وَلَا يحل الحكم بِالْقِيَاسِ فِي الدّين وَالْقَوْل بِهِ بَاطِل مَقْطُوع على بُطْلَانه عِنْد الله تَعَالَى برهَان ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا فِي ابطال الرَّأْي فان قَالُوا ان القَوْل بِالْقِيَاسِ فِي الْقُرْآن وَذكروا قَول الله تَعَالَى ﴿يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَجَزَاء الصَّيْد وَكَذَلِكَ الجروح
قُلْنَا لَهُم لَيْسَ معنى اعتبروا فِي لُغَة الْعَرَب قيسوا وَلَا عرف ذَلِك أحد من أهل اللُّغَة وانما معنى اعتبروا تعجبوا واتعظوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي عجب وموعظة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعْقلُونَ﴾
[ ٦٢ ]
أَي عجبا
بل فِي هَذِه الْآيَات ابطال الْقيَاس لِأَنَّهُ بعالى اخبر ان اللَّبن حَلَال وَهُوَ خَارج من بَين فرث وَدم حرَام وان ثَمَرَة وَاحِدَة يخرج مِنْهَا رزق حسن حَلَال وسكر حرَام فَبَطل ان يكون للنظيرين حكم وَاحِد وَلَو كَانَ معنى اعتبروا قيسوا للزمنا اخراب بُيُوتنَا كَمَا اخربوا بُيُوتهم واذليس الامر كَذَلِك فَقَوله تَعَالَى اعتبروا ابطال للْقِيَاس وَحَتَّى لَو كَانَ معنى اعتبروا قيسوا وَلم يحْتَمل معنى غَيره لما كَانَ فِي ذَلِك ايجاب مَا يَدعُونَهُ من الْقيَاس لانه يكون حِينَئِذٍ من الْمُجْمل الذى لايفهم من نَصه المُرَاد بِهِ وانما يكون مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فَهَذَا الْأَمر لَا يفهم مِنْهُ مَا هِيَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَلَا مَا هُوَ حق الله تَعَالَى فِي مَا حصد مَا لم يعين وَلَا كَيفَ تُؤَدّى الصَّلَاة وَالزَّكَاة حَتَّى جَاءَ بَيَان النَّبِي - ﷺ َ - بِكُل ذَلِك فَلَو كَانَ معنى اعتبوا قيسوا وَسلمنَا هَذَا لما علم أحد كَيفَ يكون هَذَا الْقيَاس وَلَا على مَاذَا يقيس وَلَا على الشَّيْء الَّذِي يقيس وَلَا ضطررنا فِي ذَلِك الى بَيَان رَسُول الله - ﷺ َ - واذ لم يَأْتِ بذلك كُله بَيَان كَيفَ نعمل فبيقين نَدْرِي أَن الله تَعَالَى لم يكلفنا مَا لَا نَدْرِي كَيفَ هُوَ وَلَا مَا هُوَ وَلَا كلفنا الْبناء على أَقْوَال مُخْتَلفه لَا يقوم بِشَيْء مِنْهَا دَلِيل فَبَطل أَنَّهَا تفهم بِهَذِهِ
[ ٦٣ ]
ألآية بِيَقِين وضح أَنه لم يرد تَعَالَى قطّ بهَا الْقيَاس بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَأما جَزَاء الصَّيْد فَلَا مدْخل فِيهِ للْقِيَاس أصلا لِأَنَّهُ انما أَمر الله تَعَالَى من قتل صيدا مُتَعَمدا وَهُوَ حرَام ان يجْزِيه بِمثلِهِ من النعم لَا بالصيد فقد شهِدت الْآيَة بابطال الْقيَاس وَأما ﴿كَذَلِك الْخُرُوج﴾ فابطال للْقِيَاس بِلَا شكّ لِأَن اخراج الْمَوْتَى مرّة فِي الْأَبَد يُثمر خلودا فِي النَّار أَو الْجنَّة واخراج النَّبَات من الآرض يكون كل عَام ثمَّ يبطل وكل مَا ذكرُوا من هَذَا وَغَيره لَا يجوز أَن يوخذ مِنْهُ تَحْرِيم بيع التِّين بِالتِّينِ مُتَفَاضلا والى أجل
