف يشاء فيما تحت يده؟ قلنا: بل المقصود من المسألة هذا الأخير، وهو الوجهان من النظر، فإنهما أنسب بمقام النوع الرابع الذي نحن فيه وأولى من عدهما من القسم الثاني الآتي، وأما أول المسألة، فمقدمة فقط. "د". ٢ أي: في القصد. "د". ٣ ظاهر كلامه هنا أن كلا من الوجهين جارٍ بعد تسليم الخلوص من الحظ، وأن هذا أمر لا نزاع فيه، إنما البحث في أنه هل يحكم لمن هذا شأنه بحكم العمل في قسم ما لا حظ فيه؟ أي: فلا يأخذ عوضا ويكون كقسم ما لا حظ فيه بنوعيه العيني والكفائي؟ هذا هو ظاهر كلامه، وجعله الاستفهام خاصا بمسألة الإلحاق في الحكم، فكأنه سلم جميع ما قبل الاستفهام، مع أنه سيقول في تقرير الوجه الثاني: "فالجميع مبني على إثبات الحظوظ"، وقال أيضا: إذا ثبت هذا، تبين أن هذا القسم لا يساوي الأول في امتناع الحظوظ جملة"، وقد كان هذا مسلما في صدر المسألة، ولم يدخل فيه شكا ولا ستفهاما، مع أنه بمقتضى تقريره الآتي يكون هذا بل وما قبله من قوله تجرد عن الحظ، كل هذا يليق به أن يدرج في موضوع النظر. "د".
[ ٢ / ٣١٤ ]
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْحُكْمِ مَا سَاوَاهُ فِي الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ قِسْمَ الْحَظِّ هُنَا قَدْ صَارَ عَيْنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِالْقَصْدِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِعِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مُخْتَصَّةٍ بِالْخَلْقِ فِي إِصْلَاحِ أَقْوَاتِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ، أَوْ١ صَارَ صَاحِبُهُ عَلَى حَظٍّ مِنْ مَنَافِعِ الْخَلْقِ يُشْبِهُ الْخُزَّانَ عَلَى أَمْوَالِ بُيُوتِ الْأَمْوَالِ وَالْعُمَّالِ فِي أَمْوَالِ الْخَلْقِ، فَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً وَلَا عِوَضًا عَلَى مَا وَلِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا تعبد به، كذلك ههنا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ حَاجَتِهِ يَقْتَطِعُهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، كَمَا يَقْتَطِعُ الْوَالِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَبْذُلُهُ٢ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، إِمَّا بِهَدِيَّةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ إِرْفَاقٍ، أَوْ إِعْرَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ٣ يعد نفسه في الأخذ كالغير يأخذ من حيث يَأْخُذُ الْغَيْرَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ كَالْوَكِيلِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْقَيِّمِ بِمَصَالِحِهِ عَدَّ نَفْسَهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهَا نَفْسٌ مَطْلُوبٌ إِحْيَاؤُهَا عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَمِثْلُ هَذَا مَحْكِيٌّ الْتِزَامُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ، بَلْ هُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الِاكْتِسَابِ مَاهِرِينَ وَدَائِبِينَ وَمُتَابِعِينَ لِأَنْوَاعِ الِاكْتِسَابَاتِ؛ لَكِنْ لَا ليدخروا لأنفسهم، ولا ليحتجنوا٤
_________________
(١) ١ لعل التنويع إشارة إلى النوعين السابقين فيما لا حظ فيه، وتقدم أنهما إما عبادة بدنية أو مالية، وإما قيام بولاية عامة على مصالح المسلمين، ويدل عليه قوله: "عَلَى مَا وَلِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا تعبد به". "د" "استدراك ٦". ٢ في الأصل و"خ" و"ماء/ ص١٨٦": "بذله". ٣ لعلها واو عطف على "يقتطعه"؛ إذ هما قسم واحد كما سيجيء له، نعم، قد يؤخذ من جعل نفسه كالغير أنه يصح له الزيادة عن حاجته، ولكن هذا ليس بمراد بدليل السباق واللحاق. "د". ٤ في الأصل: "ليحتنوا"!! واحتجان المال: جمعه وضم ما انتشر منه، كما في "اللسان" "مادة ح ج ن ١٣/ ١٠٩".
[ ٢ / ٣١٥ ]
أَمْوَالَهُمْ؛ بَلْ لِيُنْفِقُوهَا فِي سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَا نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ، وَمَا حَسَّنَتْهُ الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ، فَكَانُوا فِي أَمْوَالِهِمْ كَالْوُلَاةِ عَلَى بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، وَهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ حَسْبَمَا تَنُصُّهُ أَخْبَارُهُمْ، فَهَذَا وَجْهٌ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا عَامِلِينَ لِغَيْرِ حَظٍّ، عَامَلُوا هَذِهِ الْأَعْمَالَ مُعَامَلَةَ مَا لَا حَظَّ فِيهِ الْبَتَّةَ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَاعًى عَلَى الْجُمْلَةِ١ وَإِنْ قُلْنَا بِثُبُوتِ الْحَظِّ، أَنَّ طَلَبَ الْإِنْسَانِ لِحَظِّهِ حَيْثُ أُذِنَ لَهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، فإن طلب الحظ إِذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِوُجُودِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ، [وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَوُجُودِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ] ٢ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ، فَقَدْ خَرَجَ فِي نَفْسِهِ عَنْ مُقْتَضَى حَظِّهِ، ثُمَّ إِنَّ مُعَامَلَةَ الْغَيْرِ فِي طَرِيقِ حَظِّ النَّفْسِ تَقْتَضِي مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَالْمُسَامَحَةِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَالنَّصِيحَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَرْكِ الْغِشِّ كُلِّهِ، وَتَرْكِ الْمُغَابَنَةِ غَبْنًا يتجاوز الحد المشروع، وأن لا تكون العاملة عَوْنًا لَهُ عَلَى مَا يُكْرَهُ شَرْعًا، فَيَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَعُودُ عَلَى طَالِبِ حَظِّهِ بِحَظٍّ أَصْلًا، فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ فِي طَلَبِ الْحَظِّ إِلَى عَدَمِ الْحَظِّ٣.
هَذَا وَالْإِنْسَانُ بعدُ فِي طَلَبِ حَظِّهِ قَصْدًا، فَكَيْفَ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ حَظِّهِ فِي أَعْمَالِهِ؟ فَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَى تَحَرِّي٤ الْمَشْرُوعِ في الأعمال، لا
_________________
(١) ١ أي أن ما فيه حظ عُومل معاملة ما لا حظ فيه على الجملة لا التفصيل؛ لأنه قيد فيه الحظ بقيود كثيرة وشديدة، حتى إن الحظ الباقي له بعدها اضمحل بجانبها وصار مغمورا في ثناياها. "د". ٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٣ أي: على الجملة: "د". ٤ أي: على فعل ما لا حظ فيه بقسميه. "د".
[ ٢ / ٣١٦ ]
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِبَادَاتِ وَلَا إِلَى الْعَادَاتِ، وَهُوَ مجمَع عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا صَارَ بِالْقَصْدِ كَذَلِكَ.
وَأَيْضًا؛ فإنَّ فَرْضَ هَذَا الْقَصْدِ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ فَرْضِ طَلَبِ الْحَظِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهِيَ١ دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِمَا يَقْتَضِي سَلْبَ الْحَظِّ٢، فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِمَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَقُلْنَا: إِنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ طَلَبًا شَرْعِيًّا أَمْ لَا، فَحُكْمُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ الْبَتَّةَ، وَهَذَا٣ ظَاهِرٌ، فَالشَّارِعُ قَدْ طَلَبَ النَّصِيحَةَ مَثَلًا طَلَبًا جَازِمًا، بِحَيْثُ جَعَلَهُ الشَّارِعُ عُمْدَةَ الدِّينِ بِقَوْلِهِ ﷺ: "الدِّينُ النصيحة" ٤، وتوعد
_________________
(١) ١ أي: المسألة داخلة في نظير "ما لا يتم إلخ" يعني: ولا يتم كونه مسلوب الحظ إلا إذا أخذ حكم ما لا حظ فيه. "د". ٢ أي: مطلوب بتخليص العمل لله، فلا يتم ذلك إلا إذا أخذ حكم ما لا حظ فيه ابتداء، وهو القسم العبادي وقسم الولاية العامة؛ لأنه إذا كان حرا في تصرفاته المالية وغيرها، فلا يكون مسلوب الحظ، ويبقى الكلام في قوله: "سواء أقلنا: إنه مطلوب شرعا أم لا"، فإنه إذا لم يكن الطلب شرعيا ولو من باب المكارم ومحاسن الشيم، فلا وجه للبحث برمته؛ لأن الغرض أنه إذا خلص الإنسان قصده في الأعمال ذات الحظ، وأخذها على أنها امتثال صرف أو نيل هدية الله، فهل يطلب منه أن يكون كمن يعمل في القسم الثاني وهو ما لا حظ فيه، فلا يأخذ إلا ما يكفيه من ماله، أو أنه مع هذا يبقى حرا في المال وغيره يدخر منه وينفق حسبما يراه، فإذا لم يكن الكلام في الطلب الشرعي، ضاع البحث، وصار مما لا محصل له، وسيأتي له في آخر المسألة أن ذلك بإلزامهم لأنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداء، أي: فهو حال شرعي ومقبول شرعا وإن لم يكن بتكليف الشارع. "د". ٣ راجعٌ للمقيس عليه، وهو ما لا حظ فيه ابتداء، يريد به بيانه وضرب الأمثال له، وليس غرضه بيان المدعي المقيس بضرب الأمثال له، وإن كان هذا هو الذي كان منتظرا تتميمًا للوجه الأول من النظر، ومن ذلك تعلم أنه وجه ضعيف لم يوفق فيه لأكثر من ضرب الأمثال بأعمال بعض الصحابة وسيأتي أنها معارضة بأفعالهم أيضا في نفس باب الأموال وادخارها. "د". ٤ أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة ١/ ٧٤ =
[ ٢ / ٣١٧ ]
عَلَى تَرْكِهِ فِي مَوَاضِعَ، فَلَوْ فَرَضْنَا تَوَقُّفَهَا عَلَى الْعِوَضِ أَوْ حَظٍّ عَاجِلٍ، لَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى اخْتِيَارِ النَّاصِحِ وَالْمَنْصُوحِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يَكُونَ طَلَبُهَا جَازِمًا.
وَأَيْضًا الْإِيثَارُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ، فَكَوْنُهُ مَعْمُولًا بِهِ على عوض لا
_________________
(١) = / رقم ٥٥"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيعة، باب النصيحة للإمام، ٧/ ١٥٦-١٥٧"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأدب، باب في النصيحة، ٤/ ٢٨٦/ رقم ٤٩٤٤"، وأحمد في "المسند" "٤/ ١٠٢و ١٠٢-١٠٣"، وأبو عوانة في "المسند" "١/ ٣٦-٣٧"، والحميدي في "المسند" "٢/ ٣٦٩/ رقم ٨٣٧"، والقضاعي في "المسند" "١/ ٤٤ و٤٥/ رقم ١٧و ١٨"، وابن زنجويه في "الأموال" "١/ ٦١/ رقم ١" وأبو عبيد في "الأموال" "٩٠-١٠"، ووكيع في "الزهد" "٢/ ٦٢١-٦٢٢/ رقم ٣٤٦"، والبخاري في "التاريخ الصغير" "٢/ ٣٥"، و"التاريخ الكبير" "١/ ١/ ٤٥٩ و٣/ ٢/ ٤٦٠"، وابن منده في "الإيمان" "١/ ٤٢٤/ رقم ٢٧١ و٢٧٢"، وابن حبان في "روضة العقلاء" "ص١٩٤"، و"الصحيح" "٧/ ٤٩- مع الإحسان"، والبغوي في "شرح السنة" "٣/ ٩٣"، ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" "٢/ ٦٨١-٦٨٢، ٦٨٣، ٦٨٤، ٦٨٥، ٦٨٦، ٦٨٧"، والطبراني في "المعجم الكبير" "٢/ ٥٢-٥٤/ رقم ١٢٦٠-١٢٦٨"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٨/ ١٦٣" و"المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم ٥٩٠"، و"شعب الإيمان" "٣/ ١/ ١٤"، وابن الأعرابي في "المعجم" "١٠/ ١٩٤/ أ" مخطوط، والروياني في "المسند" ٣/ ٢٦٣/ أ" مخطوط، وابن خزيمة في "الصحيح" كما في "فتح الباري" "١/ ١٣٨"، و"تغليق التعليق" "٢/ ٥٦"، وعزاه له في كتاب "السياسة" العيني في "عمدة القاري" "١/ ٣٦٨" وذكره بسنده. وذكر الحديث البخاري في "صحيحه" "١/ ١٣٧- مع الفتح" دون سند، ولم يخرجه مسندا لكونه على غير شرطه، ووقع فيه اختلاف طويل، ورواه محمد بن عجلان عن سهيل، فأخطأ فيه، فجعله من مسند أبي هريرة. قال البخاري في "التاريخ الأوسط": "لا يصح إلا عن تميم" قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" "١/ ١٣٨"، "ولهذا الاختلاف على سهيل لم يخرجه البخاري في "صحيحه"، بل لم يحتج فيه بسهيل أيضا، وللحديث طرق دون هذه في القوة". وانظر -غير مأمور: "تغليق التعليق" "٢/ ٥٤-٦١".
[ ٢ / ٣١٨ ]
يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ إِيثَارًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيثَارِ تَقْدِيمُ حَظِّ الْغَيْرِ عَلَى حَظِّ النَّفْسِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ طَلَبِ الْعِوَضِ الْعَاجِلِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْمَطْلُوبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ، فَهَذَا وَجْهٌ نَظَرِيٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُقْتَضَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
أن يقال: إنه يرجع في الحكم إلى أَصْلِهِ مِنَ الْحَظِّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَثْبَتَ لِهَذَا الْعَامِلِ حَظَّهُ فِي عَمَلِهِ، وَجَعَلَهُ الْمُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى إِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِجَمِيعِهِ كَانَ سَائِغًا، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدَّخِرَهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَبْذُلَهُ١ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، فَهِيَ هَدِيَّةُ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ٢ لَا يَقْبَلُهَا؟ وَهُوَ وَإِنْ أَخَذَهَا بِالْإِذْنِ وَعَلَى مُقْتَضَى حُدُودِ الشَّرْعِ، فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا جُعِلَ لَهُ فِيهِ حَظٌّ، وَمِنْ حَيْثُ جُعِلَ لَهُ، وَبِالْقَصْدِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا٣ فَالْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا حَظٌّ، فَهِيَ وَسِيلَةٌ وَطَرِيقٌ إِلَى حَظِّهِ، فَكَمَا لَمْ يَحْكُمْ لِلْمَقْصِدِ بِحُكْمِ الْوَسِيلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ من أخذ الإنسان ماليس لَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ حَظٌّ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ٤ إِلَى حَظِّهِ كَالْمُعَاوَضَاتِ، فَكَذَلِكَ لَا يُحْكَمُ هُنَا لِلْمَأْذُونِ فِيهِ مِنَ الْحَظِّ بِحُكْمِ مَا تَوَسَّلَ به إليه.
_________________
(١) ١ في الأصل و"خ" و"ماء/ ص ١٨٦" و"ط": ويبذله". ٢ الأصل: كيف". ٣ رد لقوله في الوجه السابق: "إن طلب ما فيه حظ مقيد بالقيود الشرعية التي لا حظَّ فيها"، فينتفي أن يكون فيه الحظ، فيرد عليه هنا بأن هذه الحدود إن هي إلا وسيلة إلى حصول حظه، وليس بلازم أن يأخذ المقصد حكم الوسيلة، ألا ترى أن ما فيه حظ الشخص بالقصد الأول كأنواع الحرف والتجارات والمعاوضات لا يصل الشخص فيها إلى غرضه إلا بطريق نفع الغير، ومع ذلك لم يأخذ المقصد فيها حكم ما كان في طريقها من مصلحة الغير، وعد مما كان فيه حظ الشخص أصالة وحظ الغير بالعرض. "د". ٤ وإن كان مما فيه مصلحة الغير، إلا أنها جاءت بطريق العرض، فلم يأخذ المقصد حكم هذه الوسيلة. "د".
[ ٢ / ٣١٩ ]
وَقَدْ وَجَدْنَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ ﵏ كَثِيرًا يَدَّخِرُونَ الْأَمْوَالَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَأْخُذُونَ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي أَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا اكْتَسَبُوهُ عَادُوا إِلَى الِاكْتِسَابِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَّخِذُونَ التِّجَارَةَ أَوِ الصِّنَاعَةَ عِبَادَةً لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ١، بَلْ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّعَفُّفِ وَالْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ زُمْرَةِ الطَّالِبِينَ لِحُظُوظِهِمْ.
وَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ حُظُوظُ أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهَا الشَّارِعُ لَهُمْ، فَيَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَسَعُهُمْ مِنَ الْحُظُوظِ، وَيَعْمَلُونَ فِي أُخْرَاهُمْ كَذَلِكَ، فَالْجَمِيعُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ تَكُونَ الْحُظُوظُ مأخوذة من جهة ما حَدَّ الشَّارِعُ، مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ يَقَعُ فِي طَرِيقِهَا.
وَأَيْضًا، فَإِنَّمَا حُدَّتُ الْحُدُودُ فِي طَرِيقِ الْحَظِّ أَنْ لَا يُخِلُّ الْإِنْسَانُ بِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ٢، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَضَعْ تِلْكَ الْحُدُودَ إِلَّا لِتَجْرِيَ الْمَصَالِحُ عَلَى أَقْوَمِ سَبِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ٣، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦]، وَذَلِكَ عام في أعمال الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ١ أي: الذي شرحه فيما سبق، ودلل عليه بعمل الصحابة. "د". ٢ لأن الإخلال بمصلحة الغير يعود بالإخلال على مصلحة النفس، بسبب العقوبات والزواجر وقيم المتلفات، وغيرها من المصائب والنوازل التي تنزل بسبب الارتكابات والمخالفات، وقد أباح الله لمن اعتُدِيَ عليه أن يجازي المعتدي بمثل ما اعتدى، فالإخلال بمصلحة الغير يعود بالإخلال على مصلحة النفس. "د". ٣ في نسخة "ماء/ ص ١٨٧" زيادة: "وفي غيره".
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وَقَالَ: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الْفَتْحِ: ١٠] .
وَفِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ الظُّلْمِ وَتَحْرِيمِهِ: "يَا عِبَادِيَ: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إياها" ١.
ولا يختص مثل هذا بِالْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ بِالْإِنْسَانِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٢ [الشُّورَى: ٣٠] .
وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٤] .
وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا تَفُوتُ الْحَصْرَ، فالإنسان لا ينفك عن طلب٣ حَظَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ طَرِيقٌ إِلَى نِيلِ حَظِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يُسَاوِي الْأَوَّلَ فِي امْتِنَاعِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ جُمْلَةً.
وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي أَخْذِ حُظُوظِهِمْ عَلَى مَرَاتِبَ.
- مِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِغَيْرِ تَسَبُّبِهِ٤، فَيَعْمَلُ الْعَمَلَ أَوْ يَكْتَسِبُ الشَّيْءَ فَيَكُونُ فِيهِ وَكِيلًا عَلَى التَّفْرِقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحَسَبِ مَا قُدِّرَ، وَلَا يَدَّخِرُ لنفسه من
_________________
(١) ١ قطعة من حديث إلهي طويل، أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٤-١٩٩٥/ رقم ٢٥٧٧" من حديث أبي ذر ﵁، وسيأتي "ص٤٨٠"، وهناك تمام تخريجه. ٢ في الأصل: "بما قدمت أيديكم"!! ٣ في "د": "طلبه". ٤ أي أنه لا يأخذ شيئا جاء بتسببه، بل يجعل ذلك لغيره، فكل ما سيق إليه بالتسبب يجعله للخلق، فهو مع كونه هو المتسبب والمحترف يرى أن ما وصل ليده من ذلك من محض الفضل، وأنه كوكيل على تصريفه فقط، وليس له منه شيء، وهذه أعلى المراتب، وما بعدها يجعل نفسه كالوكيل يأخذ إن احتاج، وهو أقل من هذا. "د".
[ ٢ / ٣٢١ ]
ذَلِكَ شَيْئًا، بَلْ لَا يَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ حَظًّا لِنَفْسِهِ مِنَ١ الْحُظُوظِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لنفسه لاطراح حظها حتى يصير مِنْ قَبِيلِ مَا يُنْسَى، وَإِمَّا قُوَّةُ يَقِينٍ بالله؛ لأنه عالم به وبيده ملكوت السموات وَالْأَرْضِ٢ وَهُوَ حَسْبُهُ فَلَا يُخَيِّبُهُ، أَوْ عَدَمُ الْتِفَاتٍ إِلَى حَظِّهِ يَقِينًا بِأَنَّ رِزْقَهُ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ النَّاظِرُ لَهُ بِأَحْسَنِ مِمَّا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنَفَةً مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى حَظِّهِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ، وَفِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ جَاءَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الْحَشْرِ: ٩] .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ لَهَا بِمَالٍ فِي غِرَارَتَيْنِ -قَالَ الرَّاوِي: أَرَاهُ ثَمَانِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ- فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وَهَى يَوْمَئِذٍ صَائِمَةٌ، فَجَعَلَتْ تُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ، فَلَمَّا أَمْسَتْ قالت: "يا جرية هَلُمِّي أَفْطِرِي"، فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ. فَقِيلَ لَهَا: أَمَا اسْتَطَعْتِ فِيمَا قَسَمْتِ أَنْ تَشْتَرِي بِدِرْهَمٍ لَحْمًا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَتْ: لَا تُعَنِّيني، لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ٣.
وَخَرَّجَ مَالِكٌ أَنْ مِسْكِينًا سَأَلَ عَائِشَةَ وَهَى صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلَّا رَغِيفٌ، فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا: اعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَتْ: لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. [قالت]: فلما أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إِنْسَانٍ
_________________
(١) ١ في "ط": "في". ٢ في "ط": "ملكوت كل شيء". ٣ أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "٨/ ٦٧"، والدارقطني في المستجاد" "رقم ٣٦، ٣٧"، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "١٦/ ق ٧٣٨"، والحاكم في "المستدرك "٤/ ١٣"، وأبو نعيم في "الحلية" "٢/ ٤٧ و٤٩"، والبغوي في "الجعديات" "١٦٧٣" بإسناد صحيح، بألفاظ مقاربة. ووقع في بعض طرقه أن معاوية هو الذي بعض إليها بالمال، اشترى به منها دارا، ولا تَعَارُضَ، فهو المرسِلُ، وابنُ الزبيرِ المرسَلُ، إلا إذا حمل على تعدد القصة، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
-مَا [كَانَ] يُهْدِي لَنَا- ١ شَاةً وَكَفَنَهَا٢ فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: كُلِي مِنْ هَذَا؛ هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ٣ وَرَوَى عَنْهَا أَنَّهَا قَسَّمَتْ سَبْعِينَ أَلْفًا وَهِيَ تَرْقَعُ ثَوْبَهَا٤، وَبَاعَتْ مَا لَهَا بِمِائَةِ أَلْفِ وَقَسَّمَتْهُ، ثُمَّ أَفْطَرَتْ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ٥، وَهَذَا يُشْبِهُ الْوَالِي عَلَى بَعْضِ الْمَمْلَكَةِ، فلا يأخذ إلى من الملك؛ لأن قَامَ لَهُ الْيَقِينُ بِقَسْمِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ مَقَامَ تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ٦، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ بِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَرَى تَدْبِيرَ اللَّهِ لَهُ خَيْرًا مِنْ تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا دَبَّرَ لِنَفْسِهِ انْحَطَّ عَنْ رُتْبَتِهِ إِلَى مَا هُوَ دونها،
_________________
(١) ١ لعل الأصل: "ما لا يهدي لنا" أي: أهدى لنا شيئا ما جرت العادة أن يهدي لنا مثله في عظمه، وقوله: "شاة" بدل من ما. "د". قلت صوابه ما أثبتناه، وما بين المعقوفتين، من "الموطأ" وسقط من الأصول كلها. ٢ إن العرب- أو بعض وجوههم- كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف، فإذا سلخوه غطوه كله بعجين دقيق البر، وكفنوه فيه ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن، وذلك من طيب الطعام عندهم، قاله ابن عبد البر في "الاستذكار" "٢٧/ ٤٠٧". ٣ أخرجه مالك في "الموطأ" "٢/ ٩٩٧- رواية يحيى- ورقم ٢١٠٥- رواية أبي مصعب" بلاغا عن عائشة. ٤ أخرجه أبو نعيم في "الحلية" "٢/ ٥٧". ٥ أخرجه أبو نعيم في "الحلية" "٢٣/ ٤٧-٤٨"، وفيه أيوب بن سويد، وهو ضعيف. ٦ إنفاق الأموال في وجوه الخير عظيم، وهو عنوان الثقة بالله وتفويض الأمر إليه وهذا ما كان السلف الصالح يفعله، وأما السعي في اكتساب الرزق من طرقه المشروعة، فهو مما يحدث عليه الشرع ويستدعيه الاحتفاظ بعزة النفس وشرفها، ولا يحق للرجل أن ينكث يده من العمل وهو قادر عليه بدعوى أن تدبير الله له خير من تدبيره، ومن يفعل ذلك، فليس من الفضيلة في شيء، وليست هذه الدعوى إلا من مظاهر الكسل والإخلاد إلى الرضا مما تجود به أنعم العاملين، فترجع في الحقيقة إلى معنى أن تدبير الخلق له خير من تدبير نفسه. خ".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ:
- وَمِنْهُمْ مَنْ يُعِدُّ نَفْسَهُ كَالْوَكِيلِ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ١، إِنِ اسْتَغْنَى اسْتَعَفَّ، وَإِنِ احْتَاجَ أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ صَرَفَهُ كَمَا يَصْرِفُ مَالَ الْيَتِيمِ فِي مَنَافِعِهِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَالِ غَنِيًّا عَنْهُ، فَيُنْفِقُهُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِنْفَاقُ، وَيُمْسِكُهُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ، وَإِنِ احْتَاجَ أَخَذَ مِنْهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ بِحَسَبِ مَا أُذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ، وَهَذَا أَيْضًا بَرَاءَةٌ مِنَ الْحُظُوظِ فِي ذَلِكَ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِحَظِّهِ لَحَابَى نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، بَلْ جَعَلَ نَفْسَهُ كَآحَادِ الْخَلْقِ، فَكَأَنَّهُ قَسَّامٌ فِي الْخَلْقِ يُعِدُّ نَفْسَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ واحد، فهم مني وأنا منهم" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "٢/ ٦٩٤-٦٩٥، ٧٠١"، وسعيد بن منصور في "السنن" "٤/ ١٥٣٨/ رقم ٧٨٨- ط الصميعي"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "١٢/ ٣٢٤/ رقم ١٢٦٩٠"، وابن جرير في "التفسير" "٧/ ٥٨٢/ رقم ٨٥٩٧"، وابن سعد في "الطبقات" "٣/ ٢٧٦"، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" "ص١١٢"، والبيهقي في "شعب الإيمان" "٦/ ٤، ٥، ٣٥٤"، وابن الجوزي في "مناقب عمر" "ص١٠٥" من طرق عن عمر، قال: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ثم قضيت" وهو صحيح بمجموع طرقه إن شاء الله تعالى. وفي رواية أنه قال ذلك لعمار وابن مسعود ﵃ حين ولاهما أعمال الكوفة، وفيها: "إني وإياكم في مال الله" وذكر نحوه، وعبارة المصنف للشافعي في "الأم" "٤/ ٨٠"، وعنه السيوطي في "الأشباه" "١٣٥"، والبلاطنسي في "تحرير المقال" "١٤٤". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأشعريين" باب الشركة في الطعام والنهد والعروض ٥/ ١٢٨/ رقم ٢٤٨٣"، ومسلم في الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين ﵃ ٤/ ١٩٤٤-١٩٤٥/ رقم ٢٥٠٠" من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وَفِي حَدِيثِ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ هَذَا١، وَقَدْ كَانَ ﵊ يَفْعَلُ فِي مَغَازِيهِ مِنْ هَذَا مَا هُوَ مَشْهُورٌ٢، فَالْإِيثَارُ بِالْحُظُوظِ مَحْمُودٌ٣ غَيْرُ مُضَادٍّ لِقَوْلِهِ ﵊: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ٤،
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي ﷺ المهاجرين والأنصار/ رقم ٣٧٨٢" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبينهم النخيل. قال: لا، قال: تكفوننا المئونة، وتُشركوننا في التمر. قالوا: سمعنا وأطعنا". وأخرج البخاري في "صحيحه" "رقم ٣٧٨١"، في الكتاب والباب السابق وفي باب "كيف أخى النبي بين أصحابه" من الكتاب نفسه/ رقم ٣٩٣٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب النكاح باب منه/ رقم ١٤٢٧"، وغيرهما من حديث أنس، قال: "قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن" ٢ قلت: أكتفي هنا بذكر مثال واحد وقع في غزوة تبوك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، ١/ ٥٥-٥٦/ رقم ٢٧" بسنده إلى أبي هريرة ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ في سير، قال: فنفدت أزواد القوم، قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم قال: فقال عمر: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها. قال: ففعل، قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواه. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، قال: فدعا عليها. قال: حتى ملأ القوم أزودتهم قال: فقال عند ذلك: "أشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله، لا يَلْقَى اللهَ بهما عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فيهِمَا إلا دَخَلَ الجَنَّةَ". وأخرجه أحمد في "مسنده" "٣/ ١١"، وقد تكلم بعضهم في صحة هذا الحديث بكلام متعقب، انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم" "١/ ٢٢١-٢٢٣". ٣ وهو حاصل في أهل المرتبتين المذكورتين كما سيوضحه، وقوله: "ما أخذوا لأنفسهم" هذا في أهل المرتبة الثانية. "د". ٤ أخرج البخاري في "صحيحه"كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ٤/ ٢٩٤/ رقم ١٤٢٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، ٢/ ٧١٧/ رقم ١٠٣٤" عن حكيم بن حزام مرفوعا: "أفضل الصدقة عن ظهر =
[ ٢ / ٣٢٥ ]
بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي حَالَتَيْنِ.
فَهَؤُلَاءِ والذين قبلهم لم يقيدا أَنْفُسَهُمْ بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، وَمَا أَخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ لَا يُعَدُّ سَعْيًا فِي حَظٍّ؛ إِذْ لِلْقَصْدِ إِلَيْهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ يُؤْثِرَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ هُنَا ذَلِكَ، بَلْ آثَرَ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ سِوَى نَفْسِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ هَؤُلَاءِ بُرَءاء مِنَ الْحُظُوظِ، كَأَنَّهُمْ عَدُّوا أَنْفُسَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ حَظٌّ، وَتَجِدُهُمْ فِي الْإِجَارَاتِ وَالتِّجَارَاتِ١ لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا بِأَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّبْحِ أَوِ الْأُجْرَةِ، حَتَّى يَكُونَ مَا حَاوَلَ أَحَدُهُمْ٢، مِنْ ذَلِكَ كَسْبًا لِغَيْرِهِ لَا لَهُ، وَلِذَلِكَ بَالَغُوا فِي النَّصِيحَةِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا وُكَلَاءُ لِلنَّاسِ لَا لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَيْنَ الْحَظُّ هُنَا؟ بَلْ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُحَابَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَإِنْ جَازَتْ كَالْغِشِّ لِغَيْرِهِمْ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَاحِقُونَ حُكْمًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، بِإِلْزَامِهِمْ أَنْفُسِهِمْ لَا بِاللُّزُومِ الشَّرْعِيِّ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً.
- وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ هَؤُلَاءِ، بَلْ أخذوا ما مَا أُذِن لَهُمْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِذْنِ، وَامْتَنَعُوا مِمَّا مُنِعوا مِنْهُ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ في كل ما لهم إليه حاجة،
_________________
(١) = غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". وأخرجه أبو الشيخ في "الأمثال" "رقم ١٩٣"، وابن عدي في "الكامل" "٤/ ١٥٨٦" بلفظ: "ليبدأْ أحدكم بمن يعول" ويشهد لما ساقه المصنف أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة ٢/ ٦٩٢-٦٩٣" عن جابر مرفوعا: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء، فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا" يقول: "فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك". ١ في الأصل: "في التجارات أو مع الإجارات". ٢ في الأصل: "أخذهم".
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ بِالِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّمِ أَهْلُ حُظُوظٍ، لَكِنْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ أَخْذُهَا، فَإِنْ قِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا: إِنَّهُ تَجَرُّدٌ عَنِ الْحَظِّ، فَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْ جِهَةٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا بِمُجَرَّدِ أَهْوَائِهِمْ تَحَرٌّزًا مِمَّنْ يَأْخُذُهَا غَيْرَ مُلَاحِظٍ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهَذَا هُوَ الْحَظُّ الْمَذْمُومُ؛ إِذْ١ لَمْ يَقِفُ دُونَ مَا حُدَّ لَهُ، بَلْ تَجَرَّأَ كَالْبَهِيمَةِ لَا تَعْرِفُ غَيْرَ الْمَشْيِ فِي شَهَوَاتِهَا، وَلَا كَلَامَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَمْ يَتَصَرَّفْ إِلَّا لِنَفْسِهِ، فَلَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْوَالِي عَلَى الْمَصَالِحِ العامة للمسلمين٢، بَلْ هُوَ والٍ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بوالٍ عَامٍّ، وَالْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ هِيَ المبرَّأة مِنَ الْحُظُوظِ، فَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْقِسْمِ مُعَامَلُونَ حُكْمًا بِمَا قَصَدُوا مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُظُوظِ، فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ٣ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَهُمَا مَنْ لَا يَأْخُذُ بِتَسَبُّبٍ أَوْ يَأْخُذُ بِهِ، لَكِنْ عَلَى نسبة القسمة ونحوها.
_________________
(١) ١ في "د": "إذا". ٢ كذا في "ط"، وفي غيره: "على المسلمين". ٣ فلا يجوز لهما بمقتضى ما فرضوه على أنفسهم زهدًا وكمالًا في الأحوال لا بتكليف الشرع. "د".
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
الْعَمَلُ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَفْقِ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِمَّا عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَذَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ وَتَفْرِيعٌ، فَلْنَضَعْ فِي كُلِّ قِسْمٍ مَسْأَلَةً، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى مُقْتَضَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ بِحَيْثُ رَاعَاهَا فِي الْعَمَلِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ مُطْلَقًا، فِيمَا كَانَ بَرِيئًا مِنَ الْحَظِّ١ وَفِيمَا رُوعِيَ فِيهِ الْحَظُّ؛ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ؛ إِذْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ فِي التَّشْرِيعِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، وَهَذَا كافٍ هُنَا.
وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ وَفِقْهٌ كَثِيرٌ:
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ -إِذَا رُوعِيَتْ- أَقْرَبُ إِلَى إِخْلَاصِ الْعَمَلِ وَصَيْرُورَتِهِ عِبَادَةً، وَأَبْعَدُ من مُشَارَكَةِ الْحُظُوظِ الَّتِي تُغَيِّرُ فِي وَجْهِ مَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حَظَّ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يُرَاعِيَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَظُّهُ، عَلَى قَوْلِنَا، إِنَّ إِثْبَاتَ الشَّرْعِ لَهُ وَإِبَاحَةَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ؛ إِذْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ مُرَاعَاةُ مَصَالِحِ الْعَبِيدِ، وَهُوَ أَيْضًا جارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ، فَمُجَرَّدُ قَصْدِ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ والنهي أو الإذن٢ كافٍ في
_________________
(١) ١ أي: رأسا كالعبادات الصرفة، أو كان مما فيه الحظ بالعرض، فلا ينافي أنه عرف المقاصد الأصلية بأجمعها بأنها مما لا حظ فيها للمكلف، ويشير إليه قوله بعد: "ثم يندرج حظه في الجملة"، إلا أن يقال: إن ما فيه الحظ إذا خلصه العامل من الحظ، كان كالمقاصد الأصلية، ويأتي للكلام تتمة. "د". ٢ ذكر الإذن بعد ذكر الأمر والنهي يقتضي أنه بمعنى الإباحة، وليس هذا من المقاصد الأصلية؛ لأنها كما تقدم الواجبات عينية أو كفائية، فلو حذفه كان أليق بالمقام، ويدل عليه أيضا قوله: "وفعله واقع على الضروريات وما حولها" إلا أن يقال: إنه تقدم له في المسألة الرابعة أن ما فيه الحظ -يعني: وهو من المقاصد التابعة- يتأتى تخليصه من الحظ، ويساوي ما كان مأمورًا به على ما سبق في تفصيل المسألة المذكورة والوجهين من النظر فيها، وكما يأتي له في الفصل الأول حيث يقول: "أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يُصَيِّر تَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِ كُلَّهَا عِبَادَاتٍ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ أو العادات" وفي الفصل الثاني يقول: "إن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال إلى أحكام الوجوب". "د".
[ ٢ / ٣٢٨ ]
حصول كل غرض، فالمتوجّه إلى مجرد خطاب الشارع، العامل١ على وفقه ملبيًا له بريء مِنَ الْحَظِّ، وَفِعْلُهُ وَاقِعٌ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا حَوْلَهَا ثُمَّ يَنْدَرِجُ حَظُّهُ فِي الْجُمْلَةِ، بَلْ هُوَ الْمُقَدَّمُ شَرْعًا عَلَى الْغَيْرِ.
فَإِذَا اكْتَسَبَ الْإِنْسَانُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ، أَوْ اعْتِبَارًا بِعِلَّةِ الْأَمْرِ، وَهُوَ الْقَصْدُ إِلَى إِحْيَاءِ النُّفُوسِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِمَاطَةِ الشُّرُورِ عَنْهَا، كَانَ هُوَ٢ الْمُقَدَّمُ شَرْعًا: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" ٣، أَوْ كَانَ قِيَامُهُ بِمَا قَامَ بِهِ قِيَامًا بِوَاجِبٍ مَثَلًا، ثُمَّ نَظَرُهُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ قَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ النُّفُوسِ دُونَ بَعْضٍ، كَمَنْ يَقْصِدُ الْقِيَامَ بِحَيَاةِ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهَا، أَوْ بِحَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ نَظَرِهِ، وَقَدْ يَتَّسِعُ نَظَرُهُ فَيَكْتَسِبُ لِيُحْيِيَ بِهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا أَعَمٌّ الْوُجُوهِ وَأَحْمَدُهَا وَأَعْوَدُهَا بِالْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ يَفُوتُهُ فِيهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَتَقَعُ نَفَقَتُهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ، وَيَقْصِدُ غَيْرَ مَا كَسَبَ٤ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ٥ فَإِنَّهُ٦ لَمْ يكلِ التَّدْبِيرَ إِلَى رَبِّهِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَدْ جَعَلَ قَصْدَهُ وَتَصَرُّفَهُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ٧، وَقَصَدَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِيَسِيرِهِ عَالَمٌ كَبِيرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَصْرِهِ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّحَقُّقِ بِإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ، ولا يفوته من
_________________
(١) ١ كذا في "ط"، وفي غيره: "في التوجه إلى فالعامل ". ٢ إشارة إلى قوله: "ثم يندرج حظه في الجملة"، وقوله: "أو كان قيامه إلخ" إشارة إلى قوله: "وفعله واقع على الضروريات وما حولها". "د". ٣ مضى تخريجه "ص٣٢٥". ٤ في الأصل و"خ": "كتب". ٥ في أنه قام بواجب شرعي، وأنه محمود أيضا. "د". ٦ كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "أنه". ٧ في "ط": "وكيل".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
حَظِّهِ شَيْءٌ.
بِخِلَافِ مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، فَقَدْ يَفُوتُهُ مَعَهَا جُلُّ هَذَا أَوْ جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَاعِي مَثَلًا زَوَالَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ أَوِ الْبَرْدِ أَوْ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ أَوِ التَّلَذُّذَ بِالْمُبَاحِ مُجَرَّدًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا رُوعِيَ فِيهِ قَصْدُ الشَّارِعِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ منجرٌّ١ مَعَهُ، وَلَوْ رُوعِيَ قَصْدُ الشَّارِعِ لَكَانَ الْعَمَلُ امْتِثَالًا، فَيَرْجِعُ إِلَى التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا لَمْ يراعَ٢، لَمْ يبقَ إِلَّا مُرَاعَاةُ الْحَظِّ خَاصَّةً، هَذَا وَجْهٌ.
وَوَجْهٌ ثانٍ أَنَّ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ رَاجِعَةٌ إِمَّا إِلَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ٣ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي شَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ طَاعَةٌ لِلْأَمْرِ وَامْتِثَالٌ لِمَا أُمِرَ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ، وَإِمَّا إِلَى مَا٤ فُهِم مِنَ الْأَمْرِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ اسْتَعْمَلَهُ سَيِّدُهُ فِي سُخْرَةِ عَبِيدِهِ، فَجَعَلَهُ وَسِيلَةً وَسَبَبًا إلى وصول حاجاتهم إليهم كيف يشاء.
_________________
(١) ١ أي: فهو وإن كان عمله موافقا لقصد الشارع ولم يخالفه، إلا أنه لم يراعِ ذلك في عمله حتى يكون خارجا عن داعية هواه، أي أنه لم يعمل التفاتا لمقتضى خطاب الشارع أمرا أو نهيا أو إذنا، بل بمقتضى مجرد حاجته هو وداعية شهوته بقطع النظر عن الخطاب. "د". ٢ في الأصل: "يرعَ". ٣ لم يذكر هنا ما يتعلق بالمباح، فيقول: "أو توجهه للخطاب بالإذن، وقد ذكر الإذن في الوجه الأول، واحتجنا فيه إلى التكلف لتصحيح الكلام بجعله داخلا في المقاصد الأصلية، على أنه في الأول أيضا عند قوله: "فإذا اكتسب الإنسان امتثالا للأمر إلخ"، لم يذكر الإذن، ومحصل الفرق بين هذا الوجه وما قبله أنه جعل هناك حكمة الأمر إحياء النفوس وإماطة الشرور عنها، وهنا جعل الحكمة أنه عبد سخره سيده في مصلحة عبيده وجعله وسيلة لإيصال حاجاتهم إليهم، ولم يقل هنا: "إنه يكون مقدما"، بل قال: "فكأن السيد هو القائم له بحظه"، فهل يعتبر هذا وذاك فيما به التغاير بين الوجهين؟ تأمل. "د". ٤ في الأصل: "إذا ما فهم".
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وَهَذَا أَيْضًا لَا يَخْرُجُ عَنِ اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، فَهُوَ عَامِلٌ بِمَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ، مُسْقِطٌ لِحَظِّهِ فِيهَا، فَكَأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْقَائِمُ لَهُ بِحَظِّهِ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ لِحَظِّهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ فَهِمَ مَقْصُودَ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُ قَامَ بِهِ مِنْ جِهَةِ اسْتِجْلَابِ حَظِّهِ أَوْ حَظِّ مَنْ لَهُ فِيهِ حَظٌّ، فَهُوَ إِنِ امْتَثَلَ١ الأمرَ فَمِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، فَالْإِخْلَاصُ عَلَى كَمَالِهِ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِ، وَالتَّعَبُّدُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ منتفٍ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلِ الْأَمْرَ، فَذَلِكَ أَوْضَحُ فِي عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَى التَّعَبُّدِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا فِيهِ، وَقَدْ يَتَّخِذُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ عَادِيَّيْنِ لَا عِبَادِيَّيْنِ، إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ طَلَبُ حَظِّهِ، وَذَلِكَ نَقْصٌ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْقَائِمَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الأُوَل قَائِمٌ بِعِبْءٍ ثَقِيلٍ جِدًّا، وَحِمْلٍ كَبِيرٍ مِنَ التَّكْلِيفِ لَا يَثْبُتُ تَحْتَهُ طَالِبُ الْحَظِّ فِي الْغَالِبِ، بَلْ يَطْلُبُ حَظَّهُ بِمَا هُوَ أَخَفُّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الأمر٢ حالة داخلة على المكلف شاء أم٣ أَبَى، يَهْدِي اللَّهُ إِلَيْهَا مَنِ اخْتَصَّهُ بِالتَّقْرِيبِ مِنْ عِبَادِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ النُّبُوَّةُ أَثْقَلَ الْأَحْمَالِ وَأَعْظَمَ التَّكَالِيفِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى٤: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٥] .
فَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ اخْتِصَاصٍ زَائِدٍ، بِخِلَافِ طَالِبِ الحظ، فإنه
_________________
(١) ١ هو بهذا المعنى يكون فعله فعلا لمباح بدون نية لشيء سوى حظه، ومثل هذا لا يقال فيه: إنه امتثل الأمر، بل وافقه؛ لأن الامتثال يحتاج للقصد والنية، ويدل عليه قوله: "والتعبد بذلك منتفٍ". "د". ٢ هو القيام على المقاصد الأول، وقوله: "الأول محمول"، أي: له حامل وباعث قوي من جهة سيده، يحفزه على القيام بمشاق الأعمال، فيستريح لها. "د". ٣ في "د": "أو". ٤ يصح أن يفهم ثقل القول في الآية على الرصانة والامتلاء من الحكمة التي تطمئن إليهما العقول الراجحة، وكذلك القرآن لإنزال حقائقه راسية وأنوار هدايته متدفقة على الرغم من كثرة من يحاول نقده، ويثير غبار الشبه في عين من يؤمن بأنه تنزيل من حكيم حميد. "خ".
[ ٢ / ٣٣١ ]
عامل بنفسه، وغير مستويين فاعل وَفَاعِلٌ بِنَفْسِهِ، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ، وَالثَّانِي عَامِلٌ بِنَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ قَلَمَّا تَجِدُ صَاحِبَ حَظٍّ يَقُومُ بِتَكْلِيفٍ شَاقٍّ، فَإِنْ رَأَيْتَ مَنْ يَدَّعِي تِلْكَ الْحَالَ، فَاطْلُبْهُ بِمَطَالِبِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، فَإِنْ أَوْفَى بِهِ، فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا، عَلِمْتَ أَنَّهُ مُتَقَوِّلٌ قَلَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ مَا ادَّعَى، وَإِذَا ثَبَتَ أن صاحب المقاصد الأول محمول، فلذلك أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِخْلَاصِ، وَصَاحِبُ الْحَظِّ١ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ ذَلِكَ الْحِمْلِ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ حَظُّهُ، فَإِذَا سَقَطَ حَظُّهُ ثَبَتَ قَصَدُهُ فِي الْمَقَاصِدِ الْأُوَلِ، وَثَبَتَ لَهُ الْإِخْلَاصُ، وَصَارَتْ أَعْمَالُهُ عِبَادَاتٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ يَسْعَى فِي حَظِّهِ وَقَدْ بَلَغَ الرُّتْبَةَ الْعُلْيَا فِي أَهْلِ الدِّينِ، بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَالنِّسَاءَ٢ وَالْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ٣، وَكَانَ تُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ٤، وَيُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ٥، وَأَشْبَاهُ ذلك مما هو اتباع لحظ النفس؛ إذ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ مِمَّا يَشْتَهِيهِ مِنَ الْحَلَالِ، بَلْ كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ إِذَا وَجَدَهُ، وَقَدْ بَلَغَ الرُّتْبَةَ الْعُلْيَا فِي أَهْلِ الدِّينِ، وَهُوَ أَتْقَى الخلق وأزكاهم، و"كان خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"٦، فَهَذَا فِي هَذَا الطَّرَفِ.
وَنَرَى أَيْضًا كَثِيرًا مِمَّنْ يُسْقِطُ حَظَّ نَفْسِهِ وَيَعْمَلُ لِغَيْرِهِ أَوْ فِي مَصَالِحِ الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ صَادِقًا فِي عَمَلِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فليس له في الآخرة من
_________________
(١) ١ أي: الذي خلط في عمله بين الحظ وبين الالتفات إلى الامتثال، ليس له من هذا المقام إلا بمقدار قلة مراعاة للحظ، وسيقول في آخر الفصل: "وأن المقاصد التابعة أقرب إلى عدم الإخلاص ولا أنفيه". "د". ٢ مضى "ص٢٤٠": "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم الطيب والنساء"، وهو صحيح. ٣ مضى "١/ ١٨٥". ٤ مضى "١/ ١٨٥". ٥ مضى "١/ ١٨٥". ٦ كما أخبرت بذلك عائشة ﵂ فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ١/ ٥١٢-٥١٣/ رقم ٧٤٦".
[ ٢ / ٣٣٢ ]
خَلَاقٍ، كَكَثِيرٍ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَزَهَّدَ وَانْقَطَعَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَلَا أَخْطَرَهَا بِبَالِهِ، وَاتَّخَذَ الْعِبَادَةَ وَالسَّعْيَ فِي حَوَائِجِ الْخَلْقِ دَأْبًا وَعَادَةً، حَتَّى صَارَ فِي النَّاسِ آيَةً، وَكُلُّ مَا يَعْمَلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى بَاطِلٍ مَحْضٍ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ وَسَائِطُ لَا تُحْصَى تُقَرِّبُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا زَعَمْتَ ظَوَاهِرُ، وَغَائِبَاتُ الْأُمُورِ قَدْ لَا تَكُونُ مَعْلُومَةً، فَانْظُرْ مَا قَالَهُ الْإِسْكَافُ فِي "فَوَائِدِ الْأَخْبَارِ" فِي قَوْلِهِ ﵊: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثلاثٌ" ١ يَلُحْ لَكَ مِنْ ذَلِكَ الْمَطْلَعِ خلافُ مَا تَوَهَّمْتَ مِنْ طَلَبِ الْحَظِّ الصِّرْفِ إِلَى طَلَبِ الْحَقِّ الصِّرْفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الثَّلَاثِ الصَّلَاةَ، وَهِيَ أَعْلَى الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي سِوَاهَا.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُبِّ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِحَظٍّ لِأَنَّ الْحُبَّ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُمْلَكُ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِيمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّهُ كَانَ ﵊ يَتَنَاوَلُ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ لِمُجَرَّدِ الْحَظِّ، دُونَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِنْ حَيْثُ الْإِذْنِ؟ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحَظِّ، وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْقُدْوَةِ الْأَعْظَمِ ﷺ تَبَيَّنَ نَحْوُهُ فِي كُلِّ مُقْتَدًى بِهِ مِمَّنِ اشْتُهِرَتْ وِلَايَتُهُ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ عَنِ الرُّهْبَانِ٢، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُجَرَّدَةٌ مِنَ الْحَظِّ، بَلْ هِيَ عَيْنُ الْحَظِّ، وَاسْتِهْلَاكٌ فِي هَوَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ حَظَّهُ فِي أَمْرٍ إِلَى حَظٍّ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، كَمَا تَرَى النَّاسَ يَبْذُلُونَ الْمَالَ فِي طَلَبِ الْجَاهِ لِأَنَّ حَظَّ النَّفْسِ فِي الْجَاهِ أَعْلَى، وَيَبْذُلُونَ النُّفُوسَ فِي طَلَبِ الرِّيَاسَةِ حَتَّى يَمُوتُوا فِي طَرِيقِ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الرُّهْبَانُ قَدْ يَتْرُكُونَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا لِلَذَّةِ الرِّيَاسَةِ وَالتَّعْظِيمِ، فَإِنَّهَا أَعْلَى، وَحَظُّ الذِّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ وَالرِّيَاسَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْجَاهِ الْقَائِمِ في الناس من أعظم الحظوظ
_________________
(١) ١ قطعة من حديث صحيح دون لفظة: "ثلاث"، وقد خرجناه "ص٢٤٠". ٢ في "ط": "في الرهبان".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الَّتِي يُسْتَحْقَرُ مَتَاعُ الدُّنْيَا فِي جَنْبِهَا، وَذَلِكَ أَوَّلُ١ مَنْهِيٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَلَا كَلَامَ فَيمَنْ هَذَا شَأْنُهُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: "حُبُّ الرِّيَاسَةِ آخِرُ مَا يخرُج مِنْ رُءُوسِ الصِّدِّيقِينَ"، وَصَدَقُوا.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَلَبَ الْحُظُوظِ قَدْ يَكُونُ مُبَرَّءًا مِنَ الْحُظُوظِ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى طَلَبِهِ أَوَّلًا إِمَّا أَنْ يكون أمر الشارع أولا، فَإِنْ كَانَ أَمْرَ الشَّارِعِ، فَهُوَ الْحَظُّ الْمُبَرَّأُ الْمُنَزَّهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ عِنْدَهُ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِ، فكما يكون في مصالح غيره مبرءًا عَنِ الْحَظِّ، كَذَلِكَ يَكُونُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا شَأْنُ مَنْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَلَا يُعَدُّ مِثْلُ هَذَا حَظًّا وَلَا سَعْيًا فِيهِ بِحَسَبَ الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّابِعَ إِذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ كَانَ فَرْعًا مِنْ فُرُوعِهِ، فَلَهُ حُكْمُهُ فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَرْتَبِطْ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ سَعْيٌ فِي الْحَظِّ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ هَكَذَا.
وَأَمَّا٢ شَأْنُ الرُّهْبَانِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُمْ هَذِهِ الْحَالَةُ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الْوَضْعِ، فَيَنْقَطِعُونَ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ، وَيُسْقِطُونَ حُظُوظَهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَعْبُودِهِمْ، وَيَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُمْ مِنْ وُجُوهِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ سَبَبٌ إِلَيْهِ، وَيُعَامِلُونَهُ فِي الْخَلْقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَسْبَمَا يَفْعَلُهُ الْمُحِقُّ فِي الدِّينِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَلَا أَقُولُ: "إِنَّهُمْ غَيْرُ مُخْلِصِينَ، بَلْ هُمْ مُخْلِصُونَ إلى من عبدوا، ومتوجهون صدقا إلى من عَامَلُوا، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُونَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ، لَا يَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ بَنَوْا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢-٤] والعياذ بالله.
_________________
(١) ١ لأنه أشد بواعث الهوى الذي وضعت الشريعة لإخراج العبد من ربقته. "د". ٢ في الأصل: "وما".
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وَدُونَهُمْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَوَارِجِ مَا عَلِمْتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي ذِي الْخُوَيْصِرَةِ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمُ" ١ الْحَدِيثَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ عِبَادَةً تُسْتَعْظَمُ وَحَالًا يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهُ٢، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِمْ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" ٣، وَأَمَرَ ﵊ بِقَتْلِهِمْ٤، وَيُوجَدُ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ من هذا كثير.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦ / ٦١٧-٦١٨/ رقم ٣٦١٠، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب من ترك قتال الخوارج للتألف٦ ولئلا ينفر الناس عنه، ١٢/ ٢٩٠/ رقم ٦٩٣٣، وكتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به، ٩/ ٩٩/ رقم ٥٠٥٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، ٢/ ٧٤٤/ رقم ١٠٦٤ بعد ١٤٨" عن أبي سعيد الخدري ﵁. ٢ إن كان المراد من الدين في قوله: "يمرقون من الدين" أصل الإسلام، كان فساد أعمال هذه الفرقة من جهة أنها لم تكن قائمة على أساس الصحة الذي هو الإيمان، أما إذا أريد من الدين الطاعة وذهبنا إلى أنهم داخلون في حساب المسلمين على ما هم من الابتداع، فإنما يبطل من أعمالهم ما لم يأتِ على وضعه الشرعي أو لم يتوجهوا فيه إلى الله بنية خالصة. "خ". ٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦ / ٦١٨/ رقم ٣٦١١، وكتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، ١٢/ ٢٨٣/ رقم ٦٩٣٠"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، ٢/ ٧٤٦-٧٤٧/ رقم ١٠٦٦" عن علي ﵁. ٤ ورد في آخر الحديث السابق: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم". قال "د": "هذا دليل على أن معنى مروقهم من الدين خروجهم من أصل الإسلام، لا مطلق المعصية، فلا وجه لتردد بعضهم هنا". قلت: وكلامه متعقب من وجوه كثيرة، انظرها في: "منهاج السنة النبوية" "٣/ ٢٧، ٦٠ وما بعدها"، و"الرد على البكري" "ص٢٥٦-٢٦٠"، و"المسائل الماردينية" "ص٦٥-٧٠"،=
[ ٢ / ٣٣٥ ]
_________________
(١) = و" مجموعة الرسائل والمسائل" "٥/ ١٩٩ وما بعدها"، وقد قرر المصنف في كتابه "الاعتصام" "٢/ ١٨٥-١٨٧" عدم التكفير، فقال: "وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر: عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم، ألا ترى صنع علي ﵁ في الخوارج، وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام، على مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية؟! فإنه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة، لم يهاجمهم علي ﵁ ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين، لم يتركهم لقوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه" ولأن أبا بكر ﵁ خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم، فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين. وأيضا، فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر، لم يكن من السلف الصالح لهم إلا الطرد والإبعادة والعداوة والهجران، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض، لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين، وعمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية بالموصل، أمر بالكف عنهم على ما أمر به علي ﵁، ولم يعاملهم معاملة المرتدين. ومن جهة المعنى إنا وإن قلنا: "إنهم متبعون الهوى ولما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو فرضنا أنهم كذلك، لكانوا كفارا؛ إذ لا يتأتى ذلك من أحد في الشريعة إلا مع رد محكماتها عنادا، وهو كفر. وأما من صدق الشريعة ومن جاء بها، وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه متبع للدليل بمثله، لا يقال: إنه صاحب هوى بإطلاق، بل متبع للشرع في نظره، لكن بحيث يمازجه الهوى في مطالبه من جهة إدخال الشبه في المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة. وأيضا، فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة والجماعة على مطلب واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة. وأيضا، فقد يعرض الدليل على المخالف منهم، فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده، كما رجع من الحرورية الخارجين على علي ﵁ ألفان، وإن كان الغالب عدم الرجوع"، انتهى كلام الشاطبي، ثم حكى كيف رجع الألفان من الحرورية لما جاءهم عبد الله بن عباس ﵄ وناقشهم فآبوا إلى الحق ورجعوا.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالْإِخْلَاصُ فِي الْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَصِحُّ خلوصه من اطِّرَاحِ الْحُظُوظِ١، لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ كَانَ مُنْجِيًا عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كان [مبنيا] عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ، فَبِالضِّدِّ، وَيَتَّفِقُ هَذَا كَثِيرًا فِي أَهْلِ الْمَحَبَّةِ، فَمَنْ طَالَعَ أَحْوَالَ الْمُحِبِّينَ رَأَى اطِّراحَ الْحُظُوظِ وَإِخْلَاصَ الْأَعْمَالِ لِمَنْ أَحَبُّوا عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ الَّتِي تَتَهَيَّأُ مِنَ الْإِنْسَانِ.
فإذن، قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَنَّ الْمَقَاصِدَ التَّابِعَةَ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِهِ، وَلَا أَنْفِيهِ.
فَصْلٌ:
وَيَظْهَرُ مِنْ هُنَا أَيْضًا أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يُصَيِّرُ تصرفاتِ الْمُكَلَّفِ كُلَّهَا عِبَادَاتٍ، كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا فَهِمَ مُرَادَ الشَّارِعِ مِنْ قِيَامِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَأَخَذَ فِي الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى مَا فَهِمَ، فَهُوَ إِنَّمَا يَعْمَلُ مِنْ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ الْعَمَلُ، وَيَتْرُكُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ التَّرْكُ، فَهُوَ أَبَدًا فِي إِعَانَةِ الْخَلْقِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ٢.
أما باليد، فظاهر في وجوه الإعانات.
_________________
(١) ١ أي: إنما يصح خلوص الإخلاص وكماله بسبب اطراح الحظوظ، وما بقي للحظ رائحة، فليس الإخلاص كاملا، في أي عمل فرضته. "د". ٢ قرر ﵀ في كتابه "الاعتصام" "١/ ٣٢/ ٣٤- ط محمد رشيد رضا" هذا المعنى بتفصيل، وله رسالة كتبها لبعض أصحابه فيها ضرورة الدعوة إلى الحق وأمانة نشره، تراها في "المعيار المعرب" "١١/ ١٣٩"، و"فتاوى الشاطبي" "ص١٨٢-١٨٥"، وله أيضا في "المعيار" "١١/ ١٤١" وصية يحمل فيها أصحابه على الصبر على البلاء في بث العلم ونشره.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وَأَمَّا بِاللِّسَانِ، فَبِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونُوا فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مُطِيعِينَ لَا عَاصِينَ، وَتَعْلِيمُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ إِصْلَاحِ الْمَقَاصِدِ وَالْأَعْمَالِ، وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِالدُّعَاءِ بِالْإِحْسَانِ لِمُحْسِنِهِمْ وَالتَّجَاوُزِ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
وَبِالْقَلْبِ لَا يُضْمِرُ لَهُمْ شَرًّا، بَلْ يَعْتَقِدُ لَهُمُ الْخَيْرَ، وَيُعَرِّفُهُمْ بِأَحْسَنِ الْأَوْصَافِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِهَا وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، وَيُعَظِّمُهُمْ وَيَحْتَقِرُ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْقَلْبِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادِ.
بَلْ لَا يَقْتَصِرُ فِي هَذَا عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ الشَّفَقَةُ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا، حَتَّى لَا يُعَامِلَهَا إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: "فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ" ١، وَحَدِيثُ تَعْذِيبِ الْمَرْأَةِ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا"٢، وَحَدِيثُ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كل مسلم، فإذا قتلتم،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء/ رقم ٢٣٦٣، وكتاب المظالم، باب الآبار التي على الطريق إذا لم يُتأذَّ منها/ رقم ٢٤٦٦، وكتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم/ رقم ٦٠٠٩" و"الأدب المفرد" "٣٧٨"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب فضل سقي البهائم وإطعامها/ رقم ٢٢٤٤ بعد ١٥٣"، ومالك في "الموطأ" "٢/ ٩٢٩-٩٣٠"، وأحمد في "المسند" "٢/ ٥٢١"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم/ رقم ٢٥٥٠"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم ٥٣٧- الإحسان"، والبيهقي في "الآداب" "رقم ٤٦"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "١١٣". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم/ رقم ٢٣١٨، وكتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء/ رقم ٢٣٦٥، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب ٥٤/ رقم ٣٤٨٢"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب تحريم قتل الهرة، ٤/ ١٧٦٠/ رقم ٢٢٤٢، وكتاب البر والصلة، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي، ٤/ ٢٠٢٢". وانظر تفصيل التخريج في كتابنا "من قصص الماضيين" "ص٣٤٣-٣٤٥".
[ ٢ / ٣٣٨ ]
فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ" الْحَدِيثَ١ إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
فَالْعَامِلُ بِالْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ عَامِلٌ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ فِي نَفْسِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاقْتِدَاءً بِنَبِيِّهِ ﵊، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ تَصَارِيفُ مَن هَذِهِ سَبِيلُهُ عِبَادَةً كلَّها؟ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عَامِلًا عَلَى حَظِّهِ٢، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَلْتَفِتُ [إِلَى] ٣ حَظِّهِ أَوْ مَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى حَظِّهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هُوَ عَامِلٌ فِي مُبَاحٍ إِنْ لَمْ يُخِلَّ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ بِحَقِّ غَيْرِهِ فِيهِ، وَالْمُبَاحُ لَا يُتعبَّد إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَإِنْ فَرَضْنَاهُ قَامَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُ الشَّارِعُ، فَهُوَ عِبَادَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ خَاصَّةً، وَإِنْ فَرَضْتَهُ كَذَلِكَ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ دَاعِيَةِ حَظِّهِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ.
فَصْلٌ:
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يَنْقُلُ الْأَعْمَالَ فِي الْغَالِبِ إِلَى أَحْكَامِ الْوُجُوبِ؛ إِذِ الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ دَائِرَةٌ عَلَى حُكْمِ الْوُجُوبِ، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ حِفْظًا لِلْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ فِي الدِّينِ المراعاةِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَارَتِ الْأَعْمَالُ الْخَارِجَةُ عَنِ الْحَظِّ دَائِرَةً عَلَى الْأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ بِالْجُزْءِ يَصِيرُ وَاجِبًا بِالْكُلِّ، وَهَذَا عَامِلٌ بِالْكُلِّ٤ فِيمَا هُوَ مَنْدُوبٌ بِالْجُزْءِ أَوْ مُبَاحٌ يَخْتَلُّ النظام باختلاله، فقد صار عاملا بالوجوب.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة ٣/ ١٥٤٨/ رقم ١٩٥٥"، وغيره عن شداد بن أوس ولكن بلفظ: "شيء" بدل "مسلم" وكذا سيأتي عند المصنف "٣/ ٣٩٦"، ومضى تخريجه "١/ ٢١٧". وانظر سائر الأحاديث الواردة في هذا الباب في كتاب السخاوي "تحرير الجواب في ضرب الدواب" بتحقيقنا. ٢ في "ماء/ ١٨٩": "حظوظه". ٣ سقط من "ط". ٤ أي: عامل بقصد الأمر الكلي، وهو إقامة المصالح العامة للناس، لا لخصوص نفسه، سواء أكان الفعل الجزئي مندوبا أم كان مباحا يختل النظام إذا اختل. "د".
