فصل
وطرق العلوم سِتَة لا سابع لها، منها: العلومُ الحاصِلةُ بالمعلومات عن دَرْكِ الحواس، وهي خمس: حاسَّة البَصر، والسمع، والشم والذوق، اللَّمس، والسادس من الطرق؛ ضَربان: هاجمٌ على النفس، وهو الضروري. ومُستحضَر لها بالكسب، وهو الاستدلال (١) بالمحسوس على غير المحسوس، وكل منها يُدرِك الشيءَ وضده إذا كان له ضد، كحاسة البَصر تُدرك السواد والبياض وهما ضِدان، وحاسَّة الشم تُدرِك الطيب والخبيث، وحاسةُ اللَّمس تدرِك الناعِم والجَريش (٢)، والحار والبارد، وحاسةُ الذَوق تدرِك الحُلو والحامض. وما يحصل بطريق دلالة الحال من خَجل الخَجِل، ووَجَل الوَجِل، وبِرِّ البارِّ، وعُقوق العاق وما شاكل ذلك.
وأما ما يحصل من غير طريق لكن يدخل على النفس هاجمًا كوجود الرِّي، والعَطش، والجوع، والشَبع، وما يجده الِإنسانُ من نفسه، من صِحته وسقمه، ولَذته وألمه، قد (٣) قدمنا ذكره في الحصر، وهو السادس من الطرق.
فصل
وهذه العلومُ الحاصلة عن الطرق التي ذكرناها غيرُ مُتولدة من هذه
_________________
(١) في الأصل: "الاستدلالىِ".
(٢) الجريش: الشيء الخشن، ومنه الدقيق الذي فيه غِلَظ. "اللسان ": (جرش).
(٣) في الأصل: "وقد".
[ ١ / ٢٠ ]
الطرق، وإنما هي حاصلة من اللهِ فعلَاَ عقيبَ وجود الطرق التي ذكرناها، التي بَعضها كَسْبي؛ كالتأمل والاعتبار، والبحوث، والأفكار، وبعضها تدخل دخول غَلَبة؛ مثل العلم الحاصل عن أخبار التواتر، وما يدخل على العيان، وسائر الحواس، فيُحدِث الله العلمَ عقيبه كما يُحدث الموتَ عقيب الجراح، والجزعَ عند رُؤية الأسد، والمسرة عند تَجددِ الظَّفر، وقُدوم الغائب، وإيلادِ الوَلد، إذ كان القول بالتولد (١) قولًا يُضاهي قول أهلَ الطَّبع (٢) الذي قامَ بفساده دليل العقل، وكذبه الشرع. وذلك هو المانعُ لنا من القول بخلقِ الأفعالِ مضافةً إلى غيرِ اللهِ سُبحانه، وكما قامت الدلالةُ بفَساد قولِ أهلِ الطبْع، قامت بفسادِ القولِ بإثباتِ شريكٍ في الخلق.
وإنما أنِس كثير من المُسْتَأْنِسِين بالحواس المحطوطِين عن درجة النظر بجَري العادات، فأضافوا إلى غيرالله ما لا يكون إلا من الله؛ كالولدَ يوجد عند الجماع، والزَرعِ يوجد عن فعل الزرّاع، والموت يوجد عند جَرح الجارح، وذلك أثر وجد عنده وعقيبه لا عَنه، وكذلك وجود الكون عند وجود الجوهر لا مَحالة، وليس بمتولدٍ عنه بما ثبت لله تعالى من دلالة الوحدة في الصنع، وهذا أصل كبير.
_________________
(١) بسط ابن حزم القول في معنى التولد، والخلاف فيه في كتابه "الفِصل" ٥/ ١٨١ - ١٨٢.
(٢) هم الدهريون الطبيعيون الدين يقولون بالمحسوس ولا يقولون بالمعقول. انظر "الملل والنحل " ٢/ ٣ - ٤.
[ ١ / ٢١ ]