اعلم أنَّ احكامَ جميعِ الافعالِ لا تخرجُ عن حُكمين: عقلي وشَرعي، لا ثالثَ لهما، فأما الأحكامُ العقليةُ الثابتة لها، فهي التي يكون عليها في ذواتِها من الأحكام والصفاتِ، إما لأنْفُسِها وما هي عليه في أجناسِها التي خَلَقَها الأالله ﷿ عليها، أو بمعانٍ تتعلقُ بها ضَربًا من التعليق:
فالأول: نحو؛ الفِعلُ، حركة وسكونًا، وإرادةً وعِلمًا، ونَظرًا، وأمثال ذلك.
والثاني: نحو؛ كونُ الفعلِ مَقدورًا ومعلومًا، ومُدرَكًا ومُرادًا ومذكورًا وأمثالُ ذلك مما يُوصفُ به، لتعلقِ العلمِ والإِرادةِ والقدرةِ والذكر بها.
وكذلك وصفُها بأنها أعراضٌ، وحوادثُ، وموجودةٌ، وعينٌ ثابتةٌ، ونحوُ هذا، إنما هي أحكامٌ عقليةٌ، فلا يجوز أن يثبتَ لها حكمٌ عقلي لمعانٍ تُوجد بها، وتختصُّ بذواتِها، لكونها أعراضًا يَستحيلُ حملُها لأمثالِها من الأعراضِ، وذلك نحو استحالةِ وصفِها بأنَها مُتحركةٌ وساكنةٌ وحَية وعالمةٌ مريدةٌ، وأمثال ذلك.
وعلى هذه الأحكام التي قدمنا ذكرَها أحكام عقليةٌ غيرُ شرعيةٍ، ومعنى إضافتِها إلى العَقَلِ: أنَّها مما يُعلمُ كونُ الفعلِ عليها بقَضيةِ العقل المنفردِ عن السمع، وقَبل مَجيء السمع.
فكل حُكمٍ لفعلٍ عُلم من هذا الطريقِ مما ذكرناه وأضربنا عن
[ ١ / ٨٥ ]
ذكرِهِ، فإنه حُكمٌ عقلى ليس بشرعي، ولا نعني بذلك أنه لا يصحُ أن يَرِدَ السمعُ بالإِخبار عن كونِها كذلك، وتأكيد أدلةِ العقلِ على أحكامِها، وإنما نَعني أنها مما يُعلم عقلًا وإن لم يَرد السمعُ، وقد دخل في هذه الجملةِ سائرُ أفعالِ العِبادِ المتكلَف منها (١) وغيرِ المتكلَف، وأفعالُ سائرِ الحيوان كلُها، لأنها لا تَنفك كلُها من الأحكامِ التي ذكرناها.
فصل
والضرب الثاني من أحكامها: أحكامٌ شَرعية وهي التي تختصُ بها أفعال المتكلّفين من العِباد دون غيرها، وذلك نحو كون الكسب حَسنًا وقبيحًا، ومُباحًا ومحظورًا، وطاعة وعصيانًا، وواجبًا وندبًا، وعبادةً لله سبحانه وقربةً، حلالًا وحرامًا، ومكروهًا ومستحبًا، وأداءً وقضاءً، ومجزئًا، وصحيحًا وفاسدًا، وعقدًا صحيحًا أو باطلًا أو فاسدًا، فكلّ هذه الأحكامِ الثابتةِ للأفعالِ الشرعيةِ شَرعيةٌ لا سبيل إلى إثباتِ شيءٍ منها والعلم به من ناحية قَضية العقل (٢)، وهذا هو معنى إضافتها إلى الشرعِ، لا مَعنى له سوى ذلك، غير أنه لا يمكن أن يَعرفَ أحكامَها هذه الشرعية إلا بتأملِ العقلِ، ويَستدل بعقلهِ على صحةِ السمعِ، وصدقِ موردِهِ، وتَلَقّي التوقيفِ على هذه الأحكام من جهتِهِ أو مِن جهةِ مَنْ خَبَّر عنه، ولولا وُرودُ السَّمع بها، لما عُلم بَالعَقلِ شيءٌ منها لما نُبينه وندل عليه فيما بعد إن شاء الله.
_________________
(١) في الأصل: "منهم".
(٢) انظر ما تقدم في الصفحة (٦٥) و(٦٦).
[ ١ / ٨٦ ]
فإن قيل: إذا صحَّ عندكم وُرودُ السمعِ بالِإخبارِ عن هذه الأحكامِ العقليةِ، وكونهُ طريقًا إلى العلمِ بها، أو إلى تأكيدِ العلم بها كما يصحُّ أن تُعلم عقلًا، فلمَ قلتم: هي عَقلية. دون أن تقولوا: هيَ أحكامٌ شرعية. أوتقولوا: هي عَقلية شَرعية لحصولِ العلمِ بها من الطريقين؟
قيل له: أما مَن قال: لا تُعلم أحكامُها هذه بالسمع، وإنما يجب أن تُعلمَ عقلًا، وإنما يردُ السمعُ بتأكيدِ أدلةِ العقلِ. فقد سقطَ عنه هذا الِإلزامُ؛ لأنه يجعلُ معنى هذه الِإضافةِ إلى ما يُعلمُ الحكمُ به، وإن لم يكن سُمع.
وإذا لم نقل نحن ذلك، قلنا: إنما وَجه إضافتِها إلى العقلِ دون السمع أمران:
أحدُهما: أنها أحكامٌ معلومةٌ بالعقلِ قبل ورودِ السمعِ، ولو لم يَرد السمعُ أصلًا، فكان إضافتُها لذلك إلى العقلِ أولى.
والوجهُ الآخرُ: أنها تُعلمُ بالعقلِ لو لم يَردِ السمعُ، ولا يصحُّ أنْ تُعلمَ بالسمعِ لو لم تَثبت بالعقل، فصارت إضافتُها لأجل ذلك إلى العقلَ أولى.
فأمّا قولُ المطالِب: فهَلا قُلتم: إنها عَقليةٌ شَرعيةٌ. فإنْ أراد به أنها (٢١)، لا تُعلم إلَّا بأمرين: العَقل والسمع، أو بكل واحدٍ منهما وإن لم يحصل الاَخر، فذلك باطلٌ، لأنها تُعلم وإن لم يَقترنا، وتُعلم بمجرد العقل لو فُقد السمع، ولا يصحِ أن تُعلم بالسمع لو فُرض عدم العقل.
وإن أراد بذلك أنها تُعلم عقلَا، ويَصح أن تعلم سَمعًا أو يؤكد السمعُ الأدلةَ العقليةَ عليها، كانَ ذلك صحيحًا، ولا مُعتبرَ با العباراتِ
[ ١ / ٨٧ ]