[ ٢ / ٣٣٩ ]
فَأَمَّا الْبِنَاءُ [عَلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْحَظِّ الْجُزْئِيِّ، وَالْجُزْئِيُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ، فَالْبِنَاءُ] ١ عَلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ، فَقَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ مُبَاحًا، إِمَّا بِالْجُزْءِ وَإِمَّا بِالْكُلِّ وَالْجُزْءِ مَعًا، وَإِمَّا مُبَاحًا بِالْجُزْءِ مَكْرُوهًا، أَوْ مَمْنُوعًا بِالْكُلِّ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
فَصْلٌ:
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصِدَ٢ الْأَوَّلَ إِذَا تَحَرَّاهُ الْمُكَلَّفُ يَتَضَمَّنُ الْقَصْدَ إِلَى كُلِّ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ فِي الْعَمَلِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِهِ إِنَّمَا قَصْدُهُ تَلْبِيَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ، إِمَّا بَعْدَ فَهْمِ مَا قَصَدَ٣، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهُوَ قَاصِدٌ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ أعم المقاصد وأولها وأولاها، وَأَنَّهُ نُورٌ صِرْفٌ لَا يَشُوبُهُ غَرَضٌ وَلَا حَظٌّ، كَانَ الْمُتَلَقِّي لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ آخِذًا لَهُ زَكِيًّا وَافِيًا كَامِلًا، غَيْرَ مَشُوبٍ وَلَا قَاصِرٍ عَنْ مُرَادِ الشَّارِعِ، فَهُوَ حَرٍ أَنْ يَتَرَتَّبَ الثَّوَابُ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ.
وَأَمَّا الْقَصْدُ التَّابِعُ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالْحَظِّ أَوْ أَخْذَ الْعَمَلِ بِالْحَظِّ قَدْ قَصَرَهُ قَصْدُ الْحَظِّ عَنْ إِطْلَاقِهِ، وَخَصَّ عُمُومَهُ، فَلَا يَنْهَضُ نُهُوضَ الْأَوَّلِ.
شَاهِدُهُ قَاعِدَةُ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤، وَقَوْلُهُ ﵊: "الْخَيْلُ لِرَجل أجرٌ، وَلِرَجُلٍ سترٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزرٌ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فرَجُل رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أصابت في طيلها ذلك من
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٢ في الأصل: "المقصود". ٣ في الأصل: "مقصودا". ٤ سيأتي تخريجه "ص٣٥٥"، وهو في الصحيحين".
[ ٢ / ٣٤٠ ]
الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ، فاستَنَّت شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بنهرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنات" ١، فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْحَدِيثَ لِصَاحِبِ الْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِارْتِبَاطِهَا سَبِيلَ اللَّهِ، وَهَذَا عَامٌّ غَيْرُ خَاصٍّ، فَكَانَ أَجْرُهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ عَامًا أَيْضًا غَيْرَ خَاصٍّ، ثُمَّ قَالَ ﵊: "وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ" ٢ فَهَذَا فِي صَاحِبِ الْحَظِّ الْمَحْمُودِ لَمَّا قَصَدَ وَجْهًا خَاصًّا وَهُوَ حَظُّهُ، كَانَ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى مَا قَصَدَ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْقَصْدِ التَّابِعِ، ثُمَّ قَالَ ﵊: "ورجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ٣، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وزرٌ" ٤، فَهَذَا فِي الْحَظِّ الْمَذْمُومِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْ أَصْلِ مُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَلَا كَلَامَ فيه هنا.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار ٥/ ٤٥-٤٦/ رقم ٢٣٧١، وكتاب الجهاد، باب الخيل لثلاثة ٦/ ٦٣-٦٤/ رقم ٢٨٦٠، وكتاب المناقب، باب منه ٦/ ٦٣٣/ رقم ٣٦٤٦، وكتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ ٨/ ٧٢٦/ رقم ٤٩٦٢، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل ٦/ ٣٢٩/ رقم ٧٣٥٦"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة ٢/ ٦٨٠-٦٨٣/ رقم ٩٨٧" عن أبي هريرة ﵁. والمرج: مرعى الدواب ومرج الدابة: أرسلها ترعى، وطيلها: حبلها الذي تربط فيه، والشَّرَف، بالتحريك: الشوط، أي الجري مرة إلى الغاية، وهو الطلق. "٢و ٤" قطعة من الحديث السابق. ٣ اتخاذ أدوات الحرب مناوأة لأهل الإسلام قد يكون فسوقا كمن يتخذ الخيل للإغارة على الأموال المحترمة مثلما يفعل بعض قطاع الطريق، وقد يعد نبذًا للدين جملة، ودخولا في زمرة المخالفين عقيدة وحكما، كمن يركبها منضما إلى جيش العدو والزاحف على بلد إسلامي؛ لتكون كلمته هي العليا ويذيق المسلمين من مرارة سلطته القاهرة عذابا مهينا. "خ".
[ ٢ / ٣٤١ ]
وَيَجْرِي مَجْرَى الْعَمَلِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ بِالصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ مَا قَصَدُوا يَشْمَلُهُ قَصْدُ الْمُقْتَدِي فِي الِاقْتِدَاءِ، وَشَاهِدُهُ الْإِحَالَةُ فِي النِّيَّةِ عَلَى نِيَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِ [بَعْضِ] ١ الصَّحَابَةِ فِي إِحْرَامِهِ: "بِمَا أَحْرَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"٢، فَكَانَ حُجَّةً فِي الْحُكْمِ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ.
فَصْلٌ:
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يصيِّرُ الطَّاعَةَ أَعْظَمَ، وَإِذَا خُولِفَتْ كَانَتْ مَعْصِيَتُهَا أَعْظَمَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ:
فَلِأَنَّ الْعَامِلَ عَلَى وَفْقِهَا عَامِلٌ عَلَى الْإِصْلَاحِ [الْعَامِّ] لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا قَاصِدٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، وَإِمَّا قَاصِرٌ نَفْسَهُ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ الَّذِي يَدْخُلُ قَصْدِهِ كُلُّ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَإِذَا فَعَلَ [ذَلِكَ] جُوزِيَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَحْيَاهَا، وَعَلَى كُلِّ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ قَصَدَهَا، وَلَا شَكَّ فِي عِظَمِ هَذَا الْعَمَلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْ أَحْيَا النَّفْسَ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا٣، وَكَانَ الْعَالِمُ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ٤ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَعْمَلْ عَلَى وَفْقِهِ، فَإِنَّمَا يَبْلُغُ ثَوَابُهُ مَبْلَغَ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، فَمَتَى كَانَ قَصْدُهُ أَعَمَّ، كَانَ أَجْرُهُ أَعْظَمَ، وَمَتَى لَمْ يَعُمَّ قصده، لم يكن
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. وفي "ط": "قول الصحابي". ٢ هو علي بن أبي طالب ﵁، روى جابر في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم في "كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ٢/ ٨٨٨/ رقم ١٢١٨"، وفيه: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لعلي: " ماذا قلت حين فرضت الحج؟ ". قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك " إلخ. ٣ سيأتي النص الوارد في ذلك "ص٣٨٦" ومضى "١/ ٢٢٢-٢٢٣". ٤ مضى النص الوارد في ذلك "١/ ٣٦٣".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
أَجْرُهُ إِلَّا عَلَى وِزَانِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الثَّانِي:
فَإِنَّ الْعَامِلَ عَلَى مُخَالَفَتِهَا عَامِلٌ عَلَى الْإِفْسَادِ الْعَامِّ، وَهُوَ مُضَادٌّ لِلْعَامِلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ الْعَامِّ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ قَصْدَ الْإِصْلَاحِ الْعَامِّ يَعْظُمُ بِهِ الْأَجْرُ، فَالْعَامِلُ عَلَى ضِدِّهِ يعظم به وزره، ولذلك كان ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ وِزْرِ كُلِّ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ١، وَكَانَ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَ"مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا" ٢.
فَصْلٌ:
وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ قَاعِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ أُصُولَ الطَّاعَاتِ وَجَوَامِعَهَا إِذَا تُتُبِّعَتْ وُجِدَتْ رَاجِعَةً إِلَى اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَكَبَائِرُ الذُّنُوبِ إِذَا اعْتُبِرَتْ وُجِدَتْ فِي مُخَالَفَتِهَا، وَيَتَبَيَّنُ لك ذلك بِالنَّظَرِ فِي الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَمَا أُلْحِقَ بِهَا قِيَاسًا، فَإِنَّكَ تَجِدُهُ مطَّرِدًا إِنْ شَاءَ الله.
_________________
(١) ١ سيأتي النص الوارد في ذلك "ص٣٨٦" ومضى "١/ ٢٢٢-٢٢٣". ٢ سيأتي تخريجه "ص٣٨٥"، ومضى "١/ ٢٢٣".
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الْمُسَالَةُ السَّادِسَةُ:
الْعَمَلُ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَفْقِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تُصَاحِبَهُ الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ، أَوْ لَا.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَعَمَلٌ بِالِامْتِثَالِ بِلَا إِشْكَالٍ١، وَإِنْ كَانَ سَعْيًا فِي حَظِّ النَّفْسِ.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَعَمَلٌ بِالْحَظِّ وَالْهَوَى مُجَرَّدًا.
وَالْمُصَاحَبَةُ إِمَّا بِالْفِعْلِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: هَذَا الْمَأْكُولُ، أَوْ هَذَا الْمَلْبُوسُ، أَوْ هَذَا الْمَلْمُوسُ، أَبَاحَ لِيَ الشَّرْعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ، فَأَنَا أَسْتَمْتِعُ٢ بِالْمُبَاحِ وَأَعْمَلُ بِاسْتِجْلَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِمَّا بِالْقُوَّةِ وَمِثَالُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي التَّسَبُّبِ إِلَى ذَلِكَ الْمُبَاحِ مِنَ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، لَكِنَّ نَفْسَ الْإِذْنِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ، وَإِنَّمَا خَطَرَ لَهُ أَنَّ هَذَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ٣ مِنَ الطَّرِيقِ الْفُلَانِيِّ، فَإِذَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ مِنْهُ، فَهَذَا في الحكم الأول، إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُوصِّلُ إِلَى الْمُبَاحِ مِنْ جِهَتِهِ مُبَاحًا، إِلَّا أَنَّ الْمُصَاحَبَةَ بِالْفِعْلِ أَعْلَى، وَيَجْرِي غَيْرُ٤ الْمُبَاحِ مَجْرَاهُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَبَيَانُ كَوْنِهِ عَامِلًا٥ بِالْحَظِّ والامتثال أمران:
_________________
(١) ١ سيأتي استشكاله، إلا أن يقال: إن هذا منه تنبيه على أن لم يبقَ بعد الجواب أثر للإشكال في نظره. "د". ٢ أي: يقضي شهوة نفسه؛ لأنه مأذون فيه، فقد جمع بين الأمرين كما ترى. "د". ٣ أي: فتخيره للطريق المباح من بين الطرق، وتحريه عنه ما جاء إلا من جهة التفاته لإذن الشارع، فيكون في قوة القول المذكور. "د". ٤ وهو المندوب. "د". ٥ أي: في الصورتين، والغرض بيان صحة مصاحبة الحظ والمقاصد التابعة للمقاصد الأصلية، وأن ذلك لا يكون اتباعا للهوى. "د". قلت: وفي الأصل: "عاملا بالحق".
[ ٢ / ٣٤٤ ]
أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ١ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْرٍ عَادِيٍّ حَتَّى يَكُونَ الْقَصْدُ فِي تَصَرُّفِهِ مُجَرَّدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ فِي حَظِّ نَفْسِهِ وَلَا قَصْدٍ فِي ذَلِكَ٢، بَلْ كَانَ يَمْتَنِعُ٣ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ حَتَّى يَسْتَحْضِرَ هَذِهِ النِّيَّةَ وَيَعْمَلَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ مِنَ الْحَظِّ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقٍ، وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا نَهَى عَنْ قَصْدِ الْحُظُوظِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ عَلَى حَالٍ، مَعَ قَصْدِ الشَّارِعِ لِلْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ وَعَدَمِ التَّشْرِيكِ فِيهَا، وَأَنْ لَا يلْحَظَ فِيهَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ لِلْحَظِّ فِي الْأَعْمَالِ إِذَا كَانَتْ عَادِيَّةً لَا يُنَافِي أَصْلَ الْأَعْمَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَأَتَّى قَصْدُ الشَّارِعِ لِلْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ وَعَدَمُ التَّشْرِيكِ فِيهَا؟
قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً عَلَى مُقْتَضَى الْمَشْرُوعِ، لَا يُقْصَدُ بِهَا عَمَلٌ جَاهِلِيٌّ، وَلَا اخْتِرَاعٌ شَيْطَانِيٌّ، وَلَا تَشَبُّهٌ بِغَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ، كَشُرْبِ الْمَاءِ أَوِ الْعَسَلِ فِي صُورَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ مَا صُنِعَ لِتَعْظِيمِ أَعْيَادِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى وَإِنْ صَنَعَهُ الْمُسْلِمُ، أَوْ مَا ذُبِحَ عَلَى مُضَاهَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ٤، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَعْظِيمِ الشِّرْكِ.
كَمَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أن إبراهيم بن هشام بن
_________________
(١) ١ لأنه يكون انغماسا في اتباع الهوى المنهي عنه؛ لأن صاحبة الحظ إذا كانت مسقطة لما صاحبها من قصد الامتثال كان ما ذكره لازما. "د". ٢ في الأصل و"ط": "لذلك". ٣ أي: وأكل الميتة للمضطر من باب الواجب المتعلق بأمر عادي وهو إقامة الحياة. "د". ٤ بعدها في "ط": "ودعاء الجاهلية".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ أَجْرَى عَيْنًا، فَقَالَ لَهُ الْمُهَنْدِسُونَ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَاءِ: لَوْ أَهْرَقْتَ عَلَيْهَا دَمًا كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا تَغِيضَ وَلَا تَهُورَ، فَتَقْتُلَ مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا. فَنَحَرَ جَزَائِرَ حِينَ أُرْسِلَ الْمَاءُ فَجَرَى مُخْتَلِطًا بِالدَّمِ، وَأَمَرَ فَصُنِعَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ مِنْهَا طَعَامٌ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، وَقَسَمَ سَائِرَهَا بَيْنَ الْعُمَّالِ فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بِئْسَ وَاللَّهِ مَا صَنَعَ، مَا حَلَّ لَهُ نَحْرُهَا وَلَا الْأَكْلُ مِنْهَا، أَمَا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى١ أَنْ يُذبَح لِلْجِنِّ"٢؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا وَإِنْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مضاهٍ لِمَا ذُبِحَ
_________________
(١) ١ كتب بعض الناظرين هنا أن دعوى رؤية الجن أو التلقي عنهم أو التزوج بهم أو استحقاقهم لأن يتقرب إليهم بالذبائح كلها خرافات ومزاعم سخيفة ابتدعت بعد صدر الإسلام. ا. هـ. [قلت: هذا كلام "خ"، وسيأتي في آخر التعليق الآتي] . وأقول: إن الكلام في رؤية الجن مع كونه نابيًا عن المقام هنا، فهو مخالف لما ورد في الحديث الصحيح عنه ﷺ: "أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع صلاتي"، وحديث البخاري عن أبي هريرة في حراسة الزكاة، وأنه علمه أن يقرأ آية الكرسي فلا يقربه شيطان حتى يصبح، إلى غير ذلك. "د" قلت: سيأتي تخريج حديث تفلت الجني "ص٤٤١". ٢ أخرجه أبو عبيد في "الغريب" "٢/ ٢٢١"، والبيهقي في "الكبرى" "٩/ ٣١٤" عن الزهري مرسلا بإسناد فيه عمر بن هارون، وهو متفق على ضعفه، واتهمه ابن معين وصالح جزرة بالكذب. وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" "٢/ ١٩"، وابن الجوزي في "الموضوعات" "٢/ ٣٠٢" من طريق عبد الله بن أذينة عن ثور بن يزيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعا. قال ابن حبان عن ابن أذينة: "منكر الحديث جدا، يروي عن ثور ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به"، وقال الحاكم والنقاش: "روى أحاديث موضوعة". انظر: "اللسان" "٣/ ٢٥٧". وقال البيهقي عقب الحديث: "قال -أي الزهري: وأما ذبائح الجن أن تشتري الدار، وتستخرج العين، وما أشبه ذلك، فتذبح لها ذبيحة للطيرة، وقال أبو عبيد: وهذا التفسير في الحديث معناه أنهم يتطيرون إلى هذا الفحل مخافة أنهم إن لم يذبحوا فيطعموا أن يصيبهم فيها شيء من =
[ ٢ / ٣٤٦ ]
عَلَى النُّصُبِ وَسَائِرِ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.
وَكَذَلِكَ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ "مُعَاقَرَةِ الْأَعْرَابِ"١، وهي أن يتبارى الرجلان
_________________
(١) = الجن يؤذيهم، فأبطل النبي ﷺ هذا، ونهى عنه". قلت: الحديث موضوع، ومعناه المذكور يدخل فيه الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن الطيرة. وفي "ط": "نهى عن ذبائح الجن، يريد، نهى أن يُذبَح للجن". وكتب "خ": "مضى صدر الإسلام وليس من مدَّعٍ رؤية الجن أو التلقي عنهم أو التزوج بهم أو استحقاقهم لأن يتقرب إليهم بالذبائح والأطعمة، حتى قام من يزعم ذلك كله واتسع خرق هذه الضلالة، فكانت إحدى العلل التي فتكت بعقول كثيرة وألقت بها في تخيلات سخيفة ومزاعم يتبرأ منها الشرع الحكيم قبل أن يتهكم بها النظر الصحيح". وانظر -لزاما- الهامش السابق. ١ أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب ٣/ ١٠١/ رقم ٢٨٢٠ -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "٩/ ٣١٣"- عن أبي ريحانة، عن ابن عباس به. قال أبو داود: "اسم أبي ريحانة عبد الله بن مطر، وغندر أوقفه على ابن عباس". قلت: يشهد للمرفوع ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف" رقم ٦٦٩٠"- ومن طريقه أحمد في "المسند" "٣/ ١٩٧"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجنائز" باب النياحة على الميت، ٤/ ١٦"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر، ٣/ ٢١٦/ رقم ٣٢٢٢"، وابن حبان في "الصحيح" "٧/ ٤١٥-٤١٦/ رقم ٣١٤٦- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "٤/ ٦٢و ٩/ ٣١٤"، والبغوي في "شرح السنة" "٥/ ٤٦١و ١١/ ٢٢٧ - عن أنس مرفوعا: "لا عقر في الإسلام". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. قال عبد الرزاق: "كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة"، وقال البيهقي عقبه: "قال أبو زكريا -أي: يحيى بن معين: "العقر" يعني الأعراب عند الماء يعقر هذا، ويعقر هذا، فيأكلون لغير الله ورسوله". وقال: "وقال أبو سليمان الخطابي فيما بلغني عنه: معاقرة الأعراب أن يتبارى الرجلان، كل واحد منهما يجادل صاحبه، فيعقر هذا عددا من إبله، ويعقر صاحبه، فأيهما كان أكثر عقرا غلب صاحبه، وكره لحومها لئلا يكون مما أهل به لغير الله". وأفاد ابن الأثير في "النهاية" أنهم كان يعقرون الإبل على قبور الموتى، أي: ينحرونها، ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته، وأصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف، وهو قائم. ونقل كلام المصنف بحروفه السوسي في "الرحلة الحجازية" "١/ ١٦٢-١٦٣".
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فَيَعْقِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يُجَاوِدُ بِهِ صَاحِبَهُ، فَأَكْثَرُهُمَا عَقْرًا أَجْوَدُهُمَا، نَهَى عَنْ أَكْلِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ بِحَضْرَةِ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْبُلْدَانَ، وَأَوَانِ١ حَوَادِثَ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ، وَفِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ.
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: "نَهَى ﵊ عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ"٢، وَهُمَا الْمُتَعَارِضَانِ لِيُرَى أَيُّهُمَا يَغْلِبُ صاحبه، فهذا وما كان نحوه إنما
_________________
(١) ١ كذكريات حوادث الموت الأربعينية والسنوية، وما شاكل ذلك. "د". قلت: وفي "خ" و"ط": "حدوث". ٢ أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأطعمة، باب في طعام المتبارين ٣/ ٣٤٤/ رقم ٣٧٥٤" من طريق زيد بن أبي الزرقاء، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت، قال: سمعت عكرمة يقول: كان ابن عباس يقول "وذكره". وقال عقبه: "أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، وهارون النحوي ذكر فيه ابن عباس، وحماد بن زيد لم يذكر ابن عباس". قلت: أخرجه الحاكم في "المستدرك" "٤/ ١٢٨-١٢٩"، والطبراني في "الكبير" "١١/ ٣٤٠/ رقم ١١٩٤٢" من طريق هارون بن موسى عن الزبير به. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" "٢/ ٥٠٩، ٥٥١"، والبيهقي في "الشعب" "٥/ ١٢٩/ رقم ٦٠٦٧" من طريق بقية عن ابن المبارك عن جرير بن حازم به موصولا أيضا. وقال البغوي: "والصحيح أنه عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا". وقال ابن عدي عقبه في الموطن الأول: "وهذا الحديث الأصل فيه مرسل، وما أقل من أوصله، وممن أوصله بقية عن ابن المبارك عن جرير بن حازم". قلت: وللموصول طريق أخرى، كما عند ابن عدي في "الكامل" "٥/ ١٨٧٤"، والخطيب في "تاريخه" "٣/ ٢٤٠" من طريق يزيد بن عمر -هو ابن جنزة- عن عاصم بن هلال، عن أيوب، عن =
[ ٢ / ٣٤٨ ]
شُرِعَ عَلَى جِهَةِ أَنْ يُذْبَحَ عَلَى الْمَشْرُوعِ بِقَصْدِ مُجَرَّدِ الْأَكْلِ، فَإِذَا زِيدَ فِيهِ هَذَا الْقَصْدُ، كَانَ تَشْرِيكًا فِي الْمَشْرُوعِ، وَلَحْظًا لِغَيْرِ أمر الله تعالى، وعلى هذا وقعت الفيتا مِنِ ابْنِ عَتَّابٍ بِنَهْيِهِ عَنْ أَكْلِ اللُّحُومِ فِي النَّيْرُوزِ، وَقَوْلُهُ فِيهَا: إِنَّهَا مِمَّا أُهِلَّ لغير الله به، وهو باب واسع.
_________________
(١) = عكرمة عن ابن عباس رفعه. قال ابن عدي بعد أن ساقه وغيره من الأحاديث: "وهذه الأحاديث عن أيوب بهذا الإسناد ليست هي محفوظة". وعاصم بن هلال ضعفه ابن معين ووهَّاه النسائي. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" "٤/ ٧-٨"، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" "٢/ ١٢٣" عن طريق سليمان بن الحجاج، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: "نَهِيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ طعام المباهاة وطعام المتبارين". وسليمان بن الحجاج الغالب على حديثه الوهم، كما قال العقيلي، وأورد الذهبي في "الميزان" "٢/ ١٩٨" هذا الحديث في ترجمته، وقال: "لا يُعرَف، عداده في أهل الطائف". وقال العقيلي عقبه: "يروي عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس، رفعه٩ بعضهم وأوقفه بعضهم على عكرمة؛ الصحيح الموقوف". قلت: وهو مما فات أبو حفص الموصلي في "الوقوف على الموقوف"، فدار الحديث من رواية الثقات على الزبير بن خريت، ولذا لما سأل علي ابن المديني أبا داود سليمان بن عمرو النخعي الكذاب عن الحديث، قال له: "عكرمة، إن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين". قال: "حدثنا خصيف، عن عكرمة". قال ابن المديني: "فبان أمره، ولم يروِ هذا غير الزبير بن الخريت"، كذا في "تاريخ بغداد" "٩/ ١٧-١٨"، وتصحف فيه "المتباريين" إلى المتنازين" فلتصحح. إلا أن الحديث شاهدا بإسناد صحيح، أخرجه ابن السماك في "جزء من حديثه"، "ق ٦٤/ أ" كما في "الصحيحة" "رقم ٦٢٦"، وابن لال والديلمي كما في "فيض القدير" "٦/ ٢٥٩"، والبيهقي في "الشعب" "٥/ ١٢٩/ رقم ٦٠٦٨" من حديث أبي هريرة مرفوعا: "المتباريان لا يجابان ولا يؤكل طعامهما". وقال الخطابي في "معالم السنن" "٤/ ٢٤٠" في شرح الحديث: "وإنما كره ذلك؛ لما فيه من الرياء والمباهاة، ولأنه داخل في جملة ما نهى عنه من أكل المال بالباطل".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وَالثَّانِي:
أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَصْدُ الْحَظِّ مِمَّا يُنَافِي الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ، لَكَانَ الْعَمَلُ بِالطَّاعَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ رَجَاءً فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ خَوْفًا مِنْ دُخُولِ النَّارِ عَمَلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا، فَيَبْطُلُ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ.
أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ؛ فَلِأَنَّ طَلَبَ الْجَنَّةِ أَوِ الْهَرَبَ مِنَ النَّارِ سَعْيٌ فِي حَظٍّ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلَبِ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ الشَّارِعُ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَظٌّ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا عَاجِلٌ وَالْآخَرَ آجِلٌ، وَالتَّعْجِيلُ وَالتَّأْجِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرْدِيٌّ كَالتَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ فِي الدُّنْيَا لَا مُنَافَسَةَ١ فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ طَلَبُ الْحَظِّ الْآجِلِ سَائِغًا٢ كَانَ طَلَبُ الْعَاجِلِ أَوْلَى بِكَوْنِهِ سَائِغًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي٣، فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ جُوزِيَ، وَاعْمَلُوا يُدْخِلْكُمُ الْجَنَّةَ، وَاتْرُكُوا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَا تَعْمَلُوا كَذَا فَتَدْخُلُوا النَّارَ، وَمَنْ يَعْمَلْ كَذَا يُجْزَ بكذا، وهذا بلا شَكّ تحريض عَلَى الْعَمَلِ بِحُظُوظِ النُّفُوسِ، فَلَوْ كَانَ طَلَبُ الْحَظِّ قَادِحًا فِي الْعَمَلِ، لَكَانَ الْقُرْآنُ مُذَكِّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَلِكَ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسأَل عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي يُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَيُبْعِدُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْبِرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِرَازٍ وَلَا تَحْذِيرٍ مِنْ طَلَبِ الْحَظِّ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّنْ قَالَ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] .
_________________
(١) ١ كذا في ط"، وفي غيره: "لا مناسبة". ٢ الأولى أن يقول: ولما كان طلب الحظ الآجل بالطاعات سائغا، كان طلب الحظ العاجل بالعادات أولى بالجواز كما سيشير إليه بقوله: "فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ قَادِحًا فِي الْعِبَادَاتِ إلخ" وهذا في قوة قولنا، لكن التالي باطل، فيثبت نقيض المقدم وهو أن قصد الحظ لا ينافي صحة الأعمال العادية إذا انضم إليه قصد الامتثال ولو حكما. "د". ٣ في الأصل و"خ": "الثاني".
[ ٢ / ٣٥٠ ]
بِقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ١٠] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا" إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ١، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْعَمَلِ عَلَى الْحَظِّ
وَفِي حَدِيثِ بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ قَوْلُهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَاشْتَرِطْ لِنَفْسِكَ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ، قَالُوا: فَمَا لَنَا؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ" الحديث٢.
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في الصحيح" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٦/ ٤٩٥-٤٩٦/ رقم ٣٤٥٩" عن ابن عمر ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "إنما أَجَلُكُم في أَجَلِ من خَلَا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى"، فقالوا: "نحن أكثر عملا وأقل عطاء"، قال الله: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا"؟ قالوا: لا، قال: "فإنه فضلي أعطيه من شئت". وأخرجه البخاري في "صحيحه" أيضا "كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار، ٤/ ٤٤٥/ رقم ٢٢٦٨" عن ابن عمر مطولا مرفوعا، وفيه: "مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء" نحوه. وأخرجه في "صحيحه" أيضا "كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى صلاة العصر ٤/ ٤٤٦-٤٤٧/ رقم ٢٢٦٩"، وكتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام ٩٦/ ٦٦/ رقم ٥٠٢١" عن ابن عمر نحوه. وأخرجه في "صحيحه" أيضا "كتاب الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل، ٤/ ٤٤٧ / رقم ٢٢٧١" عن أبي موسى مرفوعا نحوه، وفيه: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما". ٢ أخرج ابن شيبة في "المصنف" "١٤/ ٥٩٨" -ومن طريقه ابن أبي عاصم في =
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَجَمِيعُهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَظِّ١، وَإِنْ لَمْ يَقُلِ: اعْمَلْ لِكَذَا، فَقَدْ قَالَ: اعْمَلْ يَكُنْ لَكَ كذا، فإذا لم
_________________
(١) = الآحاد والمثاني" "٣/ ٣٩٤/ رقم ١٨١٨"، والطبراني في "الكبير" "١٧/ ٢٥٦/ رقم ٧١٠"- وأحمد في المسند" "٤/ ١٢٠" -ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" "٢/ ٤٥١"- من طريقين عن مجاهد عن عامر عن عقبة بن عمرو وأبي مسعود البدري، قال: "وعدنا رسول الله ﷺ أصيل العقبة يوم الأضحى ونحن سبعون رجلا، قال عقبة: وإني لأصغرهم سنا، فأتانا رسول الله ﷺ، فقال: "أوجزوا في الخطبة، فإني أخاف عليكم كفار قريش". فقلنا: يا رسول الله! سلنا لربك، وسلنا لنفسك، وسلنا لأصحابك، وأخبرنا بما لنا من الثواب على الله تعالى وعليك. فقال: "أسأل لربي أن تؤمنوا به ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم أن تطيعوني أهدِكم سبيل الرشاد، وأسألكم لي ولأصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم وأن تمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم، فإذا فعلتم ذلك، فلكم على الله ﷿ الجنة وعلي". قال: فمددنا أيدينا فبايعناه. وإسناده ضعيف، فيه مجالد بن سعيد. وأخرجه أحمد في "المسند" "٤/ ١١٩-١٢٠"، والبيهقي في "الدلائل" "٢/ ٤٥٠، ٤٥١" من طرق عن زكريا ابن أبي زائدة عن عامر الشعبي به مرسلا، ورجاله رجال الصحيح، كما في "المجمع" "٦/ ٤٧"، وقوى إسناده الزرقاني في "شرحه على المواهب"، وأخرجه الطبراني في "الكبير" "٢/ ١٨٦/ رقم ١٧٥٧"، و"الصغير" "٢/ ١١٠"، و"الأوسط" بنحوه، ورجاله ثقات، كما في المجمع" "٦/ ٤٩"، وأخرج ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "٣/ ٣٨٩/ رقم ١٨٠٩"، وأبو يعلى في "المسند" "٦/ ٤١٠/ رقم ٣٧٧٢"، والحاكم في "المستدرك" "٣/ ٢٣٤" من طرق عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن حميد، عن أنس أن ثابت بن قيس خطب مقدم رسول الله ﷺ، فقال: إنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا يا رسول الله؟ قال: "لكم الجنة". قالوا: رضينا. وإسناده ضعيف، خالد بن عبد الله الواسطي ضعيف، إلا أنه توبع، فأخرجه ابن السكن كما في "الإصابة" "٢/ ١٤" من طريق ابن أبي عدي، عن حميد به. وهذه الطرق تدلل على أن للقصة أصلا، والأشهر فيها أنه وقعت في حديث بيعة الأنصار، كما قال المصنف، واحتمال تعداد الوقوع ضعيف، والله أعلم. ١ في الأصل و"خ" و"ط": "بالحظ على العمل".
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يَكُنْ مِثْلُهُ قَادِحًا فِي الْعِبَادَاتِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ قَادِحًا فِي الْعَادَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مِثْلُ هَذَا قَادِحٌ فِي الْعَمَلِ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْمَعْقُولُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِقَصْدِ الْحَظِّ قَدْ جَعَلَ حَظَّهُ مَقْصِدًا وَالْعَمَلَ وَسِيلَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصِدًا لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا بِالْعَمَلِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ كَذَلِكَ، هَذَا خُلْفٌ، وَكَذَلِكَ العمل١ لو لَمْ يَكُنْ وَسِيلَةً لَمْ يُطْلَبِ الْحَظُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ؛ لِيَصِلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ حَظُّهُ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحَظِّ وَسِيلَةٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَسَائِلَ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِأَنْفُسِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْمَقَاصِدِ بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَتِ الْمَقَاصِدُ سَقَطَتِ الْوَسَائِلُ، وَبِحَيْثُ لَوْ تُوُصِّلَ إِلَى الْمَقَاصِدِ دُونَهَا لَمْ يُتَوَسَّلْ بِهَا، وَبِحَيْثُ لَوْ فَرَضْنَا عَدَمَ الْمَقَاصِدِ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ لِلْوَسَائِلِ اعْتِبَارٌ، بَلْ كَانَتْ تَكُونُ كَالْعَبَثِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَعْمَالُ الْمَشْرُوعَةُ٢ إِذَا عُمِلَتْ لِلتَّوَصُّلِ بِهَا إِلَى حُظُوظِ النُّفُوسِ، فَقَدْ صَارَتْ غَيْرَ مُتَعَبَّدٍ بِهَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْحَظِّ، فَالْحَظُّ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ لَا التَّعَبُّدُ، فَأَشْبَهَتِ٣ الْعَمَلَ بِالرِّيَاءِ لِأَجْلِ حُظُوظِ الدُّنْيَا مِنَ الرِّيَاسَةِ وَالْجَاهِ وَالْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالْأَعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهَا٤ كُلُّهَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِهَا إِذَا أُخذت مِنْ حَيْثُ أذن فيها، فإذا أخذت من جهة
_________________
(١) ١ طريق آخر يتوصل به إلى أن العمل وسيلة للحظ، وهو أقرب إلى أن يكون طريقا آخر في التقرير والتصوير فقط، ولا يخفى أنه في هذا الإشكال من أوله إلى آخره لم يأخذ فيه سوى العمل والحظ، ولم يذكر المقصد الأصلي المشارك للحظ الذي قال فيه: "فأما الأول "فعمل بالامتثال بلا إشكال" فإن الحظ موضوعنا ليس هو المقصود وحده، بل معه القيام بالمصلحة ودرء المفسدة، الذي هو غاية لإذن الشارع فيه، وأخذ المكلف له من هذه الجهة. "د". ٢ وهي ما فِي الْتِزَامِهَا نَشْرُ الْمَصَالِحِ بِإِطْلَاقٍ، وَفِي مُخَالَفَتِهَا نشر المفاسد بإطلاق، يعني ما ليست عبادة بالأصالة لأنها موضوع المسألة هنا. "د". ٣ ولم تكن رياء محضا؛ لأنه مع طلب حظه والسعي فيه يضم إلى ذلك غرضه من إقامة المصلحة ودرء المفسدة بدليل أخذه لها من جهة الإذن. "د". ٤ هي نفس الأعمال المشروعة في كلامه. "د".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
الْحُظُوظِ سَقَطَ كَوْنُهَا مُتَعَبَّدًا بِهَا، فَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالْمُتَعَبَّدِ بِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَأَشْبَاهِهِمَا، يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ التَّعَبُّدُ بِهَا، وَكُلُّ عَمَلٍ مِنْ عَادَةٍ أَوْ عِبَادَةٍ مَأْمُورٌ بِهِ فَحَظُّ النَّفْسِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ١، فَإِذَا أُخِذَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُتَعَبَّدًا بِهِ سَقَطَ كَوْنُهُ عِبَادَةً، فَصَارَ مُهْمَلَ الِاعْتِبَارِ فِي الْعِبَادَةِ، فَبَطُلَ التَّعَبُّدُ فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى كَوْنِ الْعَمَلِ غَيْرَ صَحِيحٍ.
وَأَيْضًا، فَهَذَا الْمَأْمُورُ أَوِ الْمَنْهِيُّ بِمَا فِيهِ حَظُّهُ، يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَرِيٌّ عَنِ الْحُظُوظِ؟! هَلْ كَانَ يَلْزَمُهُ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ بِلَا بُدٍّ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ لَا وَسِيلَةٌ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ:
هَبِ الْبَعْثَ لَمْ تَأْتِنَا رُسْلُهُ وَجَاحِمَةَ النَّارِ لَمْ تُضْرَمْ
أَلَيْسَ مِنَ الْوَاجِبِ المستحَقِّ ثَنَاءُ الْعِبَادِ عَلَى الْمُنْعِمِ
وَيَعْنِي بِالْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ، فَإِذَا جُعِلَ وَسِيلَةً، أُخْرِجَ عَنْ مُقْتَضَى الْمَشْرُوعِ، وَصَارَ الْعَمَلُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى غَيْرِ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ، وَالْقَصْدُ الْمُخَالِفُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ بَاطِلٌ، وَالْعَمَلُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَالْعَمَلُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْحَظِّ كَذَلِكَ.
وَإِلَى هَذَا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ حَقٌّ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهُ وَلَا أَنْ يَسْقِيَهُ وَلَا أَنْ يُنَعِّمَهُ، بَلْ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كان لَهُ ذَلِكَ بِحَقِّ الْمُلْكِ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٩]، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ التَّعَبُّدِ، فَحَقُّهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ حَظٍّ، فَإِنَّ طَلَبَ الْحَظِّ بِالْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِحُقُوقِ السَّيِّدِ بَلْ بِحُظُوظِ نفسه.
_________________
(١) ١ أي: لا يخلو من حظ للنفس يمكن أن يتعلق به. "د".
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَأَمَّا النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا النَّظَرِ، فَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى إِخْلَاصِ الْأَعْمَالِ لِلَّهِ، وَعَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ مِنْهَا فَلَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥] .
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ" ١.
وَفِيهِ: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" ٢، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ بِالْأَمْرِ بِالْهِجْرَةِ شَيْءٌ، فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ عُقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، فَفِيهِ تَعَبُّدٌ حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَالْعَامِلُ لحظِّه مُسْقِطٌ لِجَانِبِ التَّعَبُّدِ، وَلِذَلِكَ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْعَامِلَ لِلْأَجْرِ خَدِيمَ السُّوءِ وَعَبْدَ السُّوءِ، وَفِي الْآثَارِ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ، وَقَدْ جَمَعَ الْأَمْرَ كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ [الزُّمَرِ: ٣] .
وَأَيْضًا: فَقَدْ عَدَّ النَّاسُ مِنْ هَذَا مَا هُوَ قَادِحٌ فِي الْإِخْلَاصِ وَمُدْخَلٌ لِلشَّوْبِ فِي الْأَعْمَالِ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ٣: "كُلُّ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ القلب قل أم كَثُرَ إِذَا تَطَرَّقَ إِلَى الْعَمَلِ، تَكَدَّرَ بِهِ صفوه، وقل٤ به
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله / رقم ٢٩٨٥". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي ١/ ٩/ رقم ١"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" ٣/ ١٥١٥/ رقم ١٩٠٧" من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وتقدم "١/ ٤٥٩". ٣ في "الإحياء" "٤/ ٣٨٠". ٤ كذا في جميع النسخ، وفي "الإحياء": "وزال".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
إِخْلَاصُهُ"١.
قَالَ: "وَالْإِنْسَانُ مُنْهَمِكٌ فِي حُظُوظِهِ وَمُنْغَمِسٌ فِي شَهَوَاتِهِ، قَلَّمَا يَنْفَكُّ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَعِبَادَةٌ مِنْ عِبَادَاتِهِ عَنْ حُظُوظٍ مَا، وَأَغْرَاضٍ عَاجِلَةٍ [مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ]، وَلِذَلِكَ [قِيلَ]: مَنْ سلم له من عُمْرِهِ خَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ نَجَا، وَذَلِكَ لِعِزِّ الْإِخْلَاصِ، وَعُسْرِ تَنْقِيَةِ الْقَلْبِ عَنْ هَذِهِ الشَّوَائِبِ، بَلِ الْخَالِصُ هُوَ الَّذِي لَا باعث عليه إِلَّا طَلَبُ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى"٢.
ثُمَّ قَالَ:"وَإِنَّمَا الْإِخْلَاصُ تَخْلِيصُ الْعَمَلِ عَنْ هَذِهِ الشَّوَائِبِ كُلِّهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، حَتَّى يَتَجَرَّدَ فِيهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ بَاعِثٌ سِوَاهُ".
قَالَ: "وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مِنْ مُحِبٍّ لِلَّهِ مستهتَر، مُسْتَغْرِقِ الْهَمِّ بِالْآخِرَةِ، بِحَيْثُ لَمْ يبقَ لِـ[حُبِّ] الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ قَرَارٌ، حَتَّى لَا يُحِبُّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ أَيْضًا، بَلْ تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِيهِ كَرَغْبَتِهِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ضَرُورَةُ الْجِبِلَّةِ٣، فَلَا يَشْتَهِيَ الطَّعَامَ لِأَنَّهُ طَعَامٌ؛ بَلْ لِأَنَّهُ يُقَوِّيهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَيَتَمَنَّى [أَنْ] لَوْ كُفِيَ شَرَّ الْجُوعِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى الْأَكْلِ، فَلَا يَبْقَى في قلبه حظ من الْفُضُولِ الزَّائِدَةِ عَلَى الضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ مَطْلُوبًا عِنْدَهُ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ همٌّ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، فَمِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ قَضَى حَاجَتَهُ، كَانَ خَالِصَ الْعَمَلِ صَحِيحَ النِّيَّةِ فِي جميع حركاته وسكناته، فلو نام مثلا حتى يريح نَفْسَهُ ليتقوَّى٤ عَلَى الْعِبَادَةِ بَعْدَهُ؛ كَانَ نَوْمُهُ عِبَادَةً وَحَازَ دَرَجَةَ الْمُخْلِصِينَ، ومَن لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَبَابُ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ كَالْمَسْدُودِ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ النُّدُورِ"، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى بَاقِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَهُ٥ فِي "الْإِحْيَاءِ" مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَوَاضِعُ يَعْرِفُهَا مِنْ زَوَالِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فالعامل الملتفت إلى حظ نفسه على
_________________
(١) ١ أما كونه إذا شارك طلب الحظ قصد الامتثال يضعف الإخلاص، فلا كلام فيه، ولكن يلزم منه المطلوب وهو بطلانه رأسا. "د". ٢ الهوامش من "٢-٥" في الاستدراك: "رقم ٧".
[ ٢ / ٣٥٦ ]
خِلَافِ١ مَا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا تُعُبِّد الْعِبَادُ بِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْعِبَادَاتُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ بِالْأَصَالَةِ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَتَوَابِعُهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَالثَّانِي: الْعَادَاتُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ الَّتِي فِي الْتِزَامِهَا نَشْرُ الْمَصَالِحِ بِإِطْلَاقٍ، وَفِي مُخَالَفَتِهَا نَشْرُ الْمَفَاسِدِ بِإِطْلَاقٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُمْ، وَهُوَ الْقِسْمُ الدُّنْيَوِيُّ الْمَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ حَقُّ اللَّهِ مِنَ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمَشْرُوعُ لِمَصَالِحِهِمْ فِي الْآخِرَةِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ عَنْهُمْ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَظُّ [الْمَطْلُوبُ] ٢ دُنْيَوِيًّا أَوْ أُخْرَوِيًّا.
فَإِنْ كَانَ أُخْرَوِيًّا، فَهَذَا حَظٌّ قَدْ أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا ثَبَتَ شَرْعًا، فَطَلَبُهُ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهُ صَحِيحٌ؛ إِذْ لَمْ يتعدَّ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، وَلَا أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ غَيْرَهُ، وَلَا قَصَدَ مُخَالَفَتَهُ؛ إِذْ قَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّارِعِ حِينَ رَتَّبَ عَلَى الْأَعْمَالِ جَزَاءً أَنَّهُ قَاصِدٌ لِوُقُوعِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَصَارَ الْعَامِلُ لِيَقَعَ لَهُ الْجَزَاءُ عَامِلًا لِلَّهِ وَحْدَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ غير قادح في
_________________
(١) ١ لم يقل: "سقط كونه متعبدا بها" مع أن هذا هو محل الإشكال على أصل المسألة، بل قال كلاما مجملا عاما يمكن حمله على أنه لم يكن الإخلاص تاما، وهو الذي يصح أن يكون نتيجة لقوله: "وأيضا إلى هنا"، ويصح أن يحمل على الاستدلال على ما قاله من الإشكال، وهو أن جهة التعبد ساقطة وملغاة لمشاركة الحظ لها، وهذا هو الذي دلل عليه قبل قوله: "وأيضا"، واستنتج فيه قوله: "فالعامل لحظه مسقط لجانب التعبد"، ولو اقتصر عليه كان أولى؛ لأن ما بعده زائد عن الغرض. "د". وفي "ط": "فالعامل ملتفتا إلى ". ٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل ونسخة "ماء/ ص١٩٣".
[ ٢ / ٣٥٧ ]
إِخْلَاصِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُنْجِيَةَ وَالْعَمَلَ الْمُوصِلَ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا مَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ الآية [الصافات: ٤٠-٤٣] .
فَإِذَا كَانَ قَدْ رَتَّبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَمَلِ المخلَص -وَمَعْنَى كَوْنِهِ مخلَصا أَنْ لَا يُشْرِكَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ١، فَهَذَا قَدْ عَمِلَ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْحَظِّ لَيْسَ بِشِرْكٍ؛ إِذْ لَا يُعْبَدُ الْحَظُّ نَفْسُهُ٢، وَإِنَّمَا يُعْبَدُ مَنْ بِيَدِهِ بَذْلُ الْحَظِّ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ لَوْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ [مَنْ ظَنَّ بِيَدِهِ بَذْلُ حَظٍّ مَا مِنَ الْعِبَادِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشْرَكَ، حَيْثُ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ] ٣ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الطَّلَبِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَاللَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا فِيهِ شِرْكٌ، وَلَا يَرْضَى بِالشِّرْكِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا.
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَصْدَ الْحَظِّ الْأُخْرَوِيِّ فِي الْعِبَادَةِ لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ فِيهَا، بَلْ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يُوصِلُهُ إِلَى حَظِّهِ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَذَلِكَ بَاعِثٌ لَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ، قَوِيٌّ لِعِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْقَطِعُ طَلَبُهُ لِلْحَظِّ٤ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو حَامِدٍ ﵀؛ لِأَنَّ أَقْصَى حُظُوظِ الْمُحِبِّينَ التَّنَعُّمُ فِي الْآخِرَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَحْبُوبِهِمْ وَالتَّقَرُّبِ مِنْهُ، وَالتَّلَذُّذُ بِمُنَاجَاتِهِ، وَذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مَا فِي الدَّارَيْنِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] .
_________________
(١) ١ لا أنه لا يقصد مع العبادة شيئا آخر مطلقا حتى ما أثبته الشرع. "د". ٢ في نسخة "ماء/ ص١٩٤": "بنفسه". ٣ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٤ في الأصل و"ط" و"خ": "الحظ للعبد".
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وَإِلَى هَذَا، فَإِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ يَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ نَادِرٌ قَلِيلٌ إِنْ وُجِدَ، وَاللَّهُ ﷿ قَدْ أَمَرَ الْجَمِيعَ بِالْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ الْبَرِيءُ عَنِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ عَسِيرٌ جِدًّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا خَوَاصُّ الْخَوَاصِّ، وَذَلِكَ قَلِيلٌ، فَيَكُونُ هَذَا الْمَطْلُوبُ قَرِيبًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهَذَا شَدِيدٌ.
وَعَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِحَظٍّ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْحُظُوظِ صِفَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَمَنِ ادَّعَاهُ، فَهُوَ كَافِرٌ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ: "وَمَا قَالَهُ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أَرَادُوا بِهِ١ "يَعْنِي: الصُّوفِيَّةَ" الْبَرَاءَةَ عَمَّا يُسَمِّيهِ النَّاسُ حُظُوظًا، وَذَلِكَ الشَّهَوَاتُ الْمَوْصُوفَةُ فِي الْجَنَّةِ فَقَطْ، فَأَمَّا التَّلَذُّذُ بِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمُنَاجَاةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهَذَا حَظُّ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لَا يَعُدُّهُ النَّاسُ حَظًّا، بَلْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ".
قَالَ: "وَهَؤُلَاءِ لَوْ عُوِّضُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ من لذة الطاعة والمناجاة، وملازمة الشهوة للحضرة الإلهية سرا وجهرا نعيم الجنة، لا ستحقروها وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، فَحَرَكَتُهُمْ لِحَظٍّ٢، وَطَاعَتُهُمْ لِحَظٍّ، وَلَكِنَّ حَظَّهُمْ مَعْبُودُهُمْ دُونَ غَيْرِهِ". هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ إِثْبَاتٌ لِأَعْظَمِ الْحُظُوظِ٣، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ على ضربين:
_________________
(١) ١ أي بقولهم: "إن البراءة عن الحظوظ العاجلة والآجلة عسيرة جدا، لا يصل إليها إلا خواص الخواص" أي: فهي ممكنة، فكيف يقال: من ادعاها كافر؟ فأبو حامد يجمع بينهما بأن براءة خواص الخواص إنما هي من قصد النعيم المذكور لأهل الجنة من أكل وشرب ولباس وتمتع بحور وما أشبه، لا كل حظ، وإلا، فحظ المعرفة والمناجاة والنظر ونحوها حظوظ خواص الخواص، فلم يتبرؤوا من الحظوظ رأسا، حتى يشاركوا الإله في وصفه. "د". ٢ في الموضعين من الأصل: "لحظة". ٣ ادعى بعض الفلاسفة أن الإنسان قد يعمل لمجرد كونه خيرا، وأن يتقين أنه لا ينال من أثره نفعا، والراسخ في علم أحوال النفس لا يكاد يصدق بأن في طبيعة النفس الناطقة ما يساعدها على أن تقبل على العمل دون أن تشعر بأنها ستنال في عاقبته قسطا من اللذة أو السعادة، غير أن من الغايات ما يكون محمودا وتزداد النفس بالقصد إليه كالفوز برضوان الله، وما يترتب عليه من سعادة باقية، ومنها ما يكون رذيلة كمن يعمل حرصا على منفعة خاصة ولا يبالي أن تجر في أذيالها ضررا يتعدى إلى غيره. "خ". قلت: سيأتي بسط ذلك في التعليق على "ص٣٦٤".
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أَحَدُهُمَا: مَنْ يَسْبِقُ لَهُ امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ الْحَظَّ، فَإِذَا أُمر أَوْ نُهِي لبَّى قَبْلَ حُضُورِ الْحَظِّ، فَهُمْ عَامِلُونَ بِالِامْتِثَالِ لَا بِالْحَظِّ، وَأَصْحَابُ هَذَا الضَّرْبِ عَلَى دَرَجَاتٍ، وَلَكِنَّ الْحَظَّ لَا يَرْتَفِعُ خُطُورُهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ إِلَّا نَادِرًا، وَلَا مَقَالَ فِي صِحَّةِ إِخْلَاصِ هَؤُلَاءِ.
وَالثَّانِي: مَنْ يَسْبِقُ لَهُ الْحَظُّ الِامْتِثَالَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْأَمْرَ أَوِ النَّهْيَ خَطَرَ لَهُ الْجَزَاءُ، وَسَبَقَ لَهُ الْخَوْفُ أَوِ الرَّجَاءُ، فَلَبَّى دَاعِيَ اللَّهِ، فَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ مُخْلِصُونَ أَيْضًا؛ إِذْ طَلَبُوا مَا أُذِنَ لَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَهَرَبُوا عَمَّا أُذِنَ لَهُمْ فِي الْهَرَبِ عَنْهُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَقْدَحُ فِي الإخلاص كما تَقَدَّمَ.
فَصْلٌ:
وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ الْمَطْلُوبُ بِالْعِبَادَاتِ مَا فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ يَرْجِعُ إِلَى صَلَاحِ الْهَيْئَةِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ عِنْدَ النَّاسِ، وَاعْتِقَادِ الْفَضِيلَةِ لِلْعَامِلِ بِعَمَلِهِ.
وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إِلَى نَيْلِ حَظِّهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذَا ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إِلَى مَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ مُرَاءَاةِ النَّاسِ بِالْعَمَلِ.
وَالْآخَرُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُرَاءَاةِ لِيَنَالَ بِذَلِكَ مَالًا أَوْ جَاهًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
أَحَدُهَا:
يَرْجِعُ إِلَى تَحْسِينِ الظَّنِّ عِنْدَ النَّاسِ وَاعْتِقَادِ الْفَضِيلَةِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَصْدُ مَتْبُوعًا، فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ رِيَاءٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَبْعَثُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ قَصْدُ الْحَمْدِ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ الْخَيْرُ، وَيَنْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ كَوْنُهُ يُصَلِّي فَرْضَهُ أَوْ نَفْلَهُ، وَهَذَا بيِّن.
وَإِنْ كَانَ تَابِعًا، فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَوَقَعَ فِي "الْعُتْبِيَّةِ"١ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُصَلِّي لِلَّهِ ثُمَّ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ٢ أَنْ يُعْلَمَ، وَيُحِبُّ أَنْ يُلْقَى٣ فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى٣ فِي طَرِيقٍ غَيْرِهِ، فَكَرِهَ رَبِيعَةُ هَذَا، وَعَدَّهُ مَالِكٌ مِنْ قَبِيلِ الْوَسْوَسَةِ الْعَارِضَةِ لِلْإِنْسَانِ، أَيْ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي لِلْإِنْسَانِ إِذْ سَرَّهُ مَرْأَى النَّاسِ لَهُ عَلَى الْخَيْرِ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ لمراءٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ لَا يُمْلَكُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٨٤] . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: لِأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا"٤.
وَطَلَبُ الْعِلْمِ٥ عِبَادَةٌ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "سَأَلَتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيَّ الصُّوفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]
_________________
(١) ١ "١/ ٤٩٨- مع "البيان والتحصيل"، وكذا في "المقدمات" "ص٣٠" لابن رشد، وفيه زيادة بيان وإيضاح. ٢ في "العتبية": "يجب"، بالجيم. ٣ في الموطنين: "يلفى"، بالفاء. ٤ سيأتي تخريجه "٣/ ١٤٦"، وهو في الصحيحين". ٥ الذي هو موضوع حديث ابن عمر؛ لأنهم كانوا في مجلسه ﷺ يسألهم في العلم، ومع كونه في مقام عبادة، قال: لأن تكون قلتها إلخ الذي يؤول إلى أن عمر لم يخشَ في عبادة ابنه بطلب العلم حظا هو اعتقاد الفضيلة فيه. "د".
[ ٢ / ٣٦١ ]
مَا بَيَّنُوا؟ قَالَ: أَظْهَرُوا أَفْعَالَهُمْ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاحِ وَالطَّاعَاتِ. قُلْتُ: وَيَلْزَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِتَثْبُتَ أمانته، وتصح إمامته، وتقبل شهاداته"١.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "وَيَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى وَالْغَزَالِيُ يَجْعَلُ مِثْلَ هَذَا مِمَّا لَا تَتَخَلَّصُ فِيهِ٢ الْعِبَادَةُ".
وَالثَّانِي:
مَا يَرْجِعُ إِلَى مَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ، مَعَ الْغَفْلَةِ [عَنْ مُرَاءَاةِ الْغَيْرِ] ٣، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
أَحَدُهَا: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْأُنْسِ بِالْجِيرَانِ، أَوِ الصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ لِمُرَاقَبَةٍ، أَوْ مُرَاصَدَةٍ، أَوْ مُطَالَعَةِ أَحْوَالٍ.
وَالثَّانِي: الصَّوْمُ؛ تَوْفِيرًا لِلْمَالِ، أَوِ اسْتِرَاحَةً مِنْ عَمَلِ الطَّعَامِ وَطَبْخِهِ، أَوِ احْتِمَاءً لِأَلَمٍ يَجِدُهُ، أَوْ مَرْضٍ يَتَوَقَّعُهُ أَوْ بِطْنَةٍ تَقَدَّمَتْ لَهُ.
وَالثَّالِثُ: الصَّدَقَةُ لِلَذَّةِ السَّخَاءِ وَالتَّفَضُّلِ عَلَى النَّاسِ.
وَالرَّابِعُ: الْحَجُّ؛ لِرُؤْيَةِ الْبِلَادِ، وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنَ الْأَنْكَادِ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ لِتَبَرُّمِهِ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أَوْ إِلْحَاحِ الْفَقْرِ.
_________________
(١) ١ إذا كان كذلك لا يكون هذا الحظ إلا المصلحة العامة ونفع الخلق بالقصد الأول، ويكون ما يرجع إليه هو تابعا صرفا. "د". وقال "خ": "كان ﵊ يبين بالقول تارة وبالفعل أخرى، وكذلك العالم لو أوفى البيان بالقول حقه لخلصت ذمته من واجب التبليغ، فتفسير أبي منصور الشيرازي قوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ بإظهار الفعل إنما هو بعض ما يتناوله اللفظ، وليس هو الطريق الوحيد للتبيين، والوجه الذي ينحصر فيه المراد من الآية بحيث لا يكفي التبيين بالأقوال الصريحة". قلت: وكلام ابن العربي في "أحكام القرآن" "١/ ١١٨، ١٣٦ و٢/ ٥١١"، وعنه القرطبي في "التفسير" "٥/ ٤٢٣-٤٢٤" مع تعقب له، فانظره لزامًا. ٢ في "ط": "به". ٣ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وَالْخَامِسُ: الْهِجْرَةُ؛ مَخَافَةُ الضَّرَرِ فِي النَّفْسِ أَوِ الْأَهْلِ أَوِ الْمَالِ.
وَالسَّادِسُ: تعلُّم الْعِلْمِ؛ لِيَحْتَمِيَ بِهِ عَنِ الظُّلْمِ.
وَالسَّابِعُ: الْوُضُوءُ؛ تَبَرُّدًا.
وَالثَّامِنُ: الِاعْتِكَافُ؛ فِرَارًا مِنَ الْكِرَاءِ.
وَالتَّاسِعُ: عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ؛ ليُفعَل بِهِ ذَلِكَ.
وَالْعَاشِرُ: تَعْلِيمُ الْعِلْمِ؛ لِيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ كَرْبِ الصَّمْتِ وَيَتَفَرَّجَ بِلَذَّةِ الْحَدِيثَ.
وَالْحَادِي عَشَرَ: الْحَجُّ مَاشِيًا؛ لِيَتَوَفَّرَ لَهُ الْكِرَاءُ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَيْضًا مَحَلُّ اخْتِلَافٍ إِذَا كَانَ الْقَصْدُ الْمَذْكُورُ تَابِعًا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ، وَقَدِ الْتَزَمَ الْغَزَالِيُّ١ فِيهَا وَفِي أَشْبَاهِهَا أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْإِخْلَاصِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ أَخَفَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ، وَأَمَّا ابْنُ الْعَرَبِيِّ، فَذَهَبَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ٢ مَجَالَ النَّظَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ يَلْتَفِتُ إِلَى انْفِكَاكِ الْقَصْدِينَ أَوْ عَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا، فَابْنُ الْعَرَبِيِّ يَلْتَفِتُ إِلَى وَجْهُ الِانْفِكَاكِ، فَيُصَحِّحُ الْعِبَادَاتِ، وَظَاهِرُ الْغَزَالِيِّ الِالْتِفَاتُ إِلَى مُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ وُجُودًا، كَانَ الْقَصْدَانِ مِمَّا يَصِحُّ انْفِكَاكُهُمَا أَوْ لَا، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْخِلَافُ فِيهَا وَاقِعٌ، وَرَأْيُ أَصْبَغَ فِيهَا الْبُطْلَانُ٣، فإذا كان كذلك، اتجه
_________________
(١) ١ انظر: "الاتجاه الأخلاقي" "ص٥٣ وما بعدها"، وتابع الغزالي في رأيه هذا الحارث المحاسبي في "الرعاية" "ص١٥٠"، ونقله عن الحارث وأيده القرطبي في "تفسيره" "٥/ ١٨٠-١٨١ و٩/ ١٤". ٢ في الأصل و"خ": "كان". ٣ أي: مع وجود الانفكاك كما هو رأي الغزالي، وقوله: "على أن" تأييد لرأي ابن العربي. "د".
[ ٢ / ٣٦٣ ]
النَّظَرَانِ، وَظَهَرَ مَغْزَى الْمَذْهَبَيْنِ.
عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الِانْفِكَاكُ أَوْجَهُ١، لما جاء
_________________
(١) ١ سر المسألة أن القائلين بعدم الانفكاك ظنوا في بداية الأمر أن القصد الذي يتطلع صاحبه إلى ثمرات الأعمال ونتائجها وحظوظه منها مزاحم للقصد المتجه إلى الله، فيكون ذلك تشريكا يجب أن ننزه عنه نياتنا، ومن هنا اندفعوا جاهدين كي ينتزعوا من أعماق نفوسهم تلك الخواطر والمقاصد التي تتطلع إلى محبوباتها من الأعمال المشروعة، فلما وجدوا صعوبة في الأمر تحول دون تحقيق المراد رموا الدنيا وراء ظهورهم، وقصروا تطلعاتهم على الأعمال التي أُمروا بتحقيقها، وجاهدوا النفوس كي لا يبقى لهم مراد غير ذلك المراد. ولا يفوتنا ونحن نبحث في أصل المسألة أن نقرر ما قرره المحققون من العلماء من أن الشارع قصد في وضعه للشريعة مصالح العباد في العاجل والآجل، وقد قرر المصنف هذه المسألة بما لا مزيد عليها في أول هذا "كتاب المقاصد" فإذا كان هذا مقررا، فكيف يجوز أن نمنع العابد من أن يتطلع إلى المصالح التي قصدها الشارع من أعمال المكلفين؟! لو ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بمنع العباد من النظر والتطلع إلى مصالح ونتائج لا يرتضي الشارع أن تُجعل الأعمال المتعبد بها وسيلة إليها، لكان هذا القول مرضيا ومقبولا؛ لأن المكلف مطالب بألا يتوجه ولا يقصد إلا ما قصده الشارع من المصالح، أما أن نرفض جواز التطلع إلى الخير المترتب على أعمالنا المتعبد بها مع أن الشارع ارتضاه وقصده، فهذا في غاية الصعوبة. ونستطيع هنا أن نتقدم خطوة، فنقول: إن قصد هذه الحظوظ من الأعمال المتعبد بها مقصودة للشارع ومطلوبة من المكلف؛ لأنها تناسب حاله، وعمله على هذا النحو يصلح أمره ويحفظ عليه دنياه وأخراه، ويحسن أن نقرر بوضوح أن التطلع إلى ثمرات الأعمال المتعبد بها سواء أكانت عبادات أصلا أم عاديات متعبد بها، لا يضاد الإخلاص ولا يناقضه، ما دمنا نقصد مقاصد الشارع المترتبة على الأعمال. ولقد أحدثت هذه النظرية شرخا في نفوس المسلمين؛ لأن هؤلاء حاروا بين هذه النظرية التي تدعوهم إلى المثالية والترفع في مقاصدهم وبين واقع حالهم؛ إذ وجدوا أنفسهم غير مطيقين للانسلاخ من رغباتهم، وصرف أنفسهم عن النظر إلى نتائج الأعمال. كيف نريد من الذي يريد طهارة وضوء أو غسلا- ألا يقصد مع قصد التقرب إلى الله تعالى التنظف والتطيب؟ وإذا كان الجو حارا كيف نريد من هذا الإنسان ألا يقصد التبرد وإنعاش=
[ ٢ / ٣٦٤ ]
_________________
(١) = نفسه؟ فإن قَصَد هذا القصد حكمنا على عمله بالبطلان والفساد، وهب هذا الإنسان راغم نفسه كي تنصرف عما تحسه وتطلبه، فكيف السبيل إلا أن يقصر نفسه على مجرد الامتثال للفعل؟ ومن ذا الذي يتذوق سرور العبادة ولذاتها ثم يطيق ألا يقصد هذا النعيم؟ وهل إذا قصدنا من وراء إخراج الزكاة المتقرب بها سد خلة الفقير وصلة الأرحام وتقديم الخير لبني الإنسان نكون أقمنا مقاصد مضادة للإخلاص؟! ألم يأمرنا الله بأن نقاتل في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟! ألم يقرنا الله على أن نحصل بالجهاد أمرا نحبه ونرضاه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ [الصف: ١٣] . وهب أننا استطعنا أن نصرف قصدنا في أمور العبادات عن النظر إلى ثمرات الأعمال في الدنيا، فهل نطيق ذلك في الأمور العادية إذا قصدنا التعبد بها؟ فالزواج والطعام والشراب واللباس إذا قصدت التقرب بها إلى الله تعالى بأن آخذها من الطريق التي شرعها، وأبتعد عما حرم منها، وأقصد الاستعانة بها على طاعة الله، أأستطيع أن أصرف النظر عن الثمرات الناتجة عنها والتي تحبها النفس وتتطلبها منها؟! إن العاملين بأعمال دنيوية من المسلمين، أطباء، ومهندسين، وباحثين، يستطيعون أن يجعلوا أعمالهم قربات عند إحداث نية صالحة حين القيام بهذه الأعمال، وهذا لا يلزمهم ألا يقصدوا حظوظهم من وراء هذه الأعمال. لا يجوز أن يحتج في هذا بأن الشارع لم يرتضِ أن يقاتل المسلم شجاعة أو حمية: بل يجب أن يقصر قصده على القتال كي تكون كلمة الله هي العليا، وبدون ذلك لا يكون جهاده في سبيل الله؛ لأننا قررنا من قبل أن الثمرات والنتائج التي نجيز التطلع إليها هي التي أقرها الشارع ورضيها، والقتال بقصد هذه الأمور لم يرتضه الشارع. نعم؛ نتائج الأعمال المطلوبة والمقصودة للشارع قد تخفى علينا، وقد لا ندركها خاصة في العبادات، ومن هنا قد نظن أمرا ما مقصودا للشارع، فنطلبه مع أنه واقع الأمر ليس بمطلوب ولا مقصود له. وهذه نظرة وجيهة يجب أن يراعيها العابد، فلا يقصد إلا المصالح التي نص الشارع عليها،=
[ ٢ / ٣٦٥ ]
مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨]، يَعْنِي: فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْفِرَارِ مِنَ الْأَنْكَادِ بِالْحَجِّ أَوْ الْهِجْرَةِ: "إِنَّهُ دَأَبُ الْمُرْسَلِينَ، فَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٩٩]، وَقَالَ الْكَلِيمُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢١]، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصلاة١، فكان يستريح إليها
_________________
(١) = والمصالح التي استنبطناها من النصوص، لا تلك المصالح التي ارتضيناها بأهوائنا. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بأن الشريعة لم توضع لطائفة من الناس، وإنما هي شريعة عامة جعلت لعموم الناس، والناس أصناف شتى، ولذلك رغبهم في العمل بالشريعة بمرغبات مختلفة، كي تصبح مؤثرات ودواعي تحركهم إلى العمل وتدفعهم إليه، لننظر في هذه المرغبات التي يجليها نوح لقومه كي يحققوا مراد الله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠-١٢] . ولننظر إلى موعود الله لهذه الأمة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، ولننظر إلى وعد الله للأتقياء: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] . هذه الآيات وأمثالها كثير تستثير في النفس الإنسانية آمالها وتطلعاتها، وتحرك جذوتها، فتندفع إلى تحقيق ما يطلب منها، ولكن بإرادة صادقة وعزيمة قوية، تطلب في ذلك خيرها من حيث يريد الله تعالى، وهذه وايم الله العبودية الحقة التي يريدها الله من عباده، وحسبنا أن الله أثنى على الذين يطلبون منه خيري الدنيا والآخرة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾، نعم لو قالوا ما قرره المصنف سابقا بأن قصر النظر على الأعمال وعدم التطلع إلى النتائج أقرب إلى الإخلاص والتفويض والتوكل على الله، لكان قولهم صوابا. انظر: "مقاصد المكلفين" "ص٣٩٨ وما بعدها". ١ مضى تخريجه "ص٢٤٠".
