اختيارِ دفعَ الآعلى من الضررين بالأدنى.
فصل
قال المُحققون: ولا فَرق بين الِإلجاء والِإكراه من جهة اللغة. وقال قومٌ: الِإلجاءُ أبلغ، وهو أنه ما خيف مَعه القتل، والإِكراه: ما يكون مَعه الخوف فيما دون النَّفس.
وقال بعض القَدَرية: الإِلجاء: ما لا يكون معه إلا داع واحدٌ إلى فعلٍ واحدٍ. والإِكراه: ما يَصح أن يكونَ معه داعٍ إلى الًفعل وإلى خِلافه وضِده.
وأهلُ اللغة لا يَفصلون بين الِإلجاءِ والإِكراه، والقَهرِ والإِجبارِ، والاضطهادِ والحمل، كُل ذلك عندهم بمعنىً واحدٍ؛ وهو البعثُ على اكتساب ما يُكره وقوعُه، ولو تُركَ وسَوْمَ دَواعيه لما فَعله، بل كانَ معه في النفَسِ زاجرٌ يزجُرُه عنه، فلا وجه للافتِئات على أهلِ اللسانِ في الأسماء الموضوعةِ، وهم الأصل فيها.
فأما المعنى؛ فما يُنكِرُ أحدٌ أن يكون فيما يُخَوّف به المكرَه، وهو خَوف على النفس، وعلى ما دونها من مالٍ أو عِرضٍ أو طَرفٍ أو وَلد.
ومنه ما يكون مَعه داعٍ واحدٌ، ومنه ما يكون مَعه دواعي مختلفةٌ ومُتفاوتةٌ ومُتَرجِّحةٌ، فلاطائل في خِلاف ما هذا حكمه (١).
فصل
وحَدُ الِإكراه على التقريب: هو البَعث على اكتِساب ما لو لم يُبعَث
_________________
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: "آخر الثالث من الأصل".
[ ١ / ٨١ ]
عليه لم يَكتسبه.
وقيل: ما أباحَ الشرعُ إيقاعَ الفعل عنده، من كل ضَرر يَخاف به الِإنسانُ على النفسِ وما دونَها مما لا يُحتمل مثلُه في اطِّراد العادة، وذلك مَوقوف على ما يَرد به السمعُ، أو يَحصلُ بالاجتهادِ إن لم يَرِد به سَمع، وقد كان يجوزُ ورودُ التعبُّد بالامتناع من إيقاعه، وإن استَضرَّ في نفسِهِ وما دونَ نفسِهِ، وإنما لطف الشرع بتَجويز دفعِ الضررِ عن النفسِ وما دونَها باكتِسابِ ما أُلجىء إلى الإِتيان به.
وامتنعَت المُعتَزلة من تَجويزِ سِوى ما يَصح أن يُباح وُيطلق من القَبائح ابتداءً من غَير إكراه. فأما الِإكراه فلا يُبيحُ ما يَقبُحُ (١) الابتداءُ به، ولاَ يُبيح إلا ما لا يَقبح الابتداءُ به، بناءً منهم على القَول بتحسينِ العقلِ وتَقبيحه، وهذا لا يَصحُّ، لأن الأمَّة أجمعت على قُبحِ كُفران النِّعمة، والكُفرِ بالمُنعِم، وقد أجمعت على أنَّ اللهَ مُنعمٌ، وأجمعوا على إباحةِ الشرعِ لكلمةِ الشِّرك والكفرِ باللهِ لأجلِ الإِكراه، سِيما في حقِّ مَن لا يَتهدَّى إلى المَعاريضِ (٢) ولا يُحسنُها، فإنه يصرِّح بالكفرِ والشركِ من حيثُ الإِطلاقِ والِإباحةِ لأجلِ دَفعِ ضَررِ الإِكراهِ عنه.
_________________
(١) في الأصل: "يبيح".
(٢) المعاريض: كلام يشبه بعضه بعضًا في المعاني، كالرجل تسأله: هل رأيت فلانًا؟ فيكره أن يكذب وقد رآه فيقول: إن فلانًا ليُرى. وهي التورية بالشيء عن الشيء. "اللسان": (عرض).
[ ١ / ٨٢ ]