فصل
واختلف الناس في صِحَّةِ (١) الِإكراهِ على الزنى في حَق الرجلِ (٢)، فقال قوم: لا يَصح. واعتلّوا بأنه لا يفعل إلا مع الشهوة والِإنعاظ، وقُوة الدواعي، وانشراحِ الصدرِ، وانتشارِ النَّفسِ. والإِكراه ثَمرهُ التخوفُ على النفسِ، وذلك يحصر النفسَ، ويَجمع الأعضاء عن الانبساط، وُيخمد نيران الشهوة عن التَّوثب.
وقال قوم: يَصح. واعتلّوا بأن الإِنسان يجد من نفسِهِ صحةَ التركِ لفعلِ ما يَشتهيه، وإقدامِه على ما يَكره، مع فَرَطِ الشهوة لما يَتركه، وفَرط الكراهةِ لما يُقدمُ على فعله، فإذا ثبت هذا جاز أن يَحملَ نفسَه على ما يَكره، وما لولا الإِكراه لتركه، كما يتكلَف شُربَ الدواءِ المر، وقَطعِ يده المُتأكَلة، وقَد كلف اللهُ إبراهيمَ ذبحَ ولدِه -وإن كانَ التكليفُ أقلَّ حالًا من الِإكراهِ- وقتلُ الولدِ لا يُساعدُه طبع، والزنى يُساعده الطبعُ.
فصل
ولا خلاف بين الناسِ فىِ صحةِ إكراهِ المرأةِ على إيقاعِ الفعلِ فيها بالوَطءِ (٣)؛ لأنها محل لإِيقاع الفعل، والذي يصح الإِكراهُ عليه إنما هو أفعالُ الجوارحِ الظاهرةِ المَشاهَدَةِ التي يتسلطُ عليها التصريفُ
_________________
(١) في الأصل: "حجة".
(٢) انظر تفصيل ذلك في "المغني" ١٢/ ٣٤٨.
(٣) "المغني" ١٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
[ ١ / ٨٣ ]
في المُراداتِ مِن الافعال، فتقع أفعالُها بحسْبِ الِإلجاء إلى احدِ الدواعي.
فأما الِإكراه على ما غابَ وبَطَن من القلوب، فلا، فعلى هذا لا يَصحُّ أن يُكره الإِنسانُ على اعتِقادِ مذهبٍ، أو علمٍ بمعلومٍ لم يَعلمْه، أو بظنٍ مما لم يتحصل له طريقهُ، أوَ عزمٍ على ما لا يعرف، أو الجهل، قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، يعني: من اعتقد الكفر، وإنما لم يُعف عن أعمالِ القلوب ها هنا، لأن الإِكراه لم يتسلَّط عليها، ويَلحق بهذا أنَّ العلمَ والجهلَ والظنَ وغيرَ ذلك من أعمالِ القلوب كالمحبة والبُغضِ والألفةِ والإِعجاب والخَوْفِ والحَزَنِ والمسَرَّة والغَم لاَ يَتحصلُ بالاستمالةِ كما لم يتحصَلْ بالإِكراهِ، فالإِنسانُ لا يجهلُ ما عَلِمه، ولا يَعلم ما يجهلهُ بالرِّشوة والاستمالة، لكن يَتَبع في القَول، وُيقلد بالنًّطقِ من يَستميله، والقلب بحاله لا يُغيره إلّا المَعاني التي يَصلُ عملُها إليه، كالأدلةِ والبراهينِ أو الشَّبَه وما شاكل ذلك.
فصل
وعندي أن كُلَّ فعلٍ من أفعالِ القُلوب صَحَّ دخولُه تحت التكليف، صح الإِكراهُ عَليه، كالعلوم الاستدلالية يَصح التكليفُ لتَحصُّلها بطريقها، وهو النظر والعزم (١) واَلنَّدم، هذا كلّه داخلٌ (٢) تحت التكليف، فيصحُ الِإكراهُ على تَحصيلِهِ بطريقِه.
_________________
(١) في الأصل: "العزوم".
(٢) في الأصل: "دخل".
[ ١ / ٨٤ ]
فصل