[ ٢ / ٣٦٦ ]
مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا١، وَكَانَ فِيهَا نَعِيمُهُ وَلَذَّتُهُ، أَفَيُقَالُ: إِنَّ دُخُولَهُ فِيهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَادِحٌ فِيهَا؟ كَلَّا، بَلْ هُوَ كَمَالٌ فِيهَا وباعث على الإخلاص فيها".
في "الصَّحِيحِ"٢: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه لو وِجَاءٌ" ٣.
ذَكَرَ ابْنُ بَشْكُوَالَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَضَرْتُ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ بْنَ زَرْبٍ شَكَا إِلَى التَّرْجِيلِيِّ الْمُتَطَبِّبِ ضَعْفَ مَعِدَتِهِ وَضَعْفَ هَضْمِهِ، عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ يَعْهَدُ مِنْ نَفْسِهِ، وَسَأَلَهُ عَنِ الدَّوَاءِ، فَقَالَ: اسْرُدْ الصوم تصلح معدتك.
فقال: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! عَلَى غَيْرِ هَذَا دُلَّنِي، مَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَ نَفْسِيَ بِالصَّوْمِ إِلَّا لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَلِي عَادَةٌ فِي الصَّوْمِ الْاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ لَا أَنْقُلُ نَفْسِي عَنْهَا. قَالَ أَبُو عَلِيٌّ: وَذَكَرْتُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حَدِيثَ الرَّسُولِ ﵊يَعْنِي: هَذَا الْحَدِيثَ- وَجَبُنْتُ عَنْ إِيرَادِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي [ذَلِكَ] الْمَجْلِسِ، وأحسبني ذاكراته فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَسَلَّمَ للحديث٤.
_________________
(١) ١ فكان ﷺ يقول: "أرحنا بها يا بلال"، ومضى تخريجه "ص٢٤٠". ٢ ومثله حديث: "إذن تكفى همك" لمن قال له ﵇: إني أحب الصلاة عليك أأجعل لك ربع صلاتي، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها. فإذا راعى ذلك في صلاته كان من هذا القبيل، ومنه ما ورد في الاستغفار ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الآية فيها ترتب حظ دنيوي بل حظوظ على الاستغفار، وهو عبادة. "د". قلت: وحديث "إذن تكفى همك" خرجته بإسهاب في تعليقي على "جلاء الأفهام" لابن القيم، وفيه تعليق جيد عليه. ٣ سيأتي تخريجه "٣/ ١٤٣"، وهو في "الصحيحين" عن ابن مسعود ﵁. ٤ الفرق بين الواقعة المذكورة والحديث أن الواقعة تشير إلى قصد إصلاح المعدة، وهي معدودة من الحظوظ النفسية، أما الحديث، فيتضمن القصد بالعبادة إلى التعفف الذي هو واجب شرعي، ولكن المصنف سينبه إلى أن العلة في صحة العبادة التي قصد فيها إلى طاعة أخرى كون هذه الطاعة مأذونا فيها فيلحق بها ما كان غير عبادة من المأذون فيه، ومن يرى أن القصد إلى حظ دنيوي يكدر صفو العمل الخالص يذهب إلى أن العلة في صحة القصد إلى طاعة أخرى إنما هي كونها من جنس العبادة في طلب الشارع لها ووعده بالثواب عليها. "خ". قلت: في الأصل: "أبا بكر بن زنب"، و" وذكرت ذلك في"، وما بين المعقوفتين سقط منه.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وَقَدْ بَعَثَ ﵊ رَجُلًا لِيَكُونَ رَصَدًا فِي شِعْبٍ، فَقَامَ يُصَلَّى وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ بِالْإِقَامَةِ فِي الشِّعْبِ إِلَّا١ الْحِرَاسَةَ وَالرَّصْدِ٢.
_________________
(١) ١ لا يريد حقيقة الحصر كما هو ظاهر. "د". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، ١/ ٢٨٠" معلقا عن جابر، قال: "ويذكر عن جابر أن النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته". وأخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب الوضوء من الدم، ١/ ٥٠-٥١/ رقم ١٩٨"- ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "١/ ١٤٠"، وابن بشكوال في "الغوامض" "رقم ١٤٣"، والدارقطني في "السنن" "١/ ٢٢٣-٢٢٤"، وابن خزيمة في الصحيح "١/ ٢٤-٢٥/ رقم ٣٦" ومن طريقه ابن حجر في "تغليق التعليق" "١/ ١١٤، ١١٥"، وأحمد في "المسند" "٣/ ٣٤٣-٣٤٤، ٣٥٩"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ١٥٦-١٥٧" ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" "٢/ رقم ٦٠٤- بتحقيقي"، و"السنن الكبرى" "١/ ١٤٠، ٩/ ١٥٠"، و"الصغرى" "١/ ٣١/ رقم ٤٠"-، وابن حبان في "الصحيح" "٣/ ٣٧٥-٣٧٦/ رقم ١٠٩٦- الإحسان" من طرق عن ابن إسحاق عن صدقة بن يسار بن جابر وهو عقيل بن جابر، سماه سلمة الأبرش، عن جابر به مطولا جدا، قال الحاكم: "هذا الحديث صحيح الإسناد، فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق، وأما عقيل بن جابر الأنصاري، فإنه أحسن حالا من أخويه محمد وعبد الرحمن". قال ابن حجر في "الفتح": "وعقيل لا أعرف راويا عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المصنف- أي: البخاري- إما لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق"، وقال: "وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم". قلت: أي بإخراجهم له في "الصحيح"، ونقل ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" "١/ =
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا يُرَاعِيهِ الْإِمَامُ فِي صِلَاتِهِ مِنْ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ، كَانْتِظَارِ الدَّاخِلِ١ لِيُدْرِكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ٢، وَمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَالِكٌ٣ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ غَيْرُهُ، وكالتخفيف لأجل
_________________
(١) = ٢٨٠" عن الدارقطني قوله: "إسناده صالح"، ولا يوجد ذلك في مطبوع "السنن"، وفي المطبوع نقص وتصحيف، أرجو الله أن ييسر له تحقيقا على وجه جيد. قلت: والحق أن إسناده ضعيف، فعقيل لم يوثقه غير ابن حبان، بذكره له في "الثقات" "٥/ ٢٧٢"، ولم يرو عنه غير صدقة، انظر: "تهذيب الكمال" "٢٠/ ١٣٤"، ولعله من أجله علقه البخاري في "صحيحه" بصيغة التمريض، ولم يشر لذلك ابن حجر فيما تقدم من النقل عنه، ولكنه قال في "تغليق التعليق" زيادة للاحتمالين المذكورين، أعني: الاختصار، والاختلاف في ابن إسحاق، قال: "وما انضاف إليه من عدم العلم بعدالة عقيل" وفي طريق أبي داود وغيره تصريح ابن إسحاق بالسماع له من صدقة، وصدقة وثقه ابن معين وأحمد وأبو داود وابن سعد وغيرهم، وروى له مسلم في "الصحيح". والرجل المذكور هو عباد بن بشر، كما في "الغوامض" "رقم ١٤٣"، والمستفاد" "ص٨٠- ط الشيخ حماد الأنصاري"، وسمي في رواية عند البيهقي في "الدلائل" "٣/ ٣٧٨-٣٧٩" من حديث صالح بن خوات عن أبيه، ولكن بإسناد واهٍ بمرة. ١ هل الانتظار لإدراك الداخل للركوع أمر دنيوي؟ أم هو لتكميل العبادة، ومثله يقال في التخفيف في المسائل بعده بدليل الحديث الآتي: "مخافة أن تفتن أمه" وفتنتها شغلها عن الصلاة. "د". ٢ يشير المصنف إلى ما أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة في الظهر، ١/ ٢١٢-٢١٣/ رقم ٨٠٢"، وأحمد في "المسند" "٤/ ٣٥٦"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "١/ ٣٣٧" من طريق محمد بن جحادة عن رجل عن ابن أبي أوفى أنه ﷺ كان ينتظر في صلاته ما سمع وقع نعل. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "١/ ٢٨-٢٩": "والرجل لا يعرف، وسماه بعضهم طرفة الحضرمي، وهو مجهول، أخرجه البزار وسياقه أتم، وقال الأزدي: طرفة مجهول" انتهى، فالحديث ضعيف. قال المزي في "تحفة الأشراف" "٤/ ٢٩١" في زياداته: "رواه أبو إسحاق الحميسي عن =
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الشَّيْخِ وَالضَّعِيفِ وَذِي الْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُ ﵊: "إني لأسمع بكاء
_________________
(١) = محمد بن جحادة عن كثير الحضرمي عن ابن أبي أوفى، وطوله". وقد وصله البيهقي في "الكبرى" "٢/ ٦٦"، ولكن وقع عنده "عن طرفة الحضرمي" بدل "كثير" فليتأمل، ويترجح ما عند البيهقي بأن كثير الحضرمي لما ذكره المزي في "تهذيب الكمال" لم يذكر في شيوخه عبد الله بن أبي أوفى، ولا محمد بن جحادة فيمن روى عنه، وقد جزم الحافظ الضياء بأن الذي لم يسمَّ في هذه الرواية هو"طرفة"، وكذا ذكر ابن حبان في "ثقات التابعين" "٤/ ٣٩٨" طرفة، وأنه يروي عن عبد الله بن أبي أوفى، ويروي عنه محمد بن جحادة، أفاده ابن حجر في "النكت الظراف" "٤/ ٢٩١" و"ترتيب مسند الإمام أحمد" "٣/ ٣٣٠". واللفظ الذي أوردناه آنفا هو ما ساقه ابن حجر في "التلخيص"، ولفظ أبي داود وأحمد: "كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم"، وهو أيضا يدل على قول المصنف: "انتظار الداخل ليدرك الركوع معه"، فتأمل. وينظر في فقه المسألة: "مختصر المزني" "١/ ١١٣"، و"المجموع" "٤/ ١٣٠"، و"تفسير القرطبي" "٥/ ١٨٠"، و"نيل الأوطار" "٣/ ١٤٧"- وفيها ما يدل على كراهية هذا الانتظار، وذهب بعض الشافعية إلى بطلان الصلاة بسببه-، و"قواعد الأحكام" "١/ ١٥١"، وفيه: " ومن أبطل الصلاة به فقد أبعد، فليت شعري ماذا يقول في الانتظار المشروع في صلاة الخوف، هل كان شركا ورياءً أو عملا صالحا لله تعالى؟! " قلت: يتأكد قوله بما ثبت في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي"، فهل هذا النقصان يناقض النية الخالصة الصحيحة، والنبي ﷺ يعلل ذلك بقوله: "ما أعلم من شدة وجد أمه لبكائه". وهل مقصد مالك بن الحويرث ﵁ كما ثبت عنه في "صحيح البخاري" "٢/ ١٦٣- الفتح" عندما كان يصلي بالناس ما يريد بصلاته إلا أن يعلمهم الرياء والسمعة؟ وهل في ذلك ما يناقض النية الصحيحة؟ وأخيرا عقد المجد ابن تيمية في كتابه "المنتقى" "باب إطالة الإمام الركعة الأولى وانتظار من أحس به داخلا ليدرك الركعة"، فانظره. ٣ أي: وما يكره عند مالك من انتظار الداخل حال الركوع، فقد قال به غيره. "د". قلت: وفي "ط": "وإن لم يعمل"
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الصَّبِيِّ" ١ الْحَدِيثَ.
وَكَرَدِّ السَّلَامِ٢ فِي الصَّلَاةِ٣، وَحِكَايَةِ المؤذن٤، وما أشبه ذلك مما هو
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "ص٢٤٨". ٢ وهل رد السلام وحكاية المؤذن أمر دنيوي؟ نعم، هو خارج عن حقيقة الصلاة إلا أنه ليس دنيويا، بل عبادة، وقوله: "بل لو كان شأن العبادة إلخ" يفيد أن ما ذكر قبله ليس عبادة، وأنه مما نحن فيه من مشاركة أمر دنيوي لقصد العبادة، وهو كما ترى. "د". ٣ أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، ١/ ٢٤٣-٢٤٤/ رقم ٩٢٧"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، ٢/ ٢٠٤/ رقم ٣٦٨"، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب المصلي يسلم عليه كيف يرد، ١/ ٣٢٥/ رقم ١٠١٧"، وأحمد في "المسند" "٢/ ٣٠"، والدارمي في "السنن" "١/ ٣١٦" بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه. وبسط جعفر بن عون "أحد الرواة" كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فقال المروزي في "المسائل" "ص٢٢": "قلت "يعني لأحمد": يسلم على القوم وهم في الصلاة؟ قال: نعم. فذكر قصة بلال حين سألة ابن عمر، كيف كان يرد؟ قال: كان يشير. قال إسحاق: كما قال". واختار هذا بعض محققي المالكية، فقال القاضي أبو بكر بن العربي في "العارضة" "٢/ ١٦٢": "قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي، فإن كانت لرد السلام، ففيها الآثار الصحيحة كفعل النبي ﷺ في قباء وغيره، وقد كنت في مجلس الطرطوشي، وتذاكرنا المسألة، وقلنا الحديث واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام وقال: ولعله كان يرد عليهم نهيا لئلا يشغلوه، فعجبنا من فقهه، ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب، على حسب ما بيناه في أصول الفقه"، أفاده شيخنا الألباني في "الصحيحة" "رقم ١٨٥". ٤ وحكاية الأذان في الصلاة لا تشرع عند الشافعي، وقالوا: فإذا فرغ منها قال الأذان، وقال ابن قدامة في "المغني" "١/ ٤٤٣- "الشرح الكبير": "دخل المسجد، فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله، وافتتح الصلاة، فلا بأس"، نص عليه أحمد.
[ ٢ / ٣٧١ ]
عَمَلٌ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، مَفْعُولٌ فِيهَا مَقْصُودٌ يُشْرِكُ قَصْدَ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَقْدَحُ فِي حَقِيقَةِ إِخْلَاصِهَا.
بَلْ لَوْ كَانَ شَأْنُ الْعِبَادَةِ أَنْ يَقْدَحَ فِي قَصْدِهَا قَصْدُ شيء آخر سواها، لَقَدَحَ فِيهَا مُشَارَكَةُ الْقَصْدِ إِلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى، كَمَا إِذَا جَاءَ الْمَسْجِدَ قَاصِدًا لِلتَّنَفُّلِ فِيهِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَالْكَفِّ عَنْ إِذَايَةِ النَّاسِ، وَاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ قَصْدٍ مِنْهَا شَابَ غَيْرَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ إِخْلَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقٍ، بَلْ كُلُّ قَصْدٍ مِنْهَا صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَحْمُودٌ شَرْعًا، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ غَيْرَ عِبَادَةٍ مِنَ الْمَأْذُونِ فِيهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، فَحُظُوظُ النُّفُوسِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْإِنْسَانِ١ لَا يُمْنَعُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ الْعِبَادَاتِ، إِلَّا مَا كَانَ بِوَضْعِهِ مُنَافِيًا لَهَا، كَالْحَدِيثِ٢، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالنَّوْمِ، وَالرِّيَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا مَا لَا مُنَافَاةَ فِيهِ، فَكَيْفَ يَقْدَحُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ؟ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُنَازَعُ فِي أَنَّ إِفْرَادَ قَصْدِ الْعِبَادَةِ عَنْ قَصْدِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَوْلَى٣، وَلِذَلِكَ إِذَا غَلَبَ قَصْدُ الدُّنْيَا عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ كان
_________________
(١) ١ وهي التي ليس فيها مراءاة الآخرين، بل محصورة بينه وبين نفسه، كمن يقصد في صومه "الحمية"، وفي اغتساله "التبرد"، وفي حجه "التفسح" وهذا مع وجود قصد التعبد أيضا، المهم أنه ليس في عمله مراعاة الآخرين، ولكن له مقاصد مصلحية غير مقاصد التعبد، وهذا ما فصلناه آنفا، وهو الذي قرره العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" "١/ ١٥١"، والقرافي في "الفروق" "٣/ ٢٢". ٢ في الأصل و"ط" "كالحدث". ٣ ودليله ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "١٣/ ٥١- شرح النووي" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة، تم لهم أجرهم". وهذا دليل آخر على صحة الانفكاك؛ إذ فيه قصد الغنيمة مع الجهاد، فينقص بذلك الأجر ولم يبطل بالكلية، كما قال ابن رجب. انظر: "الدين الخالص" "٢/ ٢٨٣" لصديق حسن خان، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٦/ ٢٩-٣٠".
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، فَلَمْ يُعْتَدْ بِالْعِبَادَةِ، فَإِنْ غَلَبَ قَصْدُ الْعِبَادَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ، وَيَقَعُ التَّرْجِيحُ فِي الْمَسَائِلِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لِلْمُجْتَهِدِ.
وَالثَّالِثُ:
مَا يُرْجَعُ إِلَى الْمُرَاءَاتِ، فَأَصْلُ هَذَا إِذَا قُصِدَ بِهِ نَيْلُ الْمَالِ أَوِ الْجَاهِ، فَهُوَ الرِّيَاءُ المذموم شرعا، وادعى مَا فِي ذَلِكَ فِعْلُ الْمُنَافِقِينَ الدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا بِقَصْدِ إِحْرَازِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَيَلِي ذَلِكَ عَمَلُ الْمُرَائِينَ الْعَامِلِينَ بِقَصْدِ نَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِطَالَةِ فِيهِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ إِصْلَاحًا لِلْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْعِبَادِ، كَالنِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي عُلِمَ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلَةِ، فَهُوَ حَظٌّ أَيْضًا قَدْ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ وَرَاعَاهُ١ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ بِالْقَوَانِينِ الْمَوْضُوعَةِ [لَهُ] ٢، وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، فَطَلَبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، فَكَانَ حَقًّا وصحيحا، هذا وجه.
_________________
(١) ١ فلا يأمر إلا بما فيه القيام بالمصلحة، ولا ينهى إلا عما يترتب عليه ضياع المصلحة، والقوانين التي وضعها لسائر المعاملات روعي فيها أنها تقوم بحفظ هذه المصالح والحظوظ العاجلة، وتدرأ المفاسد عنها، والنواهي عما نهى عنه إنما لحكمة أنه يجلب المفاسد ويضر باستقامة هذه الحظوظ. "د". ٢ ليست في الأصل.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وَوَجْهٌ ثانٍ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَبُ الْحَظِّ فِي ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْتِمَاسِهِ وَطَلَبِهِ، لَاسْتَوَى مَعَ الْعِبَادَاتِ كَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ إِلَى الِامْتِثَالِ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَادَاتِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَهَذَا كافٍ فِي كَوْنِ الْقَصْدِ إِلَى الْحَظِّ لَا يَقْدَحُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْهَا ذَلِكَ الْحَظُّ، بَلْ لَوْ فَرَضْنَا رَجُلًا تَزَوَّجَ لِيُرَائِيَ بِتَزَوُّجِهِ، أَوْ لِيُعَدَّ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، لَصَحَّ تَزَوُّجُهُ، مِنْ حَيْثُ لَمْ يشرع فيه نية العبادة من حيث هو تَزَوَّجَ فَيَقْدَحَ فِيهَا الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى مُجَرَّدًا.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ طَلَبُ الْحَظِّ فِيهَا سَائِغًا، لَمْ يَصِحَّ النَّصُّ عَلَى الِامْتِنَانِ بِهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الرُّومِ: ٢١] .
وَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يُونُسَ: ٦٧] .
وَقَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢] .
وَقَالَ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٣] .
وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النَّبَأِ: ١٠-١١] .
إِلَى آخِرِ الآيات، إلى غيبر ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى.
وَذَلِكَ أَنَّ مَا جَاءَ فِي مَعْرِضِ مُجَرَّدِ التَّكْلِيفِ لَا يَقَعُ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ كُلْفَةٌ وَخِلَافٌ لِلْعَادَاتِ١، وَقَطْعٌ لِلْأَهْوَاءِ، كَالصَّلَاةِ،
_________________
(١) ١ في الأصل: "العادات".
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، إِلَّا مَا نَحَا نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] بِخِلَافِ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَتُقْضَى بِهِ الْأَوْطَارُ، وَتُفْتَحُ بِهِ أَبْوَابُ التَّمَتُّعِ وَاللَّذَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَتُسَدُّ بِهِ الْخَلَّاتُ الْوَاقِعَةُ مِنَ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ، وَأَضْرَابِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ مُنَاسِبٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَى هَذَا الْبِسَاطُ الْأَخْذَ بِهَا مِنْ جِهَةِ مَا وَقَعَتِ الْمِنَّةُ بِهَا، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ عَلَى ذَلِكَ قَدْحًا فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا نَقْصًا مِنْ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، لكنهم مطالبون على أثر ذلك بالشكر الذي امْتَنَّ بِهَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ لَهَا بِقَصْدِ التَّجَرُّدِ عَنِ الْحَظِّ قَادِحًا أَيْضًا؛ إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْمَفْهُومُ مِنَ الشَّارِعِ إِثْبَاتَ الْحَظِّ وَالِامْتِنَانَ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يُقَالُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ أَخْذَهَا مِنْ حَيْثُ تَلْبِيَةِ الْأَمْرِ أَوِ الْإِذْنِ قَدْ حَصَلَ فِي ضِمْنِهِ الْحَظُّ وَبِالتَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نُدِبَ إِلَى التَّزَوُّجِ مَثَلًا فَأَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ النَّدْبِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ لَمْ يُنْدَبُ إِلَيْهِ لَتَرَكَهُ مَثَلًا، فَإِنَّ أَخْذَهُ مِنْ هُنَالِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِهِ أَخْذُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَظِّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ التَّنَاسُلَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ آثَارًا حَسَنَةً مِنَ التَّمَتُّعِ بِاللَّذَّاتِ، وَالِانْغِمَارِ فِي نِعَمٍ يَتَنَعَّمُ بِهَا الْمُكَلَّفُ كَامِلَةً، فَالتَّمَتُّعُ بِالْحَلَالِ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، فَكَانَ قَصْدُ هَذَا القاصد٢ بريئا من الحظ، وقد انجر
_________________
(١) ١ أي: فهو امتنان عليهم بأن يجعل ما يكرهونه خيرا لهم، وأصل القتال من التكاليف المجردة عن الحظوظ، يعني: وهذا النوع قليل الوقوع أن يمتن في مقام مجرد التكليف، وقد يقال: إن هذا لا يحتاج إلى استثناء؛ لأن الامتنان بشيء آخر غير نفس المكلف به المجرد عن الحظ، فليس امتنانا بنفس القتال، بل بأنه ﷾ تفضل علينا بأن يجعل من المكروه لنا أيا كان نوعه خيرا وفائدة عظمى حتى يصير ما نكرهه هو الخير الصرف. "د". ٢ في الأصل: "القاصدين".
[ ٢ / ٣٧٥ ]
فِي قَصْدِهِ الْحَظُّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ نَفْسَ التَّمَتُّعِ، فَلَا مُخَالَفَةَ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ، بَلْ لَهُ مُوَافَقَتَانِ: مُوَافَقَةٌ مِنْ جِهَةِ قَبُولِ مَا قَصَدَ الشَّارِعِ أَنْ يَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ، وَهُوَ التَّمَتُّعُ، وَمُوَافَقَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ فِي الْجُمْلَةِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْمُكَلَّفِ لَهُ فِي حُسْنِ الْأَدَبِ، فَكَانَ لَهُ تَأَدُّبٌ مَعَ الشَّارِعِ فِي تَلْبِيَةِ الْأَمْرِ، زِيَادَةً إِلَى حُصُولِ مَا قَصَدَهُ مِنْ نَيْلِ حَظِّ الْمُكَلَّفِ.
وَأَيْضًا١ فَفِي قَصْدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ الْقَصْدُ إِلَى الْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ مِنْ حُصُولِ النَّسْلِ، فَهُوَ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ ملبٍ لِلشَّارِعِ فِي هَذَا الْقَصْدِ، بِخِلَافِ طَلَبِ الْحَظِّ فَقَطْ، فَلَيْسَ لَهُ هذه المزية.
فإن قيل: فطالب الحظ على هَذَا الْوَجْهِ مَلُومٌ؛ إِذْ أَهْمَلَ قَصَدَ الشَّارِعِ فِي الْأَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلْهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ حِينَ أَلْقَى مَقَالِيدَهُ فِي نَيْلِ هَذِهِ الْحُظُوظِ لِلشَّارِعِ عَلَى الْجُمْلَةِ حَصَلَ لَهُ بِالضِّمْنِ مُقْتَضَى مَا قَصَدَ الشَّارِعُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ فِي نَيْلِ الْحُظُوظِ مُنَافِيًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ الْأَصْلِيِّ.
وَأَيْضًا، فَالدَّاخِلُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْحُظُوظِ دَاخِلٌ بِحُكْمِ الشَّرْطِ الْعَادِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَلِدُ٢، وَيَتَكَلَّفُ التَّرْبِيَةَ وَالْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ إِذَا أَتَى الْأَمْرُ مِنْ بَابِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهَا، لَكِنْ لَا يَسْتَوِي الْقَصْدَانِ: قَصْدُ الِامْتِثَالِ ابْتِدَاءً حَتَّى كَانَ الْحَظُّ حَاصِلًا بِالضِّمْنِ، وَقَصْدُ الْحَظِّ ابْتِدَاءً حَتَّى صَارَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ بِالضِّمْنِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَصْدَ الْحَظِّ فِي هَذَا القسم.
_________________
(١) ١ موافقة ثالثة. "د". ٢ كذا في "ط" فقط، وفي غيره: "لم يلد"، وكتب "د" بناء عليه: "اللائق بالمقام حذف "لم"، أي: فالذي يقصد التمتع فقط بالنكاح داخل ضمنا وبحسب العادة على أنه سيلد، ويتكلف تربية الأولاد، والإنفاق على الزوجات، فهو قاصد ضمنا لمقصد الشارع الأصلي من النكاح، وهو النسل".
[ ٢ / ٣٧٦ ]
غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَمَلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَطَالِبُ الْحَظِّ إِذَا فَرَضْنَاهُ لَمْ يَقْصِدْ الِامْتِثَالَ عَلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ حَظَّهُ مُجَرَّدًا، بِحَيْثُ لَوْ تَأَتَّى لَهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَأَخَذَ بِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، فَهَلْ يَكُونُ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ فِي حَقِّهِ مَوْجُودًا بِالْقُوَّةِ أَمْ لَا؟
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ لَهُ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى حَظِّهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، فَرُجُوعُهُ إِلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ قَصْدٌ إِلَيْهِ، وَقَصْدُ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ يَتَضَمَّنُ امْتِثَالَ الْأَمْرِ أَوِ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ، وَهُوَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ الْأَصْلِيُّ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِي مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ بِالْحَظِّ وَالْهَوَى بِحَيْثُ [لَوْ] ١ يَكُونُ قَصْدُ الْعَامِلِ تَحْصِيلَ مَطْلُوبِهِ وَافَقَ الشَّارِعُ أَوْ خَالَفَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْحَقِّ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالشَّوَاهِدُ عَلَيْهِ أَظْهَرُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا كَوْنُهُ عَامِلًا عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ عَامِلٌ بِالْهَوَى لَا بِالْحَقِّ، وَأَمَّا عَمَلُهُ عَلَى غَيْرِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ فَلَيْسَ عَامِلًا بِالْهَوَى بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ الْعَامِلَ بِالْجَهْلِ فَيُخَالِفُ أَمْرَ الشَّارِعِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّاسِي، فَلَا يُنْسَبُ عَمَلُهُ إِلَى الْهَوَى هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ، وإذا وافق أمر الشرع جهلا، فسيأتي أنه يَصِحَّ عَمَلُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا يَكُونُ عَمَلُهُ بِالْهَوَى أَيْضًا، وَإِلَى هَذَا، فَالْعَامِلُ بِالْهَوَى إِذَا صَادَفَ أَمْرَ الشَّارِعِ فَلِمَ تَقُولُ: إِنَّهُ عَامِلٌ بِالْهَوَى وَقَدْ وَافَقَ قَصْدُهُ مَعَ مَا مَرَّ آنِفًا أَنَّ مُوَافَقَةَ أَمْرِ الشَّارِعِ تُصَيِّرُ الْحَظَّ مَحْمُودًا.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ عَلَى غَيْرِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا له، بل الحالات ثلاث:
_________________
(١) ١ زيادة من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة كلها، ومن "ط".
[ ٢ / ٣٧٧ ]
حَالٌ يَكُونُ فِيهَا قَاصِدًا لِلْمُوَافَقَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يُصِيبَ بِإِطْلَاقٍ، كَالْعَالِمِ يَعْمَلُ عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمَ، فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ يُصِيبُ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ أَوْ لَا يُصِيبُ، فَهَذَانِ قِسْمَانِ يَدْخُلُ فِيهِمَا الْعَامِلُ بِالْجَهْلِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ إِذَا ظَنَّ فِي تَقْدِيرِهِ أَنَّ الْعَمَلَ هَكَذَا، وَأَنَّ الْعَمَلَ مَأْذُونٌ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ، لَمْ يَقْصِدْ مُخَالَفَةً، لَكِنْ فَرَّطَ فِي الِاحْتِيَاطِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ١، فَيُؤَاخَذُ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ لَا يُؤَاخَذُ إِذَا لَمْ يُعَدَّ مُفَرِّطًا٢، وَيَمْضِي عَمَلُهُ إِنْ كَانَ مُوَافِقًا.
وَأَمَّا إِذَا قَصَدَ مُخَالَفَةَ أَمْرِ الشَّارِعِ، فَسَوَاءٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَافَقَ أَوْ خَالَفَ [فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَتِهِ كَمَا] لَا اعْتِبَارَ بِمَا يُخَالِفُ فِيهِ٣ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ الْقَصْدَ بِإِطْلَاقٍ، وَفِي الْعَادَاتِ الْأَصْلُ اعْتِبَارُ مَا وَافَقَ٤ دُونَ مَا خَالَفَ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَتِهِ فِي الْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ وَلَا مُخَالَفَتِهِ، كمن عقد
_________________
(١) ١ في الأصل: "في ذلك"، وفي "ط": "على ذلك". ٢ عقد القرافي الفرق الثالث والتسعين بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح، وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه وبنى الفرق على قاعدة هي ما حكاه الإمام الشافعي في رسالته والإمام الغزالي في "إحيائه" أن الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، ثم عقد الفرق الرابع والتسعين بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وقاعدة ما يكون عذرا فيه، وخلاصة الفرق بينهما أن الجهل المعفو عنه ما يتعذر الاحتراز عنه. عادة وغير المعفو عنه ما لا يتعذر الاحتراز عنه في العادة. "خ". قلت: انظر أيضا في العذر بالجهل وحده: "طريق الهجرتين" "٤١٢-٤١٤"، و"تفسير الآلوسي" "١/ ١٥٤" و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "٣/ ٢١و ١١/ ٤٠٦-٤٠٧ و٢٠/ ٥٩-٦١ و١٩/ ٢٣، ٢١٩"، و"الإحكام" "٥/ ١١١ -١١٤" لابن حزم. ٣ في الأصل: "بما وافق أو خالف فيه"، وفي "خ": "بما يخالف". ٤ أي: فما فعله على نية المخالفة، ولكنه صادف موافقة الطريق المشروع كان معتبرا، أي غير باطل، فتنسحب عليه أحكام الصحيح، وأما إذا صادف مخالفة المشروع، فهو باطل لا يأخذ حكم المشروع، وقوله: "لأن ما لا تشترط النية إلخ" توجيه لا عتبار ما وافق مع كونه ناويا المخالفة. "د".
[ ٢ / ٣٧٨ ]
عَقْدًا يَقْصِدُ أَنَّهُ فَاسِدٌ فَكَانَ صَحِيحًا، أَوْ شَرِبَ جُلَّابًا يَظُنُّهُ خَمْرًا، إِلَّا أَنَّ عَلَيْهِ فِي قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ دَرْكَ الْإِثْمِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةً وَلَا مُخَالَفَةً، فَهُوَ الْعَمَلُ عَلَيَّ مُجَرَّدِ الْحَظِّ أَوِ الْغَفْلَةِ، كَالْعَامِلِ وَلَا يَدْرِي مَا الَّذِي يَعْمَلُ، أَوْ يَدْرِي وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ١ مُجَرَّدَ الْعَاجِلَةِ، مُعْرِضًا عَنْ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، لِعَدَمِ نِيَّةِ الِامْتِثَالِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفُ النَّاسِي وَلَا الْغَافِلُ وَلَا غَيْرُ الْعَاقِلِ، وَفِي الْعَادَاتِ الصِّحَّةُ إِنْ وَافَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ، وَإِلَّا، فَعَدَمُ الصِّحَّةِ.
وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَظَرٌ إِذْ يُقَالُ: إِنَّ الْمَقْصِدَ٢ هُنَا لَمَّا انْتَفَى، فَالْمُوَافَقَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِإِمْكَانِ الِاسْتِرْسَالِ بِهَا فِي الْمُخَالَفَةِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَحْجُورِ، كَالطِّفْلِ وَالسَّفِيهِ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ إِلَى مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي إِصْلَاحِ الْمَالِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ بِعَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ وَافَقَتِ الْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ بِنُفُوذِ مَا وَافَقَ الْمَصْلَحَةَ مِنْهَا لَا مَا خَالَفَهَا، عَلَى تَفْصِيلٍ أَصْلُهُ هَذَا النَّظَرُ، وَهُوَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَصْدِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ مُنْتَهِضٍ، فَهُوَ بِهَذَا الْقَصْدِ مُخَالِفٌ لِلشَّارِعِ، وَقَدْ يُقَالُ: الْقَصْدُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ، وَقَدْ نَشَأَ هُنَا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ مُوَافَقَةُ قَصْدِ الشَّارِعِ، فَصَحَّ.
فَصْلٌ:
حَيْثُ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ وَإِنْ خَالَفَ الْقَصْدُ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَإِنَّ مَا مَضَّى الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نَوْعِ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الإطلاق، لكن بالتفسير المقدم٣، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في "د": "قصده". ٢ في "ط": "القصد". ٣ وهو عدم ترتب الآثار الأخروية عليه من مرجو الثواب. "د".
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
الْمَطْلُوبُ الشَّرْعِيُّ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا كان من قبيل العادات الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْخَلْقِ، فِي الِاكْتِسَابَاتِ وَسَائِرِ الْمُحَاوَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، الَّتِي هِيَ طُرُقُ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، كَالْعُقُودِ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَالتَّصَارِيفِ الْمَالِيَّةِ عَلَى تَنَوُّعِهَا.
وَالثَّانِي:
مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمُكَلَّفِ، مِنْ جِهَةِ تَوَجُّهِهِ إِلَى الْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ:
فَالنِّيَابَةُ فِيهِ صَحِيحَةٌ١، فَيَقُومُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَنُوبُ مَنَابَهُ٢ فِيمَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ مَنَابَهُ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ لَهُ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُ، بِالْإِعَانَةِ وَالْوِكَالَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا الْمُكَلَّفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَالِحَةٌ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا سِوَاهُ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارَةِ٣، وَالْخِدْمَةِ، وَالْقَبْضِ، وَالدَّفْعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِحِكْمَةٍ لَا تَتَعَدَّى الْمُكَلَّفَ عَادَةً أَوْ شَرْعًا، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاللُّبْسِ، وَالسُّكْنَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ، وَكَالنِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ التَّابِعَةِ لَهُ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا شَرْعًا، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مَفْرُوغٌ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ؛ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ لَا تَتَعَدَّى صَاحِبَهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وُجُوهُ الْعُقُوبَاتِ وَالِازْدِجَارِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الزَّجْرِ لَا يَتَعَدَّى صَاحِبَ الْجِنَايَةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى الْمَالِ، فَإِنَّ النِّيَابَةَ فِيهِ تَصِحُّ، فَإِنْ كان دائرا بين الأمر المالي
_________________
(١) ١ في نسخة "ماء/ ص ١٩٦": "تصح". ٢ في الأصل: "ويقوم مقامه". ٣ في الأصل و"خ" و"ماء/ ص١٩٧": "والاستجارة".
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وَغَيْرِهِ، فَهُوَ مَجَالُ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، كَالْحَجِّ١ وَالْكَفَّارَاتِ، فَالْحَجُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ، أَوِ الْمَالُ، فَتَصِحُّ، وَالْكَفَّارَةُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا زَجْرٌ فَتَخْتَصُّ، أَوْ جَبْرٌ فَلَا تَخْتَصُّ، وَكَالتَّضْحِيَةِ٢ فِي الذَّبْحِ بِنَاءً عَلَى مَا بُنِيَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ حِكْمَةَ الْعَادِيَّاتِ إِنِ اخْتُصَّتْ بِالْمُكَلَّفِ، فَلَا نِيَابَةَ، وَإِلَّا، صَحَّتِ النِّيَابَةُ، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي:
فَالْتَعَبُّدَاتُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَقُومُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُغْنِي فِيهَا عَنِ الْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ، وَعَمَلُ الْعَامِلِ لَا يُجْتَزَى بِهِ غَيْرُهُ٣، وَلَا يُنْتَقَلُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ إِنْ وُهِبَ، وَلَا يُحْمَلُ إِنْ تَحَمَّلَ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ الْقَطْعِيِّ نَقْلًا وَتَعْلِيلًا٤.
فَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) ١ التمثيل بالحج هنا غير واضح؛ لأن تقدير كلامه إن كان الأمر العادي دائرا بين المال والعقوبة كالكفارات، فهو مجال نظر، وليس الحج كذلك، بل هو أمر عبادي وفيه نوع ارتباط بالمال، فإذا تغلب أحدهما روعي، ومثله يقال في الضحية، ولو أنه جعل التقسيم إلى ثلاثة أضرب، فأضاف إلى هذين الضربين ضربا يدور بين العبادة والأمور المالية لكان أوجه. "د". ٢ في الأصل و"خ" و"ط": "الضحية". ٣ فصل هذه المعاني وإن كانت متقاربة أو متلازمة لتأتي الأدلة في الآيات بعدها على طبقها صراحة، فعليك بتطبيق الأدلة على تلك المعاني. "د". ٤ انظر في تفصيل ذلك: "المغني" "٥/ ٩٢"، و"المجموع" "٣/ ١٥"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٨/ ١٤٢-١٤٣ و٢٤/ ٣٠٦-٣١٣"، و"الفروق" "٣/ ١٨٨"، و"بداية المجتهد" "١/ ٢٧٣"، و"فتاوى ابن رشد" "٣/ ١٤٤٢-١٤٤٦"، و"فتح القدير" "٣/ ١٤٤-١٤٥"، و"حاشية ابن عابدين" "١/ ٣٥٥".
[ ٢ / ٣٨١ ]
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٤] .
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٩] .
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] فِي مَوَاضِعَ.
وَفِي بَعْضِهَا: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فَاطِرٍ: ١٨] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِه﴾ [فَاطِرٍ: ١٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٢] .
[وَقَالَ] ١: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُم﴾ [الْقِصَصِ: ٥٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢] .
وَأَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا يَمْلِكُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٩]، فَهَذَا عَامٌّ فِي نَقْلِ الْأُجُورِ أَوْ حَمْلِ الْأَوْزَارِ وَنَحْوِهَا.
وَقَالَ: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] .
وَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ الآية: [البقرة: ٤٨] .
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
وَفِي الْحَدِيثِ حِينَ أَنْذَرَ ﵊ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ: "يَا بَنِي فُلَانٍ! إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" ١.
وَالثَّانِي:
الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ مَقْصُودَ الْعِبَادَاتِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهِ، وَالتَّذَلُّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالِانْقِيَادُ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِذِكْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ حَاضِرًا مَعَ اللَّهِ، وَمُرَاقِبًا لَهُ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ سَاعِيًا فِي مَرْضَاتِهِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ، وَالنِّيَابَةُ تُنَافِي هَذَا الْمَقْصُودَ وَتُضَادِّهِ٢؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونِ الْعَبْدُ عَبْدًا، وَلَا الْمَطْلُوبُ بِالْخُضُوعِ وَالتَّوَجُّهِ خَاضِعًا وَلَا مُتَوَجِّهًا، إِذَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْخَاضِعُ الْمُتَوَجِّهُ، وَالْخُضُوعُ وَالتَّوَجُّهُ وَنَحْوُهُمَا إِنَّمَا هُوَ اتِّصَافٌ بِصِفَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالِاتِّصَافُ لَا يَعْدُو الْمُتَّصِفَ بِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالنِّيَابَةُ إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنْ يَكُونَ الْمَنُوبَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِبِ، حَتَّى يُعَدُّ الْمَنُوبُ عَنْهُ مُتَّصِفًا بِمَا اتَّصَفَ بِهِ النَّائِبُ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِي الْعِبَادَاتِ كَمَا يَصِحُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّ النَّائِبَ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ مثلا لما قام مقام المديان صار المديان مُتَّصِفًا بِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِدِينِهِ، فَلَا مُطَالَبَةَ لِلْغَرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ، وَهَذَا فِي التَّعَبُّدِ لَا يُتَصَوَّرُ مَا لَمْ يَتَّصِفْ الْمَنُوبُ عَنْهُ بِمِثْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِ النَّائِبُ، وَلَا نِيَابَةَ إِذْ ذَاكَ عَلَى حَالٍ.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّهُ لَوْ صَحَّتِ النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ٣ لَصَحَّتْ فِي الْأَعْمَالِ.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية، ٦/ ٥٥١/ رقم ٣٥٢٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ١/ ١٩٢-١٩٣/ رقم ٢٠٤، ٢٠٦" عن أبي هريرة وفيه طول، والمذكور نحوه. ٢ نحوه في "الفروق" "٢/ ٢٠٥"، و"قواعد الأحكام" "١/ ١٣٥". ٣ إنما جعلها هي الملزوم ومناط الاستدلال في هذا الوجه-وإن كان الأصل فيما سبق =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
الْقَلْبِيَّةِ، كَالْإِيمَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، وَالرِّضَى وَالتَّوَكُّلِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنِ التَّكَالِيفُ مَحْتُومَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَيْنًا لِجَوَازِ النِّيَابَةِ، فَكَانَ يَجُوزُ أَمْرُهُ ابْتِدَاءً عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالِاسْتِنَابَةِ، وَلَصَحَّ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَصَالِحِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَعْيَانِ مِنَ الْعَادِيَّاتِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالْوِقَاعِ وَاللِّبَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَفِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرَاتِ وَأَشْبَاهِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُخْتَصَّةٌ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ التَّعَبُّدَاتِ.
وَمَا تَقَدَّمَ١ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ كُلِّهَا عُمُومَاتٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ؛ لِأَنَّهَا مُحْكَمَاتٌ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ٢ احْتِجَاجًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَرَدًّا عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ حَمْلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ أَوْ دَعْوَاهُمْ ذَلِكَ عِنَادًا، وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِي هَذَا
_________________
(١) = عاما- لأنها بقطع النظر عن الأدلة هي التي يتوهم فيها ذلك، ويظهر أثره فيها بالقيام بالنيابة وعدم القيام بها بخلاف القلبية، فلا يظهر ذلك فيها، ولا يعقل فيها النيابة رأسا، فلا يعقل أن يقوم أحد عن أحد بالإيمان مثلا، وقوله: "ولم تكن التكاليف إلخ"، أي: مطلقا بدنية أو قلبية، وقوله: "وكل ذلك باطل"، أي: اللوازم الثلاثة باطلة، أي: فالملزوم مثلها، وعليه يكون قوله: "مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُخْتَصَّةٌ" راجعا لخصوص الدليل الثالث، أي أن التعبدات مختصة بالمكلف بها كما سبق بيانه، فتكون كالعاديات المختصة كالأكل والوقاع مثلا، فلما كانت هذه لا نيابة فيها كانت جميع التعبدات لا نيابة فيها، ويصح أن يعود قوله: "وكل ذلك باطل" إلى ما دخل تحت قوله: "ولصح مثل ذلك في المصالح المختصة وفي الحدود وأشباهها"، ويكون حذف بطلان اللازم من الدليلين الأولين. "د". قلت: انظر في معنى ما قرر المصنف: "حاشية الدسوقي" "٢/ ١٨". ١ لو قدم هذا على الثاني، وهو المعنى ليكون تكميلا للدليل الأول وهو النصوص، لكان أنسب وإن كان وجه تأخره ارتباطه بالإشكال بعده، حيث يقول فيه: "وتبين أن ما تقدم في الكلية ليست على العموم". "د". ٢ أي: ما عدا الآية الأخيرة، فإنها من سورة البقرة. "د".
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الْمَعْنَى، لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وَلَمَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِهَا حُجَّةٌ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعُمُومَ إِذَا خُصَّ لَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي، فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، فَلِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا تَأَمَّلَ النَّاظِرُ الْعُمُومَاتِ الْمَكِّيَّةَ وَجَدَ عَامَّتَهَا١ عَرِيَّةً عَنِ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُعَارِضَةِ، فَيَنْبَغِي لِلَبِيبٍ أَنْ يَتَّخِذَهَا عُمْدَةً فِي الْكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا؟ وَقَدْ جَاءَ فِي النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَاكْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ مِنَ الْغَيْرِ، وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا:
الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مِنْهَا أَنَّ "الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ" ٢.
وَأَنَّ "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً، كَانَ له أجرها أو عليه وزرها" ٣.
_________________
(١) ١ سيأتي لذلك في الأدلة مبحث واسع شاف، وقوله: "الأمور المعارضة"، أي: العشرة المشهورة التي منها الإضمار والحقيقة والمجاز إلخ، والكلام يحتاج إلى دقة في وزنه وتطبيقه، وسيأتي في محله. "د". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، ٣/ ١٥٢/ رقم ١٢٩٠"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ٢/ ٦٣٨/ رقم ٩٢٧"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجنائز باب النياحة على الميت، ٤/ ١٦-١٧"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت/ رقم ١٠٠٢"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الجنائز، باب ما جاء في الميت يعذب بما نيح عليه / رقم ١٥٩٣" عن عمر موقوفا. وانظر في معنى الحديث وتوجيهه: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٤/ ٣٦٩-٣٧٨"، و"عمدة القاري" "٤/ ٧٩"، و"تهذيب السنن" "٤/ ٢٩٠-٢٩٣" لابن القيم، و"مجموعة الرسائل المنيرية" "٢/ ٢٠٩". ٣ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، ٢/ ٧٠٤-٧٠٥/ رقم ١٠١٧" من حديث جرير ﵁، ومضى "١/ ٢٢٢". قلت: وفي "خ" كان الحديث: "كان عليه وزرها وله أجرها".
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وَأَنْ "الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ" ١
وَأَنَّهُ "مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا" ٢.
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورِ: ٢١] .
وَفُسِّرَ بِأَنَّ الْأَبْنَاءَ يُرْفَعُونَ إِلَى مَنَازِلِ الْآبَاءِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ بِأَعْمَالِهِمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" ٣.
وَفِي رِوَايَةٍ: "أَفَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يُجْزِئُهُ"؟ قَالَتْ: نَعَمْ: قَالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، ٣/ ١٢٥٥/ رقم ١٦٣١"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت، ٦/ ٢٥١"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأحكام، باب في الوقف،٣/ ٦٦٠/ رقم ١٣٧٦"- وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الوصايا، باب ما جاء في الصدقة عن الميت، ٣/ ١١٧/ رقم ٢٨٨٠"، وأحمد في "المسند" "٢/ ٣٧٢"، والبخاري في "الأدب المفرد" "رقم ٣٨" عن أبي هريرة مرفوعا، ولفظ مسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا في ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته- ٦/ ٣٦٤/ رقم ٣٣٣٥"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، ٣/ ١٣٠٣-١٣٠٤/ رقم ١٦٧٧" من حديث ابن مسعود ﵁، وتقدم "١/ ٢٢٢". ٣ أخرج الرواية الأولى البخاري في "الصحيح" "كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، ٤/ ٦٦/ رقم ١٨٥٣، ١٨٥٤"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، ٢/ ٩٧٣/ رقم ١٣٣٤" من حديث ابن عباس ﵄. وفي "ط": "فريضة الله الحج أدركت ". وأخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، ٤/ ٦٤/ رقم ١٨٥٢" نحو الرواية الثانية من حديث ابن عباس ﵄ أيضا.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
"وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلَيُّهُ" ١.
وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ. قَالَ: "فَاقْضِهِ عَنْهَا" ٢.
وَقَدْ قَالَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُبَرَاءُ وَعُلَمَاءُ، وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا بِجَوَازِ هِبَةِ الْعَمَلِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ الْمَوْهُوبَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ نَوْعِهَا، وَتَبَيِّنَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَتْ عَلَى الْعُمُومِ، فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً.
وَالثَّانِي:
أَنَّ لَنَا قَاعِدَةً يُرْجَعُ إِلَيْهَا غَيْرَ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَهِيَ قَاعِدَةُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْغَيْرِ، وَهَى عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ صَدَقَةً إِذَا قُصِدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ، فَإِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ، أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنِ الْمُتَصَدَّقِ عنه وانتفع
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب من مات وعليه صوم، ٤/ ١٩٢ / رقم ١٩٥٢"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، ٢/ ٨٠٣/ رقم ١١٤٧"، وأبو داود في "السنن":"كتاب الصوم، باب فيمن مات وعليه صيام، ٢/ ٧٩١-٧٩٢/ رقم ٢٤٠٠"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٦٩" والبيهقي في الكبرى" "٤/ ٢٥٥" وغيرهم من حديث عائشة ﵂. ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، ١١/ ٥٨٣/ رقم ٦٦٩٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب النذر، باب الأمر بقضاء النذر، ٣/ ١٢٦٠ / رقم ١٦٣٨" أن ابن عباس قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فاقضه عنها".
[ ٢ / ٣٨٧ ]
بِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مَيِّتًا، فَهَذِهِ عِبَادَةٌ حَصَلَتْ فِيهَا النِّيَابَةُ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرْضًا كَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ إِخْرَاجَهَا عَنِ الْغَيْرِ جَائِزٌ وَجَازَ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَالزَّكَاةُ أُخَيَّةُ الصَّلَاةِ١.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ لَنَا قَاعِدَةً أُخْرَى مُتَّفَقًا عَلَيْهَا أَوْ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا٢، وَهَى تَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ لِلدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ حَاصِلَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُتْلِفَ زَيْدٌ فَيُغَرَّمُ عَمْرٌو، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ فِي أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَمِنْهُ أَيْضًا نِيَابَةُ الْإِمَامِ عَنِ الْمَأْمُومِ فِي الْقِرَاءَةِ وَبَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ مِثْلَ الْقِيَامِ، وَالنِّيَابَةُ عَنْهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ خُضُوعٌ لِلَّهِ وَتَوَجُّهٌ إِلَيْهِ، وَالْغَيْرُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مَلَائِكَةً عِبَادَتُهُمْ الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصًا وَلِمَنْ فِي الْأَرْضِ عُمُومًا، وَقَدِ اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبَوَيْهِ٣ حَتَّى نَزَلَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] .
_________________
(١) ١ جملة خطابية، يقوى بها الإشكال ليجري فيما ليس فيه شائبة مالية. "د". ٢ المخالف فيها قليل، راجع "إعلام الموقعين" "٢/ ١٦-١٧" ط محمد عبد الحميد. ٣ الثابت أن النبي ﷺ أراد أن يستغفر لأمه، فلم يأذن له ربه ﷿، وأما سبب النزول، فقيل: نزلت في ذلك كما عند الطبري في "التفسير" "١١/ ٤٣" من مرسل قتادة، وعن ابن عباس عنده أيضا "١١/ ٤٢" بإسناد ضعيف، فيه عطية العوفي. والنهي عن الاستغفار ثابت في غير حديث، منها: ما أخرجه مسلم في "الصحيح" "٢/ ٦٧٢ بعد ٩٧٧/ ١٠٦" -ولم يسبق لفظه- والترمذي في "الجامع" "٣/ ٣٧٠/ رقم ١٠٥٤" مختصرا، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "١/ ١١٧"، وأحمد في "المسند" "٥/ ٣٥٥ و٣٥٦"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ٣٧٦"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٤/ ٧٦" و"الدلائل" "١/ ١٨٩"، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" "رقم ٦٥٢ و٦٥٣ و٦٦٤"، والجورقاني في الأباطيل" "١/ ٢٢٩-٢٣٠"، والطبري في "التفسير" "١١/ ٤٢" وابن مردويه عن بريدة، أن النبي ﷺ لما قدم مكة، أتي رسم قبر فجلس عليه، فجعل =
[ ٢ / ٣٨٨ ]
_________________
(١) يخاطب، ثم قام مستعبرا، فقلنا: يا رسول الله! إنا رأينا ما صنعت، قال: "إني استأذنت ربي في زيارة أمي فأذن لي، وأستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي". وما أخرجه مسلم "كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة قبر أمه، ٢/ ٦٧١/ رقم ٩٧٦ و٩٧٧"، وأبو داود "كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، ٣/ ٢١٨/ رقم ٣٢٣٥"، والنسائي "كتاب الجنائز، باب زيارة قبر المشرك، ٤/ ٩٠"، وعنه الجورقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" "١/ ٢٣٠"، وابن ماجه "كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين، ١/ ٥٠١/ رقم ١٥٧٢"، وأحمد في "المسند" "٢/ ٤٤١"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "٣/ ٨٩"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٤/ ٧٦ و٧/ ١٩٠"، و"دلائل النبوة" "١/ ١٩٠"، والبغوي في "شرح السنة" "٥/ ٤٦٣/ رقم ١٥٥٤"، و"معالم التنزيل" "٣/ ١١٥" من طريقين عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة "أنه ﷺ استأذن في الاستغفار لأمه، فلم يؤذن له". والصحيح في سبب النزول أنها نزلت في عمه أبي طالب. أخرج البخاري "كتاب التفسير، باب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين﴾، ٨/ ٣٤١/ رقم ٤٦٧٥، وباب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ٨/ ٥٠٦/ رقم ٤٧٧٢"، ومسلم "كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع -وهو الغرغرة-ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل، ١/ ٥٤/ رقم ٢٤"، والنسائي في "السنن الكبرى" "كتاب التفسير ١/ ٥٦١/ رقم ٢٥٠ و٢/ ١٤٤/ رقم ٤٠٣"، وكما في "تحفة الأشراف" "٨/ ٣٨٧"، و"المجتبى" "٤/ ٩٠-٩١"، وأبو عوانة في "المسند" "١/ ١٤-١٥"، وأحمد في "المسند" "٥/ ٤٣٣"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "٣/ ١٨٧"، وابن منده في "الإيمان" "رقم ٣٧"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم ٩٧٨- الإحسان"، وابن جرير في "التفسير" "١١/ ٣٠ و٢٠/ ٥٩"، والبيهقي في "الدلائل" "٢/ ٣٤٢-٣٤٣"، والبغوي في "شرح السنة" "٥/ ٥٥-٥٦"، وابن البناء في "فضل التهليل" "رقم ٤٧"، والواحدي في "أسباب النزول" "١٧٧" من طرق عدة عن الزهدي عن سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن، قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الملك =
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَقَالَ فِي ابْنِ أُبَيٍّ: "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" ١ حَتَّى نَزَلَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٠]، [وَنَزَلَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية] ٢ [التوبة: ٨٤] .
وَإِنْ كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يُنه عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ كَانَ حَيًّا مِنْهُمْ، وَقَالَ ﵊: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" ٣.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ مِمَّا عُلِمَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةٌ.
وَالرَّابِعُ:
إِنَّ النِّيَابَةَ فِي الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ غَيْرُ الْعِبَادَاتِ٤ صَحِيحَةٌ، وكذلك
_________________
(١) = ابن أبي أمية بن المغيرة، فقال: "أي عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجَّ لك بها عند ال له؟ " فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين﴾، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ . وهذا لفظ البخاري في الموطن الثاني. ١ بل قالها في عمه أبو طالب، كما تقدم في الحديث السابق. ٢ ما بين المعقوفتين سقط من "ط". ٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأنبياء، باب منه، ٦/ ٥١٤/ رقم ٣٤٧٧، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: منه ١٢/ ٢٨٢/ رقم ٦٩٢٩"، ومسلم في "صحيحه" كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٧/ رقم ١٧٩٢" عن ابن مسعود ﵁، والمذكور لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "رب اغفر ". ٤ ليس محل نزاع، ولكنه جاء به لتوسيع المجال في الإشكال، وأنها لكونها مشروعة جازت فيهم النيابة، فإذن كل ما كان مشروعا تجوز فيه النيابة، ومنه العبادات، ولا يخفى عنك أن أهم شيء في هذا الوجه ما يتعلق بالجهاد من جهة كونه عبادة، وأما مجرد مشروعيته التي جاء بها؛ ليجعلها كَعِلَّة للقياس، فهي ضعيفة. "د".
[ ٢ / ٣٩٠ ]
بَعْضُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْنًا، وَكَذَلِكَ الْمَالِيَّةُ، وَأَوَّلُهَا الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ غَيْرَهُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ، إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ، وَالْجِهَادُ عِبَادَةٌ، فَإِذَا جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَلْتُجْزَ فِي بَاقِي الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَشْرُوعٌ.
وَالْخَامِسُ:
إِنَّ مَآلَ الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ أَنْ يُجَازَى عَلَيْهَا، وَقَدْ يُجَازَى الْإِنْسَانُ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ، خَيْرًا كَانَ الْجَزَاءُ أَوْ شَرًّا، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَعِرْضِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ بِاكْتِسَابٍ١ كُفِّرَ بِهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وأُخِذ بِهَا مِنْ أَجْرِ غَيْرِهِ، وَحَمَلَ غَيْرُهُ وَزِرَهُ، وَ[لَوْ] لَمْ يَعْمَلْ بِذَلِكَ٢، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجِدَ أَلَمَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْمُفْلِسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ٣، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ اكْتِسَابٍ، فَهِيَ كَفَّارَاتٌ فَقَطْ، أَوْ كَفَّارَاتٌ وَأُجُورٌ، وَكَمَا جَاءَ فِيمَنْ "غَرَسَ غَرْسًا أَوْ زرع زرعا يأكل منه
_________________
(١) ١ أي: اكتساب الغير، وقوله: "بغير اكتساب"، أي: بأن كانت من الله محضا. "د". ٢ لعل الأصل: "وإن لم يعلم بذلك" ليلتئم مع قوله: "فضلا عن أن يجد ألمه". "د". ٣ أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٧/ رقم ٢٥٨١"، والترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص ٤/ ٦١٣/ رقم ٢٤١٨"، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأحمد في المسند" "٢/ ٣٣٤"، والبغوي في "شرح السنة" "١٤/ ٣٦٠/ رقم ٤١٦٤"، وعبد الغني المقدسي في "ذكر النار" "رقم ٦" عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس"؟. قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
[ ٢ / ٣٩١ ]
إِنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ أَنَّهُ لَهُ أَجْرٌ" ١ وَفِيمَنِ "ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَكَلَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، أَوْ شَرِبَ فِي نَهْرٍ، أَوِ استنَّ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، فَهِيَ لَهُ حَسَنَاتٌ" ٢، وَسَائِرُ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: النِّيَّاتُ الَّتِي تَتَجَاوَزُ الْأَعْمَالَ٣ كَمَا جَاءَ: "إِنَّ الْمَرْءَ يُكْتَبُ لَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ أَوِ الْجِهَادُ إذا حبسه عنه عذر" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الحرث والمزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، ٥/ ٣/ رقم ٢٣٢٠، وكتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٤٣٨/ رقم ٦٠١٢"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب فضل الغرس والزرع ٣/ ١١٨٩/ رقم ١٥٥٣" عن أنس مرفوعا بلفظ: "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة". ٢ مضى تخريجه "ص٣٤٠"، وهو قطعة من حديث في "الصحيحين"، قال "د": "لعلها رواية بالمعنى، وإلا، فما تقدم له في الفصل الثاني من المسألة الخامسة يقتضي أن قوله: "ولم يرد ذلك" راجع إلى خصوص الشرب، نعم، إن ذلك هو مناط الإشكال؛ لأنه لو قصد شيئا من ذلك لم يكن فيه ما يعترض به هنا". ٣ انظر في تحقيق هذا النوع مع أمثلة عليه: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٠/ ٧٤٠-٧٤٢ و٦/ ٥٧٥ و١٤/ ١٢٣ و٣٥/ ٥٢". ٤ قلت: والعذر نصص عليه في حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة ٦/ ١٣٦/ رقم ٢٩٩٦" من حديث أبي موسى مرفوعا، "إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا". والنوم عذر في حق من كان له نصيب من قيام الليل، ودليله ما أخرجه النسائي في "المجتبى" "١/ ٢٥٥"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ١٣٤٤"، وابن نصر في "قيام الليل" "ص٣٨"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ٣١١"، والبيهقي في "الكبرى" "٣/ ١٥" بسند صحيح عن أبي الدرداء مرفوعا: "من نام ونيته أن يقوم، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه". وأخرج مالك في "الموطأ" "١/ ١١٧" -ومن طريقه أبو داود في "السنن" "رقم ١٣١٤"، والنسائي في "المجتبى" "١/ ٢٥٥"، وأحمد في "المسند" "٦/ ١٨٠"، وابن نصر في "قيام الليل"=
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، حَتَّى قَالَ ﵊ فِي المتمنِّي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يَعْمَلُ بِهِ مِثْلَ عَمَلِ فُلَانٍ: "فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ"، وَفِي الْآخَرِ: "فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سواء" ١.
