فصل
وذهبَ كثير من الفقهاء إلى نَفيِ دخولِ فِعل المكرَه تحت التكليف، واعتلّوا بأنه واقع من فاعِله بغير إرادةٍ له ولا قصد إليه، فصار بمنزلةِ فعلِ النائمِ والمغلوبِ اللَّذين لا قَصد لهما، وهذا باطلٌ باتفاق الأصوليين؛ لأن مُطَلَق زَوجته وقاتلَ غيرِه عند إكراهه على ذلك، عامدٌ لما يَفعله، عالمٌ به، قاصدٌ إليه، مختار له على وقوع المكروه به من جهة مُكرِهِه، مُرجَح لأسهلِ الأمرينِ عنده على أصعبهما، وهو طلاق زوجته وقَتلُ غيره توقيةً لنفسه التي هي أعزُ عِنده من زَوجته ونفْسِ غيره.
والذي يدلُّ على قَصدِه ودخولِ فِعله تحتَ التكليف؛ مَنعُ الشرعِ له من قَتل البريء المكرَه على قَتله، وإلحاق الوعيد به على إيقاع القَتل به، وبهذا النهي والوعيد والتأثيم قد بان أن اللهَ سبحانه يصحّ أن يُكلفنَا تركَ كل ما نُكره على فعلِه، حسبما كلًفنا تَرْكَ قَتلِ البريء، وإنما رَخَّص لنا قولَ كلمة الكُفر تَسهيلًا منه علينا ورفقًا بنا (١)، وليسَ دخولُ الرِّفق رُخصةً وسُهولةً مما يمنعُ دخولَ التكليف، كما رَخص لنا في المَرَضِ الإِفطارَ، ولم يمنع ذلك تَكليفَه لنا الانزجار عن التداوي بما حَرم علينا، وأمْرَه إيانا بالصلاةِ بحَسْبِ الطاقة.
فإن قيل: فكيفَ يجتمع الإِكراهُ والقصدُ وهما ضِدان أو كالضدين، ولذلك لا يَحسن أن تَقول: ما أردتُ كلمةَ الكفر لكن
_________________
(١) وذلك قوله ﷾: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. سورة النحل، [الآية: ١٠٦].
[ ١ / ٧٩ ]
قَصدتُ كلمة الكفرِ حال إكراهي. وما الفَرق بينَ المكره والمُختار إذا جَعلتَ المكرَه قاصدًا والمختارَ قاصدًا؟
قيل: هذا أمرٌ غامضٌ عند أكثر الناس، مُشتبه عليهم، ونحن نكشفه ونُخرجه إلى حَيِّز الوضوح بعون الله، فنقول: إنَّ المُكرهَ قاصدٌ دفْعَ المكروه بالفِعل والقول الذي أكره عليه، وهو غير مُطلَق الدواعي والإِرادات، بل مقصورُ الدواعي، وقد يكره على قَتل من يَودُّ وُيؤْثِر أنَه لا يقتلُهُ، وأنه لو وَجد خلسةً أو طريقًا للتخلص من قَتله لسلكه مبتدرًا، وطار إليه هاربًا، وطباعه تبكي على ذلك الشخص، ثم إنه يشهد ما يلحقه من الضرر، وَيزِنُه بالضرر الحاصل بالحزن على المُكرَهِ على قَتله، فَلجأ إلى دَفع أعظم الضررين، وهو إزهاق نَفسه وتعذيبها بالجراح، وقَبِل (١) الارتفاقَ بأيسرِهما؛ وهو مَضرتُهُ بغَمِّه وخزنه الداخِلَيْن عليه بالإِضرار بمن لا يَستحق الِإضْرار.
ولنا دواخل من هذا الجنس يتحير مَعها العقلُ، مثل رَوم تناولِ الدواءِ المُر الكَريهِ ريحُهُ وطَعمُهُ وفعلُهُ في النفس، لما يَلحظه المَتداوي من الخَوْفِ على نَفسِهِ من الأمراضِ الممتدةِ الآلام، ولربما كانَت مُزهقةً للنفسِ، فهو مُريدٌ لشربهِ لا لِعَينه، لكن متحَملًا كُلفةَ الألمِ والضرَرِ اليَسير، لدفعِ الألم والضرر (٢) الكثير، فهذا وأمثائه من بَطَ الدُبَيلة (٣)، وقَطعِ اليدِ المتَأَكِّلةِ، تَتحير العقول مَعه بالبادرة، وتَنتهي إلى
_________________
(١) في الأصل: "قبل"، بدون الواو.
(٢) في الأصل: "الضرر والألم الكثير".
(٣) البَط: الشق. والدبيلة: دمّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا. "اللسان": (بطط) و(دبل).
[ ١ / ٨٠ ]