وبرهان قَاطع فِي كل مَا يوهمون بِهِ من الْقُرْآن والْحَدِيث وَهُوَ أَن قَوْلنَا هُوَ أَن الْحق فِي الدّين انما هُوَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَحَدِيث رَسُول الله - ﷺ َ - ثمَّ قَالُوا هم بِالْقِيَاسِ وأبطلناه نَحن وكل آيَة أتونا بهَا وكل حَدِيث ذَكرُوهُ فَكل ذَلِك حق وكل مَا أَرَادوا هم ان يضيفوه اليه فَهُوَ بَاطِل وَلم يزيدونا على أَكثر من ان كرروا لنا قَوْلهم بِالْقِيَاسِ فَقَط وَفِي هَذَا نازعناهم وَلَا يجوز ان يحتجوا لقَولهم بقَوْلهمْ وانما كَانَ يكون لَهُم حجَّة فِي هَذِه الْأَخْبَار لَو كَانَ فِي شَيْء مِنْهَا قيسوا مَا أشبه النَّص على النَّص الَّذِي يُشبههُ فان لم يَجدوا هَذَا وَلَا سَبِيل الى وجوده ابدا فَلَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء من الْقُرْآن وَالْأَخْبَار لما ذكرنَا من أَن الْقُرْآن وَالْأَخْبَار لما ذكرنَا م أَن الْقُرْآن كُله وصحيح الحَدِيث حق وَأما مَا يُرِيدُونَ هم أضافته الى ذَلِك فَهُوَ بَاطِل وَعنهُ طالبناهم بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يجدونه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
[ ٦٤ ]
وَمن الْبَرَاهِين فِي ابطال الْقيَاس وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾
فَحرم الله تَعَالَى أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لَا نعلم وَمَا لم يعلمنَا فَلَمَّا لم نجد الله أر بِالْقِيَاسِ وَلَا علمنَا أَيَّاهُ علمنَا أَنه بَاطِل لَا يحل القَوْل بِهِ فِي الدّين
وَأَيْضًا فَأَنَّهُ يُقَال فِي أَي شَيْء يحْتَاج الى الْقيَاس أَفِي مَا جاس بِهِ النَّص وَالْحكم من الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ أم فِيمَا لم يَأْتِ بِهِ نَص وَلَا حكم من الله تَعَالَى وَلَا من رَسُوله ﵇ وَلَا سَبِيل الى ثَالِث
فان قَالُوا فِيمَا جَاءَ بِهِ النَّص علم انه بَاطِل لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْوَاجِب تَحْرِيم مَا أحل الله تَعَالَى بِالْقِيَاسِ وَتَحْلِيل مَا حرم الله تَعَالَى وايجاب مَا لم يُوجِبهُ الله تَعَالَى واسقاط مَا أوجبه الله ﷿
وان قَالُوا بل فِيمَا لَا نَص فِيهِ قُلْنَا قد ذمّ الله تَعَالَى هَذَا وَكذب قَائِله فَأَما ذمه ذَلِك فَفِي قَوْله ﷿ ﴿أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله﴾ وَأما تَكْذِيبه تَعَالَى من قَالَ ذَلِك فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ و﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ و﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ و﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فصح يَقِينا بطلَان الْقيَاس
وَأَيْضًا فان الْقيَاس عِنْد أَهله انما هُوَ ان تحكم لشَيْء
[ ٦٥ ]
بالحكم فِي مثله لاتِّفَاقهمَا فِي الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم أَو لمشبهه بِهِ فِي بعض صِفَاته فِي قَول بَعضهم فَيُقَال لَهُم أخبرونا عَن هَذِه الْعلَّة الَّتِي ادعيتموها وجعلتموها عِلّة بِالتَّحْرِيمِ أَو بالتحليل أَو بالايجاب من أخْبركُم بِأَنَّهَا عِلّة الحكم وَمن جعلهَا عِلّة الحكم