_________________
(١) = "ص٧٨"، والبيهقي في "الكبرى" "٢/ ١٥" من حديث عائشة مرفوعا: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، يغلبه عليها نوم، إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة". أما الجهاد، فدليله ما أخرجه الشيخان في "صحيحهما" من حديث جابر مرفوعا: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض"، وفي رواية عند مسلم: "إلا شركوكم في الأجر". وورد في المرض خاصة حديث عقبة بن عبار مرفوعا: "ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا! عبدك فلان قد حبسته! فيقول الرب ﷿: اختموا له على مثله عمله حتى يبرأ أو يموت" أخرجه أحمد في "المسند" "٤/ ١٤٦" بإسناد صحيح، وأخرج أحمد في "المسند" "٤/ ١٢٣" من حديث شداد والحاكم في "المستدرك" "٤/ ٣١٣" من حديث أبي أمامة، وأحمد "٣/ ٢٣٨" من حديث أنس ما يشهد له. ١أخرج وكيع في "الزهد" "رقم ٢٤٠" -ومن طريقه ابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب النية ٢/ ١٤١٣/ ٤٢٢٨"، وأحمد في "المسند" "٤/ ٢٣٠"، والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم ١٠٦"- بإسناد صحيح عن أبي كبشة الأنماري: قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل" قال رسول الله ﷺ: "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط في ماله، ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤتِهِ الله علما ولا مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل" قال رسول الله ﷺ: "فهما في الوزر سواء ". وأخرجه من طرق عن أبي كبشة هناد في "الزهد" "رقم ٥٦٨"، والمروزي في "زياداته على زهد ابن المبارك" "رقم ٣٥٤"، وأحمد في "المسند" "٤/ ٢٣٠، ٢٣١"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب ما جاء في الدنيا مثل أربعة نفر ٤/ ٥٦٢/ رقم ٢٣٢٥" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم ١٠٥، ١٠٦"، وابن ماجه في "السنن" "٢ ١٤١٣-١٤١٤". وصححه ابن كثير في "فضائل القرآن" "ص٦٣".
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وَحَدِيثُ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كُتِبَتْ له حسنة" ١.
"والمسلمان يلتقيان بسيفهما" ٢ الْحَدِيثَ.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدِّ الْمُكَلَّفِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعَامِلِ نَفْسِهِ فِي الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ، فَإِذَا كَانَ كَالْعَامِلِ وَلَيْسَ بِعَامِلٍ وَلَا عَمَلَ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَأَوْلَى٣ أَنْ يَكُونَ كَالْعَامِلِ إِذَا اسْتَنَابَ غَيْرَهُ عَلَى الْعَمَلِ.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة ١١/ ٣٢٣/ رقم ٦٤٩١"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب ١/ ١١٧/ رقم ١٣١" من ضمن حديث إلهي رواه ابن عباس ﵄. ١ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ١/ ٨٤-٨٥/ رقم ٣١، وكتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ١٢/ ١٩٢/ رقم ٦٨٧٥، وكتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفهما ١٣/ ٣١-٣٢/ رقم ٧٠٨٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما ٤ / ٢٢١٣-٢٢١٤/ رقم ٢٨٨٨"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب تحريم الدم، باب تحريم القتل ٧/ ١٢٥"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الفتن، باب في النهي عن القتال في الفتنة ٤/ ١٠٣/ رقم ٤٢٦٨، ٤٢٦٩"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ٢/ ١٣١١/ رقم ٣٩٦٥" عن أبي بكرة مرفوعا: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قال: فقلت "أو قيل": يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه قد أراد قتل صاحبه" وفي رواية: "إذا التقى المسلمان". ٣ أي: لأن النية حينئذ حاصلة، وقد حصل المنوي بالفعل، وإن كان من غيره وهذا ظاهر إذا رجعنا قوله: "فإذا كان كالعاملإلخ" إلى الضرب الثاني فقط، إلا أنه لا يكون قد عمل للأول نتيجة، ولا بين وجه الاستدلال به، أما إذا رجعناه للضربين فيكون قد رتب على الأول أيضا نتيجته، لكن السياق في ذكره للأعمال في الثاني يشهد للتقرير الأول. "د".
[ ٢ / ٣٩٤ ]
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ بِصِحَّةِ١ النِّيَابَةِ، فَإِنَّ لِلنَّظَرِ فِيهَا مُتَّسَعًا.
أَمَّا قَاعِدَةُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْغَيْرِ وَإِنْ عَدَدْنَاهَا عِبَادَةً، فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ كَلَامَنَا فِي نِيَابَةٍ فِي عِبَادَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَجُّهٌ إِلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ عَنِ الْغَيْرِ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَلَا كَلَامَ فِيهَا.
وَأَمَّا قَاعِدَةُ الدُّعَاءِ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّعَاءِ نِيَابَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَفَاعَةٌ لِلْغَيْرِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَأَمَّا قَاعِدَةُ النِّيَابَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، فَإِنَّهَا مَصَالِحٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ نِيَّةٌ، بَلِ الْمَنُوبُ عَنْهُ إِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فِيمَا لَهُ سَبَبٌ فِيهِ، فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ مِنْهُ صَدَرَتْ لَا مِنَ النَّائِبِ، وَالنِّيَابَةُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّفْرِقَةِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ التَّقَرُّبِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ، وَالْجِهَادِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَعْدُودَةِ فِي الْعِبَادَاتِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي هِيَ مَصَالِحُ للدنيا، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِهَا الْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ إِلَّا إِذَا قَصَدَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنْ قَصَدَ الدُّنْيَا، فَذَلِكَ حَظُّهُ، مَعَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْجِهَادِيَّةَ قَائِمَةٌ، كَقَاعِدَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادُ شُعْبَةٌ مِنْهَا، عَلَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَرِهَ النِّيَابَةَ فِي الْجِهَادِ [بِالْجُعْلِ] ٢، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْهَلَكَةِ فِي عَرْضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَلَوْ فُرِضَ هُنَا قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِالْعَمَلِ، لَمْ يَصِحَّ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ نِيَابَةٌ أَصْلًا، فَهَذَا [الْأَصْلُ] ٢ لَا اعْتِرَاضَ بِهِ أَيْضًا.
وَأَمَّا قَاعِدَةُ الْمَصَائِبِ النَّازِلَةِ، فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ في التعبد، وإنما
_________________
(١) ١ في "خ" و"ط": "في صحة". ٢ ما بين المعقوفات في الموضعين ليست في الأصل.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
الْأَجْرُ وَالْكَفَّارَةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا نِيلَ مِنْهُ لَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ، وَكَوْنُ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ تُعْطَى الْمَظْلُومَ، أَوْ سَيِّئَاتُ الْمَظْلُومِ تُطْرَحُ عَلَى الظَّالِمِ، فَمِنْ بَابِ الْغَرَامَاتِ، فَهِيَ مُعَاوَضَاتٌ؛ لِأَنَّ١ الْأَعْوَاضَ الْأُخْرَوِيَّةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْأُجُورِ وَالْأَوْزَارِ؛ إِذْ لَا دِينَارَ هُنَاكَ وَلَا دِرْهَمَ، وَقَدْ فَاتَ الْقَضَاءُ فِي الدُّنْيَا.
وَمَسْأَلَةُ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ مِنْ بَابِ الْمَصَائِبِ فِي الْمَالِ، وَمِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ بِهِ إِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِ مَالِكِهِ.
وَمَسْأَلَةُ الْعَاجِزِ عَنِ الْأَعْمَالِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعَامِلِ بِلَا نِيَابَةٍ؛ إِذْ عُدَّ فِي الْجَزَاءِ بِسَبَبِ نِيَّتِهِ كَمَنْ عَمِلَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَجْرِي فِي الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا لَعَمِلَهَا إِنَّ لَهُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَهَا، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ عَنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِمَّا يُقْضَى، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَمَنَّى٢ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا أَوْ يَسْرِقَ أَوْ يَفْعَلَ شَرًّا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ، كَانَ لَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ، وَلَا يُعَدُّ فِي الدُّنْيَا كَمَنْ عَمِلَ، حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ حَقِيقَةً، فَلَيْسَتْ مِنَ النِّيَابَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ فُرِضَتِ النِّيَابَةُ، فَالنَّائِبُ هُوَ الْمُكْتَسِبُ، فَعَمَلُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ لَا تَنْقُضُ مَا تَأَصَّلَ٣.
وَنَرْجِعُ إِلَى مَا ذُكِرَ أَوَّلَ السُّؤَالِ، فَإِنَّهُ عُمْدَةُ من خالف في المسألة.
_________________
(١) ١ في "ط": "لكن". ٢ أي: عزم وصمم، ولكنه فاته غرضه بأمر خارج عن إرادته. "د". ٣ وانظر تفصيل ما تقدم في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية: "التحفة العراقية"، و"مجموع الفتاوى" "٦/ ٥٧٥ و١٠/ ٧٤٠-٧٤٢ و١٤/ ١٢٣ و٣٥/ ٥٢"، و"فتح الباري" "١١/ ٣٢٧-٣٢٨"، و"الأشباه والنظائر" "ص٣٤" للسيوطي، و"تفسير القرطبي" "١٨/ ٢٤١ و١٢/ ٣٥ و٤ / ٢٩٤"، و"مقاصد المكلفين" "ص١٤٢ وما بعدها" ورسالة الشوكاني "رفع البأس عن حديث النفس والهم والوسواس". وهي مطبوعة.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
فَحَدِيثُ تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ [بِبُكَاءِ] الْحَيِّ١ ظَاهِرُ حَمْلِهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَحْرِيضِ الْمَرِيضِ -إِذَا ظَنَّ الْمَوْتَ- أَهْلَهُ عَلَى الْبُكَاءِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا " مَنْ سَنَّ سُنَّةً" ٢، وَحَدِيثُ ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ٣ وَحَدِيثُ انْقِطَاعِ الْعَمَلِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ٤، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ فِيهَا رَاجِعٌ إِلَى عَمَلِ الْمَأْجُورِ أَوِ الْمَوْزُورِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ أَوَّلًا، فَعَلَى جَرَيَانِ سَبَبِهِ تَجْرِي الْمُسَبِّبَاتُ، وَالْكِفْلُ الرَّاجِعُ إِلَى الْمُتَسَبِّبِ "الْأَوَّلِ" نَاشِئٌ عَنْ عَمَلِهِ، لَا عَنْ عَمَلِ الْمُتَسَبِّبِ الثَّانِي، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ كَسْبٌ مَنْ كَسْبِهِ، فَمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ فَكَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَبِ، وَبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب﴾ [الْمَسَدِ: ٢] أَنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ، فَلَا غَرَوَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلَتِهِ وَتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِ٥، كَمَا تَقَرُّ عَيْنُهُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء﴾ [الطُّورِ: ٢١] .
وَإِنَّمَا يَشْكُلُ مِنْ كُلِّ مَا أَوْرَدَ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّهَا كَالنَّصِّ فِي مُعَارَضَةِ الْقَاعِدَةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا، وَبِسَبَبِهَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا نَصَّ فِيهَا خَاصَّةً -وَذَلِكَ الصِّيَامُ وَالْحَجُّ- وَأَمَّا النَّذْرُ، فَإِنَّمَا كَانَ صِيَامًا فَيَرْجِعُ إِلَى الصِّيَامِ.
وَالَّذِي يُجَابُ بِهِ فِيهَا أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا مضطربة، نبه البخاري ومسلم على
_________________
(١) ١ انظر الحديث الوارد في ذلك "ص٣٨٥" وما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٢ انظر الحديث الوارد في ذلك "ص٣٨٥". ٣ انظر الحديث الوارد في ذلك "ص٣٨٦". ٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان / رقم ٣٦٣١" وغيره عن أبي هريرة. ٥ لكن يبقى التوفيق بينه وبين آية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فإن الذرية حازت منزلة عالية لم تستحقها بسعيها وإنما جاءت بسعي الآباء. "د".
[ ٢ / ٣٩٧ ]
اضْطِرَابِهَا، فَانْظُرْهُ فِي "الْإِكْمَالِ"، وَهُوَ مِمَّا يَضْعُفُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا إِذَا لَمْ تُعَارِضْ أَصْلًا قَطْعِيًّا، فَكَيْفَ إِذَا عَارَضَتْهُ؟
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ قَالَ فِي حَدِيثِ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" ١: إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طريق عائشة، وقد تركته لم تَعْمَلْ بِهِ وَأَفْتَتْ بِخِلَافِهِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ الَّتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ: إِنَّهُ لَا يَرْوِيهِ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ وَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ٢.
وَالثَّانِي:
أَنَّ النَّاسَ عَلَى أَقْوَالٍ٣ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ مَا صَحَّ مِنْهَا بِإِطْلَاقٍ، كَأَحْمَدَ بن حنبل، ومنهم مَنْ قَالَ بِبَعْضِهَا، فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ دُونَ الصِّيَامِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بِإِطْلَاقٍ، كَمَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ، فَأَنْتَ تَرَى بَعْضَهُمْ لَمْ يَأْخُذْ بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ صَحَّ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الْأَخْذِ بِهَا فِي النَّظَرِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ٤، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي الْحَجِّ لِمَكَانِ رَكْعَتِي الطواف؛ لأنها تَبَعٌ، وَيَجُوزُ فِي التَّبَعِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، كَبَيْعِ الشَّجَرَةِ بِثَمَرَةٍ قَدْ أُبِّرَتْ، وَبَيْعِ الْعَبْدِ بِمَالِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْمَنْعِ فِي الأعمال القلبية.
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "ص٣٨٧". ٢ الحديث الذي يعمل راويه على خلافه وظهر أنه بما خالفه عن اجتهاد لا يسقط الاحتجاج به اتفاقا، وجرى الخلاف فيما إذا لم يعلم وجه عمله على خلافه، فذهبت طائفة من أهل العلم إلى سقوط الاحتجاج به؛ مستندة إلى أن الراوي إنما خالفه لدليل يقضي بتعطيله، والراجح القول بأن العبرة بالرواية، وأن مذهب الراوي لا يؤثر عليها شيئا، لاحتمال أن يكون إنما خالفها عن اجتهاد منه. "خ". قلت: ونقل المصنف عن الطحاوي من كتابه: "شرح مشكل الآثار" ٦/ ١٧٦- ط المحققة" بتصرف. ٣ في "ط": "على قولين". ٤ في "أحكام القرآن" "١/ ٢٢٨، ٢٨٩".
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ تَأَوَّلَ الْأَحَادِيثَ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ تَرْكَ اعْتِبَارِهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنِ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ، فَأَنْفَذُوا مَا سُئِلُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَيْرًا، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جازٍ عَنِ الْمَنُوبِ عَنْهُ١، وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا: فَإِنْ عَمِلَهُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٩] .
وَالرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ خَاصَّةً بِمَنْ كَانَ لَهُ تَسَبُّبٌ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا أَمَرَ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ سَعْيٌ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٩] وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْخَامِسُ:
أَنَّ قَوْلَهُ: "صَامَ عَنْهُ وَلَيُّهُ" مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ، وَهُوَ الصَّدَقَةُ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَارَةً يَكُونُ بِمِثْلِ الْمَقْضِيِّ، وَتَارَةً بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ٢، وَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ الْإِطْعَامُ، وَفِي الْحَجِّ النَّفَقَةُ عمن يحج عنه، أو
_________________
(١) ١ لكن هذا يبعده قوله ﵊،: "أرأيت لو كان على أبيك دين" إلى أن قال: "فدين الله أحق أن يقضى". "د". قلت: ونحو المذكور عند ابن العربي في "أحكامه" "١/ ٢٨٩"،والقرطبي في "تفسيره "٤/ ١٥٢". ومما يبعده استحالة أن يقر رسول الله ﷺ السائلين على خلاف الحق، مجاراة لرغبة السائل في عمل الخير، بل كيف يقول للسائلين: حجوا وصوموا، ويجزئ ذلك عمن فعلتموه عنه، وواقع الأمر على خلاف ذلك، هذا ما لا يكون أبدا، ولا يظن برسول الله ﷺ ذلك. انظر: "مقاصد المكلفين" "ص٢٧٦". ٢ مثله في "العناية شرح الهداية" "٢/ ٣٦٠"، والمذكور ضعيف؛ إذ رسول الله ﷺ أفصح العرب، ومكلف بأن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، فهل يمكن بعد ذلك أن يعبر بالصيام عن الإطعام على سبيل المجاز، ولكل منهما مدلول شرعي ولغوي يغاير الآخر، فهل هذا يناسب الفصاحة، أم يناسب البيان؟ وهو تعبير يوقع المكلفين في حيرة وارتباك، ولذا قال النووي في "المجموع" "٦/ ٤٢٩" عقبه -ونقله عن بعض الشافعية المنتصرين للقول الجديد في مذهبهم: "تأويل باطل".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالسَّادِسُ:
أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى قِلَّتِهَا مُعَارِضَةٌ لِأَصْلٍ ثَابِتٍ فِي الشَّرِيعَةِ قَطْعِيٍّ، وَلَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ وَلَا الْمَعْنَوِيِّ، فَلَا يُعَارِضُ الظَّنُّ الْقَطْعَ، كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُعْمَلُ بِهِ إِلَّا إِذَا لَمْ يُعَارِضُهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ أَصْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ١، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ نُكْتَةُ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِيهِ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ تَضْعِيفٌ لِمُقْتَضَى التَّمَسُّكِ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ وُضِّحَ مَأْخَذُ هَذَا الْأَصْلِ الْحَسَنِ٢، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ:
وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي مَسْأَلَةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ هِبَةِ الثواب، وفيها نظر.
_________________
(١) ١ روى المدنيون والمغاربة عن الإمام مالك أن الخبر مقدم على القاعدة، وروى عنه البغداديون تقديم القاعدة المقطوع بها إذا تعذر الجمع بينها وبين الحديث وسيأتي للمصنف في أوائل كتاب الأدلة ناقلا عن ابن العربي أن مشهور قول مالك والذي عليه المعول أن الحديث المعارض لقاعدة إِنْ عَضَّدَتْهُ قَاعِدَةٌ أُخْرَى قَالَ بِهِ، وَإِنْ كان وحده تركه. "خ". ٢ الأحسن منه أن يقال: إن رد الأحاديث ليس بجيد، ويصار إلى ما ذكره المصنف وأبو العباس القرطبي قبله، فيما نقله عنه ابن حجر في "فتح الباري" "٤/ ٧٠" إذا لم يمكن التوفيق، وهنا يمكن التوفيق، كما تراه في "تهذيب السنن" "٣/ ٢٧٢" لابن القيم.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
فَلِلْمَانِعِ١ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ٢:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ الْهِبَةَ إِنَّمَا صَحَّتْ فِي الشَّرِيعَةِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْمَالُ، وَأَمَّا فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ، فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا٣ دَلِيلٌ، فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِهَا.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مِنْ جِهَةِ وَضْعِ الشَّارِعِ كَالْمُسَبِّبَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَسْبَابِ، وَقَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النِّسَاءِ: ١٣] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ] ٤﴾ [النِّسَاءِ: ١٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] .
_________________
(١) ١ المانعون الشافعية والحنابلة، غير أنهم فرقوا بين ما تصح فيه النيابة فيجوز التبرع بثوابها، وما لا تصح فيه النيابة فلا يصح التبرع به، مع ميل متأخريهم إلى جواز التبرع بالكل، انظر في ذلك: "الروح" لابن القيم، و"حاشية قليوبي وعميرة" "٣/ ١٧٥-١٧٦"، و"حاشية الدسوقي" "٢/ ١٠"، و"التذكرة" للقرطبي- مع تعليقنا عليه- و"الفروق" "٣/ ١٩٤"، و"إفادة الطلاب بأحكام القراءة على الموتى ووصول الثواب"، وذكر فيه الجواز، وانظر المنع وأدلته القوية في "نيل الأوطار" "٤/ ٧٩"، و"فتاوى العز بن عبد السلام" "ص٩٥-٩٧"، و"تفسير المنار" "٨/ ٢٥٤-٢٧٠"، و" أحكام الجنائز" "ص٢١٩ وما بعدها - ط المعارف". ٢ وهنالك وجه ثالث، وهو قوي جدا، ولا سيما على قواعد المصنف، وهو قول ابن تيمية في "الاختيارات العلمية" "ص٥٤": "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرءوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف، فإنه أفضل وأكمل". ٣ في "ط": "عليها". ٤ زيادة من الأصل، وفيه وفي "خ" و"ط": "ندخله" بالنون، أي: المواطنين، وهي قراءة نافع وابن عامر، كما في السبعة في القراءات" "ص٢٢٨".
[ ٢ / ٤٠١ ]
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [النَّحْلِ: ٣٢] .
وَهُوَ كَثِيرٌ.
وَهَذَا أَيْضًا كَالتَّوَابِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَبَوِّعَاتِ، كَاسْتِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ مَعَ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَاسْتِبَاحَةِ الْبِضْعِ مَعَ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَا خِيَرَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَامِلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، اقْتَضَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَ لِلْعَامِلِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا اخْتِيَارٌ، وَلَا فِي يَدِهِ مِنْهُ شيء، فإذن لَا يَصِحُّ فِيهِ تَصَرُّفٌ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَلَيْسَ فِي الْجَزَاءِ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ لِلْعَامِلِ تَصَرُّفٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، كَمَا لَا يَصِحُّ لِغَيْرِهِ.
وَلِلْمُجِيزِ١ أَنْ يَسْتَدِلَّ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ أَدِلَّتَهُ مِنَ الشَّرْعِ هِيَ الْأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ الْهِبَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا، إِمَّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ عُمُومِهَا أَوْ إِطْلَاقِهَا، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِ وَالثَّوَابِ عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، فَكَمَا جَازَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ الْغَيْرِ أَنَّهَا هِبَةُ الثَّوَابِ٢، لَا يَصِحُّ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، صَحَّ وُجُودُ الدَّلِيلِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَنْعِ وَجْهٌ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ كَوْنَ الْجَزَاءِ مَعَ الْأَعْمَالِ كَالْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ، وَكَالتَّوَابِعِ مَعَ الْمَتْبُوعَاتِ، يَقْضِي بِصِحَّةِ الْمِلْكِ لِهَذَا الْعَامِلِ، كَمَا يَصِحُّ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ التَّصَرُّفُ بِالْهِبَةِ.
لَا يُقَالُ: إِنَّ الثَّوَابَ لَا يُمْلَكُ كَمَا يُمْلَكُ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يكون في الدار.
_________________
(١) ١ وهذا مذهب الحنفية، كما في "فتح القدير" "٣/ ١٤٢"، والحنابلة، كما في "المغني" "٢/ ٥٦٧". ٢ أين هذا؟ فالذي تقدم أنها من باب التصرف المالي، فكأنه أعطى المال للمتصدق عليه، وناب عنه في صرفه فقط، فقد ملكه المال نفسه، والثواب شيء آخر. "د".
[ ٢ / ٤٠٢ ]
الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَهُوَ النَّعِيمُ الْحَاصِلُ هُنَالِكَ وَالْآنَ لَمْ يُمْلَكْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِمَّا أَنْ يُمْلَكَ هُنَا مِنْهُ شَيْئًا حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٩٧]، فَذَلِكَ بِمَعْنَى١ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ أَنَّهُ يَنَالُ فِي الدُّنْيَا طِيبَ عَيْشٍ مِنْ غَيْرِ كَدَرٍ مُؤَثِّرٍ فِي طِيبِ عَيْشِهِ، كَمَا يَنَالُ فِي الْآخِرَةِ أَيْضًا النَّعِيمَ الدَّائِمَ، فَلَيْسَ لَهُ أَمْرٌ يَمْلِكُهُ الْآنَ حَتَّى تَصِحَّ هِبَتُهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَصِحُّ حَوْزُهَا وَمِلْكُهَا الْآنَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَ الْجَزَاءِ، فَقَدْ كُتِبَ لَهُ فِي غَالِبِ الظَّنِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتَقَرَّ لَهُ مِلْكًا بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَحُزْهُ الْآنَ، وَلَا يَلْزَمْ مِنَ الْمِلْكِ الْحَوْزِ، وَإِذَا صَحَّ مِثْلُ هَذَا الْمَالِ، وَصَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا، صَحَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ، مَا وَرِثْتُهُ مِنْ فُلَانٍ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لِفُلَانٍ، وَيَقُولُ: إِنِ اشْتَرَى لِي وَكِيلِي عَبْدًا، فَهُوَ حُرٌّ أَوْ هِبَةٌ لِأَخِي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَوْزِهِ، وَكَمَا يَصِحُّ هَذَا التَّصَرُّفُ فِيمَا بِيَدِ الْوَكِيلِ فِعْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُوَكِّلُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحُوزَهُ مِنْ يَدِ الْوَكِيلِ، يَصِحُّ أَيْضًا التَّصَرُّفُ بِمِثْلِهِ فِيمَا هُوَ بِيَدِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ٢، فَقَدْ وَضَحَ إِذَا مَغْزَى النَّظَرِ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ، والله الموفق للصواب.
_________________
(١) ١ أي من بابه، وشبيه به. "د". ٢ في كلامه هذا نظر؛ لأنه جعل ملك الحسنات كملك الأعيان، ولعل الأولى أن يقال: إن الثواب كما يكون ثمرة عمل الإنسان قد يكون ثمرة عمل غيره، إذا ناب عنه بعد إذن الشرع، على الرغم ما فيه!!
[ ٢ / ٤٠٣ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِي الْأَعْمَالِ١ دَوَامُ الْمُكَلَّفِ عَلَيْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُون﴾ [المعارج: ٢٢-٢٣] .
وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] .
وَإِقَامُ الصَّلَاةِ بِمَعْنَى الدَّوَامِ عَلَيْهَا بِهَذَا فُسِّرَتْ الْإِقَامَةُ حَيْثُ ذُكِرَتْ مُضَافَةً إِلَى الصَّلَاةِ، وَجَاءَ هَذَا كُلُّهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَجَاءَ الْأَمْرُ بِهِ صَرِيحًا فِي مَوَاضِعَ [كَثِيرَةٍ] ٢، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٣] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "أحب العمل إلى الله ما داوم صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ" ٣.
وَقَالَ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تملوا" ٤.
_________________
(١) ١ أي: أعمال العبادات التي تتكرر أسبابها، أما زكاة وجبت هذا العام لحصول النصاب ولم يحصل في العام بعده، فلا، وهكذا يقال في غيرها، فهو ظاهر في العبادات المذكورة. "د". ٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". ٣ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، ٣/ ١٦/ رقم ١١٣٢، وكتاب الرقائق، باب القصد والمداومة على العمل ١١/ ٢٩٤/ رقم ٦٤٦١، ٦٤٦٢" ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب في صلاة الليل، ١/ ٥١١/ رقم ٧٤١" عن عائشة نحوه بألفاظ متقاربة، منها: "كان أحب العمل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه". وأخرج البخاري برقم "٦٤٦٤، ٦٤٦٧" عنها ضمن حديث: "وأن أحب الأعمال أدومها وإن قل". ٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ رقم ١٩٦٩"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان، ٢/ ٨١١/ رقم ٧٨٢"، وغيرهما من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وَكَانَ ﵊ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً١.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِي تَوْقِيتِ الشَّارِعِ وَظَائِفُ الْعِبَادَاتِ، مِنْ مَفْرُوضَاتٍ وَمَسْنُونَاتٍ، وَمُسْتَحَبَّاتٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةِ الْأَسْبَابِ ظَاهِرَةٍ وَلِغَيْرِ أَسْبَابٍ، مَا يَكْفِي فِي حُصُولِ الْقَطْعِ بِقَصْدِ الشَّارِعِ إِلَى إِدَامَةِ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الَّذِينَ تَرَهَّبُوا: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧]، إِنَّ عَدَمَ مُرَاعَاتِهِمْ لَهَا هُوَ تَرْكُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا وَالِاسْتِمْرَارِ.
فَصْلٌ:
فَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ حُكْمُ مَا أَلْزَمَهُ الصُّوفِيَّةُ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْأَوْرَادِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَأُمِرُوا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِإِطْلَاقٍ، لَكِنَّهُمْ قَامُوا بِأُمُورٍ لَا يَقُومُ بِهَا غَيْرُهُمْ، فَالْمُكَلَّفُ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي عَمَلٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى سُهُولَةِ الدُّخُولِ فِيهِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَنْظُرَ فِي مَآلِهِ فِيهِ، وَهَلْ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ طُولَ عُمْرِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ شِدَّةِ التَّكْلِيفِ فِي نَفْسِهِ، بِكَثْرَتِهِ أَوْ ثِقَلِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: مِنْ جهة المداومة عليه وإن كن فِي نَفْسِهِ خَفِيفًا.
وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهَا خَفِيفَةٌ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا مَعْنَى الْمُدَاوِمَةِ ثَقُلَتْ، وَالشَّاهِدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ رقم ١٩٦٩"، وغيره من حديث عائشة ﵂ ضمن حديث طويل، وفيه: "وكان إذا صلى صلاة داوم عليها" ومضى لفظه في التعليق على "١/ ٥٢٦".
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٥]، فَجَعَلَهَا كَبِيرَةً حَتَّى قَرَنَ بِهَا الْأَمْرَ بِالصَّبْرِ، وَاسْتَثْنِي الْخَاشِعِينَ فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِمْ كَبِيرَةً، لِأَجْلِ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ سَائِقٌ، وَالرَّجَاءِ الَّذِي هُوَ حَادٍ، وَذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية: [البقرة: ٤٦]، فَإِنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ يُسَهِّلَانِ الصَّعْبَ، فَإِنَّ الْخَائِفَ مِنَ الْأَسَدِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ تَعَبُّ الْفِرَارِ، وَالرَّاجِي لِنَيْلِ مَرْغُوبِهِ يَقْصُرُ عَلَيْهِ الطَّوِيلُ مِنَ الْمَسَافَةِ، وَلِأَجْلِ الدُّخُولِ فِي الْفِعْلِ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِمْرَارِ وُضِعَتِ التَّكَالِيفُ عَلَى التَّوَسُّطِ وَأُسْقِطَ الْحَرَجُ، وَنُهِيَ عَنِ التَّشْدِيدِ، وَقَدْ قَالَ ﵊: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى"١، وَقَالَ: "مَنْ يُشَادُّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" ٢، وَهَذَا يَشْمَلُ التَّشْدِيدَ بِالدَّوَامِ، كَمَا يَشْمَلُ التَّشْدِيدَ بِأَنْفَسِ الأعمال، والأدلة على هذا المعنى كثيرة٣.
_________________
(١) ١ مضى تخريجه بإسهاب في "ص٢٣٦". ٢ مضى تخريجه ٢٥١". ٣ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٠/ ٦٢٣".
[ ٢ / ٤٠٦ ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:
الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمُكَلَّفِينَ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُخْتَصُّ بِالْخِطَابِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا الطَّلَبِيَّةِ١ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يُحَاشَى مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِهَا مُكَلَّفٌ الْبَتَّةَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ وَاضِحٌ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
النُّصُوصُ الْمُتَضَافِرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] ٢.
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] .
وَقَوْلِهِ ﵊: "بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود" ٣.
_________________
(١) ١ تغليب على الإباحة، وإلا، فهي حكم شرعي لا اختصاص فيه أيضا، ويبقى الكلام فيما يقابل الطلبية، وهو الوضعية، ولا يظهر أنه يقصد الاحتراز عنها؛ إذ كون الزوال سببا في وجوب الظهر عام لا يختص به مكلف دون آخر ما دام شرط التكليف موجودا، ومثله يقال في بقيتها، تراجع المسألة الأولى في خطاب الوضع. "د". ٢ لأن المعنى على المشهور: وما أرسلناك بهذه الشريعة إلا للناس كافة، فالشريعة مأمور بتبليغها للناس كافة، وفي آية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ دلالة على وجوب تبليغ جميع الشريعة، فالجمع بين الآيتين يقتضي المطلوب في المسألة، أما الآيات هنا وحدها، فربما يتوقف في إفادتها للمطلوب؛ لأنه ما المانع من أن يكون مرسلا لجميع الناس، ولكن على توزيع المرسل به، فيكون البعض للبعض، وهذا إنما يمنع منه وجوب تبليغ جميع المرسل به للجميع، وإنما يؤخذ من الآيتين كما أشرنا إليه، فتأمل، وقد يقال: إن حذف المعمول يؤذن بالعموم، والمعمول هو قولنا: "بهذه الشريعة" فتكفي كل واحدة من هذه الآيات هنا في إفادة المطلوب. "د". ٣ قطعة من حديث أوله: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي"، وفيه: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" أخرجه مسلم في "الصحيح "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب منه، ١/ ٣٧٠-٣٧١/ رقم ٥٢١" من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وَأَشْبَاهِ هَذِهِ النُّصُوصِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَعْثَةَ عَامَّةٌ لَا خَاصَّةٌ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ مُخْتَصًّا بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ غَيْرُهُ١، لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا لِلنَّاسِ جَمِيعًا؛ إِذْ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مُرْسَلًا٢ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّاسِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ، فَلَا اعْتِرَاضَ بِهِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالِهِمْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ، فَظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِ٣.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الْأَحْكَامَ إِذَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَالْعِبَادُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِرْآةٌ٤، فَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْخُصُوصِ، لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ بِإِطْلَاقٍ، لَكِنَّهَا كَذَلِكَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ أَحْكَامَهَا عَلَى الْعُمُومِ لَا عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا كَانَ اخْتِصَاصًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
_________________
(١) ١ أي: بما لم يخاطب به غيره، أما تعبيره، ففيه نبو عن الغرض. "د". قلت: انظر في عموم رسالة النبي ﷺ: "إيضاح الدلالة على عموم الرسالة" لابن تيمية، ضمن "مجموع الفتاوى" "١٩/ ٩-٦٥"، و"الرسال المنيرية" "٢/ ٩٩-١٥٢"، و"الدلالة على عموم الرسالة" للسبكي، مضمن في "فتاويه" "٢/ ٥٩٤-٦٢٥"، و"غاية السول في خصائص الرسول ﷺ" لابن الملقن "ص٢٥٩". ٢ بالتأمل نراه يدخل في الدليل عموم المتعلق، وهو ما أشرنا إليه بقولنا: "بهذه الشريعة"، فدليله متوقف على هذا؛ إذ مجرد كون المرسل إليهم الناس جميعا لا يكفي إلا بمراعاة العموم أيضا فيما هو مرسل به. "د". ٣ أي: فما فيه من الأحكام الطلبية متوجه إلى أوليائهم. "د". ٤ أي: تنطبع فيهم هذه المصالح على السواء؛ لأنهم مطبوعون بطابع النوع الإنساني المتحد في حاجياته وضرورياته وما يكملها. "د".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١] .
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِهِ بِالدَّلِيلِ، وَيَرْجِعُ إِلَى هَذَا مَا خَصَّ هُوَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ١ ﵊ أَوْ غَيْرُ رَاجِعٍ إِلَيْهِ، كَاخْتِصَاصِ٢ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ بالتضحية بالعناق
_________________
(١) ١ لأنه لما شهد للرسول ﵊ في حادثة الأعرابي في البيع وكان مستنده في الشهادة الإيمان بصدقه ﷺ فيما يبلغه عن ربه، فلأن يكون صادقا في هذه الشئون الصغيرة من باب أولى، فاختصاص خزيمة في هذا رجوع إلى اختصاص الرسول ﵇ بقبول شهادة واحد له في هذا العقد وصحته، يراجع "إعلام الموقعين" في هذا، وبيانه أن خزيمة تنبه لهذه الحكمة قبل أن يتفطن إليها غيره من الصحابة الحاضرين. "د". قلت: وسيأتي تخريج شهادة خزيمة "ص٤٦٩"، وهذا نص كلام ابن القيم في "إعلام الموقعين" "٢/ ٨٣-٨٤": "وأما قوله: وجعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين دون غيره ممن هو أفضل منه، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده ﷺ أو عند غيره، لكان بمنزلة شاهدين اثنين، وهذا التخصيص إنما كان لمخصص اقتضاه وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله ﷺ أنه قد بايع الأعرابي، وكان فرض على كل من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله ﷺ قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه ﷺ، وهذا مستقر عند كل مسلم، ولكن خزيمة تفطن لدخول هذه القضية المعينة تحت عموم الشهادة لصدقه في كل ما يخبر به، فلا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما يخبر به عن غيره في صدقه في هذا، وهذا لا يتم الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا، فلما تفطن خزيمة دون من حضر لذلك، استحق أن تجعل شهادته بشهادتين". ٢ بين ابن القيم الحكمة من هذا الاختصاص في كتابه" إعلام الموقعين" "٢/ ٢٤٦" بقوله: "وأما تخصيصه أبا بردة بن نيار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده، فلموجب أيضا، وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولا غير عالم بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبي ﷺ أن تلك ليست بأضحية وإنما هي شاة لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتي لحم، فرخص له في التضحية بها لكونه معذورا، وقد تقدم منه ذبح تأول فيه وكان معذورا بتأويله وذلك كله قبل استقرار الحكم، فلما استقر الحكم، لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر، وبالله التوفيق".
[ ٢ / ٤٠٩ ]
الْجَذَعَةِ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" ١، فَهَذَا لَا نَظَرَ فِيهِ؛ إِذْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلِأَجْلِهِ وَقَعَ النَّصُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فِي مَوَاضِعِهِ٢ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ خَارِجَةٌ عَنْ قَانُونِ الِاخْتِصَاصِ.
وَالثَّالِثُ:
إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِذَلِكَ صَيَّرُوا أَفْعَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّةً لِلْجَمِيعِ فِي أَمْثَالِهَا، وَحَاوَلُوا فِيمَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ وَلَيْسَ لَهَا صِيَغٌ عَامَّةٌ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى الْعُمُومِ، إِمَّا بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِالرَّدِّ إِلَى الصِّيغَةِ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَاوَلَاتِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي النَّازِلَةِ الْأَوْلَى مُخْتَصًّا بِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العيدين، باب الأكل يوم النحر، ٢/ ٤٤٧-٤٤٨/ رقم ٩٥٥، وباب الخطبة بعد العيد، ٢ / ٤٥٣/ رقم ٩٦٥، وباب التبكير إلى العيد، ٢/ ٤٥٦/ رقم ٩٦٨، وباب كلام الإمام والناس في خطبة العيد، ٢/ ٤٧١/ رقم ٩٨٣، وكتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية، ١٠/ ٣/ رقم ٥٥٤٥، وباب قول النبي ﷺ لأبي بردة: "ضح بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك"، ١٠/ ١٢/ ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، وباب الذبح بعد الصلاة، ١٠/ ١٩/ رقم ٥٥٦٠، وباب من ذبح قبل الصلاة أعاد ١٠/ ٢٠ / رقم ٥٥٦٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأضاحي، باب وقتها، ٣/ ١٥٥٢/ رقم ١٩٦١"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأضاحي، باب ما جاء في الذبح بعد الصلاة، ٤/ ٩٣/ رقم ١٥٠٨"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأضاحي، باب ما يجوز من السن من الضحايا، ٣/ ٩٦/ رقم ٢٨٠٠"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الأضاحي، باب ذبح الضحية قبل الإمام، ٧/ ٢٢٢" عن البراء بن عازب مرفوعا. ٢ وهي الآية والحديثان، والنص على التخصيص نفسه دليل على أن سائر الشريعة -مما لم ينص فيه على التخصيص- عام "د".
[ ٢ / ٤١٠ ]
لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٣٧]، فَقَرَّرَ الْحُكْمَ فِي مَخْصُوصٍ لِيَكُونَ١ عَامًا في الناس، وتقرير٢ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ لِوُضُوحِهِ عِنْدَ مَنْ زَاوَلَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ٣.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّهُ لَوْ جَازَ خِطَابُ الْبَعْضِ٤ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَخُصَّ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ بَعْضَ النَّاسِ، لَجَازَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يُخَاطَبُ بِهَا بَعْضُ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ بِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الأمر، وهذا باطل بإجماع، فَمَا لَزِمَ عَنْهُ مِثْلُهُ، وَلَا أَعَنِي بِذَلِكَ٥ مَا كَانَ نَحْوَ الْوِلَايَاتِ وَأَشْبَاهِهَا، مِنَ الْقَضَاءِ، وَالْإِمَامَةِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْفُتْيَا فِي النَّوَازِلِ، وَالْعِرَافَةِ وَالنِّقَابَةِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّعْلِيمِ لِلْعُلُومِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّظَرِ فِي شَرْطِ التَّكْلِيفِ بِهَا، وَجَامِعُ الشُّرُوطِ فِي التَّكْلِيفِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهِ، فَالْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْوَظَائِفِ مُكَلَّفٌ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ بِإِطْلَاقٍ، كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، فَالتَّكْلِيفُ عام لا خاص،
_________________
(١) ١ إلا أن في الآية النص على أن هذا الخاص أساس لحكم شرعي عام، فالآية وإن كانت صيغتها خاصة لا عامة، إلا أنها أُعْقِبَت بالنص على ما يفيد العموم، حتى تستفاد الحكمة فيما حصل، ولا يتوهم أنها خصوصية. "د". ٢ في النسخ المطبوعة: "وتقرر". ٣ انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٥/ ٨٢ و٤٤٣ وما بعدها"، والمسألة الخامسة من كتاب "الأدلة الشرعية". ٤ في "ط" زيادة بعدها: "دون البعض". ٥ أي: ولا أعني بذلك خروج ما كان موهما لتخصيص الخطابات، كالولايات إلخ، فإنها داخلة في القاعدة، وهو أنها مكلف بها كل من توفر فيه شرط التكليف بها، كغيرها من سائر التكاليف، فالزكاة مثلا مكلف بها على العموم، ولكن مع مراعاة النصاب مثلا وسائر الشروط كذلك الولايات وفروض الكفايات المتوقفة على شروط، فتعتبر عامة بهذا المعنى، ولو قال: "ولا يخرج عن ذلك ما كان إلخ"، لكان أوضح. "د".
[ ٢ / ٤١١ ]
[وَبِسُقُوطِهِ أَيْضًا عَامٌ لَا خَاصٌّ] مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ أَوْ عَدَمِهَا لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَا كَانَ مُوهِمًا لِلْخِطَابِ الْخَاصِّ، كَمَرَاتِبِ١ الْإِيغَالِ فِي الْأَعْمَالِ، وَمَرَاتِبِ الِاحْتِيَاطِ عَلَى الدِّينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَهَذَا الأصل يتضم فَوَائِدَ عَظِيمَةً:
- مِنْهَا: أَنَّهُ يُعْطَى قُوَّةً عَظِيمَةً فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِبَعْضِ النَّاسِ وَالْحُكْمِ الْخَاصِّ كَانَ وَاقِعًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا، وَلَمْ يُؤْتَ فِيهَا بِدَلِيلٍ عَامٍ يَعُمُّ أَمْثَالَهَا مِنَ الْوَقَائِعِ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخُصُوصُ الْوَاقِعُ غَيْرَ مُرَادٍ، وَلَيْسَ فِي الْقَضِيَّةِ لَفْظٌ يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي إِلْحَاقِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ بِالْمَذْكُورِ، فَأَرْشَدَنَا ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ إِذْ ذَاكَ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مَعْنَى الْقِيَاسِ، وَتَأَيَّدَ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَانْشَرَحَ الصَّدْرُ لِقَبُولِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا يُبْسَطُ فِي كِتَابِ الْأَدِلَّةِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
- وَمِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يَتَحَقَّقُ بِفَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ يَظُنُّ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ جَرَتْ عَلَى طَرِيقَةٍ غَيْرِ طَرِيقَةِ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّهُمُ امْتَازُوا بِأَحْكَامٍ غَيْرِ الْأَحْكَامِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَيُرَشِّحُونَ ذَلِكَ٢ بِمَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَجِبُ فِي زكاة كذا،
_________________
(١) ١ تقدم له أن الناس في ذلك على ضربين: مسقط لحظوظه، وآخذ لها على وجهها الشرعي، أي، فليس الأول مخاطبا بما لم يخاطب به الثاني، حتى يعد من باب تخصيص الخطاب في الشريعة. "د". ٢ أي: يصلحونه ويربونه".
[ ٢ / ٤١٢ ]
فَقَالَ: عَلَى مَذْهَبِنَا أَوْ عَلَى مَذْهَبِكُمْ؟ ثُمَّ قَالَ: أمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا، فَالْكُلُّ لِلَّهِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِكُمْ، فَكَذَا وَكَذَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ افْتَرَقَ النَّاسُ فِيهِمْ فَمِنْ مصدِّق بِهَذَا الظَّاهِرِ، مُصَرِّحٍ بِأَنَّ الصُّوفِيَّةَ اخْتُصِّتْ بِشَرِيعَةٍ خَاصَّةٍ هِيَ أَعْلَى مِمَّا بُثَّ فِي الْجُمْهُورِ، وَمِنْ مُكَذِّبٍ وَمُشَنِّعٍ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ وَيَنْسِبُهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَالْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي طَرَفٍ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ دَاخِلٌ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْخَلْقِ، كَمَا تَبَيَّنَ آنِفًا، وَلَكِنَّ رُوحَ الْمَسْأَلَةِ الْفِقْهُ فِي الشَّرِيعَةِ١، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ أُبِيحُ لَهُمْ أَشْيَاءَ لَمْ تُبَحْ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ ترقَّوا عَنْ رُتْبَةِ الْعَوَامِّ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الشَّهَوَاتِ، إِلَى رُتْبَةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ سُلِبُوا الِاتِّصَافَ بِطَلَبِهَا وَالْمَيْلِ إِلَيْهَا، فَاسْتَجَازُوا لِمَنِ ارْتَسَمَ فِي طَرِيقَتِهِمْ إِبَاحَةَ بَعْضِ الْمَمْنُوعَاتِ فِي الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى اخْتِصَاصِهِمْ عَنِ الْجُمْهُورِ، فَقَدْ ذُكِرَ نَحْوُ هَذَا فِي سَمَاعِ الْغِنَاءِ وَإِنْ قُلْنَا بِالنَّهْيِ عَنْهُ٢، كَمَا أَنَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَنِ اسْتَبَاحَ شُرْبَ الْخَمْرِ بِنَاءً عَلَى قَصْدِ التَّدَاوِي بِهَا، وَاسْتِجْلَابِ النَّشَاطِ فِي الطَّاعَةِ، لَا عَلَى قَصْدِ التَّلَهِّي، وَهَذَا بَابٌ فتحته الزنادقة بقولهم: إن
_________________
(١) ١ وما تقدم له في مراتب الإيغال في الأعمال وأن الناس على ضربين، فيه فقه المسألة، وأنهم كغيرهم داخلون تحت أحكام الشريعة المبثوثة في الخلق. "د". ٢ نقل المصنف عن مالك أنه سئل عن قوم يقال لهم: الصوفية يأكلون كثيرا ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون. فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا. أمجانين هم؟ قال: لا، قوم مشايخ عقلاء. فقال مالك: ما سمعت أن أحدا من أهل الإسلام يفعل هذا إلا أن يكون مجنونا أو صبيا. ثم قال المصنف: "إن ذلك من البدع المحرمات الموقعة في الضلالة المؤدية إلى النار والعياذ بالله". انظر: "المعيار المعرب" "١١/ ٣٩ وما بعدها"، و"منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية" "ص١٨٨"، و"فتاوى الشاطبي" "ص١٩٣"، و"ترتيب المدارك" "٢/ ٥٣-٥٤".
[ ٢ / ٤١٣ ]
التَّكْلِيفَ خَاصٌّ بِالْعَوَامِّ سَاقِطٌ عَنِ الْخَوَاصِّ١، وَأَصْلُ هَذَا كُلُّهُ إِهْمَالُ النَّظَرِ فِي الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فليُعتَنَ به، وبالله التوفيق
_________________
(١) ١ دس هذه المقالة بعض الزنادقة وسعى في ترويجها الفساق من المدعين للولاية، حتى يجدوا مسرح الشهوات واسع المجال بعيد ما بين الجوانب، وانطلت هذه الدسيسة على كثير من الأغبياء، فطرحوا من أيديهم أن يزنوا سيرة المدعي للولاية بميزان الشريعة، ومما ساعد على انتشار هذه الضلالة الهادمة لقانون الشرع أن بعض المنتسبين للعلم يهابون التعرض لكل من ادعى الولاية بحاله أو مقاله، وما هو إلا ضعف البصيرة، وقلة الرسوخ في العلم بحقائق الدين التي يضمحل أمامها كل باطل، وتسقط تجاهها كل دعوى مزيفة. "خ". قلت: انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٠/ ٤٣٢-٤٤٦، ١١/ ١٧٠-١٧١، ٢٢٥-٢٢٧"، وتعرض شيخ الإسلام ابن تيمية إلى بسط ما أجمله المصنف في "درء تعارض العقل والنقل" و"منهاج السنة النبوية" و"الصفدية" وغيرها.
[ ٢ / ٤١٤ ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:
كَمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ وَالتَّكْلِيفَاتِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ، كَذَلِكَ الْمَزَايَا وَالْمَنَاقِبِ١، فَمَا مِنْ مَزِيَّةٍ أُعْطِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِوَى مَا وَقَعَ اسْتِثْنَاؤُهُ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَتْ أُمَّتُهُ مِنْهَا أُنْمُوذَجًا٢، فَهِيَ عَامَّةٌ كَعُمُومِ التَّكَالِيفِ، بَلْ قَدْ زَعَمَ ابن العربي أن سنة الله
_________________
(١) ١ المزايا: جمع مزية، وهي في كل شيء التمام والكمال، ويقال: له عندي مزية، أي: فضيلة ومنزلة ليست لغيره، والمناقب: جمع منقبة، وهي المفخرة ضد المثلبة. "ماء/ ص٢٠١". ٢ ما من نبي إلا وهو سلالة قومه وخلاصة عنصرهم، كما تخرج زهرة من غصن شجرة، أو جوهرة من بطن حجر، فهو جامع لأشتات محاسنهم، طاهر من أدناسهم، فإن لكل قوم محاسن ومساوئ مختلفة كما ترى ذلك في أنواع خلق الله تعالى، وهذا هو أقرب من سنن الفطرة كما هو أولى بالحكمة، ولذلك ترى النبي سبق إليه من قومه أكرمهم وأطهرهم، ومن ههنا فضل السابقين من المؤمنين، كأن الله تعالى أطلع نورا من الأفق، فأشرق أولا على أعلى الشواهق ثم الأقرب فالأقرب، وأنزل ماء من السماء، فاخضرت من الأرض أولا أخصبها، فهكذا تتنبه الأمة في ذات نبيها، ثم في ذوات الصديقين والشهداء والصالحين منهم وأتباعهم، فإذا كمل وتم زمان النماء جمع الحب وأُلقِي العصف في النار. ومن ههنا تبينت لك حكمة الصبر الشديد للنبي وأصحابه؛ لكيلا يبقى في الكافرين والمنافقين من فيه مثقال حبة من الإيمان، فإذا محَّص الله المؤمنين أهلك الكافرين، وفي هذا التمحيص أيضا يخرج من بين المؤمنين من دخل فيه بغير نور، وصرح بذلك القرآن في غير موضع، وتفصيل منه في باب المعجزات. فإذا كان النبي سلالة قومه كان هو وقومه كمرآتين على جانبيك، ترى بعضهم في بعض، فإن رأيت أن النبي على غاية علو الهمة وسعة التدبير تيقنت أن قومه أحرارٌ أذكياء، وهكذا إن علمت من قومه أحسن أخلاقه، تيقنت أن نبيهم جامع لها، وهذا يعطيك مفتاحًا لفهم سيرة أمة ونبيها، فتستدل من بعضهما إلى بعض، ثم تستدل بذلك في فهم شريعة أمة؛ لأنها تنزل حسب استعداد الأمة كما قال تعالى في سورة المائدة بعد ما ذكر إنزال التوراة والإنجيل والقرآن: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨] حسب عموم سنته كما جاء في آخر سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فلا يبتلي الله الأمة إلا فيما آتاهم، فلذلك جعل شرائع كل أمة حسب حالها، ومن هذه الجهة اختلافهم، وجاءت أكمل الشرائع لأكمل الأمم، أفاده الفراهي في "القائد إلى العقائد" "ص١٣٣-١٣٤".
[ ٢ / ٤١٥ ]
جرت أنه إذا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا شَيْئًا أَعْطَى أُمَّتَهُ مِنْهُ، وَأَشْرَكَهُمْ مَعَهُ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمْثِلَةً؛
وَمَا قَالَهُ يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ بِالِاسْتِقْرَاءِ.
أَمَّا أَوَّلًا؛ فَالْوِرَاثَةُ الْعَامَّةُ١ فِي الِاسْتِخْلَافِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَتَعَبَّدَ الْأُمَّةُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَمَا حُدَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِنْبَاطٍ، وَكَانَتْ تَكْفِي الْعُمُومَاتُ وَالْإِطْلَاقُ حَسْبَمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ منَّ عَلَى الْعِبَادِ بِالْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي خَصَّ بِهَا نَبِيَهُ ﵊؛ إِذْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٥] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٣] .
وَهَذَا وَاضِحٌ، فَلَا نطوِّل بِهِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، نَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثِينَ وَجْهًا:
أَحَدُهَا:
الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّ ﵊: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ الآية [الأحزاب: ٤٣] .
_________________
(١) ١ في نسخة "ماء/ ص٢٠٢" زيادة بعدها: "في الاستقراء".
[ ٢ / ٤١٦ ]
وَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٧] .
وَالثَّانِي:
الْإِعْطَاءُ إِلَى الْإِرْضَاءِ، قَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحَى: ٥] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الْحَجِّ: ٥٩] .
وَقَالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٩] .
وَالثَّالِثُ:
غُفْرَانُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] .
وَفِي الْأُمَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الصَّحَابَةُ: هَنِيئًا مَرِيئًا، فَمَا لَنَا؟ فَنَزَلَ١: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الْفَتْحِ: ٥]، فعمَّ مَا تقدم وما تأخر.
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية ٧/ ٤٥٠-٤٥١/ رقم ٤١٧٢" ثني أحمد بن إسحاق ثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾، قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئا مريئا، فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ . قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت، فذكرت له، فقال: أما ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾ فعن أنس، وأما "هنيئا مريئا" فعن عكرمة. وأخرجه هكذا من طريق عثمان بن عمر البيهقي في "الدلائل" "٤/ ١٥٧". وأخرجه مختصرا دون ذكر سبب النزول الذي أورده المصنف البخاري في "صحيحه"، كتاب التفسير، باب ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٨/ ٥٨٣/ رقم ٤٨٣٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية ٣/ ١٤١٣/ رقم ١٧٨٦" من طرق عن قتادة. وأخرجه الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد، عن شعبة، وجمع في الحديث بين أنس وعكرمة، وساقه مساقا واحدا، أفاده ابن حجر في "الفتح" "٧/ ٤٥١". =
[ ٢ / ٤١٧ ]
والرابع:
وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى إِتْمَامُ النِّعْمَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الْفَتْحِ: ٢] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم﴾ الآية [المائدة: ٦] .
_________________
(١) = قلت: وساقه مساقا واحدا عن شعبة خالد الحذاء، كما عند النسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير ٢/ ٣٠٤/ رقم ٥٢٢"، وحرمي بن عمارة، كما في "المستدرك" "٢/ ٤٥٩"، وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "٢٦/ ٧٠" من طريق محمد بن جعفر غِندر، عن شعبة، وذكره كما عند المصنف عن عكرمة مرسلا، واختلف عليه فيه، فرواه بعضهم عنه بسياقة واحدة دون تفصيل، كما تراه عند ابن جرير "٢٦/ ٧٠"، واختلف على معمر فيه، فرواه ابن ثور عنه عن قتادة مرسلا، كما عند ابن جرير في "التفسير" "٢٦/ ٧٠"، وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "٣/ ٢٢٥"، ومن طريقه الترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب ومن سورة الفتح، رقم ٣٢٦٣"، وأحمد في "المسند" "٣/ ١٩٧"، وابن حبان في "الصحيح" "١٤/ ٣٢٢/ رقم ٦٤١٠- الإحسان" عن معمر عن قتادة عن أنس مساقا واحدا، فيه المذكور عند المصنف. وكذا ساقه مطولا مع سبب النزول المذكور جماعة عن قتادة عن أنس، منهم: سعيد بن أبي عروبة كما عند أحمد في "المسند" "٣/ ٢١٥"، وابن جرير في "التفسير" "٢٦/ ٦٩"، والواحدي في "أسباب النزول" "٢٥٦". والحكم بن عبد الملك، كما عند "المستدرك" "٢/ ٤٦٠". وهمام بن يحيى، كما عند أحمد في "المسند" "٣/ ١٣٤، ٢٥٢"، والواحدي في "الوسيط" "٤/ ١٣٥-١٣٦"، و"أسباب النزول" "٢٥٦"، والبيهقي في "الدلائل" "٢/ ١٥٨". واختلف على هؤلاء فيه، وأخرجه مسلم في "صحيحه" عن بعضهم مختصرا دون ذكر سبب النزول، وما أرى الأمر إلا على النحو الذي فصله الإمام البخاري، وقد قدمناه، والتفصيل في الكتب التي أفردت عن المدرج مثل كتاب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني، كما ذكر هو في "الفتح" "٧/ ٤٥١".
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَالْخَامِسُ:
الْوَحْيُ وَهُوَ النُّبُوَّةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٣]، وَسَائِرُ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ، وَفِي الْأُمَّةِ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ ١ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا من النبوة" ٢.
_________________
(١) ١ إذا كان معنى الحديث أن الرؤيا كانت له ﵊ قبل الوحي ستة أشهر، يري فيها رؤيا صادقة كفلق الصبح، ثم جاء الوحي بعدها، ومجموع ذلك مع الوحي ثلاث وعشرون سنة على قول، أو أن الوحي بعد الأشهر الستة ثلاث وعشرون سنة، فتكون نسبة الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من زمن النبوة والوحي، فعليه لا يكون في الحديث ما يدل على مُدَّعَاه؛ إذ ليس الغرض أن النبوة تتجزأ إلى هذه الأجزاء والرؤيا جزء منها، فهو غير معقول في ذاته أن تكون الرؤيا الصادقة جزء من نبوة الوحي مهما صغر هذا الجزء؛ لأن للنبوة ماهية شرعية لا يندرج فيها جزئي بمجرد الرؤيا الصادقة، وزعم ابن خلدون أن حمل الحديث على النسبة الزمانية بعيد عن التحقيق، ولكنه لم يأتِ في ذلك بمقنع، وما رده به من اختلاف العدد في بعض الروايات لا يفيد، فإن كلامنا في شرح هذه الرواية الصحيحة التي عدها بعضهم متواترة، وكونه لم يثبت أن رؤيا الأنبياء كذلك لا يضر؛ لأننا نحمل الحديث على رؤياه ﷺ التي سبقت الوحي، وكانت كفلق الصبح، ودعواه أن الكلام في الرؤيا العامة التي يستوي فيها سائر الخلق لا يظهر. "د". قلت: اعتنى الزركشي في بيان مفردات الأجزاء المذكورة من النبوة، فقال في "البحر المحيط" "١/ ٦٢": "وقد اجتهدت في تحصل الستة والأربعين ما هي، فبلغت منها إلى الآن اثنين وأربعين، وقد ذكرتها في كتاب "الوصف والصفة"، وأنا في طلب الباقي"، وهذا يدل على صحة ما ذكره المصنف، فتأمل، وردَّ ابن حجر في "فتح الباري" "١٢/ ٣٦٤ وما بعدها"- وذكر فيه "١٢/ ٣٦٦-٣٦٧" الوجوه الستة والأربعين، فراجع كلامه فإنه كلامه فإنه مهم ومفيد- ما اعتمده "د"، فانظر كلامه. ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ١٢/ ٣٧٣/ رقم ٦٩٨٧"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الرؤيا، باب: منه ٤/ ١٧٧٤/ رقم ٢٢٦٤"، وأبو داود في "سننه" "كتاب الأدب، باب في الرؤيا ٤/ ٣٠٤/ رقم ٥٠١٨"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الرؤيا، باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة "٤/ ٥٣٢/ رقم ٢٢٧١"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التعبير، باب الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح ٤/ ٣٨٣"، وأحمد في "المسند" "٥/ ٣١٦، ٣١٩" عن عبادة بن الصامت ﵁.
[ ٢ / ٤١٩ ]
وَالسَّادِسُ:
نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٤]، فَقَدْ كَانَ ﵊ يُحِبُّ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الْكَعْبَةِ١، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥١]، لَمَّا كَانَ قَدْ حَبَّبَ إِلَيْهِ النِّسَاءَ فَلَمْ يُوقَفْ٢ فِيهِنَّ عَلَى عَدَدٍ مَعْلُومٍ.
وَفِي الْأُمَّةِ قَالَ عُمَرُ: "وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى! فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥]،
_________________
(١) ١ أخرج نحوه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان ١/ ٥٠٢/ رقم ٣٩٩"، والترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة ٥ / ٢٠٧-٢٠٨/ رقم ٢٩٦٢"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القبلة ١/ ٣٢٢-٣٢٣/ رقم ١٠١٠"، وأحمد في "المسند" ٤/ ٢٧٤" عن البراء بن عازب ﵁. ٢ ليس موضوع الآية الإذن بعدم وقوفه عند الأربع التي أذن بها لسائر الأمة بل الكلام٤ في موضوع القسم بين نسائه، وما إلى ذلك من تسريح من يشاء وإمساك من يشاء، كما يعلم من مراجعة كتب التفسير، وقد تابعه بعض الناظرين هنا أن الموضوع ما قاله، ولكنه خالفه فيما زعمه من السبب، وهو مصيب في هذه المخالفة لا في الموافقة على معنى الآية، وإن كانوا نسبوا إلى الحسن أنه قال: "تنكح من تشاء من نساء أمتك، وتترك نكاح من تشاء منهن"، وأنه كان ﷺ إذا خطب واحدة لا يخطبها غيره حتى يتركها، هكذا نسبوا إليه، ولكنه على ما ترى في عداد الإكثار من الاحتمالات والنقول. "د". وقال "خ": "ليس سبب الإذن له ﵊ في التزوج بما فوق الأربعة هو محبته للنساء، وإنما أذن له بذلك لمقاصد أخرى كتأكيد الصلة بينه وبين أقاربهم وعشائرهن، وإن يتلقين عنه أحكام الشريعة ولا سيما الأحكام العائدة إلى النساء ما لا يطلع عليه إلا الأزواج، وتعدد زوجاته ﵇ مما يقوم بها شاهد من شواهد صدقه، فإنهن مع كثرتهن لم يشهدن من حاله في السر إلا ما يطابق استقامته وإرشاداته العلنية، ونحن نرى من يدعي الصلاح كاذبا لا يلبث أن تنكشف سريرته ويفتضح أمره في الغالب على أيدي من يلابسه في بيته من الأزواج أو الخادمات".
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، فَقُلْتُ: "إنِ انتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللهُ رسولَهُ خَيْرًا منكُنَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية١ [التحريم: ٥] .
وَحَدِيثُ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ: أَنَّ زَوْجِي ظَاهَرَ مِنِّي، وَقَدْ طَالَتْ صُحْبَتِي مَعَهُ، وَقَدْ وَلَدْتُ لَهُ أَوْلَادًا، فَقَالَ ﵊: "قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ". فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: إِلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَتْ، فَأَجَابَهَا، ثُمَّ ذَهَبَتْ لِتُعِيدَ الثَّالِثَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٢ الآية: [المجادلة: ١] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة ١/ ٥٠٤/ رقم ٤٠٢، وكتاب التفسير باب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ ٨/ ١٦٨/ رقم ٤٤٨٣، وباب في سورة الأحزاب ٨/ ٥٢٧/ رقم ٤٧٩٠، وباب في سورة التحريم ٨/ ٦٦٠ / رقم ٤٩١٦"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه ٤/ ١٨٦٥/ رقم ٢٣٩٩" مختصرا عن عمر. ٢ ذكر هذا البغوي في "معالم التنزيل" "٥/ ٣٢٣"، والواحدي في "الوسيط" "٤/ ٢٥٩" من غير إسناد. وأصله عند البخاري في "الصحيح" "كتاب التوحيد ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/ ٣٧٢" معلقا عن عائشة مختصرا. ووصله النسائي في "المجتبى" "٦/ ١٦٨"، وأبو داود في "السنن" "رقم ٢٠٦٣"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ٢٠٦٣"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٤٨١"، وابن جرير في "التفسير" "٢٨/ ٥-٦"، والواحدي في "أسباب النزول" "٢٧٣" بسياق فيه تفصيل نحو المذكور وليس فيه: "قد حرمت عليه"، وإسناده صحيح. ولهذا التفصيل شواهد من حديث خويلة -أو خولة- بنت ثعلبة، أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم ٢٢١٤، ٢٢١٥"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٤١٠-٤١١"، وابن حبان في "الصحيح" "١٠/ ١٠٧-١٠٨"/ رقم ٤٢٧٩- الإحسان"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم ٧٤٦"، وابن جرير في =
[ ٢ / ٤٢١ ]
وَمِنْ هَذَا كَثِيرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ.
وَنَزَلَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ ﵂ مِنَ الْإِفْكِ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَتْ، إِذْ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ١ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها٢.
