على الرغم من المكانة السامية التي بلغها ابن عقيل، والمنزلة الرفيعة التي تبوَّأها، فإن بعض أصحابه من الحنابلة قد تكلَّم فيه، لتردُّده على بعض المشايخ من المعتزلة، وتلقيه عنهم علم الكلام.
يقول ابن عقيل عن ذلك: "وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء- يعني شيوخه من المعتزلة- وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا" (٤).
وقد علَّق الحافظ الذهبي- الذي نقل هذا الكلام- عليه بقوله: "قلت: كانوا ينهونه عن مُجالسة المعتزلة، ويأبى، حتى وقع في حبائلهم، وتجسَّر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة" (٥).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٥٦.
(٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: ٢٠٩.
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٦.
(٤) سير أعلام النبلاء١٩/ ٤٤٧.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٧.
[ مقدمة / ٢٥ ]
وقد اشتدت نِقمةُ الحنابلة عليه نتيجة تجاسُرِه على تأويل نُصوص الصفات، ودفاعه عن الحلاّج، واعتذاره له، حتى طلبوا دمه، وأهدروه، إلى أن أعلن توبته عن ارائه الاعتزالية، ورجوعه عن ترحُّمهِ على الحلاّج، فانطفأت بذلك نار الفتنة.
ولم يكتفِ﵀- بإعلان التوبة، بل أخذ يُصنّف في الردِّ على المعتزلة، هاتكًا أستارهم، وكاشفًا عن عوارِهم عن علم ودراية.
يقول الحافظُ ابن حجر: "نعم، كان مُعتزليًا، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحَّتْ توبتُهُ، ثم صَنف فى الردِّ عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره ومن بعدهم، وأطْراهُ ابنُ الجوزي، وعَوَّلَ على كلامه في أكثر تصانيفِهِ " (١).
ونَقل الحافظ ابن رجب قصة توبة ابن عقيل، ورجوعه عمّا كان عليه، فقال: "فمضى ابن عقيل إلى بيتِ الشريف، وصالحهُ، وكتب خطهُ: يقولُ عليُّ بن عقيل بن محمد: إني أبرأُ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعَةِ الاعتزال، وغيره، ومن صُحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والتَّرحُّمِ على أسلافهم، والتكثُّر بأخلاقهم، وما كنتُ عَلَّقْتُه ووُجد بخطِّي من مذاهبهم وضلالتهم، فأنا تائبٌ إلى الله تعالى من كتابته، ولاَ تحلُّ كتابتُهُ، ولا قراءتُه، ولا اعتقاده، وإنني علَّقتُ مسألة الليل في جملة ذلك، وإنَّ قومًا قالوا: هو أجسادٌ سود. وقلتُ: الصحيحُ: ما سمعتُه من الشيخ أبي علي، وأنه قال: هو عدمٌ، ولا يُسمى جسمًا، ولا شيئًا أصلًا، واعتقدتُ أنا ذلك، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منهم.
واعتقدتُ في الحلاّج: أنه من أهل الدين والزُّهد والكرامات،
_________________
(١) لسان الميزان ٤/ ٢٤٣.
[ مقدمة / ٢٦ ]
ونصرتُ ذلك في جزء عملتُه، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه، وأنه قُتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة والمبتدعة وغير ذلك، والترحُّم عليهم، والتعظيم لهم، فإن ذلك كله حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلمٍ فعله، لقول النبي ﷺ: "من عَظَّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام".
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ والأتباع، ساداتي وإخواني- حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار عليَّ، لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقَّقُ أني كنتُ مخطئًا، غيرمصيبٍ.
ومتى حُفِظ عليَّ ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، وأشهدتُ الله وملائكته وأولي العلم على ذلك، غَيْرَ مجبر ولا مكره، وباطني وظاهري- يعلمُ الله تعالى- في ذلك سواءٌ. قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]. وكتب يوم الأربعاء، عاشِر مُحرّم سنة خمسٍ وستين وأربع مئة" (١).
هكذا تاب ابن عقيل﵀- ورجع عمّا كان عليه، والله سبحانه يقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها، ومن أَتبع السيئة بحسنةٍ محتها.
وهذا ما فعلهُ ابنُ عقيل، فقد عاد بعد توبته إلى نص السنَّة، وردَّ على من مشى بُرهة في ركابهم من المبتدعة.
يقول ابن قُدامة المقدسي عنه: "ثُم عاد بعد توبته إلى نصِّ السُّنة والردِّ
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٤ - ١٤٥، والمنتظم ٨/ ٢٧٥.
[ مقدمة / ٢٧ ]
على من قال بمقالته الأولى بأحسن كلام، وأبلغ نظام، وأجاب على الشُّبه التي ذُكِرت بأحسن جوابٍ، وكلامه في ذلك كثيرٌ في كتب كبارٍ وصغارٍ، أجزاءٍ مفردةٍ، وعندنا من ذلك كثير، فلعلَّ إحسانهُ يمحو إساءته، وتوبته تمحو بدعته فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عبادِه ويعفو عن السَّيِّئات" (١).