فان قَالُوا أَن الله تَعَالَى جعلهاعلة الحكم كذبُوا على الله ﷿ الا ان ياتوا بِنَصّ مِنْهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآن اَوْ على لِسَان رَسُول الله ﷺ بانها عِلّة الحكم وهاذا مَالا يجدونه
فان قَالُوا نَحن شرعناها فقد شرعوا من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن
وان قَالُوا قُلْنَا انها عِلّة لغالب الظَّن وَهَذَا هُوَ قَوْلهم قُلْنَا لَهُم فَعلْتُمْ مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْكُم اذ يَقُول ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ واذ يَقُول رَسُول الله (صلع)
اياكم وَالظَّن فان الظَّن اكذب الحَدِيث
قَالَ ابو مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وعللهم مُخْتَلفَة فَمن ايْنَ لَهُم بِأَن هَذِه الْعلَّة هِيَ مُرَاد الله تَعَالَى منا دون ان ينص لفاعلها وَهُوَ تَعَالَى قد حرم علينا القَوْل بِغَيْر علم وَالْقَوْل بِالظَّنِّ وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم فِي قياسهم الشَّيْء لشبهه بِهِ
ونزيدهم بِأَن نقُول لَهُم مَا هَذَا الشّبَه أَفِي جَمِيع صفاتهما أم فِي بَعْضهَا دون بعض
فان قَالُوا فِي جَمِيع صفاتهما فَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْئَانِ يتشابهان فِي جَمِيع صفاتهما وان قَالُوا فِي بعض
[ ٦٦ ]
صفاتهما قُلْنَا من أَيْن قُلْتُمْ هَذَا وَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قصد الى الصِّفَات الَّتِى قسمتم عَلَيْهَا وَقصد الى الصِّفَات الَّتِى لم تقيسوا عَلَيْهَا فقاس هُوَ عَلَيْهَا
وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ افرق بَين حكم الشَّيْئَيْنِ وَلَا بُد من افتراقهما فِي بعض الصِّفَات وهاذا مَالا محيص لَهُم مِنْهُ الْبَتَّةَ
فقد صَحَّ ان القَوْل بِالْقِيَاسِ وَالتَّعْلِيل بَاطِل وَكذب وَقَول على الله تَعَالَى بِغَيْر علم وَحرَام لايحل الْبَتَّةَ لانه اما قطع على الله تَعَالَى بِالظَّنِّ الْكَاذِب الْمحرم واما شرع فِي الدّين مالم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى وكلا الامرين بَاطِل بِلَا شكّ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فان قَالُوا ان الْعُقُول تَقْتَضِي ان يحكم للشَّيْء بِحكم نَظِيره قُلْنَا لَهُم اما نَظِيره فِي النوعية اَوْ الْجِنْس فَنعم واما فِي مَا اقتحموه بآرئهم مِمَّا لابرهان لَهُم انه مُرَاد الله تَعَالَى فَلَا
وهاكذا نقُول فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ اذا حكم الله ﷿ فِي الْبر كَانَ ذَلِك فِي كل بر واذا حكم فِي الزَّانِي كَانَ ذَلِك فِي كل زَان وَهَكَذَا فِي كل شَيْء والا فَمَا قَضَت الْعُقُول قطّ وَلَا الشَّرِيعَة فِي ان للتين حكم الْبر وَلَا للجوز حكم التَّمْر بل هَذَا هُوَ الحكم للشَّيْء بِحكم الْجِسْم اَوْ حكم للانسان بِحكم الْحمار فقد اخطأ لَكِن اذا وَجب فِي الْجِسْم الكلى حكم كَانَ ذَلِك فِي كل جسم واذا حكم انسان بِحكم كَانَ ذَلِك فِي كل انسان وَمَا عرف الْعقل قطّ غير هَذَا