_________________
(١) = "التفسير" "٢٨/ ٥"، والطبراني في "الكبير" "١/ رقم ٦١٦"، والبيهقي في "الكبرى" "٧/ ٣٨٩، ٣٩١" بسند ضعيف، فيه معمر بن عبد الله، وهو مجهول. وله شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه البزار في "المسند" "رقم ١٥١٣- زوائده"، والطبراني في "الكبير" "١١/ رقم ١١٦٨٩"، وابن جرير في "التفسير" "٢٨/ ٣-٤"، والبيهقي في الكبرى" "٧/ ٣٩٢"، وذكره مفصلا، وفيه أبو حمزة الثمالي، وزاد في متن الحديث ما خالف فيه الثقات، وهو لين. وأخرجه من حديث ابن عباس مختصرا دون تعيين للرجل ولا للمرأة: أبو داود في "السنن" "رقم ٢٢٢٣"، والنسائي في "المجتبى" "٦/ ١٦٧"، والترمذي في "الجامع" "رقم ١١٩٩"، وابن ماجه في "السنن" رقم "٢٠٦٥"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم ٧٤٧"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٢٠٤، والبيهقي في الكبرى" "٧/ ٣٨٦"، بسند حسن، وحسنه ابن حجر في "الفتح" "٩/ ٣٤٣"، وليس في هذه الروايات جميعا "قد حرمت عليه"، وفي بعضها نحو التفصيل الوارد. وأخرجه باللفظة المذكورة عبد الرازق في "التفسير" "٢/ ٢٧٧" عن عكرمة مرسلا، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات "٨/ ٣٧٩"، عن عمران بن أبي أنس مرسلا، ولكن ورده فيه هذه اللفظة على لسان المظاهر، وكذا وردت في حديث ابن عباس من رواية أبي حمزة الثمالي عنه، وهو الأشبه والله أعلم. ١ في "ط": "ما كنت أظن". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ ٨/ ٤٥٤/ رقم ٤٧٥٠" في آخر حديث الإفك الطويل، وقد أفرده يوسف بن عبد الهادي في جزء مفرد، وهو مطبوع.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وَقَالَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلْيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يبرِّئ ظَهْرِي من الحد. فنزل١: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم﴾ الآية [النور: ٦] وَهَذَا خَاصٌّ بِزَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بِانْقِطَاعِهِ.
وَالسَّابِعُ:
الشَّفَاعَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] .
وَقَدْ ثَبَتَتْ٢ شَفَاعَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَقَوْلِهِ ﵊ فِي أُوَيْسٍ: "يُشَفَّعُ في مثل ربيعة ومضر" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٨/ ٤٤٩/ رقم ٤٧٤٧"، وغيره ضمن حديث طويل عن ابن عباس. ٢ في "د": "ثبت". ٣ الشفاعة لمثل ربيعة ومضر ثابتة في غير حديث، أحسنها وأصحها ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب: منه ٤/ ٦٢٦/ رقم ٢٤٣٨" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، ٢/ ١٤٤٣-١٤٤٤/ رقم ٤٣١٦"، وأحمد في "المسند" "٣/ ٤٦٩، ٤٧٠، ٥/ ٣٦٦"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "٥/ ٢٦"، والطيالسي في "المسند" "٢/ ٢٢٩- التحفة"، والدارمي في "السنن" "٢/ ٣٢٨"، وابن خزيمة في "التوحيد" "٣١٣"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ٧٠، ٧١"، وابن حبان في "الصحيح" "١٦/ ٣٧٦/ رقم ٧٣٧٦- الإحسان"، وابن الأثير في "أسد الغابة" "٣/ ١٩٦"، والمزي في "تهذيب الكمال" "١٤/ ٣٥٩-٣٦٠" عن عبد الله بن أبي الجدعاء مرفوعا: "ليدخُلَنَّ الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم"، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أحمد في "المسند" "٥/ ٢٥٦، ٢٦١، ٢٦٧"، والآجُرِّي في "الشريعة" "٣٥١"، والطبراني في "الكبير" "٨/ ١٦٩"، عن أبي أمامة مرفوعا: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين: ربيعة، ومضر"، ورجاله رجال الصحيح، وفيه عبد الرحمن بن ميسرة، وهو مقبول كما في "التقريب"، وقد توبع، تابعه أبو غالب حزور، أخرجه الطبراني في "الكبير" "٨/ ٣٣٠"، وأبو نعيم في "الحلية" "١/ ٢٨٧"، فإسناد حسن، وكذا قال العراقي فيما نقل عنه المناوي في "فيض القدير" "٤/ ١٣٠".
[ ٢ / ٤٢٣ ]
"أئمتكم شفعاؤكم"١، وغير ذلك.
_________________
(١) = وهذا الرجل المبهم الثابتة له الشفاعة، قيل: إنه عثمان، وقيل: إنه أويس، ويدل على الثاني ما أخرجه علقمة بن مرثد في "زهد الثمانية من التابعين" "ص٧٤" عن عمر مرفوعا: "يدخل الجنة بشفاعة أويس مثل ربيعة ومضر"، وإسناده متقطع. وما أخرجه ابن عدي في "الكامل" "٧/ ٢٥٣٣" عن ابن عباس مرفوعا: "سيكون في أمتي رجل يقال له: أويس بن عبد الله القرني، وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر"، وإسناده واهٍ، فيه وهب بن حفص، كل أحاديثه مناكير غير محفوظة، وهو متهم بالوضع، انظر: "تاريخ بغداد" "١٣/ ٤٨٨، واللسان" "٦/ ٢٣٤". وما أخرجه أحمد في "الزهد" "٣٤٣، ٣٤٤" عن الحسن مرفوعا: "ليخرجن من النار بشفاعة رجل ما هو بنبي أكثر من ربيعة ومضر": قال الحسن: "وكانوا يرون أنه عثمان ﵁، أو أويس القرني ﵁"، وفي رواية أخرى: "قال هشام: فأخبرني حوشب عن الحسن، قال: هو أويس القرني". وأخرج الترمذي في "الجامع" "رقم ٢٤٣٩" من مرسل الحسن أنه عثمان أيضا، وترى ذلك مبسوطا في ترجمته في "تاريخ دمشق"، والله الموفق. والخلاصة: الحديث صحيح من غير ذكر تعيين أويس والله أعلم. ١ قال العراقي "تخريج أحاديث الإحياء" "٣/ ١٧٥- مع شرحه "إتحاف السادة": "أخرجه الدارقطني والبيهقي، وضعف إسناده من حديث ابن عمر، والبغوي وابن قانع والطبراني في "معاجمهم"، والحاكم من حديث مرثد بن أبي مرثد نحوه، وهو منقطع، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف". قلت: أورد العراقي هذا عند قول الغزالي: "قال ﷺ: "أئمتكم شفعاؤكم إلى الله". وحديث ابن عمر أخرجه الدارقطني في "السنن" "٢/ ٨٧-٨٨"، والبيهقي في "الكبرى" "٣/ ٩٠" عن ابن عمر مرفوعا: "اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله ﷿". قال البيهقي: "إسناده ضعيف"، قلت: فيه حسين بن نصر لا يُعرَف، قاله ابن القطان، كما في "نصب الراية" "٢/ ٢٦"، وعمر بن يزيد منكر الحديث، كما في "الكامل" "٥/ ١٦٨٧" لابن عدي، وسلام بن سليمان ضعيف، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، وانظر: "الأحكام =
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وَالثَّامِنُ:
شَرْحُ الصَّدْرِ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾ الآية [الشرح: ١] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] .
وَالتَّاسِعُ:
الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحِبَّةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا حَبِيبُ اللَّهِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، إِذْ خَرَجَ ﵊، وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَذَاكَرُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا! إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى، كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحِهِ، وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَنَا أول مشفَّع ولا فخر،
_________________
(١) = الوسطى" "١/ ٣٢٢-٣٢٣" لابن القطان. وحديث مرثد أخرجه الدارقطني في "السنن" "٢/ ٨٨"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "١/ ٢٤٤/ رقم ٣١٧"-ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" "٢/ ق ١٩٧/ أ"-والطبراني في "الكبير" "٢٠/ ٣٢٨/ رقم ٧٧٧"، والحاكم في "المستدرك" "٣/ ٢٢٢"، وابن منده في "المعرفة" "٢/ ق ١٧٤/ ب" عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي مرفوعا: "إن سركم أن تُقبَل صلاتكم فليؤمكم خياركم؛ فإنهم وفودكم فيما بينكم وبين ربكم ﷿". وإسناده ضعيف، قال الدارقطني: "إسناد غير ثابت، وعبد الله بن موسى ضعيف". قلت: وكذا من روى عنه وهو يحيى بن يعلى الأسلمى، وبه أعَلَّه العراقي كما تقدم، والهيثمي في "المجمع" "٢/ ٦٤"، والقاسم الشامي لم يدرك مرثد، على ما بسطه ابن حجر في "الإصابة"، وإليه أشار العراقي بقوله: "وهو منقطع"، فالحديث ضعيف غير صحيح، وقد تابع المصنف الغزاليَّ في إيراده باللفظ المذكور، وهذا قصور منه، عفى الله عنا وعنه.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَق الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ وَلَا فَخْرَ"١.
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ الآية [المائدة: ٥٤] .
العاشر:
وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يدخل الجنة وأن أمته كذلك.
الحادي عشر:
وَأَنَّهُ أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] .
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب في فضل النبي ﷺ ٥/ ٥٨٧-٥٨٨/ رقم ٣٦١٦"-وقال: "هذا حديث غريب"، والدارمي في "السنن" "١/ ٢٦"، وابن مردويه -كما في "تفسير ابن كثير" "١/ ٥٧٣"-عن ابن عباس بإسناد ضعيف، فإنه من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة به، ورواية زمعة عن سلمة ضعيفة، ضعف زمعةَ أحمدُ ويحيى وأبو حاتم وغيرهم، وقال أبو زرعة: "واهي الحديث"، وقال البخاري: "يخالف في حديثه، تركه ابن مهدي أخيرا". انظر: "التاريخ الكبير" "٣/ ٤٥١"، و"الجرح والتعديل" "٣/ ٦٢٤"، و"الضعفاء الكبير" "٢/ ٩٤"، و"تاريخ ابن معين" "رقم ٣٠١- رواية الدوري"، و"أسئلة ابن طهمان" "رقم ٦٢"، و"الضعفاء والمتروكين" "٢/ ٧٥٩" لأبي زرعة، و"تهذيب الكمال" "٩/ ٣٨٦". ومع هذا، فقد وثقه ابن معين مرة، فقال في "تاريخه" "رقم ٥٥٣"-رواية الدوري": "صويلح الحديث"، وقال ابن عدي: "ربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه لا بأس به"، وروى له مسلم مقرونا بمحمد بن أبي حفصة، فهو بيِّن الأمر في الضعفاء، وروايته عن سلمة بن وهرام ضعيفة، قال عبد الله بن أحمد في "العلل" "رقم ٣٤٧٩" عن أبيه: "روى عنه زمعة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديثه حديثا ضعيفا"، وقال ابن عدي في ترجمة "سلمة": "أرجو أنه لا بأس بروايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة". وذكره ابن حبان في "الثقات" "٦/ ٣٩٩"، وقال: "يعتبر بحديثه من غير رواية زمعة بن صالح عنه". فالحديث ضعيف، ولبعضه شواهد في "الصحيح" وغيره.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وَالثَّانِي عَشَرَ:
أَنَّهُ جُعِل شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ، اخْتُصَّ١ بِذَلِكَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] .
وَالثَّالِثَ عَشَرَ: خَوَارِقُ الْعَادَاتِ مُعْجِزَاتٌ وَكَرَامَاتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ كَرَامَاتٌ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ، هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَحَدَّى الْوَلِيُّ بِالْكَرَامَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌ أَمْ لَا؟ وَهَذَا الْأَصْلُ شَاهِدٌ لَهُ، وَسَيَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ [وَقُدْرَتِهِ] ٢.
وَالرَّابِعَ عَشَرَ: الْوَصْفُ بِالْحَمْدِ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ وَبِغَيْرِهِ٣ مِنَ الْفَضَائِلِ، فَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ [الصَّفِّ: ٦]، وَسُمِّيَتْ أُمَّتُهُ الْحَمَّادِينَ.
وَالْخَامِسَ عَشَرَ: الْعِلْمُ مَعَ الْأُمِّيَّةِ٤، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٢] .
وَقَالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّه﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨] .
_________________
(١) ١ غير ظاهر مع آية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد﴾ قال المفسرون: هو نبيهم، إلا أن يكون مراده أنه وحده الذي يشهد على أمته بخلاف الأمم السابقة، فيشهد عليهم مع أنبيائهم كما تشهد أمته عليهم، وهو بعيد من كلامه. "د". ٢ سقط من "ط". ٣ في "ط": "وبغيرها". ٤ العلم مع الأمية فيه ﷺ واضح، وهو إحدى معجزاته، والآيات صريحة فيه، وأمية الأمة تصرح بها الآيات، لكن أين في الآيات والحديث الوصف للأمة بالعلم الذي لا يكون عادة مع الأمية والمدلول عليه في مثل آية: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ إلخ العلم الذي هو الإيمان ولواحقه، التي لا يلزم منها الاتصاف بالعلم على الإطلاق كوصفه ﵇. "د".
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نَكْتُبُ" ١.
وَالسَّادِسَ عَشَرَ ٢:
مُنَاجَاةُ الْمَلَائِكَةِ، فَفِي النَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُ الْمَلَكُ، كَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ٣، وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ هَذَا.
وَالسَّابِعَ عَشَرَ: الْعَفْوُ قَبْلَ السُّؤَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُم﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٣] .
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٢] .
وَالثَّامِنَ عَشَرَ: رَفْعُ الذِّكْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ [الشَّرْحِ: ٤] .
وَذُكِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فِي عَقْدِ الْأَيْمَانِ، وَفِي كَلِمَةِ الْأَذَانِ، فَصَارَ ذِكْرُهُ ﵊ مَرْفُوعًا مُنَوَّهًا بِهِ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْأُمَّةِ وَمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ كَثِيرٌ.
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مُوسَى ﵊، أَنَّهُ قال:
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٥٦"، والحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "إنا أمة " بتقديم "نكتب" على "نحسب". ٢ هذا الوجه كما ترى لم يُقِم عليه دليلا محدودا. "د". ٣ أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الحج، باب جواز التمتع ٢/ ٨٩٩/ رقم ١٢٢٦ بعد ١٦٧" عن عمران، قال: "وقد كان يسلم عليَّ حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكي فعاد". وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" "٩/ ١١"، وابن أبي أسامة والدارمي، كما في "الإصابة" "٣/ ٢٦-٢٧"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "٩/ ١٤٦-١٤٧/ رقم ١٠٣"، وعزاه للبخاري، ولم يعزه له المزي في "تحفة الأشراف" "ورقم ١٠٨٤٦". ٤ لا يظهر هنا سؤال ولا عفو قبله، وعلى فرض أن هنا موضع سؤال وعتب على انصرافهم عنهم ومخالفتهم لأمره ﵇، فمن أين أن العفو كان قبل السؤال؟ "د".
[ ٢ / ٤٢٨ ]
"اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَمَةِ أَحْمَدَ"١ لِمَا وُجِدَ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِشَادَةِ بِذِكْرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ٢.
وَالتَّاسِعَ عَشَرَ:
أَنَّ مُعَادَاتَهُمْ مُعَادَاةٌ لِلَّهِ، وَمُوَالَاتَهُمْ مُوَالَاةُ لِلَّهِ٣، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّه﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٧] [هِيَ عِنْدَ طَائِفَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ آذَانِي، فَقَدْ آذى الله" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو الفضل الرازي في "فضائل القرآن" "رقم ٥٤"، وأبو نعيم في "الدلائل" "ص٣٠-٣١" عن الربيع بن النعمان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مطولا، وفيه المذكور. قال أبو نعيم عقبه: "وهذا الحديث من غرائب حديث سهيل، لا أعلم أحدا رواه مرفوعا إلا من هذه الوجه، تفرد به الربيع بن النعمان وبغيره من الأحاديث عن سهيل، وفيه لين". قلت: وله طرق كثيرة كما بينته بإسهاب في تعليقي على رسالة ابن قيم الجوزية "الفوائد الحديثة" وهي مطبوعة، وأصحها ما أخرجه أبو الحسين بن المنادي في "متشابه القرآن العظيم" "ص٢٢" بسند حسن عن ابن عباس، وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم في "تفسيره" -كما في "الإتقان" "١/ ١٨٥"- بسندهما إلى قتادة، قال: حدثنا رجال من أهل العلم، وذكره. وإسناده صحيح إلى قتادة. ٢ كما تراه في "الجواب الصحيح" "٣/ ٣١٣ وما بعدها"، و"هداية الحيارى" "٦١ وما بعدها"، و"أعلام النبوة" "ص١٢٨ وما بعدها" للماوردي، و"محمد نبي الإسلام" "ص٧ وما بعدها" لمحمد عزت الطهطاوي، و"إظهار الحق"، و"نبوة محمد في الكتاب المقدس"، و"محمد في التوراة والإنجيل والقرآن"، و"الأدلة على صدق النبوة المحمدية ورد الشبهات عنها" "الفصل الأول، الباب الأول، ص٥٠-٨٩" لهدى مرعي. ٣ لم يذكر الموالاة في الأمة، وذكرها في الرسول ﵇، وسيأتي في السابع والعشرين ما يتضمنه، ولو قال: "ومفهوم من آذى لي وليا إلخ، أن من والى لي وليا إلخ"، لأكمل المطلوب. "د". ٤ قطعة من حديث أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب: منه ٥/ ٦٩٦ =
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارِبَةِ" ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ [النِّسَاءِ: ٨٠] .
وَمَفْهُومُهُ مَنْ لَمْ يطعِ الرَّسُولَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ.
وَتَمَامُ الْعِشْرِينَ:
الِاجْتِبَاءُ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ ﵈: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الْأَنْعَامِ: ٨٧] .
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ مصطفى من الخلق٢.
_________________
(١) = / رقم ٣٨٦٣" -وقال: هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه- وأحمد في "المسند" "٤/ ٨٧ و٥ / ٥٤، ٥٧"، و"الفضائل" "رقم ١، ٣"، وابنه عبد الله في "زياداته على الفضائل" "رقم ٢، ٤"، وابن أبي عاصم في "السنة "رقم ٩٩٢"، وابن حبان في "الصحيح" "١٦م ٢٤٤/ رقم ٧٢٥٦- الإحسان"، والبيهقي في "الاعتقاد" "ص٣٢١"، وأبو نعيم في "الحلية" "٨/ ٢٨٧" والخطيب في "تاريخ بغداد" "٩/ ١٢٣"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم ٣٨٦٠"، والضياء المقدسي في "جزء النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب" "رقم ٣، ٤- بتحقيقي" عن عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الله بن عبد الرحمن -وفي بعض طرق عبد الرحمن بن زياد أو عبد الرحمن بن عبد الله- عن عبد الله بن المغفل مرفوعا، أوله: "اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي". وإسناده ضعيف، تابعيُّه مجهول، لم يروِ عنه عبيدة بن أبي رائطة، ولم يوثقه غير ابن حبان في "الثقات" "٥/ ٤٦". ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب التواضع، ١١/ ٣٤٠-٣٤١/ رقم ٦٥٠٢" وغيره ضمن حديث إلهي. ٢ أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ٤/ ١٧٨٢/ رقم ٢٢٧٦" وغيره عن واثلة بن الأسقع مرفوعا: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". وفي "مسند أحمد" "٦/ ٢٥" وغيره: "وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى".
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فَاطِرٍ: ٣٢] .
وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ:
التَّسْلِيمُ مِنَ اللَّهِ، فَفِي أَحَادِيثِ إِقْرَاءِ السَّلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] .
و: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] .
وَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﵊ فِي خَدِيجَةَ: "اقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي"٢.
وَالثَّانِي وَالْعِشْرُونَ:
التَّثْبِيتُ عِنْدَ تَوَقُّعِ التَّفَلُّتِ الْبَشَرِيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٤] .
_________________
(١) ١ ورد ذلك في حديث عند أبي الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ" "رقم ٦١٠" عن سعيد المقبري، عن عائشة رفعته: "يا عائشة! لو شئت لسارت معي جبال الذهب؛ جاءني ملك، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ". وإسناده ضعيف، فيه أبو معشر سيئ الحفظ، وسعيد لم يسمع من عائشة. ٢ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها ﵂ ٧/ ١٣٤/ رقم ٣٨٢٠"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٤/ ١٨٨٧/ رقم ٢٤٣٢" عن أبي هريرة، قال: "أتى جبريل النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومنى، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب". وأخرجه أيضا بنحوه في "كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه﴾ ١٣/ ٤٦٥/ رقم ٧٤٩٧"، إلا أن فيه: "فأقرئها من ربها السلام".
[ ٢ / ٤٣١ ]
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] .
وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ:
الْعَطَاءُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ١، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون﴾ [الْقَلَمِ: ٣] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون﴾ [التِّينِ: ٦] .
وَالرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٧-١٩]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٩]، عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ.
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ [الْقَمَرِ: ١٧] .
والخامش والعشرون:
جعل السلام عليكم مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ؛ إِذْ يُقَالُ فِي التَّشَهُّدِ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ"٢.
وَالسَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ سَمَّى نَبِيَّهُ ﵇ بِجُمْلَةٍ من أسمائه كالرؤوف الرَّحِيمِ، وَلِلْأُمَّةِ نَحْوَ الْمُؤْمِنِ وَالْخَبِيرِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ.
وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر﴾ [النساء: ٥٩] .
_________________
(١) ١ وعلى التفسير الآخر وهو أن الممنون المقطوع يكون التشريك في هذا المعنى، فيحل وجه بدل وجه. "د". ٢ وإن كان يشمل كل عبد لله صالح كما في الحديث، فالصالح من أمته مندرج من باب أولى. "د".
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي" ١.
وَقَالَ: "مَنْ يطعِ الرَّسُولَ، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" ٢.
وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ:
الْخِطَابُ الْوَارِدُ ومورد الشَّفَقَةِ وَالْحَنَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١-٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢] .
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] .
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٨] .
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] .
وَالتَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ:
الْعِصْمَةُ مِنَ الضَّلَالِ بَعْدَ الْهُدَى٣، وَغَيْرُ ذلك من
_________________
(١) ١ هو قطعة من الحديث الآتي. ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ١٣/ ١١١/ رقم ٧١٣٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٣/ ١٤٦٦/ رقم ١٨٣٥". ٣ على هذا يحتاج إلى تأويل الحديث الوارد في "المصابيح" وصححه الترمذي: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون﴾، إلا أن أدلته غير واضحة الدلالة على المطلوب، فإن حديث: "لا تجتمع أمتي" إنما هو في مجموعة الأمة لا في الأفراد ولو جماعة من الأمة، وآية: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾ =
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وُجُوهِ الْحِفْظِ الْعَامَّةِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَجَاءَ فِي الْأُمَّةِ: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي على ضلالة" ١.
_________________
(١) = ليس المخلصون إلا الجزء القليل من المهتدين، وحديث: "احفظ الله" لا يخرج عن رسم طريق للحفظ من الغواية والضلال وغيرهما من الشرور الدنيوية والأخروية، وحديث: "ما أخاف عليكم أن تشركوا" متوجه لمجموع الأمة وجمهورها، وإلا، فقد ثبت على أشخاص الارتداد بعد الإيمان في عهده ﷺ ولكنه لا يستدعي خوفا من الجمهور المعني بذلك الحديث، فلعله يعني إثبات العصمة بعد الهدى لمجموع الأمة لا ما يشمل عصمة الإفراد، وعبارته مطلقة ومحتملة، والإفراد في قوله: "احفظ الله" لا يقتضي أن يكون شاملا للأفراد وإن كان الظاهر منه هذا المعنى، وبعيد أن يراد به خصوص المجموع من الأمة وإذا تمَّ ما قلناه، لا يحتاج الحديث إلى الصرف عن ظاهره. "د". وقال "خ": "هذه حقيقة جلية، ومن نراه يتخبط في ريب الإلحاد وقد نبت في بيت إسلامي؛ فلأنه لم يأخذ عقائد الدين وآدابه على بينة وأسلوب حكيم، وإنما سمى نفسه أو سماه آباؤه مسلما، وليس المقلد في أصل الدين على بصيرة وهدى حتى يكون انحلال عقيدته شكا بعد يقين وضلالا بعد هدى". ١ أخرجه ابن ماجة في "السنن" "كتاب الفتن، باب السواد الأعظم ٢/ ١٣٠٣/ رقم ٣٩٥٠"، وابن أبي عاصم في "السنة" "١/ ٤١/ رقم ٨٤"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "١/ ١٠٥/ رقم ١٥٣"، وابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "١/ ١١٣"، وأفاد ابن حجر أن الدارقطني أخرجه في "الإفراد عن أنس مرفوعا بلفظ: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة". وإسناده واهٍ؛ فيه معان بن رفاعة، لين الحديث، كثير الإرسال، وأبو خلف الأعمى البصري متروك، ورماه ابن معين بالكذب. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "١/ ١١٦-١١٧" من طريق آخر عن أنس، وفيه مبارك بن سحيم، قال الحاكم: "ممن لا يمشي في هذا الكتاب، لكن ذكرته اضطرارا". وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٨٣"، من طريق آخر عن أنس بلفظ: "إن الله أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة"، وإسناده ضعيف، فيه مصعب بن إبراهيم، وهو منكر الحديث. وأخرجه الترمذي في "الجامع" أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤/ ٤٦٦/ رقم ٢١٦٧"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٨٠"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ١١٥- =
[ ٢ / ٤٣٤ ]
_________________
(١) = ١١٦"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص٣٢٢"، وأبو نعيم في "الحلية" "٣/ ٣٧"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "رقم ١٥٤"، والطبراني في الكبير" "رقم ١٣٦٢٣"، وابن حزم في "الإحكام" "٤/ ١٩٢"، وابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "١/ ١٠٩" عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: "إن الله لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمد ﷺ- على ضلالة"، قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان". قلت: وكذا قال الدارقطني في "علله"، وزاد: "ليس بالقوي، يتفرد بما لا يتابع عليه". والراوي عنه هنا المعتمر بن سليمان، وقد اختلف عليه فيه من سبعة أوجه سردها الحاكم، وقال: "لا يسعنا أن نحكم عليها كلها بالخطأ ولا الصواب"، وقال: "وقد كنت أسمع أبا علي الحافظ يحكم بالصواب لقول من قال: عن المعتمر، عن سليمان بن سفيان المدني" وهذا الذي صوبه البخاري والترمذي والدارقطني، وتبعهم ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "١/ ١١٠-١١١"، وسليمان ضعيف كما قدمنا. وأخرجه أبو داود في "السنن" "رقم ٤٢٣٣"، والطبراني في "الكبير" "رقم ٣٤٤٠" -ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "١/ ١٠٦"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٩٢"، والداني في "الفتن" "ق ٤٥/ ب" عن أبي مالك الأشعري مرفوعا: "إن الله أجاركم من ثلاث خلال" آخرها: "وأن لا تجتمعوا على ضلالة". وإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع؛ شريح بن عبيد لم يسمع من أبي مالك الأشعري، وبهذا أعله الزركشي في "المعتبر" "ص٥٨"، وابن كثير في "تحفة الطالب" "رقم ٣٥" بقوله: "في إسناد هذا الحديث نظر"، وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "٣/ ١٤١": "وفي إسناده انقطاع"، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٨٢" من طريق آخر عن أبي مالك واسمه كعب بن عاصم بإسناد فيه سعيد بن زربي وهو منكر الحديث، وفيه عنعنة الحسن البصري، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "١/ ١١٦" عن ابن عباس مرفوعا: "لا يجمع الله أمتي -أو قال: هذه الأمة- على الضلالة أبدا". وفيه إبراهيم بن ميمون، قد عدله عبد الرزاق وأثنى عليه، وعبد الرزاق إمام أهل اليمن، وتعديله حجة، ووثق ابن ميمون أيضا ابن معين. وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" "٢/ ٢٠٨" عن سمرة مرفوعا: "إن أمتي لا تجتمع =
[ ٢ / ٤٣٥ ]
_________________
(١) = على ضلالة". وإسناده ضعيف، فيه أبو عون الأنصاري: مقبول، وعتبة بن أبي حكيم صدوق يخطيء كثيرًا، وبقية مدلس وقد عنعن. وأخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير" -كما قال الزركشي في "المعتبر" "ص٦١"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٣٩٦"، والطبراني في "الكبير" "رقم ٢١٧١"، ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "١/ ١٠٥-١٠٦"، وابن عبد البر في "الجامع" "١/ ٧٥٦/ رقم ١٣٩٠" عن أبي بصرة الغفاري مرفوعا: "سألت ربي ﷿ أربعا، فأعطاني ثلاثا، ومنعنى واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها"، وإسناده ضعيف فيه راوٍ مبهم، وسائر رجاله ثقات. وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "رقم ١٣٣٧٣" في سورة الأنعام عن الدورقي عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري مرسلا. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "رقم ٨٥"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "٣/ ٢٤٤-٢٤٥"، والطبراني في "الكبير" "١٧/ رقم ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٤٩"، والحاكم في "المستدرك" "٤/ ٥٠٦-٥٠٧"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "١/ ١٦٧، واللالكائي في "السنة" رقم ١٦٢، ١٦٣"، وابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "١/ ١١٤-١١٥" عن أبي مسعود البدري بألفاظ منها: "فإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالته". وإسناده صحيح موقوف، رجاله رجال الشيخين، وحسنه ابن حجر، وقال الزركشي في "المعتبر" "ص٦٢": "وحديث أبي مسعود رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وذكرها من طريق وضعفها، والظاهر وقفه على أبي مسعود". ثم قال: "واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة، ولا يخلو من علة، وإنما أوردت منها ذلك؛ ليتقوى بعضها ببعض"، ثم قال: "ومن شواهده ما في "الصحيحين" -"صحيح البخاري" "رقم ١٣٦٧، ٢٦٤٢"، و"صحيح مسلم" "رقم ٩٤٩"- عن أنس، قال: مر على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا شرا، فقال: "وجبت" فقيل: يا رسول الله! لم قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: "شهادة القوم المؤمنون شهداء الله في الأرض"، وفي لفظ لمسلم: "من أثنيتم عليه خيرا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتهم عليه شرا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض". "ثلاثا".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وَجَاءَ: "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ" ١.
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ".
وَفِي قَوْلِهِ: "وَإِنَّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا" ٢.
وَتَمَامُ الثَّلَاثِينَ:
إِمَامَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ ﵊ أمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ، قَالَ: "وَقَدْ رَأَيْتُنِي [فِي] جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ" ٣.
وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ عِيسَى ﵇ إِلَى الْأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ: "إِنَّ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْهَا، وَإِنَّهُ يصلي مؤتما بإمامها" ٤.
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٣١٥". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس عليها ١١/ ٢٤٣-٢٤٤/ رقم ٦٤٢٦" من حديث عقبة بن عامر ﵁. ٣ قطعة من حديث أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ١/ ١٥٦-١٥٧/ رقم ١٧٢" عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم -يعني: نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم". قلت: وما بين المعقوفتين ساقط في الأصل. ٤ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ ٦/ ٤٩١/ رقم ٣٤٤٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ ١/ ١٣٦-١٣٧/ رقم ١٥٥ بعد ٢٤٤" عن أبي هريرة مرفوعا: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم فيكم؟ " لفظ الشيخين. =
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وَمَنْ تَتَبَّعَ الشَّرِيعَةَ وَجَدَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا [مَجْمُوعُهُ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ تَقْتَبِسُ مِنْهُ خَيْرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ، وَتَرِثُ أَوْصَافًا وَأَحْوَالًا مَوْهُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُكْتَسَبَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ:
- مِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ مَا أُعْطِيَتْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْمَزَايَا وَالْكَرَامَاتِ، وَالْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْيِيدَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ إِنَّمَا هِيَ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ نَبِيِّنَا ﷺ، لَكِنْ عَلَى مِقْدَارِ الِاتِّبَاعِ، فَلَا يَظُنُّ ظانٌّ أَنَّهُ حَصَلَ عَلَى خَيْرٍ بدون وساطة١ نبوية، كيف وهو السراج المنير الذي يستضيء بِهِ الْجَمِيعُ، وَالْعَلَمُ الْأَعْلَى الَّذِي بِهِ يُهْتَدَى فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ.
وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: قَدْ ظَهَرَتْ عَلَى أَيْدِي الْأُمَّةِ أُمُورٌ لَمْ تَظْهَرْ عَلَى يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا سِيَّمَا الْخَوَاصُّ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا بَعْضُهُمْ، كفرار الشيطان من ظل
_________________
(١) = وفي لفظ لمسلم "برقم ١٥٥ بعد ٢٤٥": "وأمكم"، وفي لفظ "برقم ١٥٥ بعد ٢٤٦": "فأمكم منكم"، وفيه: قال ابن أبي ذئب -بعض رواته: تدري ما "أمكم منكم"؟ قلت: -الوليد بن مسلم: تخبرني؟. قال: "فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ". فليس في هذا "وأنه يصلي مؤتما بإمامها". نعم، ورد في "صحيح مسلم" "رقم ١٥٦" عن جابر مرفوعا: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ، فيقول أميرهم: تعال صل بنا. فيقول: لا، لا تكرمة الله هذه الأمة". وهذا الأمير في هذه الرواية هو الإمام في الرواية الأولى، وهو المهدي بن عبد الله الحسيني، قال أبو ذر ابن سبط ابن العجمي في تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم ١٣٧"، وانظر -لزاما- تعليقنا عليه. ١ في "ماء / ص٢٠٣: "واسطة" وفي "ط": "وساطة النبوة".
[ ٢ / ٤٣٨ ]
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدْ نازع النبي ﷺ فِي صَلَاتِهِ الشَّيْطَانُ١وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَا سَلَكَتَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" ٢.
وَجَاءَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: "أَنَّ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ تَسْتَحِي مِنْهُ"٣ وَلَمْ يرد مثل هذا بالنسبة للنبي ﷺ.
وَجَاءَ فِي أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ: "أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى تَفَرَّقَا، فَافْتَرَقَ النُّورُ مَعَهُمَا"٤، وَلَمْ يُؤْثَرْ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْهُ ﵊.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ظَهَرَ مِثْلُهُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَيُقَالُ: كُلُّ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الْعُلَمَاءِ٥ أَوْ يُنْقَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من
_________________
(١) ١ سيأتي لفظه وتخريجه في التعليق على "ص٤٤١". ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب بدء الخلق ٦/ ٣٣٩/ رقم ٣٢٩٤، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي ﵁ ٧/ ٤٠/ رقم ٣٦٨٣، وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك ١٠/ ٥٠٣/ رقم ٦٠٨٥"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه ٤/ ١٨٦٣-١٨٦٤/ رقم ٢٣٩٦" عن سعد بن أبي وقاص ضمن حديث طويل في آخره: "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك". لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "غير ذلك". ٣ أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان بن عفان ﵁ عن عائشة، وذكرت قصته، وفي آخرها، "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ "، وأخرجه أحمد في "المسند" بألفاظ "١/ ٧١ و٦/ ٦٢، ١٥٥، ٢٨٨". ٤ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب منقبة أسيد بن حضير وعباد ابن بشر ﵄ ٧/ ١٢٤-١٢٥/ رقم ٣٨٠٥" عن أنس ﵁ بلفظ: "إن رجلين خرجا من عند". ٥ في "ط": "والعلماء".
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الْأَحْوَالِ وَالْخَوَارِقِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ أَفْرَادٌ وَجُزْئِيَّاتٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ كُلِّيَّاتِ مَا نُقِلَ عَنِ النبي ﷺ، غير أَفْرَادَ الْجِنْسِ وَجُزْئِيَّاتِ الْكُلِّيِّ قَدْ تَخْتَصُّ١ بِأَوْصَافٍ تَلِيقُ بِالْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا الْكُلِّيُّ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ كُلِّيٌّ٢، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْجُزْئِيِّ مَزِيَّةٌ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُزْئِيِّ خَاصٌّ بِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْكُلِّيِّ، كَيْفَ وَالْجُزْئِيُّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا إِلَّا بِجُزْئِيٍّ٣؟ إِذْ هُوَ مِنْ حَقِيقَتِهِ وَدَاخِلٌ فِي مَاهِيَّتِهِ، فَكَذَلِكَ الْأَوْصَافُ الظَّاهِرَةُ عَلَى الْأُمَّةِ لَمْ تَظْهَرْ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ كَالْأُنْمُوذَجِ مِنْ أَوْصَافِهِ ﵊ وَكَرَامَاتِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا عَلَى مقدار الاتِّباع والاقتداء به٤، ولو كان ظَاهِرَةً لِلْأُمَّةِ عَلَى فَرْضِ الِاخْتِصَاصِ بِهَا وَالِاسْتِقْلَالِ
_________________
(١) ١ أي: إن جزئيات الكلى تمتاز بمشخصات تليق بهذه الجزئيات، فالجزئيات التي وجدت لبعض الصحابة من الكرامات -وإن ظهر ببادي الرأي أنها أمور غير داخلة في كلي كرامات الرسول- فالواقع ليس كذلك، بل هي جزئيات من كليته، وكليته أكمل كما سيصوره المؤلف في عصمته ﵊ العصمة المطلقة من الشيطان، وفي فراره من عمر الذي لا يقتضي تمام العصمة، فكم يفر العدو ممن يراه أقوى منه، ولكنه قد يكر عليه فلا ينجو منه في بعض الغفلات؟ "د". ٢ في نسخة "ماء/ ص٢٠٣": "قلت: وانظر إلى أصل الشجرة وما يتفرع منه، وما يظهر في الفرع من ورق وشوك وثمر". ٣ لعل الصواب: "لا يكون جزئيا إلا بكلي". "د". قلت: المذكور متجه، ولا داعي للتصويب المذكور؛ إذ الكلي يتكون من مجموع الجزئيات، فتأمل. ٤ ليس هذا على إطلاقه، قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "١١/ ٢٨٣": "ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك؛ لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته، ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة، وقرر أيضا في "١١/ ٣٢٣" أن عدم الخوارق لا تضر المسلم في دينه، ولا ينقص ذلك من مرتبته عند الله بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه. وانظر -غير مأمور: "مجموع الفتاوى" "١٠/ ٢٩-٣٢ و٤٩٩-٥٠٠ و١١/ ٢٠٢، ٢٠٤-٢٠٨، ٢١٢-٢١٥، ٢٧٥ وبعدها، ٣٢٢ وما بعدها".
[ ٢ / ٤٤٠ ]
لَمْ تَكُنِ الْمُتَابَعَةُ شَرْطًا فِيهَا، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فِي شَأْنِ عُمَرَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ خَاصِّيَّتَهُ الْمَذْكُورَةَ هِيَ هُرُوبُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَذَلِكَ حِفْظٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِهِ وَحَمْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحِفْظَ التَّامَّ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ خَاصِّيَّةُ الرَّسُولِ ﷺ؛ إِذْ كَانَ مَعْصُومًا عَنِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى هُنَا، فَتِلْكَ النُّقْطَةُ الْخَاصَّةُ بِعُمَرَ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِرَارَ الشَّيْطَانِ أَوْ بُعده مِنَ الْإِنْسَانِ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحِفْظُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ زَادَتْ مَزِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خَوَاصُّ:
- مِنْهَا: أَنَّهُ ﵊ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، حَتَّى هَمَّ أَنْ يَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ تَذَّكَّرَ قول سليمان ﵇: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ١ [ص: ٣٥] وَلَمْ يَقْدِرْ عُمَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذلك.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه "كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَان﴾ ٦/ ٤٥٧/ رقم ٣٤٢٣، وكتاب التفسير، باب ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ٨/ ٥٤٦/ رقم ٤٨٠٨"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ١/ ٣٨٤/ رقم ٥٤١" عن أبي هريرة مرفوعا: "إن عفريتا من الجن تفلَّت عليَّ البارحة -أو كلمة نحوها- ليقطع عليَّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فردَّه خاسئًا" لفظ البخاري.
[ ٢ / ٤٤١ ]
- وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ اطَّلع عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ١ وَمِنْ عُمَرَ٢ وَلَمْ يطَّلِع عُمَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ.
- وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﵊ كان آمنا من نزعات الشَّيْطَانِ وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ، وَعُمَرُ لَمْ يَكُنْ آمِنًا وَإِنْ بعُد عَنْهُ.
وَأَمَّا مَنَقَبَةُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَرِدْ مَا يُعَارِضُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ أَوْلَى بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا عَدُمُهَا.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ لِخَاصِّيَّةٍ كَانَتْ فِيهِ وَهَى شِدَّةُ حَيَائِهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَشَدَّ٣ حياء من العذارء فِي خِدْرِهَا٤، فَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ أَصْلَهَا، فَالنَّبِيُّ ﵊ هُوَ الَّذِي حَوَاهُ عَلَى الْكَمَالِ.
وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي الْقَوْلُ فِي أُسَيْدٍ وَصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الْإِضَاءَةُ حَتَّى يُمْكِنَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ لَيْلًا بِلَا كُلْفَةٍ، وَالنَّبِيُّ ﵊ لَمْ يَكُنِ الظَّلَامُ يَحْجُبُ بَصَرَهُ، بَلْ كَانَ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ٥، بَلْ كَانَ لَا يَحْجُبُ بَصَرَهُ مَا هُوَ أَكْثَفُ مِنْ حِجَابِ الظلمة، فكان يرى
_________________
(١) ١، ٢ أي: في شأنه ﷺ وفي شأن عمر. "د". ٣ في "ط": "أو أشد". ٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، صفة النبي ﷺ ٦/ ٥٦٦/ رقم ٣٥٦٢، وكتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ١٠/ ٥١٣/ رقم ٦١٠٢، وباب الحياء ١٠/ ٥٢١/ رقم ٦١١٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه ﷺ ٤/ ١٨٠٩/ رقم ٢٣٢٠" عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. ٥ أخرج تمام في "الفوائد" "رقم ١٤٣٠- تربيته"، وابن عدي في "الكامل" "٤/ ١٥٣٤" -ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" "٦/ ٧٤-٧٥"، وابن الجوزي في "الواهيات" "١/ ١١٨/ رقم ٢٦٦"، والخطيب في تاريخ بغداد" "٤/ ٢٧١-٢٧٢"، ومكي المؤذن في "حديثه" "١/ ٢٣٦"، والضياء المقدسي في "المنتقى من حديث أبي علي الأوقي" "١/ ٢"-كما في "السلسلة الضعيفة" "رقم ٣٤١"- من طريق زهير بن عباد الرواسي عن عبد الله بن المغيرة عن المعلي بن هلال =
[ ٢ / ٤٤٢ ]
مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ١، وَهَذَا أَبْلَغُ، حَيْثُ كَانَتِ الْخَارِقَةُ فِي نَفْسِ الْبَصَرِ لَا فِي الْمُبْصِرِ بِهِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﵊ وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أُمَّتِهِ [مِنْ] ٢ بَعْدِهِ وَفِي زَمَانِهِ.
فَهَذَا التَّقْرِيرُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ٣، وَالْأَخْذُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ
_________________
(١) = عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ". وإسناده ضعيف جدا، قال البيهقي: "هذا إسناد فيه ضعف"، وقال ابن الجوزي: "لا يصح". المعلى بن هلال اتفق النقاد على تكذيبه، كما قال ابن حجر، والراوي عنه عبد الله بن محمد بن المغيرة، قال أبو حاتم: "ليس بقوي" وقال ابن يونس: "منكر الحديث"، وقال العقيلي: "يحدث بما لا أصل له"، كذا في "اللسان" "٣/ ٣٣٢"، وأورد الذهبي في "الميزان "٢/ ٤٨٧-٤٨٨" في ترجمته جملة من الأحاديث منها المذكور، ثم قال: "قلت: وهذه موضوعات"، وضعف هذا الحديث ابن دحية في كتابه "الآيات البينات"، قاله المناوي في "فيض القدير" "٥/ ٢١٥". قلت: ونقل تضعيفه فيه عن ابن بشكوال، كما قال ابن الملقن في "غاية السول في خصائص الرسول ﷺ "ص٢٩٩". وعزاه السيوطي في "الخصائص الكبرى" "١/ ٦١" لابن عساكر، وهو في "تاريخه" مرسلا، وفيه بعض المجاهيل، أفاده شيخنا الألباني. وأخرجه البيهقي في "الدلائل" "٦/ ٧٥" بسند فيه جماعة مجهولون عن مغيرة بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "كان رسول الله ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار من الضوء". وقال: "ليس بالقوي". ووردته قصة تدل على وهاء هذا الحديث، ولكنها من القصص التي لا تثبت، كما تراه في هامش "غاية السول" "ص٤٧٢". ١ سيأتي تخريجه "ص٢٧٤"، وهذا خاص به ﷺ في الصلاة فحسب. ٢ سقط من "ط". ٣ الأحسن من هذا الذي قرره المصنف ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "١١/ ٣٩٨": "ليس كل عمل أورث كشوفا أو تصرفا في الكون يكون أفضل من العمل =
[ ٢ / ٤٤٣ ]
جِهَتِهِ لَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَرُبَّمَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ إِشْكَالٌ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا بِحَوْلِ اللَّهِ. وَانْظُرْ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ.
فَصْلٌ:
وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى كُلِّ خَارِقَةٍ صَدَرَتْ عَلَى يَدَيْ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ لَهَا أَصْلٌ فِي كَرَامَاتِ الرَّسُولِ ﵊ وَمُعْجِزَاتِهِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلٌ، فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنْ ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهَا كَرَامَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَوَارِقِ بِكَرَامَةٍ١، بَلْ مِنْهَا مَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ٢.
وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ أَنَّ أَرْبَابَ التَّصْرِيفِ بِالْهِمَمِ٣ وَالتَّقَرُّبَاتِ بِالصِّنَاعَةِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ النُّجُومِيَّةِ قَدْ تَصْدُرُ عَنْهُمْ أَفَاعِيلُ خَارِقَةٌ، وَهِيَ كُلُّهَا ظلمات
_________________
(١) = الذي لا يورث كشفا وتصرفا، فإن الكشف والتصرف إن لم يكن مما يستعان به على دين الله وإلا كان من متاع الحياة الدنيا، وقد يحصل ذلك للكفار من المشركين وأهل الكتاب، وإن لم يحصل لأهل الإيمان الذين هم أهل الجنة، وأولئك أصحاب النار، ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تُتَلقى من مثل هذا، وإنما تُتَلقى من دلالة الكتاب والسنة". وقال: إن تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقا، مثل تفضيل أصل الدين على فرعه، وقد يكون مقيدا، فقد يكون أحد العملين في حق زيد أفضل من الآخر، والآخر في حق عمرو أفضل، وقد يكونان متماثلين في حق الشخص، وقد يكون المفضول في وقت أفضل من الفاضل، وقد يكون المفضول في حق من يقدر عليه وينتفع به أفضل من الفاضل في حق من ليس كذلك". ١ في الأصل: "كرامة". ٢ انظر نحوه في "النبوَّات"، و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" "ص٦٢ وما بعدها"، والموطن المذكورة آنفا من المجلد الحادي عشر من "مجموع الفتاوى"، و"مدارج السالكين" "١/ ٤٧-٤٨"، و"قطر الولي" "ص٢٥٣"، و"التنكيل" "٢/ ٢٣٨-٢٣٩". ٣ في الأصل: "الهمة".
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، لَيْسَ لَهَا فِي الصِّحَّةِ مَدْخَلٌ، وَلَا يُوجَدُ لَهَا فِي كَرَامَاتِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ، فَدُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَلَا تَجْرِي فِيهِ تِلْكَ الْهَيْئَةُ، وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى قِرَانٍ١ فِي الْكَوَاكِبِ، وَلَا الْتُمِسَ سُعُودُهَا أَوْ نُحُوسُهَا، بَلْ تحرَّى مُجَرَّدَ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَاللَّجَأُ إِلَيْهِ، معرِضا عَنِ الْكَوَاكِبِ وَنَاهِيًا عَنِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهَا؛ إِذْ قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ" ٢ الْحَدِيثَ، وَإِنْ تَحَرَّى وَقْتًا أَوْ دَعَا [إِلَى تحرِّيه] ٣، فَلِسَبَبٍ بَرِيءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، كَحَدِيثِ التَّنَزُّلِ٤، وَحَدِيثِ اجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ طَرَفَيْ النهار٥، وأشباه ذلك.
_________________
(١) ١ في الأصل: "قرار". ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" في مواطن، منها "كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذ سلم ٢/ ٣٣٣/ رقم ٨٤٦"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء ١/ ٨٣-٨٤/ رقم ٧١" من حديث زيد بن خالد، ومضى الحديث "١/ ٢٠١". ٣ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٤ يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ٣/ ٢٩/ رقم ١١٤٥، وكتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل ١١/ ١٢٨-١٢٩/ رقم ٦٣٢١، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه﴾ ١٣/ ٤٦٤/ رقم ٧٤٩٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ١/ ٥٢١/ رقم ٧٥٨" عن أبي هريرة مرفوعا: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثُلُثُ الليل الآخرُ، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له". ٥ يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر ٢/ ٣٣/ رقم ٥٥، وكتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ٦/ ٣٠٦/ رقم ٣٢٢٣، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه﴾ ١٣/ ٤١٥/ رقم ٧٤٢٩، وباب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكةَ ١٣/ ٤٦١/ رقم ٧٤٨٦"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ١/ ٤٣٩/ رقم ٦٣٢" عن أبي هريرة مرفوعا: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم؛ وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وَالدُّعَاءُ أَيْضًا عِبَادَةٌ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ؛ أَعْنِي الْكَيْفِيَّاتِ الْمُسْتَفْعِلَةَ وَالْهَيْئَاتِ الْمُتَكَلَّفَةَ الَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي لَا تَجِدُّ مُسَاقَهَا فِي مُتَقَدِّمِ الزَّمَانِ وَلَا مُتَأَخِّرِهِ، وَلَا مُسْتَعْمَلِ النَّبِيِّ ﵊ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالَّتِي رُوعِيَ فِيهَا طَبَائِعُ الْحُرُوفِ فِي زَعْمِ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ دُعَاءٍ كَتَسْلِيطِ الْهِمَمِ عَلَى الْأَشْيَاءِ حَتَّى تَنْفَعِلَ، فَذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتِ النَّقْلِ، وَلَا تَجِدَ لَهُ أَصْلًا، بَلْ أَصْلُ ذَلِكَ حَالٌ حُكْمِيٌّ وَتَدْبِيرٌ فَلْسَفِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ؛ هَذَا وَإِنْ كَانَ الِانْفِعَالُ الْخَارِقُ حَاصِلًا بِهِ، فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الصِّحَّةِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى ظَاهِرًا بِالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، بَلْ قَدْ يُوصَلُ بِالسَّحَرِ وَالْعَيْنِ إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ؛ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ صِرْفٌ، وتعدٍ مَحْضٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَزَلَّة قَدَمٍ لِلْعَوَامِّ وَلِكَثِيرٍ مِنَ الْخَوَاصِّ، فلْتُنَبَّهْ لَهُ.
فَصْلٌ:
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ، وَنَدَبَ١، وَتَصَرَّفَ بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ مِنَ الْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ، وَالْإِلْهَامِ الصَّحِيحِ، وَالْكَشْفِ الْوَاضِحِ، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، كَانَ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّنِ اخْتُصَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى
_________________
(١) ١ أي: إنه ﷺ رتب على فراسته ورؤياه وإلهاماته بشارة للبعض، ونذارة لآخر، وتصرفات في بعض الشئون، وهكذا؛ فمن فعل مثله ﷺ كان على صواب في عمله، وقد علمت مما سبق أن صدق ذلك تابع لقوة المتابعة، ولذا قال: "فمن اختص بشيء إلخ" وقوله: "شرط ذلك"، أي: الآتي في المسألة التالية. "د".
[ ٢ / ٤٤٦ ]
طَرِيقٍ مِنَ الصَّوَابِ١، وَعَامِلًا بِمَا لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْمَشْرُوعِ، لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ شَرْطِ ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ زَائِدًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَمْرًا وَنَهْيًا، وَتَحْذِيرًا وَتَبْشِيرًا وَإِرْشَادًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ حُكْمَهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ، شَأْنُ كُلِّ عَمَلٍ صَدَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا تَرَكَ بَعْدَهُ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ وَالنِذَارَةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِقْدَامُ وَالْإِحْجَامُ.
وَقَدْ قَالَ ﵊ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَاهُ الْمَلَكَيْنِ٢ وَقَوْلِهِمَا لَهُ: "نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ"، فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذلك يكثر الصلاة٣.
_________________
(١) ١ أسهب ابن القيم في الكلام على حجية "الفراسة"، وذكر أمثلة كثيرة على عمل الصحابة والتابعين بها، وذلك في أول كتابه "الطرق الحكمية"، انظره بتحقيقنا. ٢ أي: فقد رتب على رؤيا عبد الله نفسه ما رتب، ويظهر أن مقالة الرسول لأبي ذر وثعلبة وأنس كلها من قبيل الفراسة، ولتراجع رواية البخاري في "كتاب الرؤيا، باب الأمن وذهاب الروع في المنام، ففيها أن ملكا ثالثا قال له: "لم ترع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة"، فليست من كلام الملكين، كما أن لفظ الرسول في هذه الرواية "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يكثر الصلاة في الليل" وهو نص الرواية الأخرى التي رواها المؤلف، فليس بظاهر جعل قوله: "نعم إلخ" مقولا لقال ولا لقولهما إلا بتكليف. "د". قلت: بل الأمر كما ذكر المصنف، كما في الموطنين الثاني والثالث في "صحيح البخاري" من الهامش الآتي. ٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل ٣/ ٦/ رقم ١١٢١، ١١٢٢، وباب فضل من تعارَّ من الليل، فصلى ٣/ ٤٠/ رقم ١١٥٧، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ٧ / ٨٩-٩٠/ رقم ٣٧٣٨، ٣٧٣٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر ﵄ ٤/ ١٩٢٧-١٩٢٨/ رقم ٢٤٧٩" عن حفصة بنت عمر ﵄.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ" ١.
وَقَالَ ﵊ لِأَبِي ذَرٍّ: "إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تأمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تولَّينَّ مَالَ يَتِيمٍ" ٢.
وَقَوْلُهُ لِثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ وَسَأَلَهُ الدُّعَاءَ لَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ: "قَلِيلٌ تُؤَدِي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تطيقه" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ٧/ ٩٠/ رقم ٣٧٤٠، ٣٧٤١، وكتاب التعبيرات، باب الإستبرق ودخول الجنة في المنام ١٢/ ٤٠٣/ رقم ٧٠١٦، وباب الأمن وذهاب الروع في المنام ١٢/ ٤١٨/ رقم ٧٠٢٩، وباب الأخذ على اليمين في النوم ١٢/ ٤١٩/ ٧٠٣١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر ﵄ ٤/ ١٩٢٧/ رقم ٢٤٧٨" عن حفصة مرفوعا. ٢ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة ٣/ ١٤٥٧-١٤٥٨/ رقم ١٨٢٦"، ومضى تخريجه "١/ ١٧٧". ٣ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "٨/ ٢٦٠/ رقم ٧٨٧٣"، و"الأحاديث الطوال" "٢٥/ ٢٢٥- في "تفسيره" "٢/ ٣١٢"، وأبو نعيم في "المعرفة" "٣/ ٢٧٢"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص٢٥٢"، والبيهقي في "الدلائل" "٥/ ٢٨٩"، وابن عبد البر في "الاستيعاب" "١/ ٢٠٤"، وابن الأثير في "أسد الغابة" "١/ ٢٨٤"، وابن حزم في "المحلى" "١١/ ٢٠٨" عن أبي أمامة الباهلي رفعه، فيه معان بن رفاعة لين الحديث، وعلى بن يزيد الألهاني متروك، فإسناده ضعيف جدا، كما قال ابن حجر في "الكافي الشاف" "ص٧٧"، وضعفه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" "٣/ ٣٧٢"، وقال ابن حجر في "الفتح" "٣/ ٢٦٦": "حديث ضعيف لا يحتج به"، وقال ابن حزم في "المحلى" "١١/ ٢٠٨": "وهذا باطل بلا شك"، وضعفها البيهقي بقوله: "في إسناده نظر" والقرطبي في "تفسيره" "٨/ ٢١٠"، والذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" "١/ ٦٦"، والهيثمي في "المجمع" "٧/ ٣٥"، وغيرهم.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وَقَالَ لِأَنَسٍ: "اللَّهُمَّ كَثِّرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ" ١.
وَدَلَّ ﵊ أُنَاسًا شَتَّى عَلَى مَا هو أفضل الأعمال في حق كل وحد مِنْهُمْ، عَمَلًا بِالْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ فِيهِمْ، وَقَالَ٢: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ" ٣، فَأَعْطَاهَا عَلِيًّا ﵁، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ.
وَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إِنَّهُ "لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُقَمِّصَكَ قَمِيصًا: فَإِنْ أَرَادُوكَ على خلعه، فلا تخلعه" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب من زار قوما فلم يفطر عندهم ٤/ ٢٢٨/ رقم ١٩٨٢، وكتاب الدعوات، باب قوله الله ﵎: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ١١/ ١٣٦/ رقم ٦٣٣٤، وباب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة ١١/ ١٨٢/ رقم ٦٣٧٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب: منه ٤/ ١٩٢٨/ رقم ٢٤٨٠"، والترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب مناقب لأنس بن مالك ٥/ ٦٨٢/ رقم ٣٨٢٩"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٤٣٠" عن أم سليم "والدة أنس" وغيرهم. ٢ هذا وما بعده للآخر يدخل تحت الاطلاع الغيبي، وهي عبارة مجملة تشمل ما كان من قبيل الوحي الملكي والإلهام، وأُتي بها كذلك؛ لتصح فيها المشاركة للأمة على ضرب من التسامح "د". ٣ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب ٧/ ٧٠/ رقم ٣٧٠١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ٤/ ١٨٧٢/ رقم ٢٤٠٦" عن سهل بن سعد مرفوعا. ٤ أخرجه أحمد في "المسند" "٦/ ١١٤" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٢٨١، عثمان"- عن عائشة، وفي مسندها خلافا لما قاله ابن حجر في "أطراف مسند الإمام أحمد" =
[ ٢ / ٤٤٩ ]
فَرَتَّبَ عَلَى الِاطِّلَاعِ الْغَيْبِيِّ وَصَايَاهُ النَّافِعَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَتَكُونُ لَهُمْ أَنْمَاطٌ وَيَغْدُو أَحَدُهُمْ فِي حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةً وَتُرْفَعُ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثِ: "وأنتم اليوم خير منكم يومئذ" ١.
_________________
(١) = "٩/ ٢٩٧/ رقم ١٢٣٠٩": "وقع هذا في مسند عثمان"، ثنا محمد بن كناسة الأسدي ثنا إسحاق ابن سعيد عن أبيه، قال: بلغني أن عائشة قالت به، وهذا منقطع. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "١٢/ ٤٨-٤٩"-ومن طريقه ابن أبي عاصم في "السنة "٢/ ٥٥٨-٥٥٩/ رقم ١١٧٢"،وابن حبان في "الصحيح" "١٥/ ٣٤٦/ رقم ٦٩١٥- الإحسان" -ثنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن قيس عن النعمان بن بشير عن عائشة. وأخرجه أحمد في "المسند" "٦/ ١٤٩" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٢٧٨- ترجمة عثمان"- عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية به، وفيه: "عبد الله بن أبي قيس". وإسناده صحيح، رجاله رجال مسلم غير عبد الله بن قيس وهو اللخمي الشامي، وثقه ابن حبان في "الثقات" "٥/ ٤٥"، وروى عنه غير واحد، قال ابن حبان عقبه: "هذا عبد الله بن قيس اللخمي مات سنة أربع وعشرين ومئة، وليس هذا بعبد الله بن أبي قيس صاحب عائشة". وأخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان ﵁، ٥/ ٦٢٨/ رقم ٣٧٠٥"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٢٧٧" من طرق عن معاوية بن صالح، وأحمد في "المسند" "٦/ ٨٦" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٢٧٦- ترجمة عثمان"- من طريق الوليد بن سليمان، كلاهما عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله -وتصحف في مطبوع "جامع الترمذي" إلى عبد الملك" فليصحح- ابن عامر عن النعمان بن بشير به، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وللحديث طرق أخرى، انظرها في "سنن ابن ماجه" "رقم ١١٢"، و"المستدرك" "٣/ ٩٩-١٠٠"، و"السنة" لابن أبي عاصم "رقم ١١٧٤، ١١٧٩، ١١٨٠"، و"تاريخ دمشق" "ص٢٧٦ وما بعدها-ترجمة عثمان". ١ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦٢٩/ رقم ٣٦٣١، وكتاب النكاح، باب الأنماط ونحوها للنساء، ٩/ ٢٢٥/ رقم ٥١٦١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب اللباس، باب جواز اتخاذ الأنماط، ٣/ رقم ٣/ ١٦٥٠/ رقم ٢٠٨٣" عن جابر مرفوعا: "هل لكم من أنماط؟ " قلت: وأنى يكون لنا الأنماط؟ قال: " أما وإنها ستكون لكم الأنماط"، =
[ ٢ / ٤٥٠ ]
_________________
(١) = والتتمة المذكورة عند المصنف في حديث علي بن أبي طالب ﵁، أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، ٤/ ٦٤٧/ رقم ٢٤٧٦"-وقال: "هذا حديث حسن" من طريق هناد في "الزهد" "رقم ٧٥٧" وإسناده ضعيف، كما في "الإصابة" "٣/ ٤٢١"، وهو من طريق ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث، وهو في القطعة المطبوعة من "سيرته" "١٧٤"، وعزاه ابن حجر في "المطالب العالية" "٣/ ١٥٧" لأبي يعلى، وقال الهيثمي في "المجمع" "١٠/ ٣١٤": "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات". قلت: إلا أن الحديث صحيح لشواهده الكثيرة، منها: حديث واثلة بن الأسقع، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" "٢/ ٢٣"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٧/ ق ٥٦٠"، وفي إسناده سليمان ابن حيان مترجم في الجرح والتعديل" "٤/ ١٠٦"، و"التاريخ الكبير" "٤/ ٨"، و"تاريخ دمشق" "٧/ ق ٦٥٠-٦٥١"، ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، ووقع في مطبوع "الحلية" تصحيف شنيع أوهم جامع "حديث خيثمة" "ص١٩٠" أنه من حديث خيثمة بن سليمان الأطرابلسين وكشفنا عن هذا الوهم في التعليق على "رجحان الكفة" "ص٣٠٤" للسخاوي". وحديث طلحة بن عمرو النصري، أخرجه أحمد في "المسند" "٣/ ٤٨٧"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم ٦٦٨٤- الإحسان"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "رقم ١٤٣٤، ١٤٣٥"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "١/ ٢٧٧-٢٧٨"، وحماد بن إسحاق في "تركة النبي ﷺ" "ص٥٨"، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ١٥"، والبزار في "مسنده" "رقم ٣٦٧٣- زوائده"، والطيراني في "الكبير" "رقم ٨١٦٠، ٨١٦١"، والبيهقي في "الدلائل" "٦/ ٥٢٤"، وأبو نعيم في "الحلية" "١/ ٣٧٤" من طرق كثيرة عن داود بن٠ أبي هند به، وإسناده صحيح. وحديث سعد بن مسعود أخرجه هناد في "الزاهد" "رقم ٧٥٩" وفيه الإفريقي عبد الرحمن بن أنعم وهو ضعيف، وسعد في صحبته اختلاف. وحديث عروة بن الزبير أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "٣/ ١١٦"، ومن حديث أبيه الزبير أخرجه الحاكم في "المستدرك" "٢/ ٦٢٨-٦٢٩"، وفي إسنادهما موسى بن عبيدة الربذين وهو ضعيف. وآخر من مرسل قتادة أخرجه أحمد في "الزهد" "٣٧"، ومن مرسل سعد بن هشام أخرجه هناد في "الزهد" "رقم ٧٦٧". ومن حديث إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه؛ أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "٣/ ١٦٦"، والحاكم في "المستدرك" "٣/ ٢٠٠"، وفي سنده الواقدي. قلت: في الأصل: "يوضع".
[ ٢ / ٤٥١ ]
وَأَخْبَرَ بِمُلْكِ مُعَاوِيَةَ وَوَصَّاهُ١، وَأَنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الفئة الباغية٢، وبأمراء
_________________
(١) ١ المذكور عبارة القاضي عياض في "الشفا" "١/ ٦٥٦"، ويعتمد المؤلف عليه كثيرا في نقل الأحاديث، وقال السيوطي في "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا" "رقم ٧٣٣": "البيهقي من طرق عن معاوية". قلت: أخرج أحمد في "المسند" "٤/ ١٠١" وابن أبي الدنيا وابن منده -كما في "البداية والنهاية" "٨/ ١٢٣"- عن سعيد بن عمرو بن العاص يحدث أن معاوية أخذ الإداوة بعد أبي هريرة، فبينا هو يوضِّئ رسول الله ﷺ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين، فقال: "يا معاوية! إن وليت أمرًا، فاتق الله واعدل". وهذا إسناد ضعيف؛ لأنه مرسل. وأخرجه أبو يعلى في "المسند" "١٣/ ٣٧٠/ رقم ٧٣٨٠" ثنا سويد بن سعيد، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده سعيد بن عمرو بن العاص، عن معاوية به. وهذا موصول، إلا أنه ضعيف؛ لضعف سويد بن سعيد، قال الهيثمي في "المجمع" "٩/ ٣٥٥-٣٥٦": "رواه أحمد واللفظ له، وهو مرسل، ورواه أبو يعلى، فوصله، فقال فيه: عن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ، والباقي بنحوه، ورواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، وقال في "الأوسط" " فأقبل، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح". قلت: رواية أحمد مرسلة، وقد صرح الهيثمي بذلك "٥/ ١٨٦"، ورواية أبي يعلى فيها سويد، فهي ضعييفة، وأفاد الهيثمي في "المجمع" "٥/ ١٨٦" أن رواية الطبراني مختصرة عن عبد الملك بن عمير عن معاوية، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف، وقد وثق. قلت: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "١١/ ١٤٨- ط الهندوية و٧/ ٢٨٠- ط دار الفكر"، و" المسند" -كما في "المطالب العالية" "رقم ٤٠٨٥"، ومن طريقه قوام السنة في "الحجة" "٢/ ٣٧٦/ رقم ٣٧٨"، والبيهقي في "الدلائل" "٦/ ٤٤٦" عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير به. قال البيهقي عقبه: "إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف عند أهل المعرفة بالحديث" ثم =
[ ٢ / ٤٥٢ ]
_________________
(١) = قال: "غير أن لهذا الحديث شواهد" وذكر مرسل سعيد بن عمرو بن العاص، وقال: "ومنها حديث راشد بن سعد عن معاوية مرفوعا: "إنك إن اتبعت عورات الناس أو عثرات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم". قلت: الحديث الأخير أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم ٤٨٨٨، ٤٨٨٩"، والبخاري في "الأدب المفرد" "رقم ٢٤٨"، والطبراني في "الكبير" "١٩/ ٨٩٠"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم ٥٧٦٠- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "٨/ ٣٣٣"، وأبو نعيم في "الحلية" "٦/ ١١٨" بإسناد صحيح باللفظ المذكور، وهو بعيد في شهادته للفظ المصنف، ولا يستلزم من عدم تتبع عورات الناس الإمارة عليهم، إلا أن يستشهد بلفظ حديث المقدام بن معدي كرب وأبي أمامة مرفوعا: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم". أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم ٤٨٨٩"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٤"، والحاكم في "المستدرك" "٤/ ٣٧٨" بإسناد حسن. فبمجموع الحديثين يتأيد سياق البيهقي على أن المذكور أخيرا شاهد غير الحديث الذي أورده المصنف وهو صحيح، فتأمل، والله أعلم. وأخرجه قوَّام السنة في "الحجة" "رقم ٣٧٩" عن طريق الحسن عن معاوية رفعه: "أما إنك ستلى أمر أمتي من بعدي"، وفيه يحيى بن غلاب، عن أبيه، قال الذهبي في "المغني" "رقم ٧٠٣٠" وتبعه ابن حجر في "اللسان" "٦/ ٢٧٣": "ذكر خبرا موضوعا في فضائل معاوية". ٢ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد ١/ ٥٤١/ رقم ٤٤٧، وكتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله ٦/ ٣٠/ رقم ٢٨١٢"، وأحمد في "المسند" ٣/ ٥، ٢٢، ٢٨، ٩١" عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية". وأخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ٤/ ٢٢٣٥"، وأحمد في "المسند" ٥/ ٣٠٦، ٣٠٦-٣٠٧" من طريق أخرى عن أبي سعيد مرفوعا: "بؤس ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية". والحديث مشهور متواتر، كما نص عليه ابن عبد البر في "الاستيعاب" "٢/ ٤٨١"، وابن حجر في "الإصابة" "٢/ ٥١٢". وانظر: "تالي التلخيص" ٢٥٤" للخطيب، وتعليقنا عليه.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا١ ثُمَّ وَصَّاهُمْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ، وَأَنَّهُمْ سَيَلْقَوْنَ بَعْدَهُ أَثَرَةً، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ٢ إِلَى سَائِرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﵊ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ بِهَا فَوَائِدُ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالتَّحْذِيرُ وَالتَّبْشِيرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.
وَالثَّانِي:
عَمَلُ الصَّحَابَةِ ﵃ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْفِرَاسَةِ وَالْكَشْفِ وَالْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ النَّوْمِيِّ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: "إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكَ وَأُخْتَاكَ"٣.
وَقَوْلِ عُمَرَ: "يَا ساريةُ! الجبلَ" ٤، فَاعْمَلِ النَّصِيحَةَ الَّتِي أَنْبَأَ عنها الكشف.
_________________
(١) ١ يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الندب إلى وضع الأيدي على الرُّكَب في الركوع ونسخ التطبيق ١/ ٣٧٨-٣٧٩" عن ابن مسعود ضمن حديث طويل فيه: "إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها". وأخرجه أحمد وابنه في "المسند" "١/ ٣٩٩-٤٠٠"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ٢٨٦٥" عن ابن مسعود، وصرح برفعه، وإسناده قوي على شرط مسلم. ٢ يشير إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" ٧/ ١١٧/ رقم ٣٧٩٢"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم ٣/ ١٤٧٤/ رقم ١٨٤٥" عن أسيد بن حضير مرفوعا: "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". ٣ قاله ﵁ لابنته عائشة لما أبطل نحلته لها عشرين وسقا. أخرجه مالك في "الموطأ" "٢/ ٤٨٣-٤٨٤- رواية أبي مصعب و٢/ ٧٥٢/ رقم ٤٦٨- رواية يحيى الليثي وص٢٣٦- رواية سويد بن سعيد- ط دار الغرب"، وإسناده صحيح، وانظر: "الاستذكار" "٢٢/ ٢٩٣-٢٩٥" لابن عبد البر. ٤ أخرجه البيهقي في "الدلائل" "٦/ ٣٧٠"، وأبو نعيم في "الدلائل" "رقم ٥٢٥-٥٢٨"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "ص٢٨٦- ترجمة عمر و٧/ ق ١٠-١٣ ترجمة سارية"، واللالكائي في "شرح اعتقاد أهل السنة" "رقم ٢٥٣٧"، و"كرامات الأولياء" "رقم ٦٧"، وابن =
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وَنَهْيِهِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُصَّ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَنْتَفِخَ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّرَيَّا"١
وَقَوْلِهِ لِمَنْ قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَآهُمَا يَقْتَتِلَانِ، فَقَالَ: مَعَ أَيِّهِمَا كُنْتَ؟ قَالَ: مَعَ الْقَمَرِ. قَالَ: "كُنْتُ مَعَ الْآيَةِ الممحوة، لا تلى [لي] عملا أبدا"٢.
_________________
(١) = الأعرابي في "كرامات الأولياء"، والديرعاقولي في "فوائده"، وحرملة في "حديث ابن وهب"، والدارقطني والخطيب في "الرواة عن مالك"، وابن مردويه، كما في "الإصابة" "٤/ ٩٨"، و"تخريج السخاوي للأربعين السلمية" "ص٤٤-٤٦"، والسلمي في "أربعي الصوفية" "رقم ٥" بأسانيد بعضها حسن، كما قال الحافظ ابن حجر والسخاوي، وجود بعضها ابن كثير في "البداية والنهاية" "٧/ ١٣١"، وقال بعد أن أورده من طرق: "فهذه طرق يشد بعضها بعضا". وألف القطب الحلبي في صحته جزء قاله السيوطي في "الدرر المنتثرة" "رقم ٤٦١". ١ أخرج أحمد في "المسند" "١/ ١٨"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "١/ ١٠" نحوه بسند صحيح"، وصححه السيوطي في "تحذير الخواص" "٢٣٣"، والهيثمي في "المجمع" "١/ ١٨٩"، وأفاد السيوطي أن ابن عساكر أخرج نحوه أيضا "ص٢٣٩"، والمذكور لفظ الإحياء" "٣/ ٣٢٦". ٢ حكاه أبو سعد الواعظ في كتابه "تفسير الأحلام الكبير" "ص٢٦٢"، وأفاد صاحبه أن القصة وقعت لقاضي حمص مع عمر، وفي آخرها: "وصرفه عن عمل حمص، فقضى أنه خرج مع معاوية إلى صفين، فقتل"، ثم ظفرت به مسندا، فعزاه الحافظ ابن كثير في "مسند الفاروق" "٢/ ٥٤٨" إلى أبي يعلى، قال: حدثنا غسان بن الربيع، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن عمر به، ثم ظفرت به من طريق حماد عند ابن أبي الدنيا في "الإشراف" "رقم ٢٥٥". ورجال إسناده ثقات، إلا أن إسناده ضعيف، حماد سمع من عطاء قبل اختلاطه وبعده ولم يتميز حديثه، فترك، وفي سماع محارب من عمر نظر، انظر ترجمة "محارب" في "تهذيب الكمال" "٢٧/ ٢٥٥"، وتابع حمادا ابنُ فضيل، وعنه ابن أبي شيبة في "المصنف" "٧/ ٢٤١- ط دار الفكر"، ولكن فيه: "عن عطاء، قال: حدثني غير واحد أن قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب، فقال" وذكر نحوه، ولم يعزه في "كنز العمال" "١١/ ٣٤٩/ رقم ٢١٧٠٩" إلا له. فائدة: طبع كتاب "تفسير الأحلام الكبير" منسوبا لابن سيرين وهو خطأ، وصوابه أنه لأبي سعد الواعظ، وكنت نفيت صحة نسبته لابن سيرين في كتابي: "كتب حذر منها العلماء" "٢/ ٢٧٥ وما بعدها"، وسردت أدلة على ذلك، ووقفت فيما بعد على اسم مؤلفه، وهو ممن يروي عن ابن جميع الصيداوي وطبقته.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وَيَكْثُرُ نَقْلُ مِثْلِ هَذَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ وَلَكِنْ يَبْقَى هُنَا النَّظَرُ فِي شَرْطِ الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَحْتَمِلُ بَسْطًا، فَلْنُفْرِدْهُ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهِيَ:
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُرَاعَى وتُعتبر، إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرِمَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَلَا قَاعِدَةً دِينِيَّةً١، فَإِنَّ مَا يَخْرِمُ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَيْسَ بِحَقٍّ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا خَيَالٌ أَوْ وَهْمٌ، وَإِمَّا مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ يُخَالِطُهُ مَا هُوَ حَقٌّ وَقَدْ لَا يُخَالِطُهُ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ مِنْ جِهَةِ مُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ مَشْرُوعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّشْرِيعَ الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامٌّ لَا خَاصٌّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا، وَأَصْلُهُ لَا يَنْخَرِمُ، وَلَا يَنْكَسِرُ لَهُ اطِّراد، وَلَا يُحَاشَى مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ مُكَلَّفٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكُلَّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مُضَادًّا لِمَا تَمَهَّدَ فِي الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ فَاسِدٌ بَاطِلٌ.
وَمَنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي أَمْرٍ، فَرَأَى الْحَاكِمُ فِي مَنَامِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَا تَحْكُمْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا بَاطِلٌ"، فَمِثْلُ هَذَا مِنَ الرُّؤْيَا لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ، وَلَا بِشَارَةٍ وَلَا نِذَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَخْرِمُ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ٢، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَأْتِي مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
_________________
(١) ١ انظر تقعيد ذلك والأدلة عليه في: "الاعتصام" "٢/ ١٥٣، وما بعدها" للمصنف، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢/ ٢٢٦، ٢٢٧، ١٠/ ٤٧٣-٤٧٤ و١٣/ ٧٣-١٧٦ و٢٠/ ٤٥ و١١/ ٧٧، ٢٠٨-٢١٠، و٢٠/ ٤٢-٤٧"، و"شرح العقيدة الطحاوية" "ص٤٩٨، ٥٠٠" و"مدارج السالكين" "٣/ ٢٢٨"، و"شرح مراقي السعود" "٢٨٨"، وأضواء البيان" "٤/ ١٥٩"، و"قطر الولي" "ص٢٥٢"، و"الجامع لأخلاق الراوي" "١/ ٨٠"، و"الفروق" "٤/ ٢٤٤"، و"فتح الباري" "١٢/ ٣٨٨"، و"إرشاد الفحول" "٢٤٩"، و"قواعد التحديث" "ص١٤٩"، و"أفعال الرسول ﷺ" "٢/ ١٤٦" للأشقر، و"مشتهى الخارف الجاني" "ص٢٦٨". ٢ انظر نص فتوى ابن رشد في "فتاويه" "١/ ٦١١-٦١٢"، ونقله عنه الونشريسي في "المعيار المعرب" "١٠/ ٢١٧-٢١٨"، وانظر في المسألة أيضا: "البحر المحيط" "١/ ٦٢-٦٣" للزركشي، و"الاعتصام" للمصنف "١/ ٢٦٢-٢٦٣"-ط رشيد رضا و١/ ٣٣٤-٣٣٥، ط ابن عفان"، وذكر فيه ما حكاه عن ابن رشد.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وَمَا رُوِيَ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَنْفَذَ وَصِيَّةَ رَجُلٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِرُؤْيَا رؤيت"١، فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا تَقْدَحُ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ لِاحْتِمَالِهَا، فَلَعَلَّ الْوَرَثَةَ رَضُوا بِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا خَرْمُ أَصْلٍ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ حَصَلَتْ لَهُ مُكَاشَفَةٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ الْمَعِينَ مَغْصُوبٌ أَوْ نَجِسٌ، أَوْ أَنَّ هَذَا الشَّاهِدَ كَاذِبٌ، أَوْ أَنَّ الْمَالَ لِزَيْدٍ وَقَدْ تَحَصَّلَ بِالْحُجَّةِ لِعَمْرٍو، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَلَا تَرْكُ قَبُولِ الشَّاهِدِ، وَلَا الشَّهَادَةِ٢ بِالْمَالِ لِزَيْدٍ عَلَى حَالٍ، فَإِنَّ الظَّوَاهِرَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهَا بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ أَمْرٌ آخَرُ، فَلَا يَتْرُكُهَا اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ الْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْفِرَاسَةِ، كَمَا لَا يَعْتَمِدُ فِيهَا عَلَى الرُّؤْيَا النَّوْمِيَّةِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَجَازَ نَقْضُ الْأَحْكَامِ٣ بِهَا، وَإِنْ تَرَتَّبَتْ فِي الظَّاهِرِ مُوجِبَاتُهَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِحَالٍ، فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ": "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلي، ولعل بعضكم أن يكون
_________________
(١) ١ وقعت له هذه الرؤيا مع صهيب، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" "٧/ ٢٤٠- ط دار الفكر"، وكذا أمضى عمر رؤيا في المنام، كما تراه في "مصنف عبد الرزاق" "٩/ ٢٤٢". ٢ لعلها: ولا الحكم. "د". ٣ أي: وإبطالها بعد صدورها من القاضي اعتبارا بأن الكشف أظهر الخطأ البين الذي ينقض به الحكم غير صحيح، فكذا ترك موجبات الحكم بحسب الظاهر على مقتضى قواعد الشريعة تعويلا على كشف أو غيره لا يكون صحيحا، وقد يقال: إن نقض الأحكام إنما يكون في جزئيات نادرة مقيدة بقيود كثيرة، فهو أبعد من ترك بعض موجبات الحكم إذا حصل تعارض بينها، فالملازمة ممنوعة؛ أي أنه لا يلزم من التنحي عن الأخذ بالشهادة المعتبرة شرعا إلى الأخذ بالكشف لزوم نقض الحكم الذي صدر بالفعل بناء على هذه الشهادة لحصول الكشف؛ وذلك لأن نقض الأحكام يترتب عليه فساد كبير وتعليل للأحكام، كما أشار إليه المؤلف في موضع آخر. "د".
[ ٢ / ٤٥٨ ]
ألحنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْكُمُ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ" ١ الْحَدِيثَ، فَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَى مَا يَسْمَعُ وَتَرَكَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُجْرَى عَلَى يَدَيْهِ يُطلع عَلَى أَصْلِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ حُقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلَكِنَّهُ ﵊ لَمْ يَحْكُمْ إِلَّا عَلَى وَفْقِ مَا سَمِعَ، لَا عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمَ٢، وَهُوَ أَصْلٌ فِي مَنْعِ الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا شَهِدَتْ٣ عِنْدَهُ الْعُدُولُ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ خِلَافَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُمْ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ كَانَ حَاكِمًا بِعِلْمِهِ، هَذَا مَعَ كَوْنِ عِلْمِ الْحَاكِمِ مُسْتَفَادًا مِنَ الْعَادَاتِ الَّتِي لَا رِيبَةَ فِيهَا، لَا مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي تُدَاخِلُهَا الْأُمُورُ، وَالْقَائِلُ٤ بِصِحَّةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ، فذلك بالنسبة إلى العلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين ٥/ ٢٨٨/ رقم ٢٦٨٠، وكتاب الحيل، باب منه ١٢/ ٣٣٩/ رقم ٦٩٦٧"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ٣/ ١٣٣٧/ رقم ١٧١٣" عن أم سلمة مرفوعا. ٢ لا يقضي ﵊ بمقتضى ما عرفه من طريق الباطن كما حكى القرآن عن الخضر ﵇ حتى يكون للأمة في أخذه بالظاهر أسوة حسنة، والحكم بطريق الباطن غير الحكم بما علمه من طريق الرؤية أو السماع، وهذا هو الذي يعد بعضهم الحكم به من خصائصه ﵇، ويرى آخرون أنه طريق مشروع لغيره من القضاة، إما بإطلاق، وإما في مواضع مخصوصة، ولا يعارضه قوله ﵊: "فأقضي له على نحو ما أسمع"، فإن التنصيص على السماع* لا ينفي حكمه [على] بعض الوقائع على حسب ما علم فيها بالطرق المعهودة من رؤية أو سماع، والحكم بالظاهر وإن لم يكن مطابقا للواقع ليس بخطأ؛ لأنه حكم بما أمر الله. "خ". ٣ في "ط": "شهد". ٤ قال ابن العربي في "كتاب الأحكام" "اتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يَقتُل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، هل يحكم بعلمه أم لا؟ " "د". * في الأصل: "إسماع".
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْعَادَاتِ، لَا مِنَ الْخَوَارِقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ١ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّاشِيِّ الْمَالِكِيِّ بِبَغْدَادَ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَامِ، جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَيَّامَ كَانَ قَاضِيًا، قَالَ: "وَلِشَيْخِنَا فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ٢ جزء في الرد عليه"، هذا ما قاله، وَهُوَ حَقِيقٌ بِالرَّدِّ إِنْ كَانَ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ سِوَاهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ خِلَافُ مَا نُقِلَ عَنْ أَرْبَابِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، فَقَدِ امْتَنَعَ أَقْوَامٌ عَنْ تَنَاوُلِ أَشْيَاءَ كَانَ جَائِزًا لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ تَنَاوُلُهَا، اعْتِمَادًا عَلَى كَشْفٍ أَوْ إِخْبَارٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا جَاءَ عَنِ الشِّبْلِيِّ حِينَ اعْتَقَدَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ، فَرَأَى بِالْبَادِيَةِ شَجَرَةَ تِينٍ، فهمَّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا فَنَادَتْهُ الشَّجَرَةُ: أَنْ لَا تَأْكُلْ مِنِّي فَإِنِّي لِيَهُودِيٍّ٣.
وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ الْمُهْتَدِي أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ فَلَيْلَةُ الدُّخُولِ وَقَعَ عَلَيْهِ نَدَامَةٌ، فَلَمَّا أَرَادَ الدنوَّ مِنْهَا زُجِرَ عَنْهَا، فَامْتَنَعَ وَخَرَجَ، فَبَعْدَ ثلاثة أيام ظهر لها زوج٤.
_________________
(١) ١ أي: فقد كان يطلع على ما في الأمر من حق وباطل، ومع ذلك كان يعول في حكمه على القانون الشرعي من اعتبار مقتضى الظواهر. "د". ٢ هو محمد بن أحمد رئيس الشافعية في وقته، كان يلقب بالخبير لدينه وورعه وعلمه وزهده، توفي سنة "٥٠٧هـ"، له ترجمة في "السير" "١٩/ ٣٩٣"، وانظر مدح ابن العربي له واستفادته منه في كتابه "قانون التأويل" "ص١١١-١١٣"، ونقله المزبور في "أحكام القرآن" "٣/ ١١٣١"، وعنه القرطبي في "التفسير" "١٠/ ٤٤-٤٥" "النحل: ٧٥". ٣ أي: مملوكة، وليست من أشجار البادية الخالية من الملكية، وأما كونها ليهودي بهذا الوصف، فلا تأثير له في أصل الحكم، ولكنه يفيد زيادة ورع حتى إنه تنحى عنها وهي لكافر. "د". قلت: القصة في "رسالة القشيري" "ص١٧٣-١٧٤" -وليس فيها: "فإني ليهودي"- و" الاعتصام" "١/ ٢٧١- ط ابن عفان". ٤ ذكر هذه القصة القشيري في "رسالته" "ص١٦٧"، وعلق عليها بقوله: "هذه هي الكرامة على الحقيقة؛ حيث حفظ عليه العلم.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَامَةٌ عَادِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ عَادِيَّةٍ يَعْلَمُ بِهَا، هَلْ هَذَا الْمُتَنَاوَلُ حلام أَمْ لَا؟ كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ حَيْثُ كَانَ لَهُ عِرْقٌ فِي بَعْضِ أَصَابِعِهِ إِذَا مَدَّ يَدَهُ إِلَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ تَحَرَّكَ، فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ١.
وَأَصْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَفِيهِ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَ الْقَوْمُ. وَقَالَ: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ" وَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ٢ الْحَدِيثَ، فَبَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَانْتَهَى هُوَ وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ.
وَهَذَا أَيْضًا مُوَافِقٌ لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهُوَ شَرْعٌ لَنَا إِلَّا أَنْ يَرِدَ نَاسِخٌ، وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ أُمِرُوا بِذَبْحِهَا وَضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِهَا، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ وَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ، فَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ٣ بِالْقِصَاصِ، وَفِي قِصَّةِ الْخَضِرِ فِي خَرْقِ
_________________
(١) ١ ذكر هذه القصة القشيري في "رسالته" "ص١٢" والمصنف في "الاعتصام" "١/ ٢٧٠- ط ابن عفان". ٢ هذا لفظ أبي داود في "السنن" "كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟ ٤/ ١٧٤-١٧٥/ رقم ٤٥١٢" عن أبي هريرة، ونقله المصنف من "الشفا" للقاضي عياض "١/ ٦٠٧"؛ فإنه كثير المتابعة له في ذلك. وأصل الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب ما يذكر في سَم النبي ﷺ ١٠/ ٢٤٤/ رقم ٥٧٧٧، وكتاب الجزية والموادعة، باب إذا غدر المشركون بالمسلمين، هل يعفى عنهم ٦/ ٢٧٢/ رقم ٣١٦٩، وكتاب المغازي، باب الشاة التي سُمَّت للنبي ﷺ بخيبر ٧/ ٤٩٧/ رقم ٤٢٤٩" عن أبي هريرة مطولا ومختصرا. وأخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين ٥/ ٢٣٠ / رقم ٢٦١٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، باب السم ٤/ ١٧٢١/ رقم ٢١٩٠" عن أنس ﵁. ٣ في الأصل: "الحكم عليه".
[ ٢ / ٤٦١ ]
السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ١، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْثَرُ فِي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكرامات الأوليات ﵃.
وَالثَّانِي:
أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَالْعَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، فَكَمَا لَوْ دَلَّنَا أَمْرٌ عَادِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ غَصْبِهِ لَوَجَبَ علينا الاجتناب، فكذلك ههنا؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِخْبَارٍ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ أَوْ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ، وَرُؤْيَتِهَا بِعَيْنِ الْكَشْفِ الْغَيْبِيِّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى هَذَا كَمَا يبنى على ذلك٢.
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٥٤٦"، وهو في "صحيح البخاري" وغيره. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى "١١/ ٦٥-٦٦": "وأما خواص الناس، فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف الله لهم، لكن هذا ليس ممن يجب التصديق العام به، فإن كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا، وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى، كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد، ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن يَزِنُوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا يكتفوا بمجرد ذلك، فإن سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب، وقد كانت تقع له وقائع، فيردها عليه رسول الله ﷺ، أو صديقه التابع له الآخذ عنه، الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدثه قلبه عن ربه. ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول ﷺ، وطاعته في جميع أموره الباطنة والظاهرة، ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة، لكان مستغنيا عن الرسول ﷺ في بعض دينه، وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى، ومن قال هذا، فهو كافر". وأسهب ﵀ في "مجموع الفتاوى" "١٣/ ٦٨-٧٠" في ذكر الحجج والأدلة على الاستئناس بالمكاشفات التي لا تضاد الشريعة، وبين أنه لا يجوز الاعتماد عليهم بالكلية، وفي هذا يقول علي القاري رحمه الله تعالى في رسالته "المقدمة السالمة في خوف الخاتمة" "ص١٦- بتحقيقي: "لا اعتبار لمكاشفات الأولياء ومحاضرات الأصفياء، بحيث يعتمد عليها بالكلية في الأمور الشرعية، أو في الأطوار الحقيقية، فإن الإنسان ما دام في هذه الدار المشوبة بالأكدار لا تصفى له الأسرار، ولا تتجلى له الأنوار، بخلاف الأنبياء الأبرار والرسل الكبار، ولذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد﴾ [ق: ٢٢] . قلت: سيأتي في القسم الأخير من الكتاب إشارة من المصنف في الفرق بين إلهامات الأنبياء وغيرهم، فانظره هناك، تولى الله هداك.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ أَبْعَدَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ لَا نِزَاعَ بَيْنِنَا فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ مَا ذُكِرَ صَوَابًا، وَعَمَلًا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
الِاعْتِبَارُ بِمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ فِي الْقِيَاسِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، إِذَا لَمْ يَثْبُتُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْخَوَارِقِ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ [مِنْ] ١ حَيْثُ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ بِدَلِيلِ الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ مُعْجِزًا، وَتَكُونُ قِصَّةُ الْخَضِرِ عَلَى هَذَا مِمَّا نُسِخَ٢ فِي شَرِيعَتِنَا، عَلَى أَنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ٣ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، بِنَاءً عَلَى مَا ثبت عنده من العادات، أما قتل
_________________
(١) ١ سقط من "ط". ٢ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ما كانت هذه القصة في معناه، حتى يقاس عليه، فلا نعول إلا على ما كان قد صدر في معناه شيء في شرعنا، فنلحق به بطريق القياس. "د". قلت: انظر تعليقنا على الهامش الآتي. ٣ أي أنه إذا قامت القرائن المؤكدة أن المال لا ينجو من الغصب إلا بهذا العمل، فلا مانع منه، أي: وعليه فلا حاجة إلى دعوى النسخ. "د". ومن الجدير بالذكر أن موسى ﵇ لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في "الصحيحين" وغيرهما كما قدمنا أن الخضر قال له: "يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه". وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة. وقد ثبت في "الصحاح" من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال فيما فضله الله به على الأنبياء، قال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" فدعوة محمد ﷺ شاملة لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، ولا استغناء عن رسالته، كما ساغ للخضر الخروج =
[ ٢ / ٤٦٣ ]
_________________
(١) = عن متابعة موسى وطاعته مستغنيا عنه بما علمه الله، وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد ﷺ: إنى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، ومن سوغ هذا أو اعتقد أن أحدا من الخلق الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد ﷺ ومتابعته، فهو كافر باتفاق المسلمين، ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا. وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة، ولهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل، وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ، ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى، لما وافقه. ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له الفعل في الشريعة، والآخر لا يعلم ذلك السبب وإن كان قد يكون أفضل من الأول، مثل شخصين دخلا إلى بيت شخص، وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله، إما بإذن لفظي أو غيره، فيتصرف، وذلك مباح في الشريعة، والآخرالذي لم يعلم هذا السبب لا يتصرف. وخرق السفينة كان من هذا الباب، فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وكان من المصلحة التي يختارها أصحاب السفينة إذا علموا ذلك أن يخرقوها؛ لئلا يأخذها الملك؛ لأن بقاءها مع الخرق فيها خير من انتزاعها منه. وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه؛ لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين، بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال، ولهذا ثبت في "صحيح البخاري" أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان، قال: "إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام، فاقتلهم، وإلا، فلا تقتلهم". وكذلك في "الصحيحين"، أن عمر لما استأذن النبي ﷺ في قتل ابن صياد وكان مراهقا لما ظنه الدجال، فقال: "إن يكنه، فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله"، فلم يقل: إن يكنه، فلا خير لك في قتله، بل قال: "فلن تسلط عليه" وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه؛ لقطع فساده لم يكن ذلك محذورا، وإلا كان التعليل بالصغر كافيا، فإن الأعم إذا كان مستقلا بالحكم، كان الأخص عديم التأثير. وأما بناء الجدار، فإنما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم، وقد بيَّن الخضر أن أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع، وإن كان جائعا.=
[ ٢ / ٤٦٤ ]
_________________
(١) = والمقصود من هذا كله أنه ليس في قصة الخضر ما يسوغ مخالفة رسول الله ﷺ لأحد من الخلق، أفاده شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" "١١/ ٤٢٠ وما بعدها". ولله در أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي رحمه الله تعالى، فقد قال فيما نقله عنه تلميذه الإمام القرطبي المفسر في تفسيره: "الجامع لأحكام القرآن" "١١/ ٤٠-٤١" ما نصه: "ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هدم الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم كما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون". قال الإمام القرطبي: "قال شيخنا ﵁: وهذا القول -أي: قول الزنادقة، هذه الأحكام- زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسالة السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عن رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ [الحج: ٧٥] . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري وإجماع السلف والخلف على أن لا طريقة لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها، إلا من جهة الرسل. فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يستغني عن الرسل فهو كافر يُقتَل ولا يستتاب ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﵊ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك أن من قال: يأخذ عن قلبه، وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة" ا. هـ. ونحوه في "٧/ ٣٩".
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الْغُلَامِ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَمُحْكَمَةٌ عَلَى التَّأْوِيلِ الْآخَرِ عَلَى وَفْقِ الْقَوْلِ الْمَذْهَبِيِّ فِي قَوْلِ الْمَقْتُولِ: دَمِيَ عِنْدَ فُلَانٍ.
وَالثَّانِي:
عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْأَوْلَى؛ إِذِ الْجَارِي عَلَيْهَا الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنْ إِنْ قَدَّرْنَا عَدَمَهُ، فَنَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى نَصٍّ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ طَلَبُ اجْتِنَابِ حَزَّازِ الْقُلُوبِ الَّذِي١ هُوَ الْإِثْمُ، وَحَزَّازُ الْقُلُوبِ يَكُونُ بِأُمُورٍ لَا تَنْحَصِرُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا هَذَا النَّمَطُ، وَقَدْ قَالَ ﵊: "الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، والإثم ما حاك في صدرك" ٢، فإذن لَمْ يَخْرُجْ هَذَا عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى نصوص شرعية عند
_________________
(١) ١ في الأصل: "إذ هو". ٢ أخرجه أحمد في "المسند" "٤/ ١٩٣، ١٩٤، ١٩٤-١٩٥" -ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "٢٢/ ٢١٩"/ رقم ٥٨٥"، و"مسند الشاميين" "رقم ٧٨٢" وأبو نعيم في "الحلية "٢/ ٣٠"- وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "١٩/ ق ١٠" عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا، "البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون" وإسناده جيد، كما قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "٢/ ٩٥"، وورد نحو لفظ المصنف من حديث وابصة بن معبد الجهني، أخرجه أحمد في "المسند" "٤/ ٢٢٨"، والدارمي في "السنن" "٢/ ٢٤٥-٢٤٦"، وأبو يعلى في "المسند" "رقم ١٥٨٦-١٥٨٧" والبيهقي في "الدلائل" "٦/ ٢٩٢" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "١٧/ ق ٧٠٣"- وإسناده ضعيف منقطع، فيه الزبير أبو عبد السلام وهو ضعيف، وبينه وبين أيوب بن عبد الله بن مكرز انقطاع، أفاده ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "٢/ ٩٤"، وأخرجه أحمد في "المسند" "٤/ =
[ ٢ / ٤٦٦ ]
مَنْ فَسَّرَ حَزَّازَ الْقُلُوبِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ إِلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي اعْتِبَارِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يُخِلُّ بِقَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي مِثْلِ مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَشْبَاهِهَا، وَقَتْلِ الْخَضِرِ الْغُلَامَ عَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمِثْلِهِ فِي شَرِيعَتِنَا الْبَتَّةَ، فَهُوَ حَكَمٌ مَنْسُوخٌ، وَوَجْهُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ مِنَ الْحِكَايَاتِ مَا يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى السُّؤَالِ، فَعُمْدَةُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ خُصُوصًا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاعْتِقَادِ فِي الْغَيْرِ عُمُومًا أَيْضًا، فَإِنَّ سَيِّدَ الْبَشَرِ ﷺ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالْوَحْيِ يُجْرِي الْأُمُورَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فِي الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ عَلِمَ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ عَنْ جَرَيَانِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَا قَالَ: "خَوْفًا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" ١، فَالْعِلَّةُ أَمْرٌ آخَرُ لَا مَا زُعِمَتْ، فَإِذَا عُدِمَ مَا عُلِّلَ به، فلا حرج.
_________________
(١) = ٢٢٧"، والطبراني في "الكبير" "٢٢/ رقم ٤٠٢"، والبزار في "مسنده" "رقم ١٨٣- زوائده"، والبيهقي في الدلائل" "٦/ ٢٩٢"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "١٧/ ق ٧٠٢" بإسناد فيه أبو عبد الله الأسدي، وسماه بعضهم أبو عبد الرحمن السلمي، وهو مجهول، وقيل فيه أشد من ذلك. قال البزار: أبو عبد الله الأسدي لا نعلم أحدا سماه"، وقال فيه الهيثمي في "المجمع" "١/ ١٧٥": "ولم أجد من ترجمه"، وأفاد أن الرواة اختلفوا في كنيته، وهو هو، وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "٢/ ٩٤": "والسلمي هذا قال علي بن المديني: مجهول، وخرجه البزار والطبراني وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا نعلم أحدا سماه، كذا قال، وقد سمي في بعض الروايات "عند ابن عساكر" محمدا، قال عبد الغني بن سعيد الحافظ: لو قال قائل: إنه محمد بن سعيد المصلوب لما دفعت ذلك، والمصلوب هذا صلبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع ولكنه لم يدرك وابصة والله أعلم". ١ أخرج البخاري في "الصحيح" كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية ٦/ ٥٤٦/ رقم ٣٥١٨" عن جابر ضمن قصة: "قال: عبد الله بن أبي بن سلول يقول: لئن رجعنا =
[ ٢ / ٤٦٧ ]
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ؛ لِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلى أن يُحْفَظَ تَرْتِيبُ الظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، فَالْعُذْرُ فِيهِ [ظَاهِرٌ] ١ وَاضِحٌ، وَمَنْ طَلَبَ قَتْلَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ أَمْرٍ غَيْبِيٍّ رُبَّمَا شَوَّشَ الْخَوَاطِرَ، وَرَانَ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ سَدُّ هَذَا الْبَابِ جُمْلَةً، أَلَا تَرَى إِلَى بَابِ الدَّعَاوَى الْمُسْتَنِدِ إِلَى أَنَّ "الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"٢، وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احتاج إلى البينة
_________________
(١) = إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر: ألا نقتُل يا نبي الله هذا الخبيث؟ فقال النبي ﷺ: "لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه". وأخرجه بنحوه البخاري أيضا "كتاب التفسير، باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ ٨/ ٦٤٨-٦٤٩/ رقم ٤٩٠٥، وباب: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة﴾ ٨/ ٦٥٣/ رقم ٤٩٠٥". ١ سقط من "ط". ٢ أخرجه البيهقي في "الكبرى" "١٠/ ٢٥٢" من طريق أبي القاسم الطبراني، عن الفريابي: ثنا سفيان، عن نافع، عن أبي مليكة، عن ابن عباس رفعه، بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، وقال: "قال أبو القاسم: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي". وأخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، فالبينة على المدَّعِي واليمين على المدَّعَى عليه/ رقم ٢٥١٤، وكتاب الشهادات، باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود/ رقم ٢٦٦٨، وكتاب التفسير، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ رقم ٤٥٥٢"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه / رقم ١٧١١" بلفظ: "واليمين على المدعى عليه" دون "البينة على المدعي". وذكر "البينة" من أخطاء سفيان أو الفريابي، فإن الجماهير رووه عن نافع دونها، وانظر: "إرواء الغليل" "٨/ ٢٦٤-٢٦٥/ رقم ٢٦٤١". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "٣٥/ ٣٩١" في هذا الحديث باللفظ المذكور: ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أهل السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الملة"، ونحوه عند ابن القيم في "الطرق الحكمية" "٨٧-٨٨، ١١٠-١١١".
[ ٢ / ٤٦٨ ]
فِي بَعْضِ مَا أَنْكَرَ فِيهِ مِمَّا كَانَ اشْتَرَاهُ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ "، حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ شَهَادَتَيْنِ١، فَمَا ظَنُّكَ بِآحَادِ الْأُمَّةِ؟ فَلَوِ ادَّعَى أَكْفَرُ٢ النَّاسِ عَلَى أَصْلَحِ النَّاسِ لَكَانَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّمَطُ وَاحِدٌ، فَالِاعْتِبَارَاتُ الْغَيْبِيَّةُ مُهْمَلَةٌ بِحَسَبِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا لَمْ يَعْبَأِ النَّاسُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِكُلِّ كَشْفٍ أَوْ خِطَابٍ خَالَفَ الْمَشْرُوعَ، بَلْ عدُّوا أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَقَضَايَا الْأَحْوَالِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مُحْتَمَلَةٌ٣.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكْلِيمِ الشَّجَرَةِ، فَلَيْسَ بِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، بِحَيْثُ يَكُونُ تَنَاوُلُ التِّينِ مِنْهَا حَرَامًا عَلَى الْمُكَلَّمِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي الْفَلَاةِ صَيْدًا، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مَمْلُوكٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ تَرَكَهُ لِغِنَاهُ عَنْهُ بِغَيْرِهِ مِنْ يَقِينٍ بِاللَّهِ، أَوْ ظَنِّ طَعَامٍ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ نَقُولُ: كَانَ الْمُتَنَاوَلُ مُبَاحًا لَهُ، فَتَرَكَهُ لِهَذِهِ الْعَلَامَةِ كَمَا يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ لِمَشُورَةٍ أَوْ رؤيا أو غير
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز أن يحكم به ٣/ ٣٠٨/ رقم ٣٦٠٧"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع ٧/ ٣٠١-٣٠٢"، وأحمد في "المسند" "٥/ ٢١٥-٢١٦"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "٤/ ١١٥، ١١٦/ رقم ٢٠٨٤، ٢٠٨٥"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "١/ ٨٧"، والطبراني في "الكبير" "٤/ ١٠١/ رقم ٣٧٣٠"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ١٧-١٨"، وإسناده صحيح. وكتب "خ" هنا ما نصه: "خص الله خزيمة بهذه المزية دون سائر الصحابة؛ مكافأة له؛ حيث بادر إلى الشهادة للنبي ﵊ على مبايعة الأعرابي مستندا في تصديقه إلى البراهين القائمة على عصمته من أن يقول على الله أو يدعي على مخلوق ما ليس بحق". ٢ كذا في الأصل وفي "د"، وفي النسخ المطبوعة: "أكبر" بالباء. قال "د": "لعلها أكذب". ٣ أي: لما يأتي بعدُ. "د".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ذَلِكَ حَسْبَمَا يُذْكَرُ بَعْدُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْمَاءِ الَّذِي كُوشِفَ أَنَّهُ نَجِسٌ أَوْ مَغْصُوبٌ، وَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهَا بِحَيْثُ لَا يَنْخَرِمُ لَهُ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ في الظاهر، بل يصير منتفلا مِنْ جَائِزٍ إِلَى مَثْلِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ فَرَضْنَا مُخَالَفَتَهُ لِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْكَشْفِ إِعْمَالًا لِلظَّاهِرِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى الشَّرْعِ فِي مُعَامَلَتِهِ بِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا لَوْمَ؛ إِذْ لَيْسَ الْقَصْدُ بِالْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ أَنْ تَخْرِقَ أَمْرًا شَرْعِيًّا، وَلَا أَنْ تَعُودَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بِالنَّقْضِ، كَيْفَ وَهِيَ نَتَائِجُ عَنْ اتِّباعه، فَمُحَالٌ أَنَّ يُنْتِجَ الْمَشْرُوعُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، أَوْ يَعُودَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالنَّقْضِ، هَذَا لَا يَكُونُ الْبَتَّةَ.
وَتَأَمَّلْ مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، إِذْ قَالَ ﵊: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ" ١، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَهِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْمَكْرُوهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُقِمِ الْحَدَّ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ: "لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ" ٢، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ هِيَ الْمَانِعَةُ، وَامْتِنَاعُهُ مِمَّا هَمَّ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَفَرَّسَ بِهِ لَا حُكْمَ لَهُ حِينَ٣ شَرِعِيَّةِ الْأَيْمَانِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ بَعْدَ الْأَيْمَانِ مَا قَالَ الزَّوْجُ، لَمْ تَكُنِ الْأَيْمَانُ دَارِئَةً لِلْحَدِّ عَنْهَا.
وَالْجَوَابُ عَلَى٤ السُّؤَالِ الثَّانِي: أَنَّ الخوارق وإن صارت لهم كغيرها،
_________________
(١) ١ قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب تفسير سورة النور ٨/ ٤٤٩/ رقم ٤٧٤٧" من حديث ابن عباس، ولفظ آخره: "أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن". وورد الحديث عن ابن مسعود وسهل بن سعد ﵃ بألفاظ متعددة. ٢ انظر تخريج الحديث السابق. ٣ في الأصل: "حينئذ"، وفي "ط": "مع". ٤ في "ط": "عن".
[ ٢ / ٤٧٠ ]
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِإِعْمَالِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، إِذَا١ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْخَوَارِقَ إِنْ جَاءَتْ تَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ، فَهِيَ مَدْخُولَةٌ قَدْ شَابَهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، كَالرُّؤْيَا غَيْرِ الْمُوَافِقَةِ، كَمَنْ يُقَالُ لَهُ: "لَا تَفْعَلْ كَذَا"، وَهُوَ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِفِعْلِهِ، أَوْ "افْعَلْ كَذَا"، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا لِمَنْ لَمْ يُبَنْ أَصْلُ سُلُوكِهِ عَلَى الصَّوَابِ، أَوْ مَنْ سَلَكَ وَحْدَهُ بِدُونِ شَيْخٍ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَ الْأَوْلِيَاءِ وَجَدَهُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى ظَوَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ فِيهَا إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَقَدْ بُنِيَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهَا يُعْمَلُ عَلَيْهَا.
قِيلَ: إِنَّ الْمَنْفِيَّ هُنَا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا بِخَرْمِ قَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَأَمَّا الْعَمَلُ عَلَيْهَا مَعَ الْمُوَافَقَةِ، فَلَيْسَ بِمَنْفِيٍّ.
فَصْلٌ:
إِذَا تَقَرَّرَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فَأَيْنَ يُسَوَّغُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهَا؟
فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الْجَائِزَاتِ أَوِ الْمَطْلُوبَاتِ الَّتِي فِيهَا سِعَةٌ يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهَا بِمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ، كَأَنْ يَرَى الْمُكَاشِفُ أَنَّ فُلَانًا يَقْصِدُهُ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ يَعْرِفُ مَا قَصَدَ إِلَيْهِ فِي إِتْيَانِهِ مِنْ مُوَافَقَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ، أَوْ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حَدِيثٍ أَوِ اعْتِقَادِ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَعْمَلُ عَلَى التَّهْيِئَةِ لَهُ حَسْبَمَا قَصَدَ إِلَيْهِ، أَوْ يَتَحَفَّظُ مِنْ مَجِيئِهِ إِنْ كَانَ قَصْدُهُ الشَّرَّ، فَهَذَا مِنَ الْجَائِزِ لَهُ، كَمَا لَوْ رَأَى رُؤْيَا تَقْتَضِي ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُعَامِلُهُ إِلَّا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا لِفَائِدَةٍ يَرْجُو نجاحها، فإن العاقل لا يدخل
_________________
(١) ١ في "ط": "إذ".
[ ٢ / ٤٧١ ]
عَلَى نَفْسِهِ مَا لَعَلَّهُ يَخَافُ عَاقِبَتَهُ، فَقَدْ يَلْحَقَهُ بِسَبَبِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا عَجَبٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْكَرَامَةُ كَمَا أَنَّهَا خُصُوصِيَّةٌ، كَذَلِكَ هِيَ فِتْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ، لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِذَا عَرَضَتْ حَاجَةٌ، أَوْ كَانَ لِذَلِكَ سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ، فَلَا بَأْسَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ١ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُخْبِرْ بِكُلِّ مَغَيَّبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَعَلَى مُقْتَضَى الْحَاجَاتِ، وَقَدْ أَخْبَرَ ﵊ الْمُصَلِّينَ خَلْفَهُ أَنَّهُ "يَرَاهُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ" لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ٢، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ مِنْ غير إخبار بذلك، وهكذا سائر.
_________________
(١) ١ ولم يكن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْلَمُ شيئا من الغيب، إلا بما أظهره الله عليه، وهذا في نص القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧] . ٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة ١/ ٥١٤/ رقم ٤١٨، وكتاب الأذان، باب الخشوع في الصلاة ٢/ ٢٢٥/ رقم ٧٤١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها ١/ ٣١٩/ رقم ٤٢٣"، وأحمد في "المسند" "٢/ ٣٠٣، ٣٧٥"، وأبو عوانة في "صحيحه" "٢/ ١٥٢"، جميعهم من طريق مالك في "الموطأ" "١/ ١٦٧" عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة بلفظ: "إني لأراكم من وراء ظهري". وقد اختُلِف في معنى هذه الرؤية، فقيل: الوحي أو الإلهام، وقيل: تنطبع صور من خلفه في حائط قبلته، وقيل: يرى من عن يمينه ومن عن يساره، وقيل: يراهم من عينين كانا بين كتفيه، أو من وراء ظهره يبصر بهما، لا يحجبهما شيء، وهذا كله تكلف ظاهر، والصواب ما قاله الإمام أحمد فيما نقل عنه ابن عبد البر في "التمهيد" "١٨/ ٣٤٦"، قال: "أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن، قال: أخبرنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى الوراق، قال: أخبرنا الخضر بن داود، قال: أخبرنا أبو بكر الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل ﵀- قول النبي ﷺ: "إني أراكم من وراء ظهري"؟ فقال: كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. قلت له: إن إنسانا قال لي: هو في ذلك مثل غيره، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام من عن يمينه وشماله. فأنكر =
[ ٢ / ٤٧٢ ]
كَرَامَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، فَعَمَلُ أَمَّتِهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْلَى١ مِنْهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ خَوْفِ الْعَوَارِضِ كَالْعُجْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْإِخْبَارِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵊ مُسَلَّمٌ، وَلَا يَخْلُو إِخْبَارُهُ مِنْ فَوَائِدَ، وَمِنْهَا تَقْوِيَةُ إِيمَانِ كُلِّ مَنْ رَأَى ذَلِكَ أَوْ سَمِعَ بِهِ، وَهِيَ فَائِدَةٌ لَا تَنْقَطِعُ مَعَ بَقَاءِ الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ:
أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَحْذِيرٌ أَوْ تَبْشِيرٌ؛ لِيَسْتَعِدَّ لِكُلِّ عُدَّتِهِ، فَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ، كَالْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ يَنْزِلُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَا، أَوْ لَا يَكُونُ إِنْ فَعَلَ كَذَا، فَيَعْمَلُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ عَلَى وِزَانِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، فَلَهُ أَنْ يُجْرِيَ بِهَا مَجْرَى الرُّؤْيَا، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ تُرْكَانَ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ، فَفُتِحَ عَلَيَّ بِدِينَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلِّي أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَهَاجَ بِي وَجَعُ
_________________
(١) = ذلك إنكارا شديدا". قلت: ومن الجدير بالذكر أن هذه الرؤية محصورة وهو ﷺ في الصلاة، ولم يتم دليل على عمومها، وانظر حولها: "الشفا" "١/ ٩٢"، و"شرح النووي على صحيح مسلم" "٤/ ١٤٩"، و"فتح الباري" "١/ ٥١٤"، و"الخصائص الكبرى" "١/ ٦١" للسيوطي، و"غاية السول" "ص٢٧١-٢٧٢"، و"الرسالة الناصرية" "ص٣٤" للزاهدي. قال الشيخ "خ": "هذا ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من حمل الرؤية في حديث: "إني لأراكم من وراء ظهري" على ظاهرها، أعني: الرؤية البصرية، وذهب فريق آخر إلى أنها رؤية القلب، وهي على كلا الوجهين آية صدق وعلم من أعلام النبوة، ولا يطعن في هذا الحديث سؤاله ﵊ كما ورد في بعض الأحاديث عن أناس صدرت منهم أفعال أو أقوال في حال ائتمامهم به في الصلاة، فإنه كان ﵇ يترقى في فضائله الخاصة ولا سيما ما كان من نوع المعجزة، فكانت تخلع فيه فضيلة بعد أخرى فيصح أن تكون هذه المزية ما أكرمه الله بها بعد وقائع السؤال". ١ لأن الأول لم ينظر منه إلى الفائدة التي يرجو نجاحها، بل مجرد أمر جائز، أما هنا، فإنه وإن كان جائزا أو في حكمه خشية العوارض، إلا أنه مقيد بأن يكون لفائدة يرجو نجاحها. "د".
[ ٢ / ٤٧٣ ]
الضِّرْسِ فَقَلَعَتْ سِنًّا، فَوَجِعَتِ الْأُخْرَى حَتَّى قَلَعْتُهَا، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: إِنْ لَمْ تَدْفَعْ إِلَيْهِمْ الدِّينَارَ لَا يَبْقَى فِي فِيكَ سِنٌّ وَاحِدَةٌ١.
وَعَنِ الرُّوذْبَارِيِّ٢ قَالَ: فيَّ اسْتِقْصَاءٍ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ، فَضَاقَ صَدْرِي لَيْلَةً؛ لِكَثْرَةِ مَا صَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَسْكُنْ قَلْبِي، فَقُلْتُ: ياَ رَبِّ! عَفْوُكَ، فَسَمِعَتْ هَاتِفًا يَقُولُ: الْعَفْوُ فِي الْعِلْمِ، فَزَالَ عَنِّي ذَلِكَ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمِ لَا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِي٣ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الخَوارق، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ؛ لِتَكُونَ مِثَالًا يُحْتَذَى حَذْوَهُ وَيُنْظَرُ فِي هَذَا الْمَجَالِ إِلَى جِهَتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ هَذَا النَّحْوُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وهي:
_________________
(١) ١ ذكره القشيري في "رسالته" "ص١٦٨" وعلق عليه بقوله: "وهذا في باب الكرامة أتم من أن يضع عليه دنانير كثيرة ينقض العادة". ٢ هو أحمد بن عطاء، والمنقول عنه عند القشيري في "رسالته" "ص١٦٣"، وفيها عنه: "كان لي استقضاء في أمر الطهارة". ٣ في الأصل: "وفي"، وفي "ط": "كان بي".
[ ٢ / ٤٧٤ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ:
إِنَّ الشَّرِيعَةَ كَمَا أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَجَارِيَةٌ عَلَى مُخْتَلِفَاتِ أَحْوَالِهِمْ، فَهِيَ عَامَّةٌ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ وَعَالَمِ الشَّهَادَةِ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مُكَلَّفٍ، فَإِلَيْهَا نَرُدُّ كُلَّ مَا جَاءَنَا مِنْ جِهَةِ الباطن، كما نرد إليها كل كُلَّ مَا فِي الظَّاهِرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ.
- مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا مِنْ تَرْكِ اعْتِبَارِ الْخَوَارِقِ إِلَّا مَعَ مُوَافَقَةِ ظاهر الشريعة.
- والثاني: أن الشريعة حكامة لَا مَحْكُومٌ عَلَيْهَا، فَلَوْ كَانَ مَا يَقَعُ مِنَ الْخَوَارِقِ وَالْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ حَاكِمًا عَلَيْهَا بِتَخْصِيصِ عُمُومٍ، أَوْ تَقْيِيدِ إِطْلَاقٍ، أَوْ تَأْوِيلِ ظَاهِرٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكَانَ غَيْرُهَا حَاكِمًا عَلَيْهَا، وَصَارَتْ هِيَ مَحْكُومًا عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَلِكَ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ.
- وَالثَّالِثُ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْخَوَارِقِ لِلشَّرِيعَةِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي نَفْسِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي ظَوَاهِرِهَا كَالْكَرَامَاتِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ أَعْمَالًا مِنْ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ، كَمَا حَكَى عِيَاضٌ١ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي مَيْسَرَةِ الْمَالِكِيِّ٢ أَنَّهُ كَانَ لَيْلَةً بِمِحْرَابِهِ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَقَدْ وَجَدَ رِقَّةً، فَإِذَا الْمِحْرَابُ قَدْ انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ نُورٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ بَدَا لَهُ وَجْهٌ كَالْقَمَرِ، وَقَالَ لَهُ: "تَمَلَّأْ مِنْ وَجْهِي يَا أَبَا مَيْسَرَةَ، فَأَنَا رَبُّكَ الْأَعْلَى"، فَبَصَقَ فِيهِ وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ يَا لَعِينُ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ.
وَكَمَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ الْقَادِرِ الْكِيلَانِيِّ أَنَّهُ عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا، فَإِذَا سَحَابَةٌ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِ شِبْهَ الرَّذَاذِ حَتَّى شَرِبَ، ثُمَّ نُودِيَ مِنْ سحابة٣: "يا
_________________
(١) ١ في "ترتيب المدارك" "٣/ ٣٥٩- ط بيروت". ٢ اسمه أحمد بن بزار، يكنى بأبي جعفر، من الفقهاء العباد المتبتلين، وكان مجانبا لأهل الأهواء، توفي سنة ٣٣٧هـ"، أفاد القاضي عياض. ٣ في "ط": "السحابة".
[ ٢ / ٤٧٥ ]
فُلَانُ! أَنَا رَبُّكَ وَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ". فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ يَا لَعِينُ. فَاضْمَحَلَّتِ السَّحَابَةُ. وَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ أَنَّهُ إِبْلِيسُ؟ قَالَ: بِقَوْلِهِ: "قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ الْمُحْرِمَاتِ"١.
هَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّرْعُ حَكَمًا فِيهَا لَمَا عُرِفَ أَنَّهَا شَيْطَانِيَّةٌ.
وَقَدْ نَزَعَتْ إِلَى هَذَا الْمَنْزَعِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحَيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خديجة بنت خوليد زَوْجُهُ ﵂، فَإِنَّهَا قَالَتْ لَهُ: "أَيِ ابْنَ عَمِّ! أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ. فَلَمَّا جَاءَ أخبرها، فقالت: قم يا ابن عَمِّ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِيَ الْيُسْرَى. فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إِلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى، ثُمَّ إِلَى حِجْرِهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَقُولُ: هَلْ تَرَاهُ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. قَالَ الرَّاوِي: فَتَحَسَّرَتْ، وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا أَدْخَلَتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا، فَذَهَبَ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ! اثْبُتْ وَأَبْشِرْ، فوالله إنه لملك، ما هذا بشيطان٢.
_________________
(١) ١ ذكرها ابن العماد في "شذرات الذهب" "٤/ ٢٠٠"، وانظر: "مشتهى الخارف الجاني" "ص٦٥". ٢ أخرجه ابن إسحاق- كما في "سيرة ابن هشام" "١/ ١٩٢" - حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حُدِّثَ عن خديجة به، وأخرجه البيهقي في "الدلائل" "١/ ١٥١- ١٥٢"، وأبو نعيم في "الدلائل" "رقم ١٧٢، ١٧٤". وإسناده منقطع، وفي متنه نكرة، إلا أن يقال ما أورده البيهقي عقبه: "قلت: وهذا شيء كانت خديجة ﵂ تصنعه، تستثبت به الأمر احتياطا لدينها وتصديقها، فأما النبي ﷺ، فقد كان وثق بما قال له جبريل، وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى". قال ابن إسحاق عقبه: "فحدثت عبد الله بن الحسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول: "أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل ﵇. قلت: وعبد الله بن الحسن هو ابن حسن بن على بن أبي طالب، وهو ثقة كما قال ابن معين وأبو حاتم: وفاطمة بنت الحسين هي أمه، كما قال الذهبي في "تراجم رجال روى محمد بن إسحاق عنهم" "ص٣٦"، فهذه الرواية إسنادها صحيح.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ ثَمَّ مَدَارِكَ أُخَرَ يُخْتَصُّ بها الوالي، لَا يَفْتَقِرُ بِهَا إِلَى النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتُ عَلَى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ، فَتِلْكَ الْمَدَارِكُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ؛ إِذْ لَا يَخْتَصُّ بِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الْخَوَارِقِ الْمُشَاهَدَةِ، فَلَا بُدَّ إِذًا مِنْ حَكَمٍ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا، وَشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهَا، وَإِذْ ذَاكَ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِدَعْوَى الْوِجْدَانِ، " [فَإِنَّ الْوِجْدَانَ] ١ مِنْ حَيْثُ هُوَ وِجْدَانٌ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى صحة ولا فساد٢؛ لِأَنَّ الْآلَامَ وَاللَّذَّاتِ مِنَ الْمَوَاجِدِ الَّتِي لَا تُنْكَرُ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهَا أَوْ فَسَادِهَا شَرْعًا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، فَالْغَضَبُ مَثَلًا إِذَا هَاجَ بِالْإِنْسَانِ أَمْرٌ لَا يُنْكَرُ كَالْمَوَاجِدِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا إِذَا كَانَ غَضَبًا لِلَّهِ، وَمَذْمُومًا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ الله، ولا يفرق بينهما٣ إِلَّا النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْغَضَبُ قَدْ أَدْرَكَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ مَحْمُودٌ لَا مَذْمُومٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ رَاجِعَانِ إِلَى الشَّرْعِ لَا إِلَى الْعَقْلِ، فَمِنْ أَيْنَ أَدْرَكَ أَنَّهُ مَحْمُودٌ شَرْعًا؟ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ كَذَلِكَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ أَصْلًا، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَنْسُبَ تَمْيِيزَهُ إِلَى الْمُرَبِّي وَالْمُعَلِّمِ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ جارٍ فِيهِ أَيْضًا.
وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْكِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى كَسْبِهَا وَلَا عَلَى دَفْعِهَا؛ إِذْ هِيَ مَوَاهِبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عباده،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٢ كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "صحته ولا فساده". ٣ كذا في "ط"، وفي غيره: "بينها".
[ ٢ / ٤٧٧ ]
فَإِذَا وَرَدَتْ عَلَى صَاحِبِهَا، فَلَا حُكْمَ فِيهَا لِلشَّرْعِ وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهَا غَيْرُ مُوَافِقَةٍ لَهُ، كَوُرُودِ الْآلَامِ وَالْأَوْجَاعِ عَلَى الْإِنْسَانِ بَغْتَةً، أَوْ وُرُودِ الْأَفْرَاحِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ، فَكَمَا لَا تُوصَفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ شَرْعًا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، بَلْ أَشْبَهُ شَيْءٌ بِهَا الْإِغْمَاءُ أَوِ الْجُنُونُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، فَلَا حُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَإِنْ فَرَضْنَا لُحُوقَ الضَّرَرِ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ، كَمَا إِذَا أَتْلَفَ الْمَجْنُونُ مَالًا، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فِي حَالِ جُنُونِهِ، أَلَا تَرَى مَا يُحْكَى عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ فِي اسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الْأَحْوَالِ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِمْ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ١، وَيَقَعُ مِنْهُمُ الْوَعْدُ فَيُؤْخَذُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُنَازَلَاتِ، فَلَا يَفُونَ، وَيُكَاشِفُونَ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ بِحَيْثُ يَطَّلِعُونَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ٢ إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ إِذَا كَانَ وَاقِعًا مِنْهُمْ وَمَنْقُولًا عَنْهُمْ، وَهُوَ دَاخِلٌ عَلَيْهِمْ شَاءُوا أَمْ أَبَوْا، فَكَيْفَ يُنْكَرُ فِي نَفْسِهِ أَوْ يُعَدُّ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ؟
وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ كَافٍ فِي إِثْبَاتِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ لَا اعْتِرَاضَ بِهِ، فَإِنَّ الْخَوَارِقَ وَإِنْ كَانَتْ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ فِي كَسْبِهَا وَلَا دَفْعِهَا، فَلِقُدْرَتِهِ تَعَلُّقٌ بِأَسْبَابِ هَذِهِ الْمُسَبَّبَاتِ٣. وَقَدْ مر أن الأسباب هي التي خوطب
_________________
(١) ١ ما كان لأهل العلم أن يأخذوا مثل هذه الدعوى مسلمة، ويثقوا بأن تكون الغفلة عن بعض الواجبات الشرعية ناشئة عن حال هي أثر من آثار الارتقاء في مقام التقوى والولاية، ويكفي للتوقف في صحتها أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الذين هم أصفى الناس بصائر، وأشدهم صلة بالله، وأرفعهم لديه منزلة، أنه استغرق في حال من المكاشفات يقظة حتى مضى عليه وقت من أوقات الصلاة. "خ". ٢ وهو محرم بحسب الشريعة، لكنهم مقهورون عليه ليس لهم فيه اختيار. "د". ٣ ليس هذا على إطلاقه، نعم، عدم تعرض المصنف للذي ليس له تعلق بقدرة المكلف حسن، فقد نقل المقري شيخ المصنف في كتابه "القواعد" "٢/ ٤٦٥-٤٦٦" في "القاعدة الثالثة =
[ ٢ / ٤٧٨ ]
_________________
(١) = والعشرين بعد المئتين" عن المازري قوله: "تقدير خوارق العادات ليس من دأب الفقهاء، أي: من عاداتهم لما فيه من تضييع الزمان بما لا يعني أو غيره"، ثم قال: أما الكلام على المحقق من ذلك، فقد سألت الصحابة رسول الله ﷺ عن اليوم الذي كسنة، أتجزئ فيه صلاة يوم؟ فقال: "لا، اقدروا له قدره" [والحديث في "صحيح مسلم" "٤/ ٢٢٥٢] . قلت: على حسب الشتاء والصيف معتبرا أوله بالزمان الذي ابتدأ فيه. وقد نزل الشافعي اجتماع عيد وكسوف، واعتذر عن الغزالي بأنه تكلم على ما يقتضيه الشرع غير ملتفت إلى الحساب، أو على ما يقتضيه الفقه لو تأتى، ورده المازري بالقاعدة" انتهى. ونص كلام الشافعي في "الأم" "١/ ٢٣٩- ٢٤٠": وإن كسفت الشمس يوم الجمعة ووافق ذلك يوم الفطر بدأ بصلاة العيد، ثم صلى الكسوف إن لم تنجل الشمس قبل أن يدخل في الصلاة". وكسوف الشمس لا يمكن أن يقع إلا في اليوم التاسع والعشرين من الشهر، والعيد إنما يكون في اليوم الأول من الشهر في عيد الفطر، أو في عاشره في عيد الأضحى، فمن هنا استحال اجتماع عيد وكسوف. انظر: "حاشية الدسوقي على شرح الكبير" "١/ ٤٠٤"، و"التاج والإكليل" "٢/ ٢٠٤". بقي بعد هذا أن يقال: هل للمؤمن أن يعمل على حصول الكرامات الخارقة؟ الخارقة فعل اضطراري من الله تعالى، ولكن بيد النبي أو الولي أسباب بعض هذه المسببات، كرميه ﷺ التراب في وجوه الكفار، فأوصله الله إلى أعينهم، وعندما عطش الجيش طلب النبي ﷺ بقية ماء في قدح، فوضع يده فيه، فنبع الماء من بين أصابعه حتى ملأ الجيش كل ما عندهم من الآنية، فهذا الرمي منه ﷺ، ووضع يده فيه، ودعاء الله هو سبب حصول المعجزة. فهل للمؤمن أن يقتدي بذلك؛ أن يحاول بالرياضة التوصل إلى التمكن من ذلك، وأن يفعل الأسباب الموصلة إلى الخوارق؟ ذهب الجويني في "الإرشاد" "ص٣١٦"، وعليش في "هداية المريد"، والسنوسي في "شرح هداية المريد" "ص١٧٧" إلى أن كرامة الولي لا تقع بقصد منه، بل تقع دون قصد. وجوز المصنف وقوعها بالقصد، وتابع القشيري في "رسالته" "ص٦٦٢- تحقيق عبد الحليم =
[ ٢ / ٤٧٩ ]
الْمُكَلَّفُ بِهَا أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمُسَبِّبَاتُهَا خَلْقٌ لِلَّهِ، فَالْخَوَارِقُ مِنْ جُمْلَتِهَا.
وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مَا نَشَأَ عَنِ الْأَسْبَابِ مِنَ الْمُسَبَّبَاتِ، فَمَنْسُوبٌ إِلَى الْمُكَلَّفِ حُكْمُهُ مِنْ جِهَةِ التَّسَبُّبِ، لِأَجْلِ أَنَّ عَادَةَ اللَّهِ فِي الْمُسَبَّبَاتِ أَنْ تَكُونَ عَلَى وِزَانِ الْأَسْبَابِ فِي الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْوِجَاجِ، وَالِاعْتِدَالِ وَالِانْحِرَافِ، فَالْخَوَارِقُ مُسَبِّبَاتٌ عَنِ الْأَسْبَابِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَبِقَدْرِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي الْأَعْمَالِ وَتَصْفِيَتِهَا مِنْ شَوَائِبِ الْأَكْدَارِ وَغُيُومِ الْأَهْوَاءِ تَكُونُ الْخَارِقَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ١، فَكَمَا أن يُعْرَفُ مِنْ نَتَائِجِ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ صَوَابُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ أَوْ عَدَمِ صَوَابِهَا، كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطُّورِ: ١٦] .
وَقَالَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يُونُسَ: ٥٢] .
"إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إياها" ٢.
_________________
(١) = محمود" على ذلك، وبنى عليه في الوجه الثالث عشر من "المسألة العاشرة" المتقدمة قريبا جواز تحدي الولي بالخارق لإثبات ولايته، وانظر: "أفعال الرسول ﷺ" "١/ ٢٥٨" للأشقر، ونقل ابن تيمية في "قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات" "ص٢٥" عن أبي علي الجوزجاني قوله: "كن طالبا للاستقامة، وربك يطلب منك الاستقامة" وعلق عليه بكلام جيد، ثم قسم طالبي الكرامات "ص٣٧" إلى أقسام، وقرر أن بعضهم أعذر من بعض في ذلك، فراجع كلامه إن أردت الاستزادة. ١ ليس هذا على إطلاقه كما سبق بيانه في التعليق على "٤٤٠-٤٤١". ٢ قطعة من حديث إلهي طويل أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٤-١٩٩٥/ رقم ٢٥٧٧"، والترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، ٤/ ٦٥٦-٦٥٧/ رقم ٢٤٩٥"- وقال: "هذا حديث حسن"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، ٢/ ١٤٢٢/ رقم ٤٢٥٧"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم ٢٠٢٧٢"، والخطيب في "تاريخه" "٧/ ٢٠٣-٢٠٤"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص٦٥، ١٥٩، ٢١٣، ٢١٤، ٢٢٧، ٢٨٥"، وأبو نعيم في "الحلية" "٥/ ١٢٥-١٢٦" من حديث أبي ذر ﵁.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجَزَاءِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَفُرُوعُ الْفِقْهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ شَاهِدَةٌ هُنَا كَشَهَادَةِ الْعَادَاتِ، فالموضع مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَا ظَهَرَ فِي الْخَارِقَةِ مِنِ اسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ، فَمَنْسُوبٌ إِلَى الرِّيَاضَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالنَّتَائِجُ تَتْبَعُ الْمُقْدِمَاتِ بِلَا شَكٍّ، فَصَارَ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ مُتَعَلِّقًا بِالْخَوَارِقِ مِنْ جِهَةِ مُقَدِّمَاتِهَا، فَلَا تَسْلَمُ لِصَاحِبِهَا، وَإِذْ ذَاكَ لَا تَخْرُجُ عَنِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ بِخِلَافِ الْمَرَضِ وَالْجُنُونِ وَأَشْبَاهِهِمَا مِمَّا لَا سَبَبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ تَسَبَّبَ فِي تَحْصِيلِهِ، لَكَانَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَلَتَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إِلَيْهِ، كَالشُّكْرِ١ وَنَحْوِهِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الشَّرْعَ حَاكِمٌ عَلَى الْخَوَارِقِ وَغَيْرِهَا، لَا يَخْرُجُ عَنْ حَكَمِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خَارِقَةٍ حَدَثَتْ أَوْ تَحْدُثُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يَصِحُّ رَدُّهَا وَلَا قَبُولُهَا إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ سَاغَتْ هُنَاكَ٢، فَهِيَ صَحِيحَةٌ مَقْبُولَةٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا الْخَوَارِقُ الصَّادِرَةُ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَإِنَّهُ لَا نَظَرَ فِيهَا لِأَحَدٍ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ قَطْعًا، فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَكَمَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمُقْتَضَى رُؤْيَاهُ، وَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٠٢]، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَا انْخَرَقَ مِنَ العادات على يد غير المعصوم.
_________________
(١) ١ لعله السكر بالسين يدخله على نفسه بشرب المسكر مثلا فيكون معاملا بنتائجه. "د". ٢ في الأصل: "هنالك".
[ ٢ / ٤٨١ ]
وَبَيَانُ عَرْضِهَا أَنْ تُفْرَضَ الْخَارِقَةُ وَارِدَةً١ مِنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ، فَإِنْ سَاغَ الْعَمَلُ بِهَا عَادَةً وَكَسْبًا، سَاغَتْ فِي نَفْسِهَا، وَإِلَّا فَلَا، كَالرَّجُلِ يُكَاشِفُ بِامْرَأَةٍ أَوْ عَوْرَةٍ بِحَيْثُ اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَهُ، أَوْ رَأَى أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ وَهُوَ يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ وَيَرَاهُ عَلَيْهَا، أَوْ يُكَاشِفُ بِمَوْلُودٍ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِحَيْثُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى بَشَرَتِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهَا الَّتِي لَا يَسُوغُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فِي الْحِسِّ، أَوْ يَسْمَعُ نِدَاءً يُحِسُّ فِيهِ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَرَى صُورَةً مُكَيَّفَةً مُقَدَّرَةً تَقُولُ لَهُ: أَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَرَى وَيَسْمَعُ مَنْ يَقُولُ لَهُ: قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ المحرمات، وما أشبه ذلك من الأمور لَا يَقْبَلُهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى حَالٍ، وَيُقَاسُ على هذا ما سواه، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ في الأصل: "وارداة".
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ
لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ مَبْنِيًّا على استقرار عَوَائِدِ الْمُكَلَّفِينَ١، وَجَبَ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَحْكَامِ العوائد لما بنبني عَلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى دُخُولِ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ حُكْمِ التَّكْلِيفِ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا مَظْنُونٌ، وَأَعْنِي فِي الْكُلِّيَّاتِ لَا فِي خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذلك أمور:
أحدها:
أَنَّ الشَّرَائِعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَتُعْتَبَرُ٢ بِشَرِيعَتِنَا، فَإِنَّ التَّكَالِيفَ الْكُلِّيَّةَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُكَلَّفُ مِنَ الْخَلْقِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ٣، وَعَلَى مِقْدَارٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بِحَسَبِ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَاتِ التَّكَالِيفِ وَهِيَ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ، وَأَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِهَا إِذَا كَانَ الْوُجُودُ بَاقِيًا عَلَى تَرْتِيبِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْعَوَائِدُ فِي الْمَوْجُودَاتِ، لَاقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِلَافَ التَّشْرِيعِ وَاخْتِلَافَ التَّرْتِيبِ وَاخْتِلَافَ الْخِطَابِ، فَلَا تَكُونُ الشَّرِيعَةُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الْإِخْبَارَ الشَّرْعِيَّ قَدْ جَاءَ بِأَحْوَالِ هَذَا الْوُجُودِ عَلَى أَنَّهَا دَائِمَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ٤ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كَالْإِخْبَارِ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بينهما وما
_________________
(١) ١ سواء أكانت تابعة لفطر وغرائز فيهم، أم كانت تابعة للموجودات الأخرى التي لهم بها علاقة وارتباطا ما في هذه الحياة، كما يؤخذ من تقريره بعد. "د". ٢ في "د" ولنعتبر". ٣ فمثلا كل مكلف مطلوب بالصلوات الخمس جزما، والصبح ركعتان للجميع، والظهر أربع كذلك، وشرائطها وأركانها واحدة، ومبطلاتها واحدة، وآدابها واحدة، لا اختلاف في ذلك بين عصر متقدم ولا زمان متأخر؛ لأن العوائد التي بنى عليها الشارع تكليفه مستقرة، فلا تكون في قرن من القرون حرجة وفي قرن ميسورة، وقس على ذلك بقية التكاليف. "د". ٤ في نسخة "ماء/ ص ٢٠٨": "مختلة".
[ ٢ / ٤٨٣ ]
فِيهِمَا مِنَ الْمَنَافِعِ١ وَالتَّصَارِيفِ وَالْأَحْوَالِ، وَأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ لَا تَبْدِيلَ لَهَا، وَأَنَّ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ بِإِلْزَامِ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوِزَانِ أَيْضًا، وَالْخَبَرُ مِنَ الصَّادِقِ لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ٢ بِحَالٍ، فَإِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا "مُحَالٌ"٣.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اطِّرَادَ الْعَادَاتِ معلوم، لما عرف الذين مِنْ أَصْلِهِ، فَضْلًا عَنْ تَعَرُّفِ فُرُوعِهِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عِنْدَ الِاعْتِرَافِ بِالنُّبُوَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهَا إِلَّا بِوَاسِطَةِ٤ الْمُعْجِزَةِ وَلَا مَعْنَى لِلْمُعْجِزَةِ إِلَّا أَنَّهَا فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، وَلَا يَحْصُلُ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ إِلَّا بَعْدَ تَقْرِيرِ اطِّرَادِ الْعَادَةِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ كَمَا اطَّرَدَتْ فِي الْمَاضِي، وَلَا مَعْنَى لِلْعَادَةِ إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمَفْرُوضَ لَوْ قُدِّرَ وُقُوعُهُ غَيْرَ مُقَارِنٍ لِلتَّحَدِّي لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ فِي أَمْثَالِهِ، فَإِذَا وَقَعَ مُقْتَرِنًا بِالدَّعْوَةِ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا اطَّرَدَ إِلَّا وَالدَّاعِي صَادِقٌ، فَلَوْ كَانَتِ الْعَادَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ، لَمَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ اضْطِرَارًا٥ لِأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ الْخَارِقِ لَمْ يَكُنْ يُدْعَى بِدُونِ اقْتِرَانِ الدَّعْوَةِ وَالتَّحَدِّي، لَكِنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ مَعْلُومٌ أَيْضًا، وهو المطلوب.
_________________
(١) ١ كمنافع الشمس والقمر وسائر الكواكب، والماء والنار، والأرض وما عليها، والبحار وما فيها، والتصاريف أي الأسباب والمسببات في هذه الأمور وفي أفعال الإنسان والحيوان، وما ينشأ عن ذلك، والأحوال، أي من الحياة والموت والصحة والمرض والملاذ والشهوات، إلى غير ذلك من السنن الكونية التي ربط بها الخالق هذه الكائنات. "د". ٢ في الأصل ونسخة "ماء/ ص ٢٠٩": "بخلاف غيره". ٣ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٤ في "ط": "بوساطة". ٥ لأن لا سبب للعلم بالمصدق إلا العلم باستقرار العادة، وأن خرقها لا يكون بدون الدعوة والتحدي، فقوله: لأن وقوع إلخ" تكميل لتوجيه الملازمة. "د". قلت: في الأصل: "حصل العمل العلم" ولا محل لهذه الزيادة.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
فإن قيل: هذا معارض بما يدل على أَنَّ اطِّراد الْعَوَائِدِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، بَلْ إِنْ كَانَ فَمَظْنُونٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ اسْتِمْرَارَ أَمْرٍ فِي الْعَالَمِ مساوٍ لِابْتِدَاءِ وَجُودِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ إِنَّمَا هُوَ بِالْإِمْدَادِ الْمُسْتَمِرِّ، وَالْإِمْدَادُ مُمْكِنٌ أَنْ لَا يُوجَدَ، كَمَا أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْعَدَمِ عَلَى الْمَوْجُودِ فِي الزَّمَنِ١ الْأَوَّلِ كان ممكنا فلما وجد حَصَلَ أَحَدُ طَرَفَيِ الْإِمْكَانِ مَعَ جَوَازِ بَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ، فَكَذَلِكَ وَجُودُهُ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي مُمْكِنٌ، وَعَدَمُهُ كَذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ إِمْكَانِ عَدَمِ اسْتِمْرَارِ وَجُودِهِ الْعِلْمُ بِاسْتِمْرَارِ وَجُودِهِ، هَلْ هَذَا إِلَّا عَيْنُ الْمُحَالِ؟
وَالثَّانِي:
إِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ فِي الْوُجُودِ غَيْرُ قَلِيلٍ، بَلْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَلَا سِيَّمَا مَا جَرَى عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا انْخَرَقَ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِي الْأُمَمِ قَبْلَهَا مِنَ الْعَادَاتِ، وَالْوُقُوعُ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ، فَهُوَ أَقْوَى في الدلالة، فإذن لا يصح أن أَنْ يَكُونَ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ مَعْلُومَةً الْبَتَّةَ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ غَيْرُ مُنْدَفِعٍ عَقْلًا، وَإِنَّمَا انْدَفَعَ بِالسَّمْعِ الْقَطْعِيِّ، وَإِذَا انْدَفَعَ بِالسَّمْعِ وَهُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، لَمْ يُفِدْ حُكْمَ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا تَعَارُضٌ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَهُوَ مُحَالٌ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا إِذَا تَعَارَضَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا، بَلِ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ هُنَا باقٍ عَلَى حُكْمِهِ فِي أَصْلِ الْإِمْكَانِ، وَالِامْتِنَاعِ السَّمْعِيِّ رَاجِعٌ إِلَى الْوُقُوعِ، وَكَمْ مِنْ جَائِزٍ غَيْرُ وَاقِعٍ؟!
وَكَذَلِكَ نَقُولُ: "الْعَالَمُ كَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ مُمْكِنًا أَنْ يَبْقَى على أصله من العدم
_________________
(١) ١ في "ط": "الزمان".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ، فَنِسْبَةُ اسْتِمْرَارِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ أَوْ إِخْرَاجِهِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ، فَوَاجِبٌ وُجُودُهُ، وَمُحَالٌ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنُ الْبَقَاءِ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ، وَلِذَلِكَ١ قَالُوا: مِنَ الْجَائِزِ تَنْعِيمُ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَعْذِيبُ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَائِزَ مُحَالُ الْوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمُعَذَّبُونَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُنَعَّمُونَ، فَلَمْ يَتَوَارَدِ الْجَوَازُ وَالِامْتِنَاعُ والوجوب٢ على مرمى واحد، كذلك ههنا، فَالْجَوَازُ مِنْ حَيْثُ نَفْسِ الْجَائِزِ، وَالْوُجُوبِ أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ حَيْثُ أَمْرٍ خَارِجٍ، فَلَا يَتَعَارَضَانِ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ الْمَحْكُومَ٣ بِهِ عَلَى الْعَادَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي كُلِّيَّاتِ الْوُجُودِ لَا فِي جُزْئِيَّاتِهِ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ مِنْ بَابِ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا تَخْرِمُ كُلِّيَّةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْعَوَائِدِ شَكًّا وَلَا تَوَقُّفًا٤ فِي الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَاتِ الْبَتَّةَ، وَلَوْلَا اسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ بِالْعَادَاتِ، لَمَا ظَهَرَتِ الْخَوَارِقُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مِنْ أَنْبَلِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْعِلْمِ بِمَجَارِيَ الْعَادَاتِ، وَأَصْلُهُ لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا رَأَيْنَا جزئيا انخرقت فيه العادة على شرط، دَلَّنَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَوَارِقُ مِنْ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ إِنِ اقْتَرَنَتْ بِالتَّحَدِّي، أَوْ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ أَوِ اقْتَرَنَتْ بِدَعْوَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْدَحُ انْخِرَاقُهَا فِي عِلْمِنَا بِاسْتِمْرَارِ الْعَادَاتِ الْكُلِّيَّةِ، كَمَا إِذَا رَأَيْنَا عَادَةً جَرَتْ فِي جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ، غَلَبَ عَلَى ظُنُونِنَا أَيْضًا اسْتِمْرَارُهَا في الاستقبال،
_________________
(١) ١ في "ط": "وكذلك". ٢ في "ط": "أو الوجوب". ٣ في "ط": "محكوم". ٤ وإلا لما عمرت الدنيا؛ لأن عمارتها بأخذ الناس في أسباب ذلك مبنية على أن العوائد في ترتب المسببات مستمرة، وإن كانوا يشاهدون أحيانا شيئا من انخرام العادة. "د".
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وَجَازَ عِنْدَنَا خَرْقُهَا بِدَلِيلِ انْخِرَاقِ مَا انْخَرَقَ مِنْهَا، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِنَا بِاسْتِمْرَارِ الْعَادِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَهَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ قَطْعِيٌّ، وَالْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَطْعِيٌّ، وَالْعَمَلَ بِالتَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ الظَّنِّيَّيْنِ قَطْعِيٌّ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَإِذَا جِئْتَ إِلَى قِيَاسٍ مُعَيَّنٍ لِتَعْمَلَ بِهِ كَانَ الْعَمَلُ [بِهِ] ظَنِّيًّا، أَوْ أَخَذْتَ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَجَدْتَهُ ظَنِّيًّا لَا قَطْعِيًّا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ:
الْعَوَائِدُ الْمُسْتَمِرَّةُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا:
الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أَقَرَّهَا الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَوْ نَفَاهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ أَمَرَ بِهَا إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا، أَوْ نَهَى عَنْهَا كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا، أَوْ أَذِنَ فِيهَا فِعْلًا وَتَرْكًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي:
هِيَ الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِثْبَاتِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَثَابِتٌ أَبَدًا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا قَالُوا فِي سَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ، وَفِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ، وَطَهَارَةِ التَّأَهُّبِ١ لِلْمُنَاجَاةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَاتِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عَلَى الْعُرْيِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ فِي النَّاسِ، إِمَّا حَسَنَةً عِنْدَ الشَّارِعِ أَوْ قَبِيحَةً، فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَلَا تَبْدِيلَ لَهَا وإن اختلفت آرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا٢، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَسَنُ [فِيهَا] ٣ قَبِيحًا وَلَا الْقَبِيحُ حَسَنًا، حَتَّى يُقَالَ مَثَلًا: إِنَّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْعَبْدِ لَا تَأْبَاهُ مَحَاسِنُ الْعَادَاتِ الْآنَ، فَلْنُجِزْهُ٤، أَوْ إِنْ كَشْفُ الْعَوْرَةِ الْآنَ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا قَبِيحٍ، فَلْنُجِزْهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ صَحَّ مثل هذا لكان.
_________________
(١) ١ في "ط": "وطهارات المتأهب". ٢ لأنها نص عليها الشارع بخصوصها، وأثبت لها حكما شرعيا، فتغير عادة الناس فيها من استقباح إلى استحسان لا يغير حكم الشرع عليها، بخلاف الضرب الثاني، فإنه ليس فيه من الشرع دليل على حسنه أو قبحه، لكنه ينبني على عرف الناس فيه حكم شرعي يختلف باختلاف عرفهم. "د". قلت: انظر في هذا "الأشباه والنظائر" "ص٩٣" للسيوطي، و"مفهوم تجديد الدين" "ص٢٦٣" لبسطامي محمد سعيد. ٣ سقط من "ط". ٤ في الأصل و"خ" في هذا الموضع والذي يليه: "فليجزه"، وفي "ماء/ ص٢٠٩": "فليجز".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
نَسْخًا لِلْأَحْكَامِ الْمُسْتَقِرَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَالنَّسْخُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَاطِلٌ، فَرَفْعُ الْعَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ بَاطِلٌ١.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْعَوَائِدُ ثَابِتَةً، وَقَدْ تَتَبَدَّلُ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَهِيَ أَسْبَابٌ لِأَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
فَالثَّابِتَةُ كَوُجُودِ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوِقَاعِ وَالنَّظَرِ، وَالْكَلَامِ، وَالْبَطْشِ وَالْمَشْيِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ أَسْبَابًا لِمُسَبِّبَاتٍ حَكَمَ بِهَا الشَّارِعُ، فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَالْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا دَائِمًا.
وَالْمُتَبَدِّلَةُ.
- مِنْهَا: مَا يَكُونُ مُتَبَدِّلًا فِي الْعَادَةِ مِنْ حُسْنٍ إِلَى قُبْحٍ، وَبِالْعَكْسِ، مِثْلَ كَشْفِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْبِقَاعِ فِي الْوَاقِعِ، فَهُوَ لَذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَبِيحٌ فِي الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ، وَغَيْرُ قَبِيحٍ فِي الْبِلَادِ الْمَغْرِبِيَّةِ، فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ٢، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ غَيْرَ قَادِحٍ.
- وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَقَاصِدِ، فَتَنْصَرِفُ الْعِبَارَةُ عَنْ مَعْنًى إِلَى٣عِبَارَةٍ أُخْرَى، إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِ مَعَ غيرهم، أو
_________________
(١) ١ انظر: "الفروق" "١/ ٤٣ وما بعدها"، و"إعلام الموقعين" "١/ ٣٢٤"، و"العرف والعادة في رأي الفقهاء" "ص٨٣". ٢ وذلك بشروط بيناها وتكلمنا عليها في كتابنا "المروءة وخوارمها" "ص١٤٣-١٤٨- ط الأولى"، وانظر استحباب غطاء الرأس: "تمام المنة" "١٦٤-١٦٥"، و"الأجوبة النافعة" "١١٠"، والدين الخالص" "٣/ ٢١٤"، و"الأدلة الشرعية" "٣٤ وما بعدها"، وكتابي: "القول المبين" "٥٨-٦٠". ٣ لعل الأصل: "إلى معنى عبارة". "د".
[ ٢ / ٤٨٩ ]
بالنسبة إلى الأمة والواحدة كَاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ بِحَسَبَ اصْطِلَاحِ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ فِي صَنَائِعِهِمْ مَعَ اصْطِلَاحِ الْجُمْهُورِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إِنَّمَا يُسْبَقُ مِنْهُ إِلَى الْفَهْمِ مَعْنًى مَا، وَقَدْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، أَوْ كَانَ مُشْتَرِكًا فَاخْتَصَّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ أَيْضًا يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَادٌ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اعْتَادَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي كَثِيرًا فِي الْأَيْمَانِ وَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ، كِنَايَةً وَتَصْرِيحًا١.
- وَمِنْهَا: مَا يَخْتَلِفُ فِي الْأَفْعَالِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتِ الْعَادَةُ فِي النِّكَاحِ قَبْضَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ فِي الْبَيْعِ الْفُلَانِيِّ أَنْ يَكُونَ بِالنَّقْدِ لَا بِالنَّسِيئَةِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ إِلَى أَجَلِ كَذَا دُونَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ أَيْضًا جارٍ عَلَى ذَلِكَ حَسْبَمَا هو مسطور في كتب الفقه٢.
_________________
(١) ١ انظر: "الفروق" "١/ ٤٤ و٤ / ٢٠٣"، و"الأشباه والنظائر" "ص٨٣-٨٤"، و"المدخل للفقه الإسلامي" "٢/ ٨٨٩" لمصطفى الزرقاء. ٢ قال القرطبي في حديث: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف": "في هذا الحديث اعتبار العرف في الشرعيات خلافا للشافعية، ورد الحافظ ابن حجر هذا الاستدلال بأن الشافعية إنما* العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي أو لم يرشد إليه، والعرف عند من يقول به كالمالكية إنما يؤخذ به تخصيص العام أو تقييد المطلق، وأما أن يؤثر في إبطال واجب أو إباحة حرام يذهب إليه أحد من علماء المسلمين، قال ابن الغرسي عند قول تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ المعنى: اقض بكل ما عرفته مما لا يرده الشرع" "خ". قلت: النوع الأخير الذي ذكره المصنف هو المعنى في قول الفقهاء "العادة محكمة"، وليس هو بحد ذاته حكما شرعيا، ولكنه متعلق ومناط الحكم الشرعي، فهو من جهة كونه حكما لا يتغير، ولكن الشرع أناطه بالعرف، وجعل الحكم يدور معه، وهذا ما سيذكره المصنف في الفصل الآتي. وانظر- غير مأمور: "الفروق" "١/ ٤٥ و٤/ ٢٠٣"، و"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" "٢٨١-٢٩٢"، و"تغير الفتوى" "ص٥٠-٥٣". * كذا في الأصل، ولعل سقطا وقع فيه، تقديره: "إنما نفوا العمل".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
خُصُوصِ مَسْأَلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ [الطَّلَاقِ: ٣] .
وَوِكَالَةُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ وَكَالَةِ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ هُودٌ ﵊: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم﴾ الآية [هود: ٥٥]، وَلَمَّا عَقَدَ أَبُو حَمْزَةَ عَقْدًا طُلِبَ بِالْوَفَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم﴾ [النَّحْلِ: ٩١] .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ أُنَاسًا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ لَا يَسْأَلُوا أَحَدًا شَيْئًا، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا وَقَعَ سَوْطُهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَيْهِ١، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: رَبِّ! إِنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيَّكَ إذ رَأَوْهُ، وَأَنَا أُعَاهِدُكَ٢ أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا. قَالَ: فَخَرَجَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ مَكَّةَ إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الْأَخْذِ بِعَزَائِمَ الْعِلْمِ؛ إِذْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلَ مَا عَقَدَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَلَيْسَ بجارٍ عَلَى غَيْرِ الْأَصْلِ الشَّرْعِيِّ، وَلِذَلِكَ لَمَّا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ٣ الْحِكَايَةَ قَالَ: "فَهَذَا رَجُلٌ عَاهَدَ اللَّهَ، فَوَجَدَ الْوَفَاءَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَبِهِ فَاقْتَدُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَهْتَدُوا".
وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمَسْبَعَةِ وَدُخُولُ الْبَرِّيَّةِ بِلَا زَادٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ وُجُودُ الْأَسْبَابِ وَعَدَمُهَا عِنْدَهُمْ سَوَاءً، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ وَخَالِقُ مُسَبَّبَاتِهَا، فَمَنْ كَانَ هَذَا حاله، فالأسباب عنده
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس ٢/ ٧٢١/ رقم ١٠٤٢"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الزكاة، باب كراهية المسألة ٢/ ١٢١/ رقم ١٦٢٤"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب البيعة على الصلوات الخمس ١/ ٢٢٩"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الجهاد، باب البيعة رقم ٢٨٦٧"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٢٧" عن عوف بن مالك ﵁. ٢ في "ط": "عاهدتك". ٣ في "أحكام القرآن" "٣/ ١١١١-١١١٢".
[ ٢ / ٥٠٠ ]
كَعَدَمِهَا؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخَافَةٌ مِنْ مَخُوفٍ مَخْلُوقٍ، [وَلَا رَجَاءٌ فِي مرجوِّ مَخْلُوقٍ] ١؛ إِذْ لَا مَخُوفَ وَلَا مرجوَّ إِلَّا اللَّهُ، فَلَيْسَ هَذَا إِلْقَاءٌ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ حَصَلَ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ هَلَكَ، وَإِنْ قَارَبَ السَّبُعَ هَلَكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، فَلَا؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ الْغَزَالِيُّ٢ فِي دُخُولِ الْبَرِّيَّةِ بِلَا زَادٍ اعْتِيَادَ٣ الصَّبْرِ وَالِاقْتِيَاتِ بِالنَّبَاتِ، وَكُلُّ هَذَا رَاجِعٌ إِلَى حُكْمٍ عَادِيٍّ.
وَلَعَلَّكَ تَجِدُ مَخْرَجًا فِي كُلِّ مَا يَظْهَرُ عَلَى أيدي الأولياء الذين ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُمْ، بِحَيْثُ يُرْجَعُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ؛ بَلْ لَا تَجِدُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَّا كَذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَادِيِّ، كَالْمُكَاشَفَةِ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمْ فِيهِ حُكْمَ أَهْلِ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ، بِحَيْثُ يُطْلَبُونَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ؟ أَمْ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً أُخْرَى خَارِجَةً عَنْ أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَوَائِدِ الظَّاهِرَةِ فِي النَّاسِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهَا فِي تَحْقِيقِ الْكَشْفِ الْغَيْبِيِّ مُوَافِقَةٌ لَا مُخَالِفَةٌ.
وَالَّذِي يَطَّرِدُ بِحَسَبِ مَا ثَبَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَمَا قَبْلَهَا أَنْ لَا يَكُونُ حُكْمُهُمْ مُخْتَصًّا، بَلْ يُرَدُّونَ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَوَائِدِ الظَّاهِرَةِ وَيَطْلُبُهُمُ الْمُرَبِّي بِذَلِكَ حَتْمًا، وَقَدْ مَرَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى حكم انخراق العوائد لم تنتظم لها
_________________
(١) ١ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٢ في "الإحياء" "٤/ ٢٦٦". ٣ في الأصل: "اعتقاد".
[ ٢ / ٥٠١ ]
قَاعِدَةٌ، وَلَمْ يَرْتَبِطْ لِحُكْمِهَا مُكَلَّفٌ إِذْ كَانَتْ؛ لَكَوْنِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا دَاخِلَةً تَحْتَ إِمْكَانِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، فَلَا وَجْهَ إِلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، فَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَتِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ بِتَرَتُّبِ ثَوَابٍ، وَلَا عِقَابٍ، وَلَا إِكْرَامٍ وَلَا إِهَانَةٍ، وَلَا حَقْنِ دَمٍ، [وَلَا إِهْدَارِهِ] ١، وَلَا إِنْفَاذِ حُكْمٍ مِنْ حَاكِمٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشَرَّعَ مَعَ فَرْضِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ٢، وَهُوَ الَّذِي انْبَنَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ لَا تَطَّرِدُ أَنْ تَصِيرَ حُكْمًا يُبْنَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وَإِذَا اخْتَصَّتْ لَمْ تَجْرِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَلَا تَكُونُ قَوَاعِدُ الظَّوَاهِرِ شَامِلَةً لَهُمْ، وَلَا أَيْضًا٣ تَجْرِي فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَنْ أَهْلِهَا بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، أَعْنِي فِي نَصْبِ أَحْكَامِ الْعَامَّةِ٤؛ إِذْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَوِ السُّلْطَانِ أَنْ يَحْكُمَ لِلْوَلِيِّ بِمُقْتَضَى كَشْفِهِ، أَوْ [كَشْفِ] السُّلْطَانِ نَفْسِهِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ مُعَامَلَةٍ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا أَيْضًا لِلْوَلِيَّيْنِ إذا ترافعا إلى الحاكم في قضية.
الثالث:
وَإِذَا فُرِضَ أَنَّهَا غَيْرُ شَامِلَةٍ لَهُمْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ٥ الْبُرْهَانُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَامَّةٌ وَأَحْكَامُهَا عَامَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الخلق وفي جميع الأحوال، كيف وهو يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَعْصِي وَالْمَعَاصِي جَائِزَةٌ عَلَيْهِ، فَلَا فِعْلَ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ ظَاهِرَ الشَّرْعِ إِلَّا وَالسَّابِقُ إِلَى بَادِئِ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ عِصْيَانٌ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْخَارِقَ الَّذِي لَا يَجْرِي على ظاهر الشرع مشرع؛ لتطرق
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٢ إذ النظر العقلي الصحيح مساند للنظر الشرعي، وهذا ما وضحه بما لا مزيد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في موسوعة "درء تعارض العقل والنقل"، والشيخ مصطفى صبري في كتابه "موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين". ٣ في "ماء/ ص٢١٢": "وأيضا لا". ٤ في "ط": "نصب الأحكام". ٥ في "ط": "على خلاف ما تقدم".
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الاحتمالات.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّ أَوْلَى الْخَلْقِ بِهَذَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ الصَّحَابَةُ ﵃، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ ﵊ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا مَا نَصَّتْ شَرِيعَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا خُصَّ بِهِ وَلَمْ يَعْدُ١ إِلَى غَيْرِهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ: "يُحِلُّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مَا شَاءَ"، وَمَنْ قَالَ: "إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ". فَغَضِبَ وَقَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" ٢.
وَقَدْ كَانَ ﵊ يُسْتَشْفَى بِهِ وبدعائه٣، ولم يثبت أنه مس
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ٢/ ٧٨١/ رقم ١١١٠" عن عائشة ﵂، وهذا لفظه، وأخرج نحوه البخاري في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ٩/ ١٠٤/ رقم ٥٠٦٣"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لم تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة ٢/ ١٠٢٠/ رقم ١٤٠١" عن أنس ﵁. ٢ أما الاستشفاء بدعائه، فقد ثبت في حديث المرأة السوداء التي كانت تصرع، وقد مضى "٢٦٢"، وأما الاستشفاء به، فأحسن ما يستدل به عليه ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الدعوات، باب: منه ٥/ ٥٦٩/ رقم ٣٦٧٨" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"- وابن ماجه في السنن" "كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة ١/ ٤٤١/ رقم ١٣٨٥"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" "رقم ٦٥٩"، وأحمد في "المسند" "٤/ ١٣٨"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ٣١٣ عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك". قال: فادعه قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في" لفظ الترمذي. وإسناده حسن، وانظر له: "صحيح الترغيب والترهيب" "رقم ٦٨١"، و"التوسل" "٦٨". ٣ ضبطها ناسخ "ط": "يعد".
[ ٢ / ٥٠٣ ]
بَشَرَةَ أُنْثَى مِمَّنْ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ أَوْ ملك يمين١، وكان النِّسَاءُ يُبَايِعْنَهُ وَلَمْ تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ أُنْثَى قَطُّ٢، وَلَكِنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي الْأُمُورِ عَلَى مُقْتَضَى الظَّوَاهِرِ وَإِنَّ كَانَ عَالِمًا بِهَا، وَقَدْ مَرَّ مِنْ هَذَا أَشْيَاءُ، وَهُوَ الَّذِي قَعَّدَ الْقَوَاعِدَ وَلَمْ يستثنِ وَلِيًّا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ حَقِيقًا بِذَلِكَ لَوْ نَزَلَ الْحُكْمُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْوَلِيِّ وَأَصْحَابِ الْخَوَارِقِ٣، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لهم بإحسان، وهو الْأَوْلِيَاءُ حَقًّا، وَالْفُضَلَاءُ صِدْقًا.
وَفِي قِصَّةِ الرُّبَيِّع بَيَانٌ لِهَذَا، حَيْثُ قَالَ وَلَيُّهَا أَوْ مَنْ كَانَ٤: وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" ٥.
_________________
(١) ١ انظر الحديث في التعليقة الآتية. ٢ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة ٥/ ٣١٢/ رقم ٢٧١٣، وكتاب الأحكام باب بيعة النساء ١٣/ ٢٠٣/ رقم ٧٢١٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء ٤/ ١٤٨٩" / رقم ١٨٦٦" عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "كَانَ النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتنحة: ١٢]، قالت: وما مَسَّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها" لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم: "ما مس رسول الله ﷺ بيده امرأة قط". ٣ من وجب عليه حد أو يتعلق بذمته حق وفر إلى ضريح ولي، فإنه يخرج منه كما يخرج من المسجد، والعامل على إخراج هذا الجاني مثاب على عمله، آمن من أن يلحقه ضرر، وإذا نزل به قضاء عقب هذا العمل، فمن الجهل اعتقاد أن ذلك من أثر غيرة الولي على حرمته كما تتوهم العامة، وإنما هو من بيان الصدفة وموافقة القدر، ومتى كانت العقيدة على أن صاحب الضريح ولي، فمن شرط ولايته عدم الترضي بتعطيل الحكم الشرعي واتخاذ حرمه ملجأ للفاسقين. "خ". ٤ القائل هو أنس بن النضر، كما صرح به البخاري في "صحيحه"، أو أم الربيع كما صرح به مسلم في "صحيحه"، وفيه: "إن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا"، وما عند المصنف رواية البخاري. ٥ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٨/ ١٧٧/ رقم ٤٥٠٠، ومسلم في "صحيحه" "كتاب القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان ٣/ ١٣٠٢/ رقم ٦٧٥" من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وَلَمْ يكتفِ ﵊ بِأَنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبرَّه، فَكَانَ يُرْجِئُ الْأَمْرَ حَتَّى يَبْرُزَ أَثَرُ الْقَسَمِ، بَلْ أَلْجَأَ إِلَى الْقِصَاصِ الَّذِي فِيهِ أَشَدُّ مِحْنَةً حَتَّى عَفَا أَهْلُهُ، فَحِينَئِذٍ قَالَ ﵊: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ" ١، فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَسَمَ قَدْ أَبَرَّهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ كُرْسِيٌّ٢ وهو العفو، والعفو منتهض في ظاهر الْحُكْمِ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ.
وَالْخَامِسُ:
أَنَّ الْخَوَارِقَ فِي الْغَالِبِ إِذَا جَرَتْ أَحْكَامُهَا مُعَارِضَةً لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا تَنْتَهِضُ أَنْ تَثْبُتَ وَلَوْ كَضَرَائِرِ الشِّعْرِ٣، فَإِنَّ ذَلِكَ إِعْمَالٌ لِمُخَالَفَةِ الْمَشْرُوعَاتِ، وَنَقْضٌ لِمَصَالِحِهَا الْمَوْضُوعَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ عَالِمًا بِالْمُنَافِقِينَ وَأَعْيَانِهِمْ، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْهُمْ فَسَادًا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِهِمْ لِمُعَارِضٍ هُوَ أَرْجَحُ فِي الِاعْتِبَارِ، فَقَالَ: "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" ٤، فَمِثْلُهُ يُلْغَى فِي جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْخَوَارِقِ عَلَى أَصْحَابِهَا، حَتَّى٥ لَا يَعْتَقِدَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ لِلصُّوفِيَّةِ شَرِيعَةً أُخْرَى، وَلِهَذَا وَقَعَ إِنْكَارُ الْفُقَهَاءِ لِفِعْلِ أَبِي يَعْزَى٦ ﵁، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ انْفِرَادِ أَصْحَابِ الْخَوَارِقِ بِأَحْكَامٍ خَارِجَةٍ عَنْ أَحْكَامِ الْعَادَاتِ الْجُمْهُورِيَّةِ قول يقدح في القلوب
_________________
(١) ١ هو قطعة من الحديث السابق، أوله: "كتاب الله القصاص". ٢ هكذا الأصل، وهو غير ظاهر، والصواب أثره وهو إلخ، ويدل عليه سياق الكلام المتقدم. ا. هـ. مصححة. "خ". ٣ لعلها "كضرورة الشعر". "د". ٤ مضى تخريجه "ص٤٦٧". ٥ في الأصل ونسخة "ماء/ ص٢١٣": "إذ يعتقد". ٦ صوابه "أبو يزيد" يعني: النخشبي المتقدمة قصته في حديثه مع خادمه. "د".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
أُمُورًا١ يُطْلَبُ بِالتَّحَرُّزِ مِنْهَا شَرْعًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصُّوا بِزَائِدٍ عَلَى مَشْرُوعِ الْجُمْهُورِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَالِينَ فِيهِمْ مَذْهَبَ الْإِبَاحَةِ، وَعَضَّدُوا بِمَا سَمِعُوا مِنْهَا رَأْيَهُمْ، وَهَذَا [كُلُّهُ] تَعْرِيضٌ لَهُمْ إِلَى سُوءِ الْمَقَالَةِ.
وَحَاشَ لله أن يكون أولياء الله إلا بُرءاء مِنْ هَذِهِ الْخَوَارِقِ الْمُنْخَرِقَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ جرى٢ إلى الخوص فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَقَدْ عُلِمَ مِنْهُمُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حُدُودِ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُمُ الْقَائِمُونَ بِأَحْكَامِ السُّنَّةِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، الْمُحَافِظُونَ عَلَى اتِّبَاعِهَا، لَكِنَّ انْحِرَافَ الْفَهْمِ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَفِيمَا قَبْلَهَا طَرَقَ فِي أَحْوَالِهِمْ مَا طَرَقَ، وَلِأَجْلِهِ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، حَتَّى يَتَقَرَّرَ بِحَوْلِ اللَّهِ مَا يُفهم بِهِ عَنْهُمْ مَقَاصِدُهُمْ، وَمَا تُوزَن بِهِ أَحْوَالُهُمْ، حَسْبَمَا تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ طَرِيقَتِهِمُ الْمُثْلَى، نَفَعَهُمُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِمْ.
ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ٣، فَنَقُولُ:
وَلَيْسَ الاطِّلاع عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ وَلَا الْكَشْفُ الصَّحِيحُ بِالَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الْجَرَيَانِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ، وَالْقُدْوَةُ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ كَانَ ﵊ مَعْصُومًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧]، وَلَا غَايَةَ وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَتَحَصَّنُ بِالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ٤، وَيَتَوَقَّى مَا الْعَادَةُ أَنْ يُتوقَّى، ولم يكن ذلك
_________________
(١) ١ منها الاعتقاد المذكور بعدُ. "د". ٢ في "ط": "جر". ٣ مرتبط بأول الفصل. "د". ٤ كما ثبت في أحاديث كثيرة، تجدها في "صحيح البخاري" "كتاب الجهاد، باب ومن يترس بترسي صاحبه ٦/ ٩٣، وباب ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب ٦/ ٩٩".
[ ٢ / ٥٠٦ ]
نُزُولًا عَنْ رُتْبَتِهِ الْعُلْيَا إِلَى مَا دُونَهَا، بَلْ هِيَ أَعْلَى.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِوَاءِ الْعَوَائِدِ وَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ عَلَى مُقْتَضَاهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ كَانُوا حَازُوا رُتْبَةَ التوكُّل، وَرُؤْيَةَ إِنْعَامِ الْمُنْعَمِ مِنَ الْمُنْعِمِ لَا مِنَ السَّبَبِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا الدُّخُولَ فِي الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي نُدِبوا إِلَيْهَا، وَلَمْ يَتْرُكْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي تُسْقِطُ حُكْمَ الْأَسْبَابِ وَتَقْضِي بِانْخِرَامِ الْعَوَائِدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا الْعَزَائِمُ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِهَا؛ لِأَنَّ حَالَ انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ لَيْسَ بِمَقَامٍ يُقَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ مَحَلُّ الرُّخْصَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵊: "قَيِّدْهَا وتَوَكَّلْ" ١.
وَقَدْ كَانَ المُكمَّلون مِنَ الصُّوفِيَّةِ يَدْخُلُونَ فِي الْأَسْبَابِ تأدُّبًا بِآدَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وَنَظَرًا إِلَى أَنَّ وَضْعَ اللَّهِ تَعَالَى أَحْوَالَ الْخَلْقِ عَلَى الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الدُّخُولُ تَحْتَ أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا قِصَّةٌ الْخَضِرِ ﵇ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الْكَهْفِ: ٨٢]، فَيُظْهِرُ بِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ٢، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْقَوْلِ، وَيَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِمُقْتَضَى الْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ، وَإِنْ سَلِمَ؛ فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَلِأَمْرٍ مَا٣، وَلَيْسَتْ جَارِيَةً على شرعنا، والدليل على ذلك
_________________
(١) ١ مضى تخريجه "١/ ٣٠٤"، وهو حديث حسن. ٢ قال: ابن حجر في كتابه "الزهر النضر في نبأ الخضر" "٢/ ٢٣٤- مع الرسائل المنيرية"، و"الذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته" وقال أيضا: "وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة، اعتقاد كون الخضر نبيًّا؛ لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي". وانظر ما قدمناه في التعليق على "ص٤٦٣ وما بعدها" عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ٣ سيشير إليه بقوله: "وعلى مقتضى عتاب موسى إلخ".
[ ٢ / ٥٠٧ ]
أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ لِوَلِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا، وَأَنَّهُ إِنْ عَاشَ أَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَإِنْ أُذِنَ لَهُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ قَرَّرَتِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى مُقْتَضَى شَرِيعَةٍ أُخْرَى، وَعَلَى مُقْتَضَى عِتَابِ مُوسَى ﵇ وَإِعْلَامِهِ أَنَّ ثَمَّ عِلْمًا آخَرَ وَقَضَايَا أُخر لَا يَعْلَمُهَا هُوَ١.
فَلَيْسَ كُلُّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ مِنَ الْغُيُوبِ يُسَوِّغُ لَهُ شَرْعًا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا خَالَفَ الْعَمَلُ بِهِ ظَوَاهِرَ الشَّرِيعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِحَّ رَدُّهُ إِلَيْهَا، فَهَذَا لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ.
وَالثَّانِي:
مَا لَمْ يُخَالِفْ [الْعَمَلُ] ٢ بِهِ شَيْئًا مِنَ الظَّوَاهِرِ، أَوْ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافٌ، فَيَرْجِعُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إِلَيْهَا، فَهَذَا يُسَوَّغُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الطَّرِيقُ، فَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ يُرَبِّي الْمُرَبِّي، وَبِهِ يُعَلَّقُ هِمَمُ السَّالِكِينَ تَأَسِّيًا بِسَيِّدِ الْمَتْبُوعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ مُقْتَضَى الْحُظُوظِ، وَأَوْلَى بِرُسُوخِ الْقَدَمِ، وَأَحْرَى بِأَنْ يُتَابَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَيُقْتَدَى به فيه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر لزاما في تقرير هذا وتأكيده: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١١/ ٤٢٠ وما بعدها"، و"مدرج السالكين" "٢/ ٤٧٥ و٣/ ٤١٦، ٤٣١-٤٣٣"، و"فتح الباري" "١/ ٢٢١"، و"عجالة المنتظر في شرح حال الخضر" لابن الجوزي، وكتابنا "من قصص الماضين" "ص٣٣ وما بعدها"، و"فوائد حديثية" لابن القيم "ص٨١" مع تعليقي عليه. قلت: والعبارة في الأصل: "ثم علماء أخر". ٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و"ط".
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ:
الْعَوَائِدُ أَيْضًا ضَرْبَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُقُوعِهَا فِي الْوُجُودِ:
أَحَدُهُمَا:
الْعَوَائِدُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأَحْوَالِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، وَالنَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، وَالْمَيْلِ إِلَى المُلائم وَالنُّفُورِ عَنِ الْمُنَافِرِ، وَتَنَاوُلِ الطَّيِّبَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُؤْلِمَاتِ وَالْخَبَائِثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي:
الْعَوَائِدُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأَحْوَالِ، كَهَيْئَاتِ اللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ، وَاللِّينِ فِي الشِّدَّةِ وَالشِّدَّةِ فِيهِ، وَالْبُطْءِ وَالسُّرْعَةِ فِي الْأُمُورِ، وَالْأَنَاةِ وَالِاسْتِعْجَالِ، وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَيُقْضَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَجَارِيَ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ وَعَلَى سُنَنِهِ لَا تَخْتَلِفُ عُمُومًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ مَا جَرَى مِنْهَا فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ مَحْكُومًا بِهِ عَلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا، كَانَتِ الْعَادَةُ وُجُودِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَلَا يَصِحُّ أن يقضى به على من تَقَدَّمَ الْبَتَّةَ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ من خارج، فإذا ذَاكَ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى مَا مَضَى بِذَلِكَ الدَّلِيلِ لَا بِمَجْرَى الْعَادَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْعَادَةُ الْوُجُودِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ١.
_________________
(١) ١ يحتاج إلى توفيق بينه وما سبق في أول المسالة الرابعة عشرة من أن العوائد الشرعية التي أمر بها الشارع أو نهى عنها أو أذن فيها لا تتبدل، بل هي دائمة ثابتة، وأن التي تتبدل إنما هي العوائد غير الشرعية، فإنها قابلة للتبدل في بعض أنواعها، إلا أن يقال: إنها ليست الشرعية بالمعنى المتقدم بل مثل اختلاف الهيئات والملابس، واختلاف التعبير والاصطلاحات بين الناس، فقد تكون في عهد الشرع على حال ثم تتبدل، فتعد شرعية بهذا المعنى بحصول الإذن بها على وجه عام، ثم تتغير العادة ويختلف حكم الشارع عليها لرجوعها إلى أصل شرعي آخر، فلا يتأتى الحكم بها على القرون الماضية؛ فإنها غير مستقرة في ذاتها، على أنها لو كانت من قسم الشرعيات المطلوبة؛ فإنها حيث كانت متبدلة غير مستقرة لا يتأتى الحكم بها على القرون الماضية الذي هو موضوع المسألة. "د".
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ رَاجِعٌ إِلَى عَادَةٍ كُلِّيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، وُضِعَتْ عَلَيْهَا الدُّنْيَا وَبِهَا قَامَتْ مَصَالِحُهَا فِي الْخَلْقِ، حَسْبَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، وَعَلَى وِفَاقِ ذَلِكَ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا؛ فَذَلِكَ الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ باقٍ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؛ وَهِيَ الْعَادَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لَا مَظْنُونَةٌ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي؛ فَرَاجِعٌ إِلَى عَادَةٍ جُزْئِيَّةٍ دَاخِلَةٍ تَحْتَ الْعَادَةِ الْكُلِّيَّةِ١، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الظَّنُّ لَا الْعِلْمُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُحْكَمَ بِالثَّانِيَةِ عَلَى مَنْ٢ مَضَى لِاحْتِمَالِ التَّبَدُّلِ وَالتَّخَلُّفِ بِخِلَافِ الْأُولَى.
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ لِتَكُونَ حُجَّةً فِي الْآخِرِينَ، وَيَسْتَعْمِلَهَا الْأُصُولِيُّونَ كَثِيرًا بِالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ القضاء بالعلمية٣ إِلَيْهَا وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ بِصَحِيحٍ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا فَاسِدٍ بِإِطْلَاقِ؛ بَلِ الْأَمْرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ الِانْقِسَامَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْشَأُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَشْكُلُ الْأَمْرُ فِيهِ: هَلْ يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فَيَكُونَ حجة، أم لا فلا يكون حجة؟
_________________
(١) ١ فالعادة الكلية أنه لا بد للإنسان من الطعام والمسكن والملبس، وتحت كل أنواع وهيئات كثيرة، صالحة لوقوع ذلك الكلي في ضمنها. "د". ٢ في الأصل: "ما". ٣ كذا في الأصل و"خ" و"ط" و"م"، وفي "د": "بالعامة.
[ ٢ / ٥١٠ ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ١:
الْمَفْهُومُ مِنْ وَضْعِ الشَّارِعِ أَنَّ الطَّاعَةَ أَوِ الْمَعْصِيَةَ تَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَصَالِحِ جريانُ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الْخَمْسَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَأَنَّ أَعْظَمَ الْمَفَاسِدِ مَا يَكِرُّ٢ بِالْإِخْلَالِ عَلَيْهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا؛ كَمَا فِي الْكُفْرِ وقتلِ النَّفْسِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا وُضِعَ لَهُ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ٣، بِخِلَافِ مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى حَاجِيٍّ أَوْ تَكْمِيلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ بِوَعِيدٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِحَدٍّ مَعْلُومٍ يَخُصُّهُ؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَالِاسْتِقْرَاءِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى بَسْطِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
إِلَّا أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا بِهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ أَوْ فَسَادِهِ، كَإِحْيَاءِ النَّفْسِ فِي الْمَصَالِحِ، وَقَتْلِهَا فِي الْمَفَاسِدِ.
وَالثَّانِي:
مَا بِهِ كَمَالُ ذَلِكَ الصَّلَاحِ أَوْ ذَلِكَ الْفَسَادِ، وَهَذَا الثَّانِي لَيْسَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ هُوَ عَلَى مَرَاتِبَ، وَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ عَلَى مَرَاتِبَ أَيْضًا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَوَّلِ وَجَدْنَا الدِّينَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَلِذَلِكَ يُهْمَلُ فِي جَانِبِهِ النَّفْسُ وَالْمَالُ وَغَيْرُهُمَا٤، ثُمَّ النَّفْسَ، وَلِذَلِكَ يُهْمَلُ فِي جَانِبِهَا اعْتِبَارُ قِوَامِ النسل والعقل
_________________
(١) ١ انظر حولها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٠-٤٨-٦١". ٢ أي: يرجع. ٣ في نسخة "ماء/ ص٢١٥": "حدًّا ووعيدًا". ٤ فالجهاد لحراسة الدين، ولتكون كلمة الله هي العليا تبذل في سبيله الأنفس والأموال والأولاد. "د".
[ ٢ / ٥١١ ]
وَالْمَالَ؛ فَيَجُوزُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الزِّنَى أَنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِهِ١ وَلِلْمَرْأَةِ إِذَا اضْطُرَّتْ وَخَافَتِ الْمَوْتَ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُطْعِمُهَا إِلَّا بِبَذْلِ بُضعِها؛ جَازَ لَهَا ذَلِكَ؛ وَهَكَذَا سَائِرُهَا.
ثُمَّ إِذَا نَظَرْنَا إلى بيع الغرر مثلا وجدنا الْمَفْسَدَةَ فِي الْعَمَلِ [بِهِ] ٢ عَلَى مَرَاتِبَ؛ فَلَيْسَ مَفْسَدَةُ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ كَمَفْسَدَةِ بَيْعِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ الْحَاضِرَةِ الْآنَ وَلَا بَيْعِ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ كَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَهُوَ مُمْكِنُ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمَصَالِحُ فِي التَّوَقِّي عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الطَّاعَةُ وَالْمُخَالَفَةُ تُنْتِجُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِد أَمْرًا كُلِّيًّا ضَرُورِيًّا؛ كَانَتِ الطَّاعَةُ لَاحِقَةً بِأَرْكَانِ الدِّينِ، وَالْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ تُنْتِجْ إِلَّا أَمْرًا جزئيا؛ فالطاعة٣ لَاحِقَةٌ بِالنَّوَافِلِ وَاللَّوَاحِقِ الْفَضْلِيَّةِ، وَالْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةٌ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَيْسَتِ الْكَبِيرَةُ فِي نَفْسِهَا مَعَ كُلِّ مَا يُعَدُّ كَبِيرَةً عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا كُلُّ رُكْنٍ مَعَ مَا يُعَدُّ رُكْنًا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ أَيْضًا، كَمَا أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ فِي الطَّاعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لَيْسَتْ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ؛ بَلْ لكل منها مرتبة تليق بها.
_________________
(١) ١ هذا القول حكاه بعضهم على إطلاقه وأخذ به سحنون، ولكنه شرط أن يكون المكره به هو المرأة نفسها، وأن لا يكون لها زوج، ومن حجة هذا المذهب أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان﴾ جعل الإكراه على القول عذرا ينبغي أن يلحق به الفعل، ويحكم له بحكمه؛ إما على الإطلاق، أو على شرط أن لا يتعلق به حق لمخلوق. "خ". قلت: انظر تفصيل المسألة في: "تفسير القرطبي" "١٠/ ١٨٦"، و"أحكام القرآن" "٣/ ١٠٧٤"، لابن العربي، و"الطرق الحكمية" "٤٧-٤٩"و"بدائع الصنائع" "٩/ ٤٤٨٤". و"الإكراه في الشريعة الإسلامية" "ص١٢٤ وما بعدها". ٢ سقطت من "ط". ٣ في "د": "فطاعة".
[ ٢ / ٥١٢ ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ:
الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكلَّف التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي١.
أَمَّا الْأَوَّلُ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
مِنْهَا الِاسْتِقْرَاءُ؛ فَإِنَّا وَجَدْنَا الطَّهَارَةَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا٢، وَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ خُصَّتْ بِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى هَيْئَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إِنْ خَرَجَتْ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَاتٍ، وَوَجَدْنَا الموجِبَات فِيهَا تَتَّحِدُ مَعَ اخْتِلَافِ الموجَبَات٣، وَأَنَّ الذِّكْرَ الْمَخْصُوصَ٤ فِي هَيْئَةٍ مَا مَطْلُوبٌ، وَفِي هَيْئَةٍ أُخْرَى غير مطلوب، وأن
_________________
(١) ١ انظر في تقرير هذه القاعدة: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٨/ ٣٨٥ وما بعدها". وإعلام الموقعين" "١/ ٢٩٩-٣٠١"، والاعتصام للمصنف "٢/ ١٣٢-١٣٣"- ونقله عن مالك- والقواعد" لشيخ المصنف المقري "قاعدة" رقم ٧٣، ٧٤، ٢٩٦"، ونقله عن الشافعي، ونقل عن أبي حنيفة "الأصل التعليل حتى يتعذر"، وقال: "والحق أن ما لا يعقل معناه تلزم صورته وصفته" و"البرهان" "٢/ ٩٢٦" للجويني، و"تخريج الفروع على الأصول" "ص٣٨-٤٠" للزنجاني، و"مذكرة في أصول الفقه" "ص٣٤". وقرر المصنف فيما مضى "١/ ٣٣٤" أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة وإن لم يعلم ذلك على التفصيل. ٢ هذا في الطهارة الحديثة بخلاف الثوب والبدن والمكان من الأخباث؛ فأنها لا تتعدى، بل تقف عند حد من أصيب بالنجاسة. "د". ٣ فالحيض والنفاس يسقطان الصلاة، ولا يسقطان الصوم ولا سائر العبادات المفروضة من أركان الإسلام. "د". ٤ هذا كثير؛ فالقنوت -وهو ذكر ودعاء- يطلب في بعض الصلوات دون بعض، والدعاء يطلب في السجود لا في الركوع، والنوافل تطلب في أوقات وتمنع فيما بعد صلاة الصبح إلى أن تشرق الشمس مثلا، وهكذا من أوقات النهي، وكل هذا لا يعرف إلا بموقف من قبل الوحي، وليس للعقل فيه مجال الخروج عما حد. "د".
[ ٢ / ٥١٣ ]
طَهَارَةَ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَإِنْ أَمْكَنَتِ النطافة بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ -وَلَيْسَتْ فِيهِ نَظَافَةٌ حِسِّيَّةٌ- يَقُومُ١ مَقَامَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ؛ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ٢، وَغَيْرِهِمَا؛ وَإِنَّمَا فَهِمْنَا مِنْ حِكْمَةِ التَّعَبُّدِ الْعَامَّةِ٣ الِانْقِيَادَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِفْرَادِهِ بِالْخُضُوعِ، وَالتَّعْظِيمِ لِجَلَالِهِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ٤ لَا يُعْطِي عِلَّةً خَاصَّةً يُفهم مِنْهَا حُكْمٌ خَاصٌّ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يُحَدَّ لَنَا أَمْرٌ مَخْصُوصٌ، بَلْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ، ولكان المخالف لما حد غير ملوم إذا كَانَ التَّعْظِيمُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُطَابِقِ لِنِيَّتِهِ حَاصِلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، فَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الْأَوَّلَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِذَلِكَ الْمَحْدُودِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ شَرْعًا.
وَالثَّانِي:
أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّوْسِعَةَ فِي وُجُوهِ التَّعَبُّدِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ؛ لَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَاضِحًا، كَمَا نَصَبَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي وُجُوهِ الْعَادَاتِ أَدِلَّةً٥ لَا يُوقَفُ مَعَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ دُونَ مَا شَابَهَهُ وَقَارَبَهُ وَجَامَعَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، ولكان ٦ ذلك يتسع في أبواب
_________________
(١) ١ أي: حيث لا يقوم الماء الطاهر غير المطهر الذي هو منقىً من كل أثر. "د". ٢ أي: فهما من الأمور المحدودة التي لا يفهم تحديدها من غير الشرع، ولا يستقل العقل بإدراك حدودها وحكمها. "د". ٣ في نسخة "ماء/ ص٢١٦" بدل "العامة كلمة "بالجميع". ٤ في نسخة ماء / ص٢١٦": "والتوجه إليه، لا غير ذلك؛ لأن هذا المقدار". ٥ كما في حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " إلى أن قال: "أجتهد رأيي ولا آلو"، فأقره على الاجتهاد برأيه في القضاء فيما لا نص فيه إذا جامع ما نص عليه في المعنى المفهوم منه". "د". قلت: والحديث ضعيف، وسيأتي عند المصنف "٤/ ٢٩٨" وتخريجه هناك. ٦ مرتب على قوله: "لنصب"؛ أي: ولو نصب الأدلة لاتسع الأمر في العبادات، وقوله: ولما لم نجد إلخ" أي: ولما لم تقم الأدلة على التوسعة فيها، ولا وجدت فيها التوسعة؛ دل على المطلوب. "د".
[ ٢ / ٥١٤ ]
الْعِبَادَاتِ، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى خِلَافِهِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَحْدُودِ؛ إِلَّا أَنْ يُتَبَيَّنَ بِنَصٍّ١ أَوْ إِجْمَاعٍ مَعْنًى مُرَادٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَا لَوْمَ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ، فَلَيْسَ بِأَصْلٍ؛ وَإِنَّمَا الْأَصْلُ مَا عَمَّ فِي الْبَابِ وَغَلَبَ فِي٢ الْمَوْضِعِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ فِيهَا٣ مَعْدُودٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ٤، كَالْمَشَقَّةِ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ وَإِفْطَارِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ٥.
وَإِلَى هَذَا؛ فَأَكْثَرُ الْعِلَلِ الْمَفْهُومَةِ الْجِنْسِ فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ غير مفهومة
_________________
(١) ١ وذلك كما في قوله ﵊ فيمن وقصته الدابة: "لا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" فقد نص على حكمته عدم مسه بالطيب، فإذا حمل عليه كل من مات قبل تمام حجه، وأنه لا يمس بطيب لهذا لمعنى المتبين بالنص؛ فلا مانع منه، وهكذا ما كان من قبيله، وهو كمحترز لقوله: "يتسع"؛ أي: بل هو قليل كهذا. "د". قلت: الحديث في "صحيح البخاري" "كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة ٤/ ٥٢/ رقم ١٨٣٩"، وغيره عن ابن عباس ﵄. ٢ في ط": "وغلب على" ٣ المناسب: هو ما كانت له علة مفهومة وحكمة مناسبة، تدركها العقول، ويقر بها، وفيها؛ أي: في العبادات. وفي "ط": ما هو فيها". ٤ أي: إن المناسب وهو الوصف الذي اعتبر علة للحكم في العبادات عدوه من أقسام ما لا نظير له، وهو قسم مما عدل به عن سنن القياس، فالمشقة لم يعتد بها في غير الصوم وقصر الصلاة في السفر، ولو كانت المشقة أضعاف ما يحصل في السفر، وأصل القياس مبني على تعدية حكمة العلة لكل فرع وجدت فيه، فكان ذلك خروجا عن سنن القياس، وسمي هذا النوع لا نظير له، يعني: وهذا مما يضعف معنى التعليل في العبادات، ويرجع بها إلى التعبد؛ لأنه حتى عند فرض وجود النظر للمعنى فيها؛ فإنه يكون بحالة قاصرة. "د". ٥ ليكن على بالك ما قدمه في "ص٤٢"؛ ففيه تعليل لبعض الطاعات.
[ ٢ / ٥١٥ ]
الْخُصُوصِ، كَقَوْلِهِ: "سَهَا١ فَسَجَدَ"٢ وَقَوْلِهِ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" ٣، وَنَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ"٤، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بأن
_________________
(١) ١ هذه الأمثلة من مسالك العلة الصريحة، فالترتيب بالفاء كزنى ماعز فرجم، والشرط في إذا، واللام في قوله: "أنها تطلع إلخ"، ولكنها كما يقول: لا يفهم منها الخصوص. "د". ٢ ورد سهوه ﷺ والسجود بسببه في كثير من الأحاديث، منها في "صحيح البخاري" "كتاب السهو ٣/ ٩٢ وما بعدها"، و"صحيح مسلم" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له ١/ ٣٩٨ وما بعدها". وظفرت بعبارة فيها: "فسها، فسجد" ضمن حديث أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو ٢/ ٢٤٠-٢٤١/ رقم ٣٩٥"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم ١/ ٢٧٣/ رقم ١٠٣٩"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين ٣/ ٢٦" عن عمران بن حصين ﵁. ووَهِم من قال: إن مراد المصنف حديث ذي اليدين؛ إذ ليس فيه هذه اللفظة، قاله الزركشي في "المعتبر" "رقم ١١٧". ٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور ١/ ٢٣٤/ رقم ١٣٥، وكتاب الحيل، باب في الصلاة ١٢/ ٣٢٩/ رقم ٦٩٥٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة ١/ ٢٠٤/ رقم ٢٢٥" عن أبي هريرة. وورد نحوه عن غير واحد من الصحابة، وخرجتها في تعليقي على "الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام "رقم ٥٤-٥٨". ٤ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ٢/ ٦١/ رقم ٥٨٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ١/ ٥٦٦/ رقم ٨٢٥" عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. وفي الباب عن غير واحد من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منها عن ابن عمر وسيأتي قريبا.
[ ٢ / ٥١٦ ]
الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ١.
وَكَذَلِكَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْخِلَافِيِّونَ فِي قِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ بِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَعَدَّتْ مَحَلَّ مُوجَبِهَا، فَتَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ مُنَاسِبٍ يَصْلُحُ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُسَمَّى شُبَهًا٢، بِحَيْثُ لَا يَتَّفِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ الْقَائِلُونَ، وَإِنَّمَا يَقِيسُ بِهِ مَنْ يَقِيسُ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ سِوَاهُ، فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ لَنَا عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ تَشْهَدُ لَهَا الْمَسَالِكُ الظَّاهِرَةُ٣؛ فَالرُّكْنُ الْوَثِيقُ الَّذِي يَنْبَغِي الِالْتِجَاءُ إليه
_________________
(١) ١ ورد ذلك في عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس ٢/ ٥٨/ رقم ٥٨٢، وباب لا يُتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ٢/ ٦٠/ رقم ٥٨٥، وكتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد قباء ٣/ ٦٨/ رقم ١١٩٢، وكتاب الحج، باب الطواف بعد الصبح والعصر ٣/ ٤٨٨ / رقم ١٦٢٩، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ٦/ ٣٣٥/ رقم ٣٢٧٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ٢/ ٥٦٧" عن ابن عمر مرفوعا: "ولا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بقرني شيطان" لفظ مسلم، ولفظ البخاري في آخر موطن مذكور: "ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان". ٢ الراجح أن هذا النوع من القياس ليس بحجة؛ فإنه لخلوه من إدراك المناسبة لا يفيد ظن العلية ظنا يعتد به في تقرير أحكام الله، ثم إن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا به في حال. "خ". ٣ هي المناسبة، والنص بأنواعه، والإجماع، والسبر والتقسيم ثم الدوران، أما الشبه، فليس من المسالك عند الشافعية، قال السبكي: "وقد كثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة، ولم أجد لأحد تعريفا صحيحا فيها"، ثم قال: "إنه يطلق على معانٍ، والمراد به هنا وصف مناسبته للحكم ليست بذاته، بل بسبب مشابهته للوصف المناسب لذاته شبها خاصا؛ أي: يشبهه فيما يظن كونه علة الحكم أو مستلزما لها، سواء أكانت المشابهة في الصورة أم المعنى، وذلك كالطهارة =
[ ٢ / ٥١٧ ]
الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حُدَّ، دُونَ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا الشَّرِيعَةَ حِينَ اسْتَقْرَيْنَاهَا تَدُورُ عَلَى التَّعَبُّدِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتُ، فَكَانَ أَصْلًا فِيهَا.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ وُجُوهَ التَّعَبُّدَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ لَمْ يهتدِ إِلَيْهَا الْعُقَلَاءُ اهْتِدَاءَهُمْ لِوُجُوهِ مَعَانِي الْعَادَاتِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُ الْغَالِبَ فِيهِمُ الضَّلَالَ فِيهَا١، وَالْمَشْيَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ التَّغْيِيرُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِ مَعَانِيهَا وَلَا بِوَضْعِهَا، فَافْتَقَرْنَا إِلَى الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الأمر كذلك عذر٢ أهل الفترات في
_________________
(١) = لاشتراط النية؛ فإنها تناسبه بواسطة كونها عبادة بخلاف الإسكار لحرمة الخمر؛ فإنه مناسب لها بذاته، بحيث يدرك العقل مناسبته لها وإن لم يرد به الشرع، وحينئذ؛ فالشبه -أي هذا النوع من المسالك- يحتاج في إثبات عليته إلى دليل مثبت للعلية، ولذلك قيل في تعريفه: وصف لم تثبت مناسبته للحكم إلا بدليل منفصل، مثاله أن يقال في إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث في تعين الماء لها: طهارة تراد للصلاة، فلا يجزي فيها غير الماء كالوضوء، فكون كل منهما طهارة تراد للصلاة هو الوصف الجامع بينهما لتعين الماء لهما، وهو وصف شبهي لا تظهر مناسبته لتعين الماء في إزالة الخبث، وقالوا: إنه إذا ثبت بأحد مسالك العلة المعتبرة أن وصف كون الطهارة تراد للصلاة يصح علة تعين الماء لإزالة الخبث لزم، وإلا، فلا يوجبه مجرد اعتبار الماء في الحدث"، ومثله أيضا مثال المؤلف، قال ابن الحاجب: "وتثبت عليه الشبه بجميع المسالك"، وفي شرحه: وقد يقال: الشبه للوصف المجامع لآخر إذا تردد به الفرع بين أصلين، فالأشبه فيهما هو الشبه، كالنفسية والمالية في العبد المقتول تردد بين الحر والفرس مثلا، وهو بالحر أشبه؛ لأن مشاركته له في الأوصاف والأحكام أكثر؛ فتتعارض مناسبتان، فترجع إحداهما، ولكنه ليس من الشبه الذي فيه كلام المؤلف بدليل مثاله. "د". قلت: انظر عن مسالك العلة "٣/ ١٣٦-١٣٧". ١ أي: الفترات، وانظر: "حجة الله البالغة" "٢/ ١٤٦". ٢ هذا مذهب الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، كما في "الحاوي" "٢/ ٣٥٣" للسيوطي، و"تعظيم المنة" "ص١٦٧"، و"فتاوى ابن رشد" "٣/ ٦٥٢"، ومذهب المعتزلة والماتريدية أنهم في النار؛ إذ عليهم أن يستدلوا بعقولهم؛ انظر: "جمع الجوامع" "١/ ٦٢"=
[ ٢ / ٥١٨ ]
عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥] .
والحجة ها هنا هِيَ الَّتِي أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ فِي رَفْعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الرُّجُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى مُجَرَّدِ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، وَهُوَ مَعْنَى التَّعَبُّدِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَاقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ فِيهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَأَجْرَى عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَهُوَ رَأْيُ مَالِكٍ١ ﵀؛ إِذْ لَمْ يَلْتَفِتْ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ النِّيَّةَ وَالْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ مَقَامَهُ وَالتَّسْلِيمِ كَذَلِكَ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُبَالَغَاتِهِ الشَّدِيدَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَحْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ مَا مَاثَلَهُ، فَيَجِبُ أَنَّ يُؤْخَذَ فِي هَذَا الضَّرْبِ التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي أَصْلًا يبنى٢ عليه، وركنا يُلجأ إليه.
_________________
(١) = السبكي، و"المسامرة" "ص٢٧٤-٢٧٥/ مع نتائج المذاكرة"، ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يدخله الله فيها، وعلى هذا أدلة كثيرة، انظرها في: "الجواب الصحيح" "١/ ٣١٢"، والا عتقاد" "ص٩١-٩٢" للبيهقي -واختار هذا القول- و"طريق الهجرتين" "ص ٦٨٩ وما بعدها" و"تفسير ابن كثير" "٣/ ٣٥"، وفتح الباري" "٣/ ٤٥-٤٦"، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" "٤/ ٧٤"، و"أضواء البيان" "٣/ ٤٨٣". ١ الفروع المذكورة ليست من انفرادات مالك رحمه الله تعالى، بل قال بأغلبها الشافعي وأحمد أيضا، انظر مثلا: الفرع الأول في "الطهور" لأبي عبيد "ص ٢٠١ وما بعدها مع تعليقنا عليه". ٢ في "ط": ينبني".
[ ٢ / ٥١٩ ]
فَصْلٌ:
وَأَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي، فَلِأُمُورٍ:
أَوَّلُهَا:
الِاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّا وَجَدْنَا الشَّارِعَ قَاصِدًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالْأَحْكَامُ الْعَادِيَّةُ١ تَدُورُ [مَعَهُ] ٢ حَيْثُمَا دَارَ، فَتَرَى الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يُمْنَعُ فِي حَالٍ لَا تَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ جَازَ، كَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ، يَمْتَنِعُ فِي الْمُبَايَعَةِ٣، وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَبَيْعِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، يَمْتَنِعُ حَيْثُ يَكُونُ مُجَرَّدَ غَرَرٍ وَرِبَا مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَيَجُوزُ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ٤، وَلَمْ نَجِدْ هَذَا فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ مَفْهُومًا كَمَا فَهِمْنَاهُ فِي الْعَادَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٩] .
وَقَالَ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ" ٥.
وَقَالَ: "لَا ضَرَرَ ولا ضرار" ٦.
_________________
(١) ١ أي: الأحكام المتعلقة بالعادات نظير الأحكام العبادية. ٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٣ لما فيها من المشاحة والمغالبة، وقصد الاستفادة المالية بخلاف القرض الذي هو لوجه الله خاصة، ففيه تزكية نفس المقرض كالصدقة، وفيه تنفيس كُرَب الناس، ويقع* الحرج إذا منع القرض أيضا. "د". قلت: ويمكن التمثيل على ما ذكره المصنف سابقا بالتسعير. ٤ كما في ثمر العرايا توسعة على الخلق، ولرفع الحرج والضرر على المعري، إذا تردد المعرى داخل بستانه ونخله، فكان منع ذلك مؤديا إلى ألا يعري أحد أحدا نخله. "د". ٥ مضى تخريجه "ص٢٣١". ٦ مضى تخريجه "ص٧٢". * في المطبوع: "ويرفع".
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وقال: "القاتل لا يرث" ١.
_________________
(١) ١ أخرج النسائي في "الكبرى" "كتاب الفرائض"-كما في "تحفة الأشراف" "٦/ ٢٢٠"، والدارقطني في "السنن" "٤/ ٩٦"، وابن عدي في "الكامل" "١/ ٢٩٣"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٦/ ٢٢٠" من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، قال: "ليس للقاتل من الميراث شيء". ثم أخرجه ابن عدي في "الكامل" "١/ ٢٩٣"، والدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج ويحيى بن سعيد، وزاد الدارقطني: "والمثنى بن الصباح عن عمرو به، إسناده ضعيف، إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها، إلا أنه توبع، فقد أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، ٤/ ١٨٩-١٩٠/ رقم ٤٥٦٤"، والبيهقي من طريق محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب به، وذكر حديثا طويلا فيه: "ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئا" وإسناده فيه ضعف أيضا، سليمان صدوق، فقيه في حديثه بعض اللين، والراوي عنه ابن راشد صدوق يهم. ولكن للحديث شواهد عديدة، منها حديث أبي هريرة بلفظ المصنف، أخرجه الترمذي في "الجامع" "٢١٠٩"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ٢٦٤٥، ٢٧٣٥"، والدارقطني في "السنن" "٤/ ٩٦"، والبيهقي في "الكبرى" "٦/ ٢٢٠"، وابن عدي في "الكامل" "١/ ٣٢٢" بسند ضعيف فيه إسحاق بن عبيد الله بن أبي فروة، قال الترمذي عقبه: "هذا حديث لا يصح، لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبيد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل"، وقال البيهقي: "إسحاق بن عبيد الله لا يحتج به، إلا أن شواهده تقويه". قلت: نعم هو صحيح بشواهده، منها حديث عمر، أخرجه أحمد في "المسند" "١/ ٤٩"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ٢٦٤٦"، والبيهقي في "الكبرى" "٦/ ٢١٩"، والدارقطني في "السنن" "٤/ ٩٦"، ومنها حديث ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ٤٠٤"/ رقم ١٧٧٨٧"، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "٦/ ٢٢٠". وانظر: "التلخيص الحبير" "٣/ ٨٥"، و"نصب الراية" "٤/ ٤٢٨"، و"الإرواء" "رقم ١٦٧٠-١٦٧٢".
[ ٢ / ٥٢١ ]
"وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ"١.
وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ٢.
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
_________________
(١) ١ أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر، ٤/ ١١٥٣/ رقم ١٥١٣" عن أبي هريرة قال: نهى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، وبيع الحصاة فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي هذه الحصاة. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعا، فيقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا. وبيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع، وعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهي عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. ٢ أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام ٣/ ١٥٨٧/ رقم ٢٠٠٢" عن جابر مرفوعا: "كل مسكر حرام". وأخرج برقم "٢٠٠٣" عن ابن عمر مرفوعا: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". وأخرج البخاري في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب الخمر من العسل، ١٠/ ٤١/ رقم ٥٥٨٥" ومسلم في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، ٣/ ١٥٨٥/ رقم ٢٠٠١" عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع؟ فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام".
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى، وَجَمِيعُهُ يُشِيرُ بَلْ يُصَرِّحُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ لِلْعِبَادِ، وَأَنَّ الْإِذْنَ دَائِرٌ مَعَهَا أَيْنَمَا دَارَتْ، حَسْبَمَا بَيَّنَتْهُ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ١، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَادَاتِ مِمَّا اعْتَمَدَ الشَّارِعُ فِيهَا الِالْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الشَّارِعَ تَوَسَّعَ٢ فِي بَيَانِ الْعِلَلِ وَالْحِكَمَ فِي تَشْرِيعِ بَابِ الْعَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، وَأَكْثَرُ مَا عَلَّلَ فِيهَا بِالْمُنَاسِبِ الَّذِي إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ٣، فَفَهِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ فِيهَا اتِّبَاعَ الْمَعَانِي، لَا الْوُقُوفَ٤ مَعَ النُّصُوصِ، بِخِلَافِ بَابِ الْعِبَادَاتِ٥، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ فِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَالِكٌ ﵀، حَتَّى قَالَ فِيهِ بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ٦، وَقَالَ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ٧، ونُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّهُ تسعة أعشار
_________________
(١) ١ وما ذكره من الأمثلة الثانية من باب مسلك التنبيه والإيماء الذي هو ترتيب الحكم على الوصف، فيفهم لغة أنه علة له؛ ولذا جعلوه من مسلك النص غير الصريح "د". ٢ كمقابل لقوله في الوجه الثاني في العبادات: "ولكان ذلك يتسع في أبواب العبادات". "د". ٣ هذا هو تعريف أبي زيد للمناسب، وعرفه غيره بأنه وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء، وهو حصول مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، وقالوا: إن تعريف أبي زيد لا يمكن إثباته في المناظرة؛ إذ يقول الخصم لا يتلقاه عقلي بالقبول، وإن كان التعريفان متقاربين في المعنى "د". ٤ في نسخة "ماء/ ص٢١٧": "بالوقوف". ٥ ليكن على بالك ما قرره المصنف "١/ ١١١" أن تلمس "الحكم" في هذا الباب من ملح العلم لا من متنه عند المحققين، وهذا ما ذكره شيخ المصنف المقري في كتابه "القواعد" "٢/ ٤٠٦". "٦و ٧" بيان المقام على وجه يشفي النفس يرجع فيه إلى كتاب "الاعتصام" "٢/ ٦٠٧وما بعدها -ط ابن عفان" للمؤلف في تحديدهما وتمثيلهما. "د". =
[ ٢ / ٥٢٣ ]
الْعِلْمِ"، حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ١.
وَالثَّالِثُ:
إِنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي قَدْ كَانَ مَعْلُومًا فِي الْفَتَرَاتِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ، حَتَّى جَرَتْ بِذَلِكَ مَصَالِحُهُمْ، وَأَعْمَلُوا كُلِّيَّاتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَاطَّرَدَتْ لَهُمْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي جُمْلَةٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ، فَجَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتُتِمَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ جَاءَتْ مُتَمِّمَةً لِجَرَيَانِ التَّفَاصِيلِ فِي الْعَادَاتِ عَلَى أُصُولِهَا المعهودات، ومن ههنا أَقَرَّتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَرَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَالدِّيَةِ، وَالْقِسَامَةِ، وَالِاجْتِمَاعِ٢ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ -وَهِيَ الْجُمْعَةُ- لِلْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، وَالْقِرَاضِ، وَكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَحْمُودًا، وَمَا كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَوَائِدِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَقْبَلُهَا الْعُقُولُ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ٣ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِسْلَامِ أُمُورٌ نَادِرَةٌ مَأْخُوذَةٌ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇.
_________________
(١) = وقال "خ": "هي مصلحة يتلقاها العقل بالقبول، ولا يشهد أصل خاص من الشريعة بإلغائها أو اعتبارها، وإنما يتمسك بها الإمام مالك على شرط التئامها بالمصالح التي تشهد لها الأصول، وقد اعترض القول بها إمام الحرمين من وجهين: أحدهما أنها تستلزم المفسدة من وجهين، أحدهما تحكيم العوام بحسب آرائهم في ملاءمتهم ومنافرتهم، والثاني اختلاف الأحكام باختلاف الأشخاص والبقاع والأوقات، وأجاب المالكية عن ذلك بأن الحكم في المصلحة منوط بالاجتهاد؛ لأنه دليل حكم لا حكم حتى يعمل بها العامي، وعن الثاني بالتزامه وهو معنى دوام الشريعة ومناسبتها لكل زمان" قلت: مقولة مالك في "العتبية" "٤/ ١٥٥- مع الشرح"، وانظر: "الذخيرة" "١/ ١٥٢-١٥٣- ط دار الغرب" للقرافي، و"أساس القياس" "ص ٩٨-٩٩" للغزالي. ١ انظر: "٥/ ١٩٨". ٢ أي: باعتبار ما فيه من المصلحة العامة، حتى يكون مما نحن فيه، لا من جهة كون الصلاة وسماع الخطبة عبادة. "د". ٣ من تتمة الدليل الثالث. "د".
[ ٢ / ٥٢٤ ]
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، وَأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي، فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا التَّعَبُّدُ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْوُقُوفِ مَعَ الْمَنْصُوصِ، كَطَلَبِ الصَّدَاقِ١ فِي النِّكَاحِ، وَالذَّبْحِ فِي [الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ٢ فِي] الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَعَدَدِ الْأَشْهُرِ فِي الْعِدَدِ الطَّلَاقِيَّةِ وَالْوَفَوِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي فَهْمِ مَصَالِحِهَا الْجُزْئِيَّةِ، حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْوَلِيِّ وَالصَّدَاقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، لِتَمْيِيزِ النِّكَاحِ عَنِ السِّفَاحِ، وَأَنَّ فُرُوضَ الْمَوَارِيثِ تَرَتَّبَتْ عَلَى تَرْتِيبِ الْقُرْبَى مِنَ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْعِدَدَ وُالِاسْتِبْرَاءَاتِ الْمُرَادُ بِهَا اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ خَوْفًا مِنْ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَلَكِنَّهَا أُمُورٌ جُمْلِيَّةٌ، كَمَا أَنَّ الْخُضُوعَ وَالتَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ عِلَّةُ شَرْعِ الْعِبَادَاتِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَقْضِي بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ فِيهَا، بِحَيْثُ يُقَالُ: إِذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِأُمُورٍ أُخَرَ مَثَلًا لَمْ تُشْتَرَطْ تِلْكَ الشُّرُوطُ، وَمَتَى عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ لَمْ تُشْرَعِ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ وَلَا بِالْأَشْهُرِ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ تُوجَدُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّاتِ عِلَّةٌ يُفْهَمُ مِنْهَا مَقْصِدَ الشَّارِعِ. عَلَى الْخُصُوصِ أَمْ لَا؟
_________________
(١) ١ تأمل، فإن فيه المعنى الذي أشارت إليه الآية: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، أي: فالصداق والنفقة مكملان لحق القيامة والرياسة للأزواج عليهن، وسيأتي للمؤلف تعليله بتمييز النكاح عن السفاح، وإن كان قد يقال: إن الزنا فيه دفع مال من الزاني للبغي. "د". ٢ أي: مع أن تطهير الرحم من الدم الذي هو مسكن الجراثيم المرضية غالبا قد لا يتوقف على خروجه من الودجين والحلقوم، وليراجع أهل الذكر في هذا فقد يكون له علة ومعنى مقصود. "د". قلت: وما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا أُمُورُ التَّعَبُّدَاتِ، فَعِلَّتُهَا الْمَطْلُوبَةُ مُجَرَّدُ الِانْقِيَادِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ، قَالَتْ لِلسَّائِلَةِ: "أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ " إِنْكَارًا عَلَيْهَا أَنْ يُسْئَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ إِذْ لَمْ يُوضَعْ التَّعَبُّدُ أَنْ تَفْهَمَ عِلَّتَهُ الْخَاصَّةَ، ثُمَّ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ"١، وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّعَبُّدَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْمَشَقَّةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي مَسْأَلَةِ تَسْوِيَةِ الشَّارِعِ بين دية الأصابع: "هي السنة با ابْنَ أَخِي"٢، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ لَا عِلَّةَ.
وَأَمَّا الْعَادِيَّاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَيْضًا، فَلَهَا مَعْنًى مَفْهُومٌ، وَهُوَ ضَبْطُ وَجُوهِ الْمَصَالِحِ؛ إِذْ لَوْ تُرِكَ الناسُ والنظرَ لَانْتَشَرَ٣ وَلَمْ يَنْضَبِطْ، وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، وَالضَّبْطُ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَجَعَلَ الشَّارِعُ لِلْحُدُودِ مَقَادِيرَ مَعْلُومَةً، وأسباب معلومة لا تتعدي، كالثمانين في القذف، والمئة وتغريب العام في الزنا على غير إخصان، وخص قطع اليد بالكوع٤ وفي
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة ١/ ٢٦٥/ رقم ٣٣٥". وقولها ﵂: "أحرورية أنت؟ " أي: أنت تنتسبين إلى الحروريين، وهم جماعة خالفوا عليا ﵁ من الخوارج، يبالغون في العبادات، ينتسبون إلى حروراء، قرية بالكوفة على ميلين منها. "ماء / ص٢١٨". ٢ نحوه في "معالم السنن" للخطابي "٤/ ٢٨"، و"فقه الإمام سعيد بن المسيب" "٤/ ٦٧"، وسيأتي بتمامه في "٥/ ٣٨٧". ٣ أي: لتشتت وكثر فيه الخلاف والتفرق. ٤ اختلف أهل اللغة فيه على أقوال: الأول: هو طرف الزند الذي يلي الإبهام، نقله الجوهري في "الصحاح" "٣/ ١٢٧٨"، وبه قال ابن السكيت، كما في "تهذيب اللغة" "٣/ ٤١"، وكذا في "المحكم" "٢/ ٢٠٠" لابن سيده، و"الكليات" "٥/ ١٢٤" للكفوي. =
[ ٢ / ٥٢٦ ]
النِّصَابِ الْمُعَيَّنِ١، وَجَعَلَ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ حَدًّا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَشْهُرُ وَالْقُرُوءُ فِي الْعِدَدِ، والنصاب والحول في الزكوات، وَمَا لَا يَنْضَبِطُ رُدَّ إِلَى أَمَانَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّرَائِرِ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ ظَاهِرٍ، فَهَذَا مِمَّا قَدْ يُظَنُّ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِ.
وَإِلَى هذا المعنى٢ يشير أصل سد الذارئع، لَكِنْ لَهُ نَظَرَانِ:
نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ تَشَعُّبِهِ وَانْتِشَارِ وُجُوهِهِ إِذَا تَتَبَّعْنَاهُ، كَمَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّكْلِيفَاتِ ثَبَتَ كَوْنُهَا مَوْكُولَةً إِلَى أَمَانَةِ الْمُكَلَّفِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلتفت مِنْهُ٣ إِلَّا إلى المنصوص عليه.
_________________
(١) = الثاني: هو طرف الزند في الذراع مما يلي الرسغ، نقله الليث، وقال: "هكذا زعمه أبو الدفيش الأعرابي، وهما كوعان، كذا في "تاج العروس" "٢٢/ ١٤١-١٤٢"، واللسان" "٨/ ٣١٦، و"تهذيب اللغة" "٣/ ٤١". والثالث: من الأقوال: أنه أخفاهما وأشدهما درمة، وهذا نقله الصاغاني في "العباب"، وفسر "الدرم" بالتحريك بأن لا يظهر للعظم حجم، وكذا في "التاج" "٢٢/ ١٤٢". فهذه ثلاثة أقوال في تفسير "الكوع" ذكرها الزبيدي في "القول المسموع في الفرق بين الكوع والكرسوع" "ص١٩-٢١"، والمراد والله أعلم من كلام المصنف القول الثاني. ١ يعني: نصاب القطع في السرقة. ٢ أي: فقاعدة سد الذرائع -التي هي منع الشارع لأشياء لجرِّها إلى منهي عنه، والتوسل بها إليه- هذه القاعدة تلتئم وتتناسب تمام المناسبة مع المعنى، وهو ضبط وجوه المصالح خشية الانتشار وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط في هذا أقرب إلى الانقياد، لكن السد الذرائع نظران إلخ، أي: فلا يؤخذ هكذا بطريق كلي بل لا بد فيه من إدخاله تحت هذا الضابط الذي قرره. "د". ٣ أي: من المعنى المذكور إلا ما نص عليه من الشارع بذكر ضوابطه؛ لأن كثيرا من التكاليف وَكَّلَها الشارع إلى أمانة المكلف، فلا نتوسع في ضبطها وتقييدها بحجة سد الذرائع وخوف الانتشار، والنظر الآخر أنه وإن انتشرت فروعه؛ لكن له ضوابط سهلة المأخذ يمكن التعويل عليها، فمتى أمكن إجراء الضوابط في مظانها أخذ بها وعول عليها، فيكون هذا توسطا بين الأمرين وإعمالا لكلا النظرين. "د".
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وَنَظَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَهُ ضَوَابِطَ قَرِيبَةَ الْمَأْخَذِ وَإِنِ انْتَشَرَتْ فُرُوعُهُ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى كليِّه، فَلْيَجْرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي مَظَانِّهِ، وَقَدْ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ أَشْيَاءَ من جهة جرها إلى منهي عنه والتسول بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ اعْتَبَرَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ، وَمِنَ النَّاسِ مِنْ تَوَسَّطَ بِنَظَرٍ ثَالِثٍ، فَخَصَّ هَذَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ١، فَسَلَّطَ الْحُكَّامَ عَلَى مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ضَبْطًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَوَكَّلَ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلى أمانته.
_________________
(١) ١ كان النظرين السابقين لم يفرق فيهما بين الظواهر والسرائر لكن هذا الثالث فرق بينهما بما قاله. "د".
[ ٢ / ٥٢٨ ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ:
كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ التَّعَبُّدِ؛ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ١، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي دُونَ التَّعَبُّدِ٢؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ؛ لِأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ٣ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ، عَرَفَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّهُ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ، فَإِذَا أَمَرَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَهُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، بِخِلَافِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَهَا غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّعَبُّدُ لَازِمٌ لَا خِيَرَةَ فِيهِ، وَاعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ الْخِيَرَةُ، [وَمَا فِيهِ الْخِيَرَةُ] ٤ يَصِحُّ تَخَلُّفُهُ عَقْلًا، وإذا وقع الأمر
_________________
(١) ١ أي: لا يقاس فيه ولما كانت هذه الدعوى الأولى واضحة لم يستدل عليها، وإن كان يؤخذ التنبيه عليها أثناء الاستدلال على الدعوى الثانية، ولم يقل: "ففيه التفريع"؛ لأنه مع كونه متشعب الخلاف بين القائلين بالقياس، فإن الذي يعنيه هو إثبات أن فيه أيضا نوع من التعبد بمعنى من المعاني التي سيقررها. "د". ٢ أي: دون أن يثبت التعبد، وليس الغرض أن يثبت اعتبار عدم التعبد، وإلا لتناقض الكلام، وقوله: "فلا بد فيه من اعتبار التعبد" ليس المراد به التعبد بالمعنى الخاص المتقدم الذي يجب ألا يدخله القياس والتفريع، بل المراد به أن يكون لله فيه حق، إذا قصده المكلف بالفعل أثيب، وتكون مخالفته قبيحة يستحق العقاب عليها، وينضم إليه معنى آخر وهو أنه لا بد لنا في كل مصلحة عرفناها من وقفة عندها: هل تعينت هذه العلة للمصلحة بحيث لا يكون للحكم علة ومصلحة إلا هذه؟ فهذا التوقف نوع من التعبد، بمعنى عدم معقولية المعنى تعقلا كاملا، وغير ذلك من المعاني الآتية التي يتقرر بها معنى التعبد في الأوجه المذكورة بعد، فالتعبد هنا بمعنى عام لا ينافي القياس والتفريع إذا وجدت شروطه. "د". ٣ أي: فعليه الانقياد ولا يخلص من التكليف إلا بالامتثال بخلاف تحقيق المصلحة وتحصيلها، فغير لازم بل نفس معرفة المصلحة في التكليف غير لازمة فضلا عن قصدها. "د". ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وَالنَّهْيُ شَرْعًا لَمْ يَصِحَّ تَخَلُّفُهُمَا عَقْلًا١ فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَالتَّعَبُّدُ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ بِإِطْلَاقٍ٢، وَاعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ غَيْرُ لَازِمٍ بِإِطْلَاقٍ؛ خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَ اللُّطْفَ وَالْأَصْلَحَ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ٣ لَازِمٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَلْزَمَ الْأَصْلَحَ وَقَالَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ هِيَ عِلَّةُ الْأَمْرِ بِالْعَقْلِ، يَلْزَمُ الِامْتِثَالَ مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ قَبِيحَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ تَحْصِيلَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا بِالْفَرْضِ، فَالْأَمْرَانِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَازِمَانِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ أَمْرَ سَيِّدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ قَبِيحٍ، [بَلْ هُوَ قَبِيحٌ] ٤ عَلَى رَأْيِهِمْ وَهُوَ مَعْنَى لُزُومِ التَّعَبُّدِ.
وَالثَّانِي:
أَنَّا إِذَا فَهِمْنَا بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً فِي شَرْعِ الْحُكْمِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَمَصْلَحَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَغَايَتُنَا أَنَّا فَهِمْنَا مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً تَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، وَلَمْ نَعْلَمْ حَصْرَ الْمَصْلَحَةِ وَالْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهَا فِي ذَلِكَ الَّذِي ظَهَرَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَنَا بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا ظَنٌّ، لَمْ يَصِحَّ لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ لَا مَصْلَحَةَ لِلْحُكْمِ إِلَّا مَا ظَهَرَ لَنَا؛ إِذْ هُوَ قَطْعٌ عَلَى غَيْبٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَقَدْ بَقِيَ لَنَا إِمْكَانُ حِكْمَةٍ أُخْرَى شُرِعَ لَهَا الْحُكْمُ، فَصِرْنَا مِنْ تِلْكَ الجهة واقفين مع التعبد٥.
_________________
(١) ١ أي: عما يقتضيان من اشتغال ذمة المأمور والمنهي حتى يؤدي. "د". ٢ أي: سواء فيما ثبت فيه اعتبار التعبد وما ثبت فيه اعتبار المعاني، وكذا اعتبار المصالح غير لازم فيما ثبت فيه اعتبار التعبد، وهو ظاهر، ولا فيما ثبت فيه اعتبار المعاني كما قال. د" ٣ أي: التعبد "د". ٤ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٥ وهو هنا بمعنى عدم القطع بمعقولية المعنى مستقلا. "د".
[ ٢ / ٥٣٠ ]
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ نقضِ بِالتَّعَدِّي١ عَلَى حَالٍ، فَإِنَّا إِذَا جَوَّزْنَا وُجُودَ حِكْمَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ أُخْرَى، لَمْ نَجْزِمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَهَا٢؛ فَقَطْ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ جُزْءَ علة٣، أو لجواز خلو الْفَرْعِ عَنْ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الَّتِي جَهِلْنَاهَا وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي عَلِمْنَاهَا، فَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَالتَّفْرِيعُ حَتَّى نَتَحَقَّقَ أَنْ لَا عِلَّةَ سِوَى مَا ظَهَرَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْقِيَاسِ وَلَا الْقَضَاءِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَشْرُوعٌ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالتَّعَدِّي لَا يُنَافِي جَوَازَ٤ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ صَحَّ كَوْنُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَلَا يَكُونُ شَرْعِيًّا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ نَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ عَادَةً، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لَنَا عِلَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، وَلَمْ نُكَلَّفْ أَنْ نَنْفِيَ مَا عداها،
_________________
(١) ١ أي: تعدي الحكم لما ثبت فيه العلة كما هو الشأن في القياس في المسائل التي عرف فيها اعتبار المعاني والعلل. "د". ٢ أي: للحكمة الموجودة الظاهرة في الأصل. "د". ٣ أي: وجزء العلة لا يعدي الحكم للفرع، ولا يبني عليه قياس، وقوله: "أو لجواز إلخ" عطف على سابقه تكميل لتعليل قوله: "لم نجزم بأن الحكم لها فقط" الذي يشمل صورتين: أن يكون لها مع غيرها بأن تكون جزء علة، أو يكون الحكم لها أو لغيرها بأن تكون هناك علة أخرى مستقلة، فقوله أولا: "لجواز" توجيه للاحتمال الأول، وقوله: "أو لجواز" توجيه للاحتمال الثاني، وقوله: "خلو النوع عن تلك الحكمة"، أي: المستقلة أيضا كما أن المعلومة مستقلة، وقوله: "فإذا امكن ذلك"، أي: احتمال أن تكون المعلومة جزء علة، واحتمال أن تكون ليست وحدها المعلل بها وإن كانت علة كاملة، وقوله: "سوى ما ظهر"، أي: لا يوجد جزء آخر متمم للعلة المعلومة، ولا علة أخرى كاملة يصح أن يبني عليها الحكم، وقوله في الجواب: "لكن غلبة الظن كافٍ" فيه جواب التجويز الأول، وقوله: "وأيضًا" فيه جواب التجويز الثاني. "د". ٤ جعله جوازا، فكأنه لا يلزم المجتهد أن يراعي إمكان حكمة أخرى، ويعتبر كأمر كمالي بخلاف الوجه الأول، وهو امتثال المأمورات على تفصيل في ذلك معروف في الفروع من جهة النية وعدمها. "د".
[ ٢ / ٥٣١ ]
فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ مِمَّا يُجَوِّزُونَ كَوْنَ الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ، أَوْ كَوْنَ ذَلِكَ الظَّاهِرِ جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً كَامِلَةً، لَكِنْ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَنَّ مَا ظَهَرَ مُسْتَقِلٌّ بالعلِّية، أَوْ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً، كافٍ فِي تَعَدِّي الْحُكْمِ بِهِ.
وَأَيْضًا فَقَدَ أَجَازَ الْجُمْهُورُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِأَكْثَرِ مِنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ١ وَكُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ، وَجَمِيعُهَا مَعْلُومٌ، فَنُعَلِّلُ بِإِحْدَاهَا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْأُخْرَى فِي الْفَرْعِ أَوْ لَا تَكُونَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ فِيمَا ظَهَرَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ يبقَ لِلسُّؤَالِ مَوْرِدٌ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَلَا عَلَيْنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ٢:
أَنَّ الْمَصَالِحَ فِي التَّكْلِيفِ ظَهَرَ لَنَا مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَسَالِكِهِ الْمَعْرُوفَةِ، كَالْإِجْمَاعِ، وَالنَّصِّ، وَالْإِشَارَةِ، وَالسَّبْرِ٣، وَالْمُنَاسَبَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الظاهر الذي
_________________
(١) ١ انظر تفصيل ذلك في "المستصفى" "٢/ ٩٦"، و"الإحكام" "٣/ ٢١٨" للآمدي، و"البحر المحيط" "٣/ ٢١٠-٢١١"، و"البرهان" "٢/ ٨٣٢" و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٠/ ١٦٧"، و"المسودة" "٤١٧"، و"صول الفقه وابن تيمية" "١/ ٣٨٥-٣٨٨"، و"كشف الأسرار" "٤/ ٤٥"، و"جمع الجوامع" "٢/ ٢٤٥-٢٤٦ مع "شرح المحلي"، و"نشر البنود" "٢/ ١٤٥-١٤٦"، و"إرشاد الفحول" "٢٠٩". ٢ هذا الوجه إنما يثبت اعتبار التعبد في نوع خاص مما اعتبر فيه المعاني دون التعبد، بخلاف الوجهين السابقين، فعامان في سائر فروعه، والوجه الرابع عام أيضا، وكذلك الخامس والسادس. "د". ٣ مثاله أن يقول: المستدل في علة ربا الفضل العلة، أما الطعم، أو الاقتيات، أو الادخار، أو التقدير بالكيل، أو الوزن، ثم يستدل على إبطال اثنين منتفين كون الثالث هو العة، والحق مع من أنكر عده في مسالك العلة كان الوصف المبقي أن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم أو كلية لا تنضبط، فالأول المناسبة، والثاني الشبه، وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا، فهو الطرد. "خ".
[ ٢ / ٥٣٢ ]
نُعَلِّلُ بِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ شَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ لِأَجْلِهِ.
وَالثَّانِي:
مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتِلْكَ١ الْمَسَالِكِ الْمَعْهُودَةِ، وَلَا يُطَّلع عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ، كَالْأَحْكَامِ٢ الَّتِي أَخْبَرَ الشَّارِعُ فِيهَا أَنَّهَا أَسْبَابٌ لِلْخِصْبِ وَالسِّعَةِ وَقِيَامِ أُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي أَخْبَرَ فِي مُخَالَفَتِهَا أَنَّهَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَتَسْلِيطِ الْعَدُوِّ، وَقَذْفِ الرُّعْبِ، وَالْقَحْطِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ.
وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أَنَّ٣ ثَمَّ مَصَالِحَ أُخَرَ غَيْرَ مَا يُدْرِكُهُ المكَلف، لَا يُقْدَرُ عَلَى اسْتِنْبَاطِهَا وَلَا عَلَى التَّعْدِيَةِ بِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ؛ إِذْ لَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْمَحَلِّ الْآخَرِ وَهُوَ الْفَرْعُ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ الْبَتَّةَ، لَمْ يَكُنْ إِلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْقِيَاسِ سبيل، فبقيت موقوفة على التعبد المحض؛ لأنها لَمْ يَظْهَرْ لِلْأَصْلِ الْمُعَلَّلِ بِهَا شَبِيهٌ إِلَّا مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ أَوِ الْعُمُومِ الْمُعَلَّلِ٤، وإذا
_________________
(١) ١ في "ط": "لتلك". ٢ فمثلا ورد: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين﴾ الآية، هل يجعل الاستغفار علة أيضا في قوة الأبدان وسعة العلم، وغير ذلك فقياس على الأمداد بالأموال والبنين؟ وقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾، وهل يقاس على الفشل وذهاب القوة والعزة ذهاب القوة البدنية والأموال وغيرها؟ فهذه الأسباب ذكرها الشرع عللا لأحكام لكنها لا تعلم إلا من جهته، فهل يدخل فيها القياس والتفريع، يقول المؤلف: إنها مع كونها علل بها الشرع، ولا يصح أن يدخلها القياس والتفريع؛ لأنها وإن كانت أحكاما عادية إلا أن عللها ليست مما تدرك العقول ترتب هذه الأحكام عليها، فلا بد أن تكون تعبدية نقف فيها عند ما أثبت الشارع فقط؛ لأن التشابه الذي ندركه فيما نريد أن نجعله فرعا إنما هو في المطلقات والعمومات المعلل بها، وليس هذا القدر كافيا في صحة العلية حتى يتأتى الإلحاق والقياس. "د". ٣ في الأصل و"خ": "وإن". ٤ لعل فيه حذف كلمة "به". "د".
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ذَاكَ يَكُونُ أَخْذُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهَا مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ الشَّارِعُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّ السَّائِلَ إِذَا قَالَ لِلْحَاكِمِ: لِمَ لَا تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؟ فَأَجَابَ بِأَنِّي نُهِيتُ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ مُصِيبًا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لِأَنَّ الْغَضَبَ يُشَوِّشُ عَقْلِي وَهُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْحُكْمِ، كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا، وَالْأَوَّلُ جَوَابُ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَالثَّانِي جَوَابُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعْنَى، وَإِذَا جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا وَعَدَمُ تَنَافِيهِمَا، جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَإِذَا جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَبُّدًا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَوَجُّهُ القصد إلا مَا لَا يَصِحُّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ مِنْ مَعْدُومٍ أَوْ مُمْكِنٍ أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا يُوجَدَ، فَلَمَّا صَحَّ الْقَصْدُ مُطْلَقًا، صَحَّ الْمَقْصُودُ لَهُ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، [وَهُوَ الْمَطْلُوبُ] ١.
وَالْخَامِسُ:
أَنَّ كَوْنَ الْمُصْلِحَةِ مُصْلِحَةٌ تُقْصَدُ بِالْحُكْمِ، وَالْمَفْسَدَةِ مَفْسَدَةٌ كَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّارِعِ، لَا مَجَالَ٢ للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل. ٢ هذا ظاهر فيما إذا كان مسلك العلة الإجماع أو النص بقسميه أو المناسبة أيضا؛ لأنه لا بد في المعتبر منها أن يكون مؤثرا أو ملائما، وكل منهما لا بد أن يستند إلى نص أو إجماع؛ أما المؤثر؛ فهو ما اعتبر عينه في عين الحكم بنص كما في الحدث بالمس لقوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ" * أو إجماع كولاية المال بالصغر، وأما الملائم فهو ما رتب الحكم على وفقه في الأصل مع ثبوت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم بنص أو إجماع؛ وسمى ملائما لكونه مناسبا لما اعتبره الشارع، ومثاله الصغر في حمل نكاح الثيب الصغيرة على نكاح البكر الصغيرة في أن الولايات للأب عند الحنفية، ويبقى الكلام في السبر والتقسيم والدوران من أنواع المسالك، فعليك بالنظر فيها لتعرف هل يشملها كلامه، وأن المصالح فيها أيضًا بوضع الشرع. "د". * انظر تخريجه وطرقه في تعليقي على "الخلافيات" للبيهقي "٢/ ٢٤٤، مسألة رقم ٢٠".
[ ٢ / ٥٣٤ ]
التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ١، فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ شَرَعَ الْحُكْمَ لِمَصْلَحَةٍ مَا، فَهُوَ الْوَاضِعُ لَهَا مَصْلَحَةً، وَإِلَّا، فَكَانَ يُمْكِنُ عَقْلًا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ؛ إِذِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا الْأَوَّلِ مُتَسَاوِيَةٌ لَا قَضَاءَ لِلْعَقْلِ فِيهَا بِحُسْنٍ ولا قبح؛ فإذن كَوْنُ الْمَصْلَحَةِ مَصْلَحَةً هُوَ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ، فَالْمَصَالِحُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَصَالِحُ قَدْ آلَ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى أَنَّهَا تَعَبُّدِيَّاتٌ٢، وَمَا انْبَنَى عَلَى التَّعَبُّدِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا تَعَبُّدِيًّا.
وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ٣: إِنَّ مِنَ التَّكَالِيفِ "مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ خَاصَّةً"، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ" وَيَقُولُونَ فِي هَذَا الثَّانِي: إِنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ، كَمَا فِي قاتل العمد إذ عفي عنه ضُرِب مئة وسُجِن عَامًا، وَفِي الْقَاتِلِ غِيلَةً إِنَّهُ لَا عفوَ فِيهِ، وَفِي الْحُدُودِ إِذَا بَلَغَتِ السُّلْطَانَ فِيمَا سِوَى الْقِصَاصِ كَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ وَإِنْ عَفَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَائِعِ الْجَارِيَةِ إِسْقَاطُ الْمُوَاضَعَةِ وَلَا مِنْ مُسْقِطِ الْعِدَّةِ عَنْ مُطَلِّقِ الْمَرْأَةِ٤، وَإِنْ كَانَتْ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا حَقًّا لَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ وَإِنْ عُقِلَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ، فقد صار إذن كُلُّ تَكْلِيفٍ حَقًّا لِلَّهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ لِلَّهِ، فَهُوَ لِلَّهِ، وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، فَرَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ إِذْ كَانَ لِلَّهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ للعبد حقا أصلا٥.
_________________
(١) ١ انظر ما مضى بهذا الصدد "١/ ١٢٥" مع التعليق عليه، وما سيأتي "٣/ ٢٨". ٢ في الأصل: "تعبدات". ٣ المذكور قول القرافي في كتابه "الفروق" "٢/ ١٤٠، الفرق الثاني والعشرون"، وانظر أيضا: "المنار" "٨٨٦- مع حواشيه"، و"شرح التلويح على التوضيح" "٢/ ١٥٥". ٤ لعل الأصل: "عن المرأة المطلقة". "د". ٥ وعليه، فالشريعة هي أساس الحقوق الخاصة، وليست الحقوق الخاصة هي أساس الشريعة، والحق ليس منحة من المجتمع أو القانون الذي تضعه الأمة، وليس هو حقا طبيعيا لصاحبه، بل هو منحة إلهية وهبها الله سبحانه للإنسان من أجل أن يتحقق بها مصالحه الدنيوية والأخروية.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ومن هذا الموضع يقول كثير م الْعُلَمَاءِ: "إِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ"١، عُلِمَتْ مَفْسَدَةُ النَّهْيِ أَمْ لَا، انْتَفَى السَّبَبُ الَّذِي لأجله نهي عن العمل أولا، وُقُوفًا مَعَ نَهْيِ النَّاهِي لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَالِانْتِهَاءُ هُوَ الْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ فِي النَّهْيِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ، فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ لَا يَخْلُو عَنِ التَّعَبُّدِ، وَإِذَا لَمْ يَخْلُ، فَهُوَ مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالطَّهَارَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
إِلَّا أَنَّ التَّكَالِيفَ الَّتِي فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ مِنْهَا مَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ، وَهِيَ الَّتِي فَهِمْنَا مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا تَغْلِيبَ جَانِبِ الْعَبْدِ، كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَذَلِكَ مَا فَهِمْنَا فِيهِ تَغْلِيبَ حَقِّ اللَّهِ؛ كَالزَّكَاةِ وَالذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ، وَالَّتِي تَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ إِذَا فُعِلت بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا بِنِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَهِيَ نِيَّةُ التَّعَبُّدِ، أُثِيبَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ التُّرُوكُ إِذَا تُرِكت بِنِيَّةٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ خاصة ولم يكن لله فيها حَقٌّ، [لَمَا] ٢ حَصَلَ الثَّوَابُ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا طَاعَةً مِنْ حَيْثُ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْمَأْمُورُ بِهِ مُتَقَرَّبٌ إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نِيَّةٍ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ حَيْثُ هي طاعة مفتقرة إلى نية
_________________
(١) ١ انظر تحرير هذه المسألة في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٩/ ٢٩٩، ٢٣/ ٢٥، ٢٩/ ٢٨١ وما بعدها، و٣٢/ ٨٨ و٣٣/ ١٨، ٩٩"، و"إعلام الموقعين" "١/ ١٠٨"، و"كشف الأسرار "٤/ ١٣٤-١٣٥"، و"تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد" للعلائي، و"النهي يقتضي الفساد بين العلائي وابن تيمية" لصديقنا رعد عبد العزيز، و"النهي وأثره في الفقه الإسلامي" لمحمد سعود المعيني. ٢ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا مِنْ حَيْثُ حَقِّ الْعَبْدِ خَاصَّةً، وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْعَبْدِ حَصَلَ فِيهَا الثَّوَابُ؛ لَا مِنْ كَوْنِهَا طَاعَةً مُتَقَرَّبًا بِهَا.
قِيلَ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَصَحَّ الثَّوَابُ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ حَاصِلٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَكِنَّ الثَّوَابَ مُفْتَقِرٌ فِي حُصُولِهِ إِلَى نِيَّةٍ.
وَأَيْضًا، فَلَوْ حَصَلَ الثَّوَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَأُثِيبَ الْغَاصِبُ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ كرها، ليس كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ حَصَلَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْعَمَلِ عِبَادَةً، وَالنِّيَّةُ الْمُرَادَةُ هُنَا نِيَّةُ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَارِيًا فِي كُلِّ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، ثَبَتَ أَنَّ فِي الْأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا طَلَبًا تَعَبُّدِيًّا عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَهُوَ دَلِيلٌ سَادِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَفْتَقِرَ كُلُّ عَمَلٍ إِلَى نِيَّةٍ، وَأَنْ لَا يَصِحَّ عَمَلُ مَنْ لَمْ ينوِ، أَوْ يَكُونَ عَاصِيًا.
قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ تَارَةً يَكُونُ هُوَ المغلب، وقد يكون جِهَةُ التَّعَبُّدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةَ، فَمَا كَانَ الْمُغَلَّبُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فمسلَّم ذَلِكَ فِيهِ، وَمَا غُلِّبَ فِيهِ جِهَةُ الْعَبْدِ، فَحَقُّ الْعَبْدِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَيَصِحُّ الْعَمَلُ هُنَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا يَكُونُ عِبَادَةً لِلَّهِ، فَإِنْ رَاعَى جِهَةَ الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ عِبَادَةٌ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ، أَيْ: لَا يَصِيرُ عِبَادَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الِامْتِثَالِ صَيَّرَتْهُ عِبَادَةً، كَمَا إِذَا أَقْرَضَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، أَوْ أَقْرَضَ بِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُهَا، وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ ﵃ يُثَابِرُونَ عَلَى
[ ٢ / ٥٣٧ ]
إِحْضَارِ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ، وَيَتَوَقَّفُونَ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهَا حَتَّى تَحْضُرَهُمْ١.
فَصْلٌ:
وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أُمُورٌ، مِنْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بخالٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَعِبَادَتُهُ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ بِإِطْلَاقٍ٢، فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدًا٣ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ جَاءَ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
كَمَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَبَدُوهُ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ" ٤ وَعَادَتُهُمْ فِي تَفْسِيرِ "حَقِّ"
_________________
(١) ١ انظر في هذا: "قواعد الأحكام" "٢/ ٦٦ وما بعدها". ٢ هذا هو التحقيق في التعبير عن حق الله خلافا للقرافي، حيث ذهب في الفرق الثاني والعشرين إلى أن حق الله أمره ونهيه لا نفس العبادة، وزعم أن هذا هو المحرر عند العلماء، وقد تعرض أبو القاسم بن الشاط إلى التنبيه على هذا الغلط، وأنكر أن يحرر العلماء ما يخالف قوله ﵊: "حق الله تعالى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شيئا". "خ". قلت: وانظر في تعريفه: "قواعد الأحكام" "١/ ١٠٣"، و"تيسير التحرير" "٢/ ١٧٤-١٨١"، و"شرح المنار" "٨٨٦- مع حواشيه"، و"كشاف اصطلاحات الفنون" "١/ ٣٢٩-٣٣٠". ٣ كالقصاص، فالعفو عنه حق للعبد، على معنى أنه إن عفا سقط الحق كله. "د". ٤ جزء من حديث، وفيه حق الله على العباد أيضا، وسيأتي عند المصنف "ص٥٤٤"، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار رقم ٢٨٥٦، وكتاب اللباس، باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه رقم ٥٩٦٧، وكتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك رقم ٦٢٦٧، وكتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه رقم ٦٥٠٠، وكتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ رقم ٧٣٧٣"، ومسلم في صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا ١/ ٥٨-٥٩/ رقم ٣٠" من حديث معاذ ﵁. قلت: وفي الأصل و"خ": "لا".
[ ٢ / ٥٣٨ ]
اللَّهِ" أَنَّهُ مَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ، كَانَ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ، "وَحَقُّ الْعَبْدِ" مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَعْنَى "التَّعَبُّدِ" عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ١ عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَصْلُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حَقِّ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ.
فَصْلٌ:
وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ٢:
أَحَدُهَا:
مَا هُوَ حُقٌّ لِلَّهِ خَالِصًا كَالْعِبَادَاتِ، وَأَصْلُهُ التَّعَبُّدُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا طَابَقَ الْفِعْلُ الْأَمْرَ، صَحَّ؛ وَإِلَّا؛ فَلَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّعَبُّدَ رَاجِعٌ إِلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، وَبِحَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ لَا يَتَعَدَّى، فَإِذَا وَقَعَ٣ طَابَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ وَإِنْ لَا؛ خَالَفَ٤، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ قَصْدِ الشَّارِعِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ، فعدم مطابقة الأمر مبطل للعمل.
_________________
(١) ١ أي: ما لا تعقل فيه الحكمة والمصلحة الخاصة التي يصح أن تكون أساسا للقياس، أما العلل العامة، فهي موجودة حتى في التعدي، كما سبقت الإشارة إليه. "د". ٢ انظر: "الفروق" "٢/ ١٤٠-١٤١"، و"المجموع" "٦/ ١٥٤"، و"المغني" "٦/ ٦٣". ٣ أي: الوقوف المذكور. "د". ٤ في الأصل: "أو خالف"، وفي "د": "أو لا خالف".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وَأَيْضًا؛ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ عَدَمَ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْوُقُوفُ عند ما حده الشارع، فيكفي في ذلك عدم تحقيق الْبَرَاءَةِ مِنْهُ [وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ] ١ وَعَدَمُ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ [مِنْهُ إِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْمُطَابَقَةُ، وَعَدَمُ تَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ] ١ مُوجِبٌ لِطَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِفِعْلٍ مُطَابِقٍ، لَا بِفِعْلٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ.
وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا نَظِيرُ الْأَمْرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِمَّا بِأَصْلِهِ، كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا بِوَصْفِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَمْ ينهَ عَنْهُ، وَلَأُمِرَ بِهِ أو أذن فيه، فإن الإذن هو المعرِّف٢ أَوَّلًا بِقَصْدِ الشَّارِعِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، أَوِ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُطَابِقِ؛ فَذَلِكَ إِمَّا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمٍ وَلَا نَهْيٍ حَتْمٍ، وَإِمَّا لِرُجُوعِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ، وَإِمَّا لِعَدِّ النَّازِلَةِ من باب المفهوم [و] ٣ المعنى الْمُعَلَّلِ بِالْمَصَالِحِ، فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ، وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هُوَ الْعُمْدَةُ.
وَالثَّانِي:
مَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَحُكْمُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ إِذَا صَارَ مطَّرَحًا شَرْعًا، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعْتَبَرِ؛ إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ كقتل النفس؛ إذ ليس
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفات زيادة من الأصل و"ط"، وسقط من النسخ المطبوعة كلها. ٢ في "د": "المعروف". ٣ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و"ط".
[ ٢ / ٥٤٠ ]
لِلْعَبْدِ خِيَرَةٌ فِي إِسْلَامِ نَفْسِهِ لِلْقَتْلِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ أَوِ الْمَأْمُورَ غَيْرَ الْمُطَابِقِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ فَذَلِكَ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ١، وَلِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ هُوَ الْمُغَلَّبُ.
وَالثَّالِثُ:
مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ هُوَ الْمُغَلَّبُ، وَأَصْلُهُ مَعْقُولِيَّةُ الْمَعْنَى، فَإِذَا طَابَقَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ؛ لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا حَسْبَمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فَهُنَا نَظَرٌ؛ أَصْلُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ أَوْ أَبْلَغَ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ فَرَضَ غَيْرَ حَاصِلٍ؛ فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِنْ حَصَلَ -وَلَا يَكُونُ٢ حُصُولُهُ إِلَّا مُسَبِّبًا عَنْ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبَبِ الْمُخَالِفِ- صَحَّ وَارْتَفَعَ مُقْتَضَى النَّهْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْعَبْدِ٣ وَلِذَلِكَ يُصَحِّحُ مَالِكٌ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ فَوْتِ الْعِتْقِ، فَإِذَا حَصَلَ٤، فَلَا مَعْنَى لِلْفَسْخِ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْمَمْلُوكِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ
_________________
(١) ١ انظر لِمَ لَمْ يعتبر الوجه الرابع السابق هنا؛ وهو عد النازلة من باب المعلل، فيجري على حكمه، مع أنه في هذا أقرب من سابقه؛ لأن سابقه كان في التعبد المحض الذي يبعد فيه الحمل على هذا الوجه، بخلاف هذا النوع الثاني الذي فيه الحقان؛ فإنه حمله على المعلل أقرب من سابقه، إلا أن يقال: إنه أهدر الرابع رأسا حيث قال: "وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هو العمدة" "فلذلك لم يلتفت إليه هنا. "د". ٢ لأنه لا يتأتى أن ينهى الشارع عن فعلٍ؛ محافظةً على مصلحة العبد، ثم يكون هذا الفعل المنهي عنه بنفسه محصلا لهذه المصلحة. "د". ٣ أي: وأما بالنسبة إلى حق الله وهو الإقدام على المخالفة؛ فلم يرتفع مقتضاه من الإثم، سواء من جهة البائع أو جهة المشتري، وفضل العتق شيء آخر. "د". ٤ أي: وقد حصل على وجه أبلغ؛ لأنه نجز عتقه، بخلاف المدبر؛ فإن عتقه مؤجل وقد لا يتم. "د".
[ ٢ / ٥٤١ ]
الْغَيْرِ إِذَا أَسْقَطَ ذُو الْحَقِّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ فَرَضْنَاهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَمَلَ الْمُخَالِفَ بَعْدَ الوقوع؛ فذلك لأحد الأمور الثلاثة١.
_________________
(١) ١ وتطبيقه في مسألة العبد جارٍ على الوجه الثالث، وهو أن المخالفة راجعة إلى وصف منفك؛ فالعتق وقع على ذات العبد الذي يمكن انفكاكه عن كونه مدبرا إلى أن يكون قنًّا صرفًا مثلا، كما قالوه في الدار المغصوبة؛ فالصلاة منفكة عن المكان المغصوب، والمكان المغصوب ينفك عن أن تقع فيه الصلاة؛ لأن الوصف ليس من الأوصاف اللازمة. "د".
[ ٢ / ٥٤٢ ]
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ:
لَمَّا كَانَتِ الدُّنْيَا مَخْلُوقَةً؛ لِيَظْهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْقَبْضَتَيْنِ١، وَمَبْنِيَّةً عَلَى بَذْلِ النِّعَمِ لِلْعِبَادِ؛ لِيَنَالُوهَا وَيَتَمَتَّعُوا بِهَا، وَلِيَشْكُرُوا٢ اللَّهَ عَلَيْهَا فَيُجَازِيهِمْ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى، حَسْبَمَا بيَّن لَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي عَرَّفَتْنَا بِهَذَيْنِ مَبْنِيَّةً عَلَى بَيَانِ وَجْهِ الشُّكْرِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ٣، وَبَيَانِ وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّعَمِ الْمَبْذُولَةِ مُطْلَقًا.
وَهَذَانِ الْقَصْدَانِ أَظْهَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِمَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] .
_________________
(١) ١ ورد في ذلك أحاديث كثيرة جدا عن جمع غفير من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى قال الشيخ صالح المقبلي في "الأبحاث المسددة" -كما في "فتح البيان" "٣/ ٤٠٦" لصديق حسن خان: "ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك". وتجد كثيرا من هذا الأحاديث في تفسير سورة الأعراف "آية ١٧٢" عند ابن جرير وابن كثير والسيوطي في "الدر المنثور" و"تفسير النسائي" "١/ ٥٠٤-٥٠٧"، والواحدي في "الوسيط" "٢/ ٤٢٤-٤٢٥"، وفي "السنة" لابن أبي عاصم "باب ذكر أخذ ربنا الميثاق من عباده ١/ ٨٧ وما بعدها، والسلسلة الصحيحة" "الأرقام ٤٧-٥٠، ٨٤٨، ١٦٢٣". ٢ في الأصل: "ويشكروا". ٣ وهو ما يشير إليه فيما بعد بقوله: "والثاني من جهة الوضع التفصيلي إلخ"، وقوله: وبيان وجه الاستمتاع بالنعم المبذولة مطلقا "أي: بوجه عام" سيشير إليه بقوله: "من جهة الوضع الكلي إلخ" والآيات من هذا النوع الثاني الكلي الإجمالي؛ أما التفصيل؛ فيكون بذكر تفاصيل الأحكام الشرعية وبيان ما يحل تناوله وما لا يحل إلخ. "د".
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وَقَالَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١١٤] .
وَقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٧] .
وَالشُّكْرُ هُوَ صَرْفُ مَا أُنعم عَلَيْكَ فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَعْنَى بِالْكُلِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى مَرْضَاتَهُ بِحَسْبِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: "حَقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوه بِهِ شَيْئًا" ١.
وَيَسْتَوِي فِي هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ.
أَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ؛ فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَهِيَ أَيْضًا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّظَرِ الْكُلِّيِّ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الْآيَةَ [الأعراف: ٣٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧] .
فَنَهَى عَنِ التَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهُ تَعَدِّيًا عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا هَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُحَلَّلَاتِ قَالَ ﵊: "مَنْ رغب عن سنتي، فليس مني" ٢.
_________________
(١) ١ جزء من حديث أخرجه الشيخان، وقد تقدم تخريجه ص"٥٣٨". ٢ مضى تخريجه "١/ ٥٢٢".
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا وَضَعَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٨] .
فَذَمَّهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ فِي الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ اخْتَرَعُوهَا، منها مجرد التحريم، وهو المقصود ههنا.
وَأَيْضًا؛ فَفِي الْعَادَاتِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْكَسْبِ وَوَجْهِ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا أَيْضًا، وَلَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، حَتَّى يَسْقُطَ حَقُّهُ بِاخْتِيَارِهِ في بعض الجزئيات١، لا في
_________________
(١) ١ نستفيد من هذا أمورا مهمة؛ هي: أولا: أن ناحية التعبد موجودة في كل حكم، حتى في الإباحة والحقوق، سواء كان معقول المعنى، بيِّنَةٌ حكمتُهُ أم غير معقول. ثانيا: حق الله وحق الفرد متلازمان، إذا وجد أحدهما وُجِد الآخر؛ فهما دائمان مجتمعان. ثالثا: بهذا لا ينفصل المعنى الديني عن كل معاملة أو تصرف؛ أداء لحق الله في صدق العبودية. رابعا: أن طبيعة الحق الفردي في الإسلام ليس فرديا خالصًا؛ بل هو حق مشترك، وتثبت له صفة مزدوجة هي الفردية والجماعية في وقت معًا. أما الفردية؛ فلأن الحق ليس بذاته وظيفة، بل هو ميزة تخول صاحبها الاستئثار بثمرات حقه؛ فحق الفرد أصلا شخصي. وأما الجماعية؛ فتبدو في تقييد هذا الحق بمنع اتخاذه وسيلة إلى الأضرار بغيره فردًا أو جماعة، قصدا أو بدون قصد، بالنظر إلى نتائج استعماله، كما سيأتي مفصلا عند المصنف. وما يحسن إيراده هنا ما ذكره أستاذنا الشيخ محمد المبارك رحمه الله تعالى في كتابه "ذاتية الإسلام" "ص١٠"، قال بعد كلام: "فالتشريع الإسلامي بالإضافة إلى موضوعيته وتنظيمه على أسس ظاهرة وضوابط موضوعية له جذور خلقية في النفس، وأصول اعتقادية تغذية وتمده وتدعم =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ١، وَنَفْسُ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَقِّ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالْإِتْلَافِ.
فإذن الْعَادِيَّاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ الْكُلِّيِّ الدَّاخِلِ تَحْتَ الضَّرُورِيَّاتِ.
وَالثَّانِي:
مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَإِجْرَاءُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةَ أقسام٢
_________________
(١) = بناءه، فالتشريع غير منقطع الصلة بالأخلاق، وينفي عن التشريع الإسلامي صفة الفردية"، ويقول أيضا: "والإنسان الذي يؤمن هذا الإيمان ويعمل في الحياة في هذا الطريق ليس هو الإنسان الفرد المنعزل، بل هو الإنسان الموجود في إطار اجتماعي". خامسا: قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" "١/ ١٠٨": "والحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي؛ فحق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات، والكفارات، ونحوها؛ وأما حقوق الآدميين، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعارضة عليها". ١ أيك فليس كل حق للعبد له إسقاطه؛ فالنفس للشخص حق المحافظة عليها ولله ذلك الحق أيضا، ولكنه لا يسقط إذا أسقطه العبد بتعريضها للتلف، بل يؤاخذ المعتدي والمعترض، وهكذا كل الضروريات العادية من عقل ونسل ومال، وهو ما يشير إليه قوله: "من جهة الوضع الكلي الداخل تحت الضروريات". "د". قلت: انظر في هذا: "الفروق" "٢/ ١٤٠ وما بعدها، الفرق الثاني والعشرون"، و"أصول الفقه" "ص٤٦" لأبي زهرة. ٢ لأن العادات فيها حق الله الصرف؛ وهو النظر الكلي، حتى لا يصح مثل تحريم ما أحل الله؛ وحق لله على العبد بالنسبة لغيره يسقط إذا أسقطه العبد، وحق له كذلك لا يسقط ولو أسقطه، فالأخيران حق لله على العباد يتعلق بهم بالنسبة لأشخاص آخرين كما هو ظاهر في الأمثلة بخلاف القسم الأول؛ فهو حق لله على العبد مباشرة ألا يحرم ما أحله ولا يفسد مال نفسه مثلا بقطع النظر عن عبد آخر. "د".
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وَفِيهَا١ أَيْضًا حَقٌّ لِلْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
جِهَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُجَازًى عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ٢، موقَّىً بِسَبَبِهِ عَذَابَ الْجَحِيمِ.
وَالثَّانِي:
جِهَةُ أَخْذِهِ لِلنِّعْمَةِ٣ عَلَى أَقْصَى كَمَالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بالدنيا؛ لكن يحسبه فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وبالله التوفيق.
[انتهى السفر الأول من كتاب [الموافقات] ٤.
_________________
(١) ١ أي: في العادات، والوجه الأول يتحقق إذا سار فيها على مقتضى مرضاته تعالى وأدى شكرها. "د". ٢ في الأصل: "بالنعيم". ٣ فانتفاع العبد بالطيبات من النعم جعله الله تعالى حقا من حقوقه بحسب ما هيأه له من ذلك كما قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٣٢] . فجعل ذلك حقا له؛ لكن لا مطلقا بل حسبما سن له ورسم حتى لا يكون فيه اعتداء على حق الغير، وكل شخص بحسب ما قسم له من ذلك؛ فليس الناس في ذلك سواء. "د". ٤ زيادة من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة كلها ومن "ط".
[ ٢ / ٥٤٧ ]