قولُ (١) صحابي آخر بخلافه، رُنجَحَ بينهما ترجيحُ الأدلة.
فصل
وأما استِصحاب الحال، فهل هو دَليلٌ أم لا؟ فالعلماءُ المحققون على القول بأنه دليل، وخالف كونَهُ دليلًا بعضُ من لا يُعتمد (٢).
وهو ضَربان: استِصحابُ حالِ العَقلِ في إبراءِ الذمة، وإخلاءُ الساحةِ من حقٍ لم تَقم به دِلالةُ الشرع، وهو دليل يَفزع إليه المجتهدُ عند عدم الأدلة.
وصورته: قولُ المستدل في مَسالةِ نَفي وُجوب الديةِ الكاملةِ في قَتل الكِتابي (٣): الأصلُ براءةُ ذِمةِ هذا القاتل من الزائد على الدية، فمُدعي الزيادةَ على هذا المقدار عليه الدليل.
والضرب الثاني: استصحابُ حالِ الإجماعِ، وفيه خلافٌ بين العُلماءِ، فبعضهم لا يجعلُهُ دليلًا، وبعضهم جعلَه دليلًا، فمن لم يجعلْهُ دليلًا اعتمد على أن الخِلاف المسوغ مَنعَ مِن بقاء الاجماع،
_________________
(١) في الأصل: "جاء على قول "ولعل "على" زائدة.
(٢) نسب الطوفي القول بعدم حُجيته إلى الأحناف وأبي الحسين البصري وبعض المتكلمين. انظر "شرح مختصر الروضة" ٣/ ١٤٨.
(٣) اختلف في مقدار ديته؛ فهي ثلث دية الحر المسلم عند الشافعي وإحدى الروايتين لأحمد، وهي نصف دية المسلم عند مالك، ومثل دية المسلم عند أبى حنيفة. "العدة" ٤/ ١٢٦٩.
[ ١ / ٤٤ ]
إذا لا يسُوغُ (١) اجتهاد مع الإجماع، ولا سُلطان للإِجماع مع حدوث التَسويغ، فالبَقاء على حالٍ قد استحالت لا وجه له.
ومثاله: قول من ذَهب إلى المنع من الخُروج عن الصلاة لرؤية الماء (٢): الأصلُ انعقاد صَلاته بالإجماع، فلا يزول عن القول بصحتها إلا بدليل. فليس بتمسكٍ صحيح، لأن الإجماع انعقد على انعقاد صلاةٍ لم يرَ فيها الماء، فلا يَبقى إجماع لموضع الخِلاف (٣).
_________________
(١) في الأصل: "لا تشريع".
(٢) هو قول الثافعي، انظر "الأم " ١/ ١٤١.
(٣) انظر تفصيل ذلك في "العدة" ٤/ ١٢٦٢. وسيورد المصنف ما أورده هنا في الصفحة (٦٨) من الجزء الثاني.
[ ١ / ٤٥ ]