العقل آلة لجميع ذلك.
وكذلك الجدَلُ آلة، وكل آلةٍ للجدل (١) آلة لعلم الكلام؛ من تَحديد السؤال والجواب، والِإلزام، والانفصال، والقياس، والبُر هان، والاتفاق، والاختلاف.
والغَرض في الجملة على ضَربين: إصابة نِفعٍ، وإزالةُ ضَرَر، وكلُّ لَذَّة ليسَ عليها تَبِعة في دُنيا ولا اَخرة؛ فهي غرض، وكل سَلامة من أَلمٍ (٢) هي غَرض، إلا أن يؤدي إلى نفعٍ هو أوفر وأعظم، أو ألمٍ هو أشد وأكبر.
فصل
وقد يَظفَر الطالبُ- وهو الناظر- بدليلٍ هو آلة لحكيمٍ، ثم يكون على نَظره لطلب آلةٍ أُخرى في طَيِّ تلك الآلة تكون لغرض اَخر، وهو حكم تَعديةٍ للحكم.
مثال ذلك: ظَفرهُ بالنصِّ على تَحريم التَفاضل في (٣) الأعيان الستة (٤)، فَقد ظَفِر ببادِرة النُطق بتحريم التفاضل فيها، وينظر نَظرًا ثانيًا
_________________
(١) = منه، ولم يزل العلماء من أئمة السلف يذمون هذا العلم ويحذرون من الاشتغال به، والحق واضح في كتاب الله وسنة رسوله، فهمه السلف الصالح، دونما حاجة إلى علم الكلام.
(٢) في الأصل: "الجدل"، ولعل ما أثبتناه أولى.
(٣) في الأصل: "المرء".
(٤) في الأصل: "من".
(٥) وهي المذكورة في الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى". أخرجه من حديث عبادة بن الصامت: الدارمي ٢/ ٢٥٩، ومسلم =
[ ١ / ٤٨ ]
في عِلة ذلك الحكم لِيُعَدي إلى غَير الأعيان حكمَ الأعيان، فيكون طَلبه الثاني لعلّةِ الحكم، وتكون تَعديته بحسَب العِلّة، فإن كانَ الكيلَ عَدَّى إلى كل مَكيل، وإن كانَ الطُّعْمَ عَدَّى إلى كل مَطعوم، وإن كانَ القوتَ عَدَّى إلى كل مُقتات، وإن لم يَظهر له ما يَصلح أن يكونَ علَّته وَقف على المنصوص عليه، كوقوف أصحاب الشافعى رحمة الله عليه على الثَّمَنيَّةِ في الذهب والفِضةِ، فلم يَتعدَّواَ بالنص مَوزونًا غيرَهما مع ثبوت صِحة العِلَّة الواقفَةِ عِندهم، وأنه يكفي في التعليل إفادةُ العِلّة، وأنه ثبت مُعلَّلًا بعلةٍ تقف على المحل، والكلام في ذلك يأتي شافيًا في مَسائل الخِلاف (١) إن شاء الله.
فصل
وتَتفاوت (٢) أذهانُ المجتهدين في التَّعدية والجُمود على محلِّ النص، فقد يُقْدِم على التَّعدية مُقْدِم لقُصوره عن الخَصيصة التي توجب وقوفَ الحكم على مَوضعِ النص، وقد يَجمُدُ عن التعدية مُقَصر لَم يَنكشف له وجه التَّعدية والِإلحاق، وهذه مَزَلّة، قدام، وبيان مَقادير الرجال في إلحاق الأشباه بالأشباه، وقطع المُتَّحِدات عن التعدية والإِلحاق.
_________________
(١) = (١٥٨٧) (٨٠) و(٨١)، وأبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي ٧/ ٢٧٤ وه ٢٧، وابن ماجه (٢٢٥٤). ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم ٣/ ١٢١١ (٨٢).
(٢) في الجزء الأخير من الكتاب.
(٣) في الأصل: "وتَتَقارب".
[ ١ / ٤٩ ]
مثال ذلك: قَطْعُ اصحاب أبي حَنيفة النَّبيذَ عن الخمر (١) ومرادَ الخمرِ بالتحريم عنها مع استوائَهما في الاشْتِداد والإِطراب (٢).
ومثلُ قَطْع أصحابنا وأصحاب الشافعي للجماعِ في نَهار رمضان عن الأكلِ في إيجابَ التكفير (٣)، مع استوائهما في الهَتك بالمقصود المَرغوب.
ومثلُ قَطْعِ أصحاب مالكٍ وأصحابِنا جِماعَ الناسي في رمضان عن أَكله وشربِه، مع تَساويَ إسقاط الحَرَج والمُؤاخَذة فيهما (٤).
ومثلُ قَطْعِ أصحابِ أبي حَنيفةَ كَفارةَ الطهار، بنَفي اعتبار الإيمان في رَقبتها عن كَفارة القَتل، مع تساويهما في مِقدار الصوم وتتابُعهِ فيهما (٥).
وقَطْعِ أصحاب أبىِ حَنيفة وأصحابنا- فىِ إحدى الروايتين- قَتلَ العمدِ عن قَتلِ الخَطأ فىِ إيجاب الكفَارة رَأسًا (٦).
_________________
(١) في الأصل: "التمر"، وانظر "الدرر الحكام في شرح غرر الأحكام" ٢/ ٨٧.
(٢) لأن الخمر عند الحنفية هي التي من عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف الزبد، بخلاف نبيذ التمر والزبيب وإن غلا واشتد وسكن "الدرر الحكام في شرخ غرر الأحكام" ٢/ ٨٧.
(٣) "المغني" لابن قدامة ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦، و"الأم" ٢/ ٨٢.
(٤) لا ينطبق ما ذكره المصنف على مذهب الإمام مالك لأنه يوجب القضاء على من أكل أو شرب أو جامع ناسيًا في نهار رمضان بخلاف الحنابلة، حيث يوجبون القضاء على المجامع ناسيًا دون الآكل والشارب. انظر "المدونة" ١/ ٢٠٨، و"الكافي" ١/ ٣٤١، و" المغني" ٤/ ٣٧٤.
(٥) "الدرر الحكام في شرح غرر الأحكام" ١/ ٣٩٤، و"المغني" ١١/ ٨١.
(٦) "المغني" ١٢/ ١٣ و٢١.
[ ١ / ٥